الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
نستعين بالله ونستفتح المجلس الخامس والعشرين من مجالس الساري من هدايات البخاري. قال الإام البخاري رحمه الله تعالى: ولا نزال في كتاب الإيمان. باب. حدثنا إبراهيم بن حمزة قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، أن عبد الله بن عباس أخبره قال: أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له: سألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم. وسألتك: هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ وزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد.
هذا الحديث سبق الكلام عليه، وسبق شرحه، ولذلك لن أعيد الكلام عنه هنا، ولكن فقط تنبيه إلى قول الإام البخاري باب، ثم لم يذكر بابا، ذكر الحديث مباشرة. وسبق أن ذكرت في هذا كلام ابن حجر، تذكرونه: إذا قال البخاري باب ولم يذكر عنوانا، يكون هذا مرتبطا بما قبله بالحديث الذي قبله، ولكن يكون كأنه فصل، نعم، كأنه فصل.
طيب، ما هي العلاقة بالحديث الذي قبله؟ يعني هو يعتبر فصلا جديدا، وفي نفس الوقت له علاقة. ذكر ابن حجر أن هذا له علاقة بآخر كلمة في الحديث السابق، المركبة ما بين كلام النبي صلى الله عليه وسلم وبين كلام البخاري. النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث السابق: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم. قال أبو عبد الله البخاري: جعل ذلك كله من الإيمان. لاحظوا: دين، إيمان، جعل الدين إيمانا، كل الدين إيمان.
الباب الثاني هذا قال هرقل: هل يرتد أحد سخطة منهم؟ أو: هل يرتد أحد سخطة لدينه؟ ثم قال: وكذلك الإيمان. دين، إيمان، والحديث الذي قبله الدين والإيمان، فلأجل هذه العلاقة وتسمية الدين إيمانا، ذكر الإام البخاري هذا الحديث عقب ذلك الحديث، وجعل عليه أو عنوانه بفصل.
ثم قال الإام البخاري رحمه الله: باب فضل من استبرأ لدينه. حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا زكريا، عن عامر قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
الكلام على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول فيما يتعلق بالصنعة الحديثية والإسنادية. هذا إسناد كوفي فيه عدد من الرواة المهمين، أولهم شيخ البخاري أبو نعيم الفضل بن دكين. هذا أبو نعيم من علماء الكوفة ومن المحدثين الحفاظ، كان حافظا، وكان من أثبت وأوثق أصحاب سفيان الثوري. إذا كان سفيان الثوري ممن وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وقلنا إنه هو أحفظ المحدثين تقريبا على الإطلاق، وسفيان هو سفيان إلى آخره من الكلام المعروف فيه، فأبو نعيم من أثبت أصحاب سفيان، ومن أثبت أصحاب سفيان وكان حافظا لألفاظه. وكما وصفه المحدثون، يأتي بالحديث على نفس اللفظ كل ما حدث به، يعني مثلا يحدث بالحديث هذه السنة، ويحدث به بعد خمس سنوات وبعد سبع سنوات بنفس اللفظ، يحافظ على نفس اللفظ، ولذلك وصف بأنه حافظ من جهتين؛ من جهة سعة المحفوظ، وهو قد روى عن الثوري أو حفظ عن الثوري قرابة أربعة آلاف حديث، ومن جهة الضبط والإتقان. هذا باختصار شديد بالنسبة لأبي نعيم الفضل بن دكين.
النقطة الثانية في عامر. من هو عامر هذا؟ أنا سابقا ذكرت لكم أن الرواة أحيانا يذكرون بأسمائهم، وأحيانا يذكرون بألقابهم، وأحيانا يذكرون بكناهم، وأحيانا يذكرون نفس الراوي مرة يذكر هكذا ومرة يذكر هكذا. عامر هذا هو الشعبي، الإمام المعروف الشعبي، لكن هنا ذكر باسمه الأول فقط، عن عامر. أي أحد يعرف في علم الحديث في الرواية يعرف أن عامر هنا الشعبي، حتى بدون أن يرجع إلى كتاب أو شيء، يعرف أنه هنا زكريا عن عامر وفي هذا السياق هذا الشعبي واضح. الشعبي عامر بن شراحيل. هذا من العلماء المهمين جدا، علماء الكوفة. الزهري رحمه الله تعالى، تعلمون أحد الستة الذين تدور عليهم أسانيد الحديث الإمام الزهري في المدينة، تخيلوا الزهري العالم الكبير يقول: العلماء أربعة؛ سعيد بن المسيب في المدينة، وعامر الشعبي بالكوفة، والحسن بن أبي الحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام. مرة أخرى، الإمام الزهري يقول: سعيد بن المسيب بالمدينة، وعامر الشعبي بالكوفة، والحسن بن أبي الحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام.
هؤلاء أربعة كانوا في وقت متقارب، يعني ليسوا نفس الوقت بالضبط تماما، وإن كان وقتهم متقارب، هم عاشوا في نفس الوقت بس أقصى أنه بعضهم أكبر من بعض قليلا. لكن أنظر كيف الزهري يقول، كأنه يختصر علماء زمانه من جهة الأمصار، كأنه يختصرهم في هذه الأربعة؛ معلم المدينة سعيد، وعالم الكوفة عامر، وعالم البصرة الحسن، وعالم الشام مكحول. ومكحول نفسه، مكحول الشامي، يقول عن الشعبي: ما رأيت أحدا أعلم بسنة ماضية من الشعبي. ما رأيت أحدا أعلم بسنة ماضية من الشعبي. كان من العلماء والفقهاء رحمه الله تعالى.
ولذلك، حتى الحسن البصري، يعني لاحظوا الآن الزهري لما ذكر الأربعة هنا، ومكحول نفسه أحد هؤلاء الأربعة يقول: أنا ما رأيت أحدا أعلم بسنة ماضية منه. والحسن البصري نفسه نعاه حين توفي، لما جاءه خبر وفاة الشعبي قال: كان والله كبير العلم، عظيم الحلم، قديم السلم، من الإسلام بمكان.
ومن اللطائف الجميلة المتعلقة بالشعبي أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان قد سمع الشعبي وهو يحدث بالمغازي، وكان صغيرا لم يكن كبيرا، يعني ليس صغيرا جدا، لكنه كان شابا. يحدث بالمغازي فقال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه: لكأن هذا الفتى شهد معنا. يعني من دقة حفظ الشعبي لمغازي النبي صلى الله عليه وسلم، ابن عمر الذي شهد المغازي تلك وشهد المشاهد يقول: هذا الفتى وهو يحدث بها كأنه شهدها معنا، كأنه شهدها معنا. ومن العبارات المشهورة عن الشعبي التي يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثت بحديث إلا حفظته. يعني أنه كان حافظا لا يعتمد على الكتابة، كان يحفظ.
إذن، هذا ما يتعلق بالوجه الأول.
الوجه الثاني: بالنسبة لبيان ألفاظ الحديث أو المعنى الإجمالي أو توضيح المشكل. الحديث كذلك ألفاظه من حيث هي واضحة. المعاني يعني ربما يحتاج شيء يسير إلى توضيح الصورة المشبهة، أو الصورة التشبيهية، أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه الحرمات أو المحرمات بالحمى الذي للملوك. ملوك العرب كانوا يجعلون مناطق معينة لرعي دواب الملك، ما أحد يقترب منها، ممنوع أحد من الرعاة يجعل أبله ترعى في هذا المكان، هذا اسمه الحمى، ومثل ذلك محارم الله سبحانه وتعالى. الله لا يريد منا أن نقترب من هذه المحارم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا جاء الرعاة فرعوا بأبلهم أو رعوا إبلهم وغنمهم قريبا من حمى الملوك، أوشكت هذه الإبل أو الغنم أن تدخل في الحمى، أوشكت أن تدخل، وذلك لاتصال الأرض واتصال العشب، واسترسال البهائم في هذا الأكل. وكذلك المحرمات التي حرمها الله سبحانه وتعالى، من اقترب منها أوشك أن يقع فيها. هذا المعنى الإجمالي للجملة الحديثية أو الجملة التي في الحديث: ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى.
ننتقل للوجه الثالث من الكلام على الحديث، وهو فيما يتعلق بالفوائد المنهجية والتربوية وما إلى ذلك. أولا، هذا الحديث من الأحاديث العظيمة التي لها مكانة كبيرة عند العلماء، ولذلك الإمام النووي رحمه الله في منهاجه يقول: اجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. مرة أخرى: اجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. ومن يسمع مثل هذا الكلام، ويقرأ أيضا كلام غير النووي في هذا الحديث، يدرك، يعني مثل ما ذكرنا سابقا، إذا كان هناك مراتب في الخبر، ومراتب في الأمر، ومراتب في النهي، وهناك مراتب أيضا في الأحاديث وهي من جملة الخبر بشكل عام، فهذا من جملة الأحاديث المعظمة المرتبة والمكانة والمنزلة عند أهل العلم.
الفائدة الثانية المتعلقة بالوجه الثالث، وهي فائدة منهجية في محور التقسيم النبوي للمسائل أو القضايا بناء على علاقتها بالحل والحرمة. النبي صلى الله عليه وسلم قسمها إلى ثلاثة أقسام: حلال بين، وحرام بين، ومشتبه. حلال بين، وحرام بين، ومشتبه. وهذا التقسيم مفيد جدا، ليس فقط في هذه القضية، وإنما هو مفيد كقضية منهجية في التقسيمات. أحيانا يأتي الشخص فيقول لك: مم، هل مثلا أنا لا أعف ما الذي يدخل في صلة الرحم وما الذي لا يدخل في صلة الرحم؟ وتقول له: نرسم ثلاث دوائر؛ الدائرة الأولى: ما يدخل قطعا في صلة الرحم، الدائرة الثانية: ما يدخل قطعا في قطيعة الرحم أو ما لا يدخل قطعا في صلة الرحم، الدائرة الثالثة الوسطية: هي دائرة البحث، التي هي ما ندري هل تدخل في صلة الرحم أو لا. هذا التفكير بهذه الطريقة تفكير مريح جدا ومنهجي. النبي صلى الله عليه وسلم قسمه هنا في باب الحلال والحرام، هناك أمور، يعني تخيلوا واحد يجي يقول لك: والله إحنا ما نعرف هذا الفقه كله، حلال، حرام، مشتبه، ما نعرف، ما نعرف الحلال من الحرام، كله خير! لا، نقول: يا حبيبي، في دوائر، في دوائر حلال بين وهذه كثيرة، وهناك دوائر حرام بين أو دائرة حرام مبين وفيها أشياء كثيرة، وهناك أمور مشتبهة. هذه الأمور المشتبهة هي التي إما تخفى أدلتها، أو لم يأت فيها نص معين، وإن كانت عمومات الشريعة تشهد له. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل إن الشبهات لا يعلمها أحد، وإنما قال: لا يعلمها كثير من الناس. إذن هناك من الناس من يعلمها، أما كثير فلا يعلمونها، لكن هناك من يعلمها تخفى أدلتها، ليست واضحة.
يعني مثلا الآن الربا، كل المسلمون، كل المسلمين يعلمون أنه محرم. حسنا، ما حكم بيع التورق مثلا؟ التورق والله هذه واحدة من الصور التي اختلف فيها، وإن كان الأكثر على الجواز، لكن بعض العلماء يرى أنه حيلة للربا. طيب بيع العينة؟ الأكثر على التحريم ويرى أنهم يرونه حيلة. الشاهد أن الربا محرم بشكل واضح، والبيع حلال بشكل واضح، لكن هناك بعض المسائل في الوسط أحيانا لا يجزم فيها، أحيانا يكون فيها خلاف قوي، أحيانا يكون فيها اشتباه. هذه صورة لصور التقسيم المنهجي ليفكر الإنسان بطريقة صحيحة في الأمور التي قد يلتبس فيها شيء بشيء آخر، فلنتعود على هذه الطريقة في التقسيم أنه في دائرة واضحة، وفي دائرة واضحة من الجهة الأخرى، وفي دائرة في النص هي التي تحتاج إلى بحث.
الفائدة الثالثة من الحديث هي مشروعية بل وأهمية الاستبراء للدين والعرض. ايش معنى الاستبراء؟ الاستبراء طلب البراءة، طلب السلامة. الدين: واضح أني أطلب السلامة في ديني، ما أقع في شيء يشكل علي دينيا. والسلامة والاستبراء في العرض: ايش هو الاستبراء للعرض؟ هو أن أفع أو أن أجتنب ما يخرجني من الإشكال أو ما لا يوقعني في إشكال من جهة كلام الناس المتعلق بالعرض. العرض موضع المدح والذم من الإنسان. طبعا هنا لا أتكلم عن إنسان أنه يعمل الحق ولا يبالي بكلام الناس، هذا حق، لكن هناك أمور ليست من الحق، وإنما هي أمور مما وإن كان أصله مباحا، لكنه قد يشتبه وقد يوقع، يجلب للإنسان كلاما فيه شبهة. وهنا لا يقول قائل: أنا شخصيتي قوية ولا علي بأحد، اللي يبغى يتكلم يتكلم. نعم، هذا إذا كانت القضية حقا واضحا ولا مجال فيها للإشكال، يعني مثلا اختيار شخصي لي، ما علي، أنا مثلا يعجبني هذا، أنت لا يعجبك، هذا شيء راجع لك، لا.
لكن أحيانا الإنسان يضع نفسه في موضع عادة يكون موضع شبهة، ولا يصلح هنا أن يقول: أنا نيتي حسنة، وإذا هو أساء الظن فيا فهذا أمر راجع له. لا، هنا خطأ، هنا خطأ، هنا أنت وضعت نفسك في موضع إشكال وشبهة، المفترض أن تطلب البراءة لعرضك. واحد شاب غير متزوج، ورئي في مكان معه فتاة، ولا يرى عادة أو لا يكون في هذا بهذه الهيئة في العادة إلا الأزواج أو المتحابين أو إلى آخره تمام، فيراهما شخص ويعرف هذا الشخص من الجيد أن فلو يعني كلاما عاما أنه ترى هذه اختي مثلا لو كانت أخته.
هذا لا يقال إنه ضعيف شخصية، يحتاج أن يبرر لنفسه؛ لا، إذا كان الموضع موضع شبهة، موضع شبهة عرفاً، فمن الحسن أن تطلب البراءة للعرض. ومن جملة ذلك -على أن الذي فعل ذلك لا يمكن أن يتطرق حتى الإشكال- لا، لا يتطرق حتى خاطر الإشكال على النفس فيه، ومع ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، حين كان مع صفية.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم حينما رآه رجلان من الصحابة وهو مع صفية يمشي في الليل، فكأنهما أسرعا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «على رسلكما، إنها صفية». قال الصحابيان: سبحان الله يا رسول الله! يعني يا رسول الله أنت تقول إن هذه صفية؟ يعني يا رسول الله إحنا ما يمكن نفكر غير ذلك؟
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً» أو قال: «شرا». طبعا هنا لو قذف الشيطان في قلب هذين الرجلين شيئاً فصدقاه لهلكا، لأنهما أساأ الظن بمن؟ برسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن، ومع ذلك، نأخذ فائدة أنه يعني حتى صار قضيته على رسلكما إنها صفية صارت عنواناً لطلب الاستبراء المعتاد.
على أي حال، مرة أخرى وبخلاصة شديدة جداً أو مختصرة جداً: طلب البراءة في العرض أمر أو للعرض أمر مشروع، ويشرع في مواطن الشبهة خاصة، أو يعني أرجى، أو أو عفواً، أكثر مواضعه احتياجاً هي مواضع الشبهة. وأما إذا كان الإنسان يفعل الحق البين وليس في موضع شبهة، ثم قال فيه من شاء ما شاء، فهذا ليس من التبرير، ليس من طلب البراءة للعرض.
الفائدة الثالثة -عفواً الرابعة- في الاسلوب النبوي: دعونا دائماً إذا قرأنا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لا نقف فقط عند المعاني، وإنما لنَتأمل الأساليب ونقتدي ونستفيد ونتعلم منهجياً بيانياّ. كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ويعلم ويبين؟ ما الأسلوب التبييني المستعمل هنا؟ جميل، أول شيء التقسيم بعدين. جميل، التشبيه أو ضرب المثل، أول شيء التقسيم ثم ضرب المثل، جيد.
وكذلك، كذلك الأسلوب الأخير الذي قال فيه: «ألا إن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت...». هذا الأسلوب بهذا أو هذا الكلام بهذا الترتيب بهذه الطريقة فيه استعمال المنبه، الأدوات التنبيهية، الأدوات التي تنبه الذهن وتنبه العقل وتنبه الإنسان. لاحظوا الحديث، كما يعني تعودنا، جمل قصيرة ولكن مليء.
أنت الآن وأنت تقرأ الحديث أخذت من الحديث فوائد كثيرة، تطرقت إلى معاني متعددة، وهي جمل مختصرة. في الحديث السابق -اللي أقصد يوم أمس- كان تكلمت عن قضية الاسلوب، وكيف مجيء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، لا يعرفه منا أحد كذا، وأن هذا كله كان لتعليم الناس دينهم.
وهنا أسلوب آخر وطريقة أخرى لإيصال البيان، لإيصال الحق، لإيصال العلم، لإيصال الدعوة، لإيصال الدين. استعمال الأساليب: مر التقسيم ثم التشبيه، وخاصة هنا التشبيه في هذا الحديث التشبيه يعني مركزي ولا تنساه. ولو قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من وقع في الشبهات وقع في الحرام» دون أن يذكر المثل، لربما لم يعني تترسخ الصورة الذهنية.
لكن أنت حين تعرف أن هذه محمية، صورة الحمى لملك من الملوك، والراعي لما يأتي حول هذه المحمية أو حول الحمى، ثم إذا رعى دائماً حولها ابن الغنم أو الإبل ستدخل تأكل إذا وقع في المحظور. إذاً كذلك محارم الله سبحانه وتعالى هي حماه، هي حماه لا تقترب، ليس لا تأكل منها مباشرة، لا تقترب. إذا اقتربت، ترى -ما دام أنك يعني خارج حدود الحمى- ربما لن تحاسب، لكن ترى إذا اقتربت النتيجة أنك ستقع، النتيجة أنك ستقع.
ولذلك اختلف العلماء: هل المقصود في بعض الروايات لمن قاله: «من وقع في الشبهات وقع في الحرام» -هنا ليس في اللفظ هذا، لكن هناك لفظ آخر وقع في وقع في الحرام- اختلفوا ما المراد بوقع في الحرام؟ هل المراد وقع في الحرام يعني وقع في الإثم الآن، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام أي يأثم هو حرام والوقوع في الشبهات؟ أو من وقع في الشبهات وقع في الحرام أي مآله أن يقع في الحرام؟ هذان تفسيران لأهل العلم في المسألة.
لكن عموماً نرجع فنقول: إن قضية الابتعاد عن الشبهات وعدم الوقوع فيها خشية -ولخلينا نقول تحرزاً من الوقوع في الحرام- ولذلك ننتقل إلى الفائدة الأخرى، الفائدة الخامسة: وهي أن هذا الحديث يمكن أن يستفاد منه في مسألة سد الذرائع. يستفاد منه في مسألة سد الذرائع، ما يعرف عند العلماء والفقهاء بسد الذرائع. يعني أحياناً يحرم الشيء أو يمنع الشيء، سواء شرعاً أو يفتي الفقهاء بمنعه، حماية أو سداً لذريعة الوصول إلى شيء محرم.
وهذا طبعا باب فقهي أو باب يعني يحتاج إلى فقه أقصد لتقريره، لأنه أحياناً يبالغ في هذا في هذا الباب، وأحياناً يبالغ في العكس، فالإنسان يحتاج إلى فقه في باب سد الذرائع، غير أنه بلا شك باب معتبر شرعاً، معتبر فقهياً، باب سد الذرائع، وهذا الحديث أصل في سد الذرائع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من الرعاية من الرعي حول الحمى. يعني يحذر من الدوران حول المعاصي، من الاقتراب حول المحرمات.
فإذاً، لا يقول لك: لا تقترب من المحرمات؛ هذا سد للذريعة، سد لذريعة الوقوع في الحرام، سد لذريعة الوقوع في الحرام. الفائدة السادسة في الحديث: في مركزية القلب، وذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
حين يقال مركزية القلب، معناه أنه يجب أن يكون الاهتمام بهذه القضية المركزية يأخذ الجزء الأكبر من الجهد. يعني إذا كان جهدي منصباً على أو متوجهاً إلى تزكية نفسه، فليكن هذا الجهد في أكثره متوجهاً إلى القلب، متوجهاً إلى القلب. النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الحديث الصحيح في صحيح مسلم: «التقوى ها هنا» وأشار إلى صدره، «التقوى ها هنا» وأشار إلى صدره.
هذا الحديث أصل في تأسيس الرعاية القلبية، في تأسيس الإصلاح القلبي، فإذا صلح القلب صلح سائر الجسد، وإذا فسد القلب فسد سائر الجسد، إذاً العمل الأساسي يكون على القلب. العمل الأساسي يكون على القلب، ويا خسارة أقوام وأناس صرفوا أعمارهم وأوقاتهم في إصلاح الجسد دون إصلاح القلب، ويرون أن أجسادهم تعاندهم في الصلاح وفي الانقياد، وذلك لأنهم لم يعالجوا الأصل الذي به يقاد الجسد، وهو القلب.
الفائدة السابعة أو الثامنة: وجود التلازم أو إثبات التلازم بين الظاهر والباطن. إثبات التلازم بين الظاهر والباطن؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن صلاح القلب يستلزم صلاح الجسد، وأن فساد القلب يستلزم فساد الجسد. وهذا بخلاف من يدعي أنه ولو كان عاملاً بالذنوب والمعاصي فإن قلبه صالح لا إشكال فيه، إذا وجد الفساد الخارجي فلابد من وجود إشكال. طبعا ليس معنى وجود الاشكال عدم وجود الصلاح القلبي، لا، وإنما بحسب بحسب نوع الإشكال، وبحسب درجة الإشكال، وبحسب مقدار التعلق بالإشكال، وبحسب الموقف بعد الإشكال؛ هذا كله دلالات على على القلب. ولذلك قضية التلازم بين الظاهر والباطن هذه من القضايا المركزية في أبواب الاعتقاد عند أهل السنة.
الفائدة الثامنة: فضل العلم. فضل العلم وقيمته ومركززيته وأهميته وأثره، أيوه، وأثره في رفع الإشكال. لا يعلمها كثير من الناس، لكن هناك قليل يعلمونها. هناك قليل يعلمونها، فهذا شرف، شرف العلم فضل العلم، لأن هنا كلام عن العلم لا يعلمها كثير من الناس.
حسناً، صارت الأقسام عندنا الأقسام عندنا أربعة: قسم لا يعلم الشبهات ولا يقع فيها، قسم لا يعلم الشبهات ويقع فيها، قسم يعلم الشبهات ولا يقع فيها، قسم يعلم الشبهات ويقع فيها. أسوأ قسم هو الذي يعلم ثم لا يعمل، هذا أسوأ قسم. لكن أشرف قسم هو الذي يعلم الشبهات ويجتنبها عمداً لأنه يعلم أنها شبهات.
والإشكال هو في من لا يعلم أنها شبهات فيسترسل فيها، وهذا حال أكثر الناس. لا يعلم أن هذه القضية من القضايا المشكلة في يعني قضايا اللي خلنا نقول التي يمكن أن تقود إلى أمر محرم، وإن كانت ليست محرمة في الشريعة، أو لنقل لم يأتِ فيها النص بشكل واضح، أو لنقل ليست مما يعلم علماً عاماً في الشريعة.
فهنا من -خلنا نقول- من شؤم الجهل أنه يجعل الإنسان يقع في هذه الشبهات وهو لا يعلم أحياناً أنها شبهات، فهو -وإن لم يكن بالضرورة يأثم لوقوعه في الشبهات- إلا أن أثراً آخر يترتب على وقوعه في الشبهات ولو لم يكن الإثم، ألا وهو الاقتراب من الحرام. فإذا استرسلت النفس وتعودت على منطقة الشبهات، كان من السهل جداً أن تتجرأ على منطقة الحرم.
ولذلك ننتقل للفائدة التاسعة، وهي أن الإنسان إذا عود نفسه على الابتعاد عن مناطق الحرام، كانت مراودة نفسه إياه للوقوع في الحرام أصعب وأبعد وأطول من مراودة من يقع قريبا من الحرام نفسه إياه في الوقوع في الحرام. وهذا أظن واضح، يعني الإنسان لمن -واضح أقصد من جهة من جهة المعنى النفسي- أنه في إنسان دائماً قريب من الحرام، وبالتالي نفسه كسرت، كسرت عندها حواجز. يعني مثلاً، إنسان عنده تهاون خلنا نقول مثلاً من ناحية الرجال، عنده تهاون شديد في التعامل مع النساء، والعكس بالعكس، النساء عندهن تهاون شديد في التعامل مع الرجال. أنا أصدق التعاون فيما لا ينبغي فيه التهاون وليس فيما يباح، ليس في أصل فيما يباح فيه خلنا نقول التكرار، ولأن التهاون أحياناً يقع في أشياء أصلها مباح.
يعني مثلاً الكلام أصله مباح، أصله مباح، لكن أحياناً يقع التهاون بطريقة معينة حتى تستمرئها النفس، ثم هكذا الخلطة. فتجد مثلاً الخلطة تبدأ مثلاً بعمل، فتجد أن الإنسان في أول الأمر يكون حريصاً على غض بصره، والمرأة تكون حريصة على المحافظة على البعد وعدم... ثم شيئاً فشيئاً، شيئاً فشيئاً، تستمرئ النفس، تستمرئ النفس إلى أن تصبح قضية أن المصافحة صارت شيئاً عادياً؛ لأنه إحنا ترى كل يوم نلتقي، ولنا سنة كاملة نداوم في نفس المكان، بعدين وهكذا.
هكذا تقع الإشكالات شيئاً فشيئاً. الذي يرعى حول الحرام، الذي لا يبعد نفسه عن مواطن الاشكال، لا يشعر هو أصلاً أحياناً كيف أن النفس تبدأ تستمرئ الحرام، تستمرئ مثل هذا النوع. لذلك خلاصة الكلام هو أن الإنسان يجب أن لا يجعل نفسه تألف ما يقارب الحرام. لذلك الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: 32] وهذا واضح أن فيه تنبيهاً عن أو على الاقتراب، ليس فقط الوقوع المباشر.
الإنسان يجعل يحاول أن يجعل بينه وبين الحرام مسافة. هذه المسافة أقل ما فيها، أقل ما فيها أنها تعطيك شيئاً نفسياً من تعظيم هذا الحرام وتهيبه، بحيث أنه دائماً بينك وبينه مسافة، لو راودتك نفسك بعد ذلك ستراودك في هذه المسافة لن تراودك في الحرام. أما إذا ألغيت هذه المسافة، ومن السهل جداً جداً على النفس أن تراودك في الحرام مباشرة. حافظ على المسافة بينك وبين الحرام، حتى إذا ضعفت نفسك ضعفت في هذه المسافة فقط، ولا تلغي هذه المسافة بحيث لو ضعفت نفسك مباشرة إلى ما الخطوة التالية، وهي الحرام المباشر.
هذا هذا من أهم الفوائد التي يمكن أن نخرج منها وأن نخرج بها من درس أو من حديث اليوم: لترك المسافة بيننا وبين الحرام حتى لا تستمرئ النفس هذه المسافة وتسقطها ومن ثم تقع بالحرام مباشرة. هذا والله تعالى أعلم، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد