دخولتسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. اللهم إنا نسألك أن تصلح قلوبنا، وتغفر ذنوبنا، وتشرح صدورنا، وتيسر أمورنا يا رب العالمين.

أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان: حدثنا مسدد قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: أخبرنا أبو حيان التيمي عن أبي زرعة عن أبي هريرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يوما بارزا للناس. بارزا يوما للناس، فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث. قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فانه يراك. قال: متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله. ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: 34] الآية، ثم أدبر فقال: ردوه فلم يروا شيئا، فقال: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم. قال أبو عبد الله: جعل ذلك كله من الإيمان.

الكلام على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول فيما يتعلق بالصنعة الحديثية والإسنادية. من برأيكم في هذا الإسناد ممكن أن نقف عنده؟ أبو زرعة هنا ليس أبو زرعة الذي تعرفون، ليس أبو زرعة المشهور، أبو زرعة الرازي الذي ينقل كلامه في العلل دائما وفي الجرح والتعديل قال أبو زرعة قال أبو زرعة، ليس هذا هو؛ هذا أبو زرعة تابعي، أما ذاك متأخر، هذاك في بعد الإمام أحمد بقليل.

هو إسماعيل بن إبراهيم، حقيقة إسماعيل بن إبراهيم. نعم مسدد مهم، مسدد مهم جدا ولكن إسماعيل بن إبراهيم أهم، هذا إسماعيل بن إبراهيم هو إسماعيل بن علية المعروف بإسماعيل بن علية، وذكرته سابقا لما ذكرنا أيوب السختياني لما تكلمنا عن أيوب وأنه كان من سادات الفقهاء ومن سادات المسلمين ومن العباد وأهل السلوك. قلت حسنا، من الذي حمى العلم؟ أيوب، من الذي نقل علم أيوب في البصرة؟ ذكرت منهم إسماعيل بن علية لو تذكرون، قلت حماد بن زيد وإسماعيل بن علية ووهيب وعبد الوهاب الثقفي، وعبد الوارث لم أذكره لكن هو عبد الوارث بن سعيد أيضا منهم.

هذا إسماعيل شيخ الإمام أحمد، شيخ الإمام أحمد، وبهذا نتصور شيئا من الطبقات؛ أيوب السختياني مركزي في البصرة، يروي عن من أيوب؟ يروي عن محمد بن سيرين، ابن سيرين يروي عن من؟ يروي عن أبي هريرة وغيره من الصحابة. طيب، من يروي عن أيوب؟ يروي عن أيوب حماد بن زيد وإسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي وعبد الوارث ووهيب. حسنا، من يروي عن إسماعيل بن علية؟ الإمام أحمد، كذا احنا نقدر نتصور الطبقات: الإمام أحمد عن إسماعيل عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، هذا تصور سريع لمن أراد أن يتصور.

الوجه الثاني من كلام الحديث في بيان بعض ما قد يشكل عندنا؛ رعاة الإبل البهم، البهم السوداء وقيل غير ذلك. وكذلك عندنا إذا ولدت الأمة ربتها أو ربها، طبعا الحديث هذا له روايات وهذه الصيغة أو هذه الجملة اختلف الشراح فيها، ما المقصود إذا ولدت الأمة ربها؟ بعضهم حملها معنويا أو مجازيا فقال: المقصود حال الأبناء في العقوق وأنهم يكونون مثل السادة للأم بينما هم أولاد في الأساس، وبعضهم قال: هذا دليل على كثرة الفتوحات وكثرة الإماء والرقيق بحيث إنه تلد الأمة ربتها أو ربها، قال: ابن السيد يكون سيدا، وقيل غير ذلك من الأقوال.

حقيقة يهمنا في هذا الحديث هو الوجه الثالث، لأن هذا الحديث مدرسة من المدارس النبوية الكبرى، هذا حديث مدرسة حقيقية، وهو حديث من الأحاديث المهمة جدا. فنقول مستعينين بالله قبل أن أذكر أي فائدة في الوجه الثالث، أقول في البداية: من المهم أن نجمع روايات الحديث؛ لأن هذه القصة حدثت مرة واحدة، هنا حدثت أو رواها أبو هريرة من زاويته، ولكن الأشهر من حديث من؟ الأشهر في هذه القصة من حديث عمر، من حديث عمر رضي الله تعالى عنه.

جميل، فنريد أن نقرأ القصة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، والامام مسلم أخرجه في بداية الكتاب، واظن حتى ما يحتاج نقرأه، لأنه تعرفون تعرفونه هو من أحاديث الأربعين النووية، ما يحتاج أظن نقرأ حديث طويل اللي هو، طبعا هو في قصة حتى ليست في الأربعين النووية، في حديث عمر له قصة ليست في الأربعين وهي قصة مهمة جدا. ممكن تراجع، هو الحديث الأول في صحيح مسلم، ممكن تراجع في صحيح مسلم، لكن بداية الحديث: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، اطلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه ثم قال: يا محمد، إلى آخر الحديث، تعرفونه، ما يحتاج أقول إنه حديث طويل.

انس الآن، ساأخذ الفوائد من الروايتين جيد، ليس فقط من رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه التي قرأتها في صحيح البخاري، وإنما سأعلق على مجموع القصتين أو على مجموع الروايتين للقصة الواحدة. الفائدة الأولى هي لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبرز للناس. النبي صلى الله عليه وسلم كان يبرز للناس، قال الراوي هنا أبو هريرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس، وهذا درس ومنهجية تؤخذ من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، بارز للناس يعني كأنه جالس في مكان كأنه يقول: من كان عنده شيء فليتفضل، من كان عنده سؤال، من كان عنده حاجة، من كان عنده مشكلة، من كان عنده قضية قضاء، من كان عنده شكوى من زوج أو زوجة، من كان عنده، كان يوما بارزا للناس. هو ليس بارزا بارزا للناس، وهو برز للناس ليسمع منهم، يأخذ منهم ما الذي يحتاجون، ما الذي يريدون.

وهذه القضية نستفيد منها أنه الداعية الذي يريد أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون له أيضا شيء يبرز به للناس، سواء إذا لم يكن البروز حسيا يمكن أن يكون إلكترونيا، يعني مثلا أن يجعل الانسان لقاءات مباشرة في يوتيوب ولا في أي شي ليستقبل من الناس أسئلتهم اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يوما بارزا للناس، هذا فيه معنى للاقتداء حقيقي. هذه إذا الفائدة المنهجية أو الفائدة الأولى المتعلقة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبرز للناس ليسمع منهم، وهذا كما قلت من الفوائد المتعلقة بالسيرة التي لا تؤخذ من كتب السيرة وإنما تجدها في كتب الحديث.

الفائدة الثانية وهي في مركزية تنويع الأساليب لإيصال المعلومات، وخاصة المعلومات المركزية. الان هذه القصة قصة عجيبة لا تنسى، وأنا متاكد أنكم جميعا وقفتم عليها قبل هذا الدرس، يعني كلكم قرأ قصة عمر بن الخطاب أو رواية عمر بن الخطاب: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بارز للناس جاء رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، هذا أنت لم تحضر المشهد ومع ذلك هو عالق في ذهنك، أوہ شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد. موقف محير، فانت يجلس في بالك هذا الموقف، أي ما الذي حصل؟ جاء فجلس النبي صلى الله عليه وسلم أسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفه إلى فخذيه، ها أي والله عجيب، إيش قال؟ قال: ما الإسلام يا رسول الله؟ ثم قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه. مشهد يعني شي لافت للنظر جدا، لافت للنظر جدا.

طيب السائل هو، يعني ماذا يمكن أن نصف جبريل في العلم؟ ماذا يمكن أن نصف جبريل في العلم؟ وماذا يمكن أن نصفه في المكانة والمنزلة؟ حسنا، وطبعا هذه الأسئلة، جبريل عليه السلام هو الذي يأتي بالوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أصلا، والذي يأتي بالوحي، ومع ذلك جلس هنا في مجلس أو مجلس الطالب، في أسلوب تعليمي. لاحظ أنا الآن ما أتكلم عن الهيئة، أنا أتكلم عن كل الحدث، عن كامل المشهد، معلومة ما الإسلام وما الإيمان وما الإحسان ومتى الساعة وما أشراطها؟ هذه الخمس المعلومات المركزية في الإسلام نقلت إلى الصحابة وحفرت ونقشت في صدورهم بمشهد رائع جدا لا ينسى.

ما الذي نستفيده من هذا؟ الذي نستفيده من هذا أننا أيضا ننوع الأساليب، نستعمل أساليب جميلة لافتة للنظر لجذب الانتباه. ألم يكن من السهل أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن وأن وأن، والإيمان أن تؤمن بكذا وكذا وكذا، والإحسان أن تعبد الله كذا وكذا وكذا، والساعة لا يعلم وقتها إلا الله، وأشراطها واحد اثنين ثلاثة أو من أشراطها، وانتهى الحديث وانتهى؟ نعم ممكن، وهناك كثير من الأحاديث هكذا، لكن أن يصل الأسلوب أو أن تصل هذه المعلومات بهذا الأسلوب، هذا بحد ذاته منهج للاتباع، وهذا يبين لنا أشكال مع الأسف يعني كثير من المتحدثين للناس الدعاة الذي لا يحرص لا على تنويع أسلوب، لا على تشويق أداء، لا على شيء يلفت الانتباه، ولا على، بينما النبي صلى الله عليه وسلم كان ينوع الأساليب ويتخذ أساليب كثيرة واحد منها هذا الأسلوب، ولاحظوا هذا بتقدير إلهي أرسلت فيه أو به جبريل عليه السلام.

فهذه قضية في غاية الأهمية، ونأخذ منها الفائدة الثالثة وهي أنه قد يسأل الإنسان أو قد يشرع للإنسان أن يسأل سؤالا في مجلس علم ليريد من الشيخ أو العالم أن يجيب عن السؤال ليعلمه الحاضرون ولو كان هو يعلم الجواب، اقتداء بجبريل عليه السلام. يعني إذا قد لا تتاح لك يتاح لك منبر للتعليم، لكن يتاح لك أن توصل العلم عن طريق سؤال أنت تعرف الجواب جيدا، ولكن تعلم أن الحاضرين يحتاجون إلى أن يسمعوا الجواب، وتسأل الشيخ أو المعلم أو الداعية هذا السؤال ولو بصيغة المستفهم، وأنت في نيتك وفي داخلك تريد من المعلم أن يجيب ليعلم الطلاب، هذا جبريل جاء إيش؟ جاء إيش؟ هذا جبريل جاء يعلمكم، ترى هو الصيغة سؤال بس هو جاي يعلم، جاء يعلم، أتاكم يعلمكم دينكم. جميل، إذا هذه الفائدة الثالثة: قد تسأل السؤال في مجلس علم لا لجهلك بالجواب، وإنما لنيتك لتعليم زملائك عن طريق إجابة المعلم، هذه فائدة نستفيدها ونستخلصها من هذا الحديث.

الفائدة الرابعة أن المعاني الإسلامية الكبرى أو الشرعية الكبرى تحتاج إلى تثبيت وتأكيد ولو كانت معلومة في الأساس. الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لم يكونوا يجهلون أن الإسلام هو أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة إلى آخره، ولكن أن يؤكد هذا بمثل هذا المشهد وفيه الإيمان، وكذلك يعني اصول الاسلام الكبيرة، هذا ترسيخ للراسخ وتأكيد للمؤكد وتثبيت للثابت، وهذه أمور تحتاج إلى تثبيت.

أحيانا تجد الإنسان يستغرق في رسالته الدعوية زمنا طويلا ولكنه يدور دائما في الفروع، يدور دائما في الأشياء الجديدة، أنه والله يريد أن يأتي بفوائد جديدة مفيدة وجميلة ولافتة، طيب والأصول والثوابت الأساسية؟ يقول لك: هذه معلومة معروفة يعني ما يحتاج أؤكد عليها، لا، يحتاج تأكد عليها، تؤكد عليها. القرآن، كم مرة كرر الله فيه سبحانه وتعالى معنى التوحيد وترسيخ التوحيد وتقبيح الشرك؟ كم مرة؟ كل القرآن. كم مرة ذكر الله سبحانه وتعالى عظمته وأسماءه وصفاته وربط الناس به؟ كل القرآن. طيب هذا أليس معلوما من سورة أو سورتين؟ بلى، هو معلوم من سورة أو سورتين، ولكن القضايا المركزية يجب أن تنال حظها من الخطاب، يجب أن تنال حظها من الخطاب. وهذا مجلس بحضور عمر وبحضور أبي هريرة وبحضور الصحابة، ومع ذلك يعلمون، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم تعليما، يعلمون أشياء من أصول الدين ومن أصول الرسالة.

الفائدة الخامسة في هذا الحديث يفيد التفريق بين الإسلام والإيمان على ضوء القاعدة المذكورة في بعض الدروس السابقة: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، إذا اجتمعا في الذكر مثل هذا الحديث ذكر كلاهما، افترقا في المعنى، وإذا افترقا في الذكر اجتمعا في المعنى، وشرحت هذه القاعدة سابقا ما يحتاج أعيدها مرة أخرى.

الفائدة السادسة: أن هذا الحديث يبين شرف منزلة الإحسان، يبين شرف منزلة الإحسان وكأنه ترقى من درجة إلى درجة، من الإسلام إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى الإحسان. والإحسان هنا عرف أو شرح بصورة من أعظم صوره.

وإن لم يكن قد شمل كل ما يدخل في مسمى الإحسان. ويمكننا أن نقول إن الإحسان في الشريعة يدور على أو يسير في قطبين مختلفين، وإن كان يجمعهما بلا شك معنى التعبد.

القطب الأول: الإحسان الذاتي. والقطب الثاني: الإحسان المتعدي. الإحسان المعرف في الحديث الذاتي ولا المتعدي؟ الذاتي.

طيب نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين. المحسنين هنا الإحسان الذاتي ولا المتعدي؟ المتعدي، يا سلام يا سلام. كذلك اه. عموما في نصوص كثيرة: ﴿وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. و﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195].

هنا الذي يتبادر للذهن أنه الإحسان المتعدي. على أي حال الإحسان هناك إحسان ذاتي وهناك إحسان متعدي. هنا الإحسان الذاتي: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فانه يراك».

هنا منزلتان. منزلتان في الإحسان كلاهما إحسان؛ المنزلة الأولى أن تعبد الله كأنك تراه، وليت شعري كيف تكون عبادة من يعبد الله كأنه يراه؟ يعني لو قدر لك أن تعبد الله أمامه يوم القيامة، كيف ستكون عبادتك في ذلك المقام؟ حسناً، المحسن في هذه الدنيا يعبد الله وكأنه يراه، وكيف ستكون عبادته؟

ولأن هذه منزلة عالية جداً جداً، فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم منزلة أخرى أدنى منها في الإحسان أيضاً، وهي: «فإن لم تكن تراه فانه يراك». يعني استحضار أنك ترى الله، أو استحضار أن الله يراك. وإن كانتا متقاربتين لكن إحداهما أعظم من الأخرى فيما يبدو لي والله تعالى أعلم.

إذاً، هذا الحديث فيه شرف الإحسان، وكما قلت ليس شاملاً لكل صور الإحسان. ومن هذا نأخذ فائدة سابعة؛ فائدة لغوية، وهي أن تعريف الألفاظ أو المصطلحات ليس بالضرورة أن يكون دائماً شاملاً لكل شيء.

ليس بالضرورة أن يكون شاملاً لكل شيء، أحياناً يأتي تعريف الشيء بذكر صورة من أهم صوره. طبعا هذا في الحدود المنطقية يعتبر إشكالاً في علم المنطق، ولكن اللغة العربية أوسع بكثير من مضاء علم المنطق الأرسطي.

النبي صلى الله عليه وسلم هنا قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فانه يراك». طيب إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة إلى آخره، والقتلة أليس من الإحسان؟ بلى، من الإحسان وهو إحسان متعدٍ متعلق بالبهائم. أليس داخلاً في الإحسان؟ داخل في الإحسان ولكن هنا ذكرت صورة من صوره، صورة من أهم صوره.

هذه فائدة منهجية أو علمية لغوية في تعريف الألفاظ؛ ليس بالضرورة دائماً أن يكون تعريف اللفظ متكلفاً ليشمل كل جزئية من جزئياته. وهذه إشكالية كبيرة اليوم؛ الناس حتى طلاب العلم كثير منهم لا يجهل الألفاظ العربية ولكن يجهل الأساليب.

فتجد أن هناك بعض النصوص المشكلة بينما هي ليست مشكلة في حقيقة الأمر؛ لأنها راجعة إلى أساليب عربية. عموماً، لا نريد ندخل في أمثلة كثيرة في هذا الباب. الفكرة والخلاصة هي أنه كما أن هناك ألفاظاً تحتاج إلى شرح، فهناك أساليب تحتاج إلى فهم؛ أساليب في اللغة وسياقات تحتاج إلى فهم.

الفائدة الثامنة: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وبجبريل عليهما الصلاة والسلام في نسبة العلم لله فيما لا يعلم المرء. هنا اجتمع أعلم من خلق الله سبحانه وتعالى؛ جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام. وقال في مسألة، اتفاق في مسألة على ألا علم لهما بها.

فإذا جهلها جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم فمن باب أولى أن يجهلها غيرهما. لكن الفائدة المنهجية والتربوية هي في عدم وجود الغضاضة والحرج والإشكال فيما لو اقتدى وفيما لو قال الإنسان لا أعلم لما لا يعلم.

وهذه قضية في غاية الأهمية، وهي من الذي لا يراعيها يقع في مزالق وموارد مهلكة، الذي لا يراعيها يقع في مزالق وموارد مهلكة.

الفائدة التاسعة: في ذكر شيء من علامات الساعة. وعلامات الساعة اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بذكرها وعرضها، وهناك أحاديث كثيرة واردة فيها. ونحن اليوم لا شك أننا في آخر الزمان، بل النبي صلى الله عليه وسلم كان في آخر الزمان.

وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وجمع بين إصبعيه. وهناك نصوص كثيرة تدل على قرب الساعة حتى في كتاب الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ [الأحزاب: 63].

وكذلك نحن آخر أمة، ولم يبق ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، خلاص انتهت النبوة. لم يبق من النبوة إلا المبشرات. قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الصالحة».

علامات الساعة وقضية الساعة هي من القضايا التي كانت تشغل النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يهتم لها، وكان يشفق منها، وكان يحرص على أن ينبه أصحابه ويعلمهم بعض الأمور المتعلقة بعلامات الساعة.

والناس افترقوا في هذا الباب إلى فرق. الفرقة الأولى: من بالغت في موضوع علامات الساعة، ورسمت كثيراً من التفاصيل والفرع على أحاديث ضعيفة فيها. وتجد كثيراً منهم يحجمون عن العمل والعطاء والبذل والعلم بالكتاب والسنة، ويتعلقون بمرويات آخر الزمان فقط.

فتجدهم ينسجون القصص والروايات، لا ينسجون، لا أقصد يخترعون، وإنما يركبون من مجموع الروايات والأحاديث أحداثاً وأحاديث وينتظرون؛ السنة هذي الدجال حيخرج، السنة الجاية عيسى عليه السلام سينزل السنة كذا السنة كذا. هذا موقف مبالغ فيه، هو موقف ليس صحيحاً.

الطرف الثاني المقابل العكسي: هم الطرف الذي لا يأبهون بشيء من هذه الأشياء ولا يبالون بها، ويقول لك: خلاص علمها عند ربي. نعم علمها عند ربي. طيب هذه الساعة نفسها بعد الساعة، لكن من الذي أخبر بعلامات الساعة؟ ما الذي أخبر بعلامات الساعة؟ أليس النبي صلى الله عليه وسلم؟ طب لماذا كان يخبر بها؟ حتى نعلمها، أنتركها وراء ظهورنا ولا نهتم بها؟

كم حديث من أحاديث البخاري ومسلم يبدأ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أشراط الساعة أن، من أشراط الساعة، لا تقوم الساعة حتى، لا تقوم الساعة حتى، ويذكر علامات وعلامات وعلامات. هل سبيل تقدير السنة أن تواجه هذه العلامات بالأهمال؟ هذا بلا شك ليس هو الموقف اللائق، وليس هو الموقف الأرشد.

حسناً، بما أنه عندنا هذا الموقف وعندنا هذا الموقف، وكما تعودنا دائماً في قضية التوازن والتوسط، الموقف العدل والحق هو أن يكون كالتالي: تنطلق في أعمالك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. تبني تصوراتك واعتقاداتك على يقين بالكتاب والسنة، لا تتعلق بالمرويات الضعيفة والرؤى والمنامات التي لا يعلم صدقها أو التي لا يعلم رائيها ولا حال رائيها، أو لا تعبر من أناس أهل ثقة، وإنما والله في واحدة في الفيس في صفحة عن آخر الزمان جابت رؤية تقول مدري ايش حيصير أحداث، وفي منتدى مدري ايش وفي واحد مهتم بهذا الموضوع عنده رؤى كثيرة يقول إنه.

لا، هذا ليس هو الموقف الصحيح. الموقف الصحيح أن تؤسس نظرتك الأساسية على الكتاب والسنة، وتعمل وتبذل وتقدم وتستند إلى اليقين.

الأمر الثاني هو في نفس الوقت لا تهمل علامات الساعة، وكن متيقظاً وافهم. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه». وذكر النبي صلى الله عليه وسلم علامة.

أظن هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن». هذا حديث صحيح: «إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن». الإنسان يحتاج أن يوازن بين الأمور، لا يهمل ولا يبالغ. وفي العمل لا يستند إلا إلى يقين، وفي التصورات يبني على يقين وعلم.

أما أن نكون غافلين عما يجري من حولنا، وعن علامات الساعة التي تتكاثر وتتنامى، وكثرة الفتن وكثرة القتل وكثرة الهرج، حتى صار الناس أو الإنسان المؤمن يقول: يا رب سلم سلم، يا رب سلم سلم؛ ما الذي يجري في هذه الدنيا من ظلم وتجبر وإلى آخره؟

طيب، السؤال أنه كيف يعرف الانسان العلامة؟ هنا تأتي مسألة، مسألة أيضاً فيها ضوابط؛ مثل ما سمى الشيخ عبد الله العجيري كتابه معالم ومنارات في أحاديث الفتن والملاحم وأشارات الساعة.

التنزيل لا بأس أن يكون خاطئاً، لا حرج أن يكون خاطئاً طالما أنه استعمل في أدوات صحيحة. تعلمون أن بعض الصحابة كانوا يقسمون أن ابن صياد هو الدجال، يقسمون على أن ابن صياد هو الدجال. النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعمل ما كل ما يستطيع من البيان حتى يحذر أصحابه من بعض الفتن.

ولفت انتباهي كثيراً حديث في صحيح مسلم، النبي صلى الله عليه وسلم قال، أظن هو النواس بن سمعان قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم كلمنا يوماً عن الدجال حتى ظننا أنه في طائفة النخل. من شدة ما حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه ووصف ووصف وذكر هول الموضوع يقول: ظننا أنه في طائفة النخل، يعني جاء ترى ها شوفوا هاهو في النخل، من شدة ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم وطبيعة ما ذكر من تهويل.

الحقيقة هذا التوازن نحتاج إليه، أن ما نكون غافلين ولا كأنه في شيء، ولا نكن مبالغين نترك الكتاب والسنة والأحاديث الصحيحة والعلم الصحيح وكلام أهل العلم. قضية التثبت والثقة نبني على خيالات وعلى أوهام وعلى أشياء غير صحيحة.

قضية التوازن: علامات الساعة كيف نعرفها؟ نعرفها من الأحاديث الصحيحة، هذا أول شيء من حيث المعرفة النظرية. من حيث المعرفة النظرية في علامات صحيحة كثيرة جداً كثيرة، النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بها، واحدة منها هذه التي في الحديث: «إذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان» إذا تطاولوا في البنيان رعاة الإبل، رعاة في رواية رعاة البهم ورعاة الشاة، إذا تطاولوا في البنيان.

طيب هذه وحدة من علامات الساعة، تتكلم عن أناس أعراب رعاة إبل رعاة غنم، وليس فيها أعراب ولكن أكثر من يوصفهم بهذه الصفة هم الأعراب. حتى لم يقل كانوا رعاة إبلنا أو كانوا رعاة غنم حتى كأن القضية قصيرة جداً في انتقالهم ما بين أن يكونوا رعاة إبل وغنم إلى أن ينتقلوا إلى مدنية متقدمة ويتطاولون في البنيان، كل واحد يبني عمارة أكثر من الثاني.

طيب ألا يبصر الإنسان شيئاً من أشراط الساعة وعلاماتها أمام عينيه وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بها من قديم الزمن؟ من أشراط الساعة أن يقل العلم ويكثر الجهل، وتكثر الفتن ويفشو الزنا، ويكثر القتل إلى آخره.

الاهتمام أيضاً بعلامات الساعة الصحيحة الثابتة، وليس من المصادر، مثلاً عندما المصادر ليست الجيدة، مثلاً ما أقول ليست جيدة يعني كل ما فيها باطل، ولكن يعني ليس من المصادر الموثوقة تماماً كتاب الفتن لنعيم بن حماد. لنعيم بن حماد في ناس كل أحداث آخر الزمان عندهم راسمينها بالسيناريو كأنه مسرحية؛ من فين؟ من روايات نعيم بن حماد حق الفتن ومن مدري ايش ومن رؤى ومناجات ونسجوا قصة، وابدأ السنة الجاية في الحج وما أدري ايش راح يصير وبالسنة اللي بعدها بالضبط شهر محرم راح يصير كذا. لا يا حبيبي ما في شي اسمه زي كذا.

أصلاً نعيم بن حماد نفسه ليس بتلك الثقة الكافية، وكتاب كثير منهم فيه أشياء ليست عن النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً، فضلاً عن وجود رواية ضعفاء. فمين اللي يقدر يتوازن؟ ومين اللي يقدر يبني على علم ويعتبر ويعظم ما عظم النبي صلى الله عليه وسلم؟

وكما قلت لكم من علامات الفئة الأولى هذه التي تبالغ، من علاماتها أنها قليلة العمل. من علاماتها أنها قليلة العمل، دائماً يتكلون ويتكئون على التوقع؛ أن السنة الجاية راح يتغير الحال، خلاص كل المشاكل العالمية مدري ايش راح يصير، وراح تصير حرب عالمية ثالثة في نهاية ألفين وبعدين ألفين وعشرة بعدين ألفين واثنا عشر بعدين ألفين وعشرين بعدين ما تدري متى. أيوا وخلاص واحنا إن شاء الله بعد الحرب العالمية الثالثة ما أدري ايش يصير تمام؟

لا يا عزيزي، أنت لازم تبني حياتك على علم وعلى عمل وعلى وضوح. هذه قضية في غاية الأهمية، كما قلت لكم يعني تحتاج إلى توازن كبير جداً.

هذه تسع فوائد سريعة. الحديث يحتمل أكثر من ذلك بكثير، لكن فيما ذكرت لعله إن شاء الله شيء من الفائدة والنفع.

ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم ربنا لك أسلمنا وبك آمنا وعليك توكلنا وإليك أنبنا وبك خاصمنا وإليك حكمنا. نعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلنا، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.