بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم لك الحمد في الأولى والآخرة ولك الحكم وإليك المصير. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. أما بعد، نستعين بالله ونستفتح المجلس الثالث والعشرين من مجالس غيث الساري من هدايات البخاري. لا زلنا في كتاب الإيمان: قال الإام البخاري رحمه الله تعالى: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر. وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا. وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل. ويذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن وما أمنه إلا منافق. وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]. حدثنا محمد بن عرعرة قال: حدثنا شعبة عن زبيد قال: سألت أبا وائل عن المرجئة فقال: حدثني عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر».
الكلام على الباب والحديث من وجوه: الوجه الأول في التعليق على الصنعة الحديثية والإسنادية. لو نلاحظ أن الإام البخاري رحمه الله تعالى ذكر معلقات في بداية هذا الباب: وقال إبراهيم التيمي، وهو لم يدرك إبراهيم التيمي، وقال ابن أبي مليكة ولم يدرك ابن أبي مليكة، وثم قال: ويذكر عن الحسن. وهذه كما مر معنا أنها معلقات الإام البخاري رحمه الله تعالى. المعلق: لا يذكر السند إلى صاحبه، فإذا علق إلى صاحب الكلام بصيغة الجزم مثل: قال، فهو عنده صحيح. وإذا علقه بغير صيغة الجزم أو بصيغة التمريض مثل: ويذكر عن الحسن، فأيش يكون المراد أو ايش يكون المفاد؟
في الأولى قال: وقال إبراهيم، بعدين قال: وقال ابن أبي مليكة، فلما جاء عند الحسن قال: ويذكر عن الحسن. هذه الصيغة لا تفيد دائما الضعف عند البخاري؛ لاحظوا، لا تفيد دائما الضعف عند البخاري، قد تفيد الضعف وقد تفيد معنى آخر. الآن كلام الحسن هذا الذي نقله الإام البخاري بصيغة التمريض فقال: ويذكر، لم يفعل ذلك لأنه ليس ثابتا عن الحسن، هذا الكلام ثابت عن الحسن البصري. إذا، في الصنعة الحديثية لماذا صنع البخاري هذا؟ لماذا قال: وقال إبراهيم التيمي؟ وقال ابن أبي مليكة، ولما جاء عند الحسن قال: ويذكر عن الحسن؟
الجواب: لأن البخاري اختصر كلام الحسن، اختصره اختصارا شديدا يعني ربما ذكره حتى أقرب إلى المعنى، ولأجل هذا التغيير ذكره بصيغة وقال ويذكر عن الحسن. كأنه يقول: وروي عن الحسن كذا وكذا وكذا فيما أذكره لك بمعناه عن الحسن. حسنا، ما هو الأثر عن الحسن؟ الأثر عن الحسن كالتالي: قال المعلى بن زياد: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو، ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق. إذا، كلام الحسن البصري ثابت عنه، وجعله البخاري بهذه الصيغة ليس لأنه لا يثبت عن الحسن، وإنما جعله بهذه الصيغة لأنه رواه بالمعنى أو اختصره اختصارا شديدا. ولأجل الدقة حتى لا يقول لك: قال الحسن: إن هذا الكلام نفسه قاله الحسن، لا؛ لأجل الدقة بل في الاختصار الذي اختصره قال: ويذكر عن الحسن، كأنه يقول لك: أنا لم أروه بلفظه، وهذه من دقة البخاري، يعني دقيق تصرفه في كتابه.
وبالنسبة للحديث: الراوي المركزي عندنا هو شعبة بن الحجاج، ومر معنا كثيرا، مجرد تكرار مروري، نحن الآن في الحديث الثامن والأربعين، مجرد تكرار مروري كثيرا من بداية الكتاب إلى هنا هذا بحد ذاته إثبات لأهمية شعبة. الآن حينتكلم عن صحيح البخاري أصح الكتب وما نكاد نأتي بحديث بعده حديث إلا ويأتينا شعبة: شعبة بن الحجاج، شعبة بن الحجاج. فهو أحد المراكز الكبرى والأئمة العظام، ولذلك يجب دائما أن نستحضر: أين هو؟ أين مكانه؟ أين مركزه؟ أين كان؟ من تلاميذه؟ من شيوخه؟ حتى يسهل عليك فهم شبكة الرواة. ومرة أخرى قلنا: شعبة بن الحجاج كان يعيش بالبصرة، وتوفي عام مئة وستين للهجرة، وشيوخه قتادة -الذي أمس أخذناه، قتادة تلميذ أنس بن مالك- ومن شيوخه كذلك أبو إسحاق السبيعي أحد الستة الذين تدور عليهم أسانيد الحديث، ومن شيوخه كذلك الأعمش وله شيوخ كثر جدا. وتلاميذه تكلمنا عنهم، قلنا: محمد بن جعفر غندر تكلمنا عنه سابقا، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، ووكيع، أئمة هؤلاء التلاميذ. وقلنا واحد منهم يحيى القطان الذي خرج منه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين، فالشبكة متواصلة ومتصلة.
الوجه الثاني من الكلام عن الحديث في بيان الغريب وتوضيح المشكل: برأيي أن الكلام واضح، ربما المرجئة تحتاج إلى شرح عند البعض. المرجئة هي الطائفة أو اتجاه من الاتجاهات العقدية التي كانت موجودة في التاريخ الإسلامي ولا تزال موجودة إلى اليوم، على أنها هي في ذاتها طوائف أو اتجاهات داخلية ليست اتجاها واحدا، فمنهم من يغلو في الإرجاء، ومنهم من يخفف في الإرجاء. ومنهم من يقول: الإيمان قول واعتقاد، ويقول: العمل ليس من الإيمان، أرجأ العمل عن الإيمان، ومن هنا سموا مرجئة في أحد الاقوال، أخروا -أرجأ يعني أخر- أخروا العمل عن الإيمان. ما هو الإيمان؟ يقول لك: قول واعتقاد. حسنا، ما هو الكفر؟ إذا الكفر كقول واعتقاد فقط، يعني العمل هل يمكن أن يكفر به؟ لا. ومنهم من يقول: هو اعتقاد فقط، اعتقاد فقط حتى القول لا يلزم أن ينطق به الانسان حتى يدخل في الاسلام. عموما تفاصيل هذا محلها كتب الاعتقاد.
الوجه الثالث من الكلام عن الحديث والباب هو في استنباط الفوائد التربوية والمنهجية والسلوكية والإيمانية من هذا الكلام. هذه العبارات عن السلف، إبراهيم التيمي وابن أبي مليكة وعن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، هي حقيقة من العبارات التي تؤسس لقضية الخوف من الله سبحانه وتعالى وعدم الوثوق الثقة التامة بالعمل. لأن ابن أبي مليكة وهو قد أدرك من أجلَّة الصحابة وفضلائهم؛ ابن أبي مليكة أدرك عائشة رضي الله تعالى عنها، وأدرك أسماء، وأدرك عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، أدركهم كلهم. فهذا ابن أبي مليكة يقول: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل. هذه نتيجة التربية النبوية: أن الإنسان وإن كان من الصالحين، وإن كان ملتزما بأوامر الله سبحانه وتعالى، إلا أنه لا يتكئ على عمله كثيرا. وإذا قارن بين ما يستحقه الله سبحانه وتعالى وبين التقصير الذي لديه، عاد على نفسه بالتهمة وعاد على نفسه بعدم الرضا. وأنا أتكلم هنا عن عدم الرضا من جهة العمل؛ من جهة العمل.
فإذا كان هؤلاء هم الصحابة ولا يأمن أحدهم النفاق على نفسه، فمن باب أولى أن يكون من بعدهم ممن يقتدي بهم أشد خوفا على نفسه من خوف الصحابة على أنفسهم. وهذه طريقة تختلف كثيرا عن طريقة الإرجاء، حتى الإرجاء المعاصر الذي يشعر الإنسان بأنه ليس مطلوبا منه أصلا شيء في الإسلام، يعني هو خلاص محبة: أنت تحب الله وتحب الرسول صلى الله عليه وسلم، بعدين عادي تحضر مراقص تروح مدري ايش وكذا، يعني أهم شي قلبك ايش فيه؟ أنت قول لي بالله قلبك ايش فيه من محبة لله والرسول؟ خلاص يكفيك. يشعر الإنسان أنه في أمان وسلام لا خوف عليه. الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 57-58]. ويقول: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 99]. النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت. أعوذ بعزتك -لا إله إلا أنت- أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون». كيف الإنسان يأمن على نفسه كأن معه صك ضمان في الجنة؟ لا.
حتى المبشرون بالجنة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعملون، حتى النبي صلى الله عليه وسلم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان أكثر الناس عملا، وكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ويقول: «أفلا أكون عبدا شكورا». أمان الإنسان من العقوبة هذا ليس علامة خير أبدا، ليس علامة خير، ولذلك مثل ما قال الحسن: لا يأمنه إلا منافق. طبعا هنا النفاق -لا يقصدون به النفاق أنه يخشى أن يكون كافرا من الداخل- ليس هذا هو المقصود، وإنما دائرة النفاق واسعة، وقد مر معنا الكلام على النفاق في حديث آية المنافق ثلاث. ومن جملة ما يخافون منه ما قاله إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا. يعني هذا يعتبرونه جزءا من النفاق أو حالة من الحالات التي يخشى منها النفاق: أن الإنسان يتكلم ويتكلم بأشياء من الخير ثم هو لا يعمل، فإذا عرضت قولي على عملي خشيت أن أكون مكذبا.
وبل وفي وقت النبي صلى الله عليه وسلم كان بعضهم يتهم نفسه في حالة التغير القلبي -طبعا هذا ليس صحيحا أن النبي صلى الله عليه وسلم عدل على، أو نبه إلى هذا- ولكن أنا أقصده: كيف كانوا يفكرون في قضية النفاق؟ معروف حديث حنظلة لما قال: كنا إذا كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى الجنة والنار كأن رأي عين، فاذا عافسنا الأهل والأولاد تغيرت قلوبنا. وقال: نافق حنظلة. وقال ذلك لأبي بكر الصديق، فلما ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنتم كما تكونون عندي، أو في بيوتكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة أو لرأيتم الملائكة حتى صافحتكم في الطرقات، ولكن ساعة وساعة» وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فالفكرة هي أنه لماذا خاف حنظلة النفاق؟ حالة التغير هذه من حالة الحضور القلبي الدائم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولما يروح البيت يتغير شوية القلب، خاف أن هذا التغير يكون نفاقا. هذه حساسية، حساسية داخل القلب رباهم عليها النبي صلى الله عليه وسلم. متى ما فقد الإنسان هذه الحساسية -بغض النظر حتى لو كان، هي تحتاج إلى ضبط بلا شك، النبي صلى الله عليه وسلم كان يعدل فيها- لكن فقدان الحساس هذا القلبي هذا علامة شر، علامة شر.
في نفس الوقت الإنسان مع وجود الحساس هذه والعلامة، يحتاج إلى توازن. ونحن دائما نقول: يا جماعة توازن، توازن، توازن، لأن الدين دين توازن، الدين اعتدال، الدين وسط. دائما تجد أطراف في اليمين واليسار، والحق يكون بالوسط. الوسط ليس المقصود الوقوف على المسافة التي في المنتصف بين هذا وهذا دائما، لا، وإنما الوسط الخيرية الدائمة، وكثيرا ما تكون هي بين طرفين. فليس المقصود هو حالة اليأس من رحمة الله، لأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، قال: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 56]. ولكن هي حالة من التوازن: فلا أمان تام من مكر الله سبحانه وتعالى، ولا أمان تام على العمل الذي عمله الإنسان، وفي نفس الوقت لا يأس ولا قنوط ولا تغليب للخوف التام والجزع، وإنما التوازن بين الخوف والرجاء. هذا التوازن من يحققه يسير على العبودية الصافية الصالحة الخالص.
طيب، قوله: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر. هذه واحدة من الأشياء التي تجعل الإنسان يخاف: أنه صحيح أنت عملت أعمال، لكن ترى في أشياء تحبط العمل، هذا يجعل الإنسان يخاف، والأدلة على ذلك كثيرة. سأذكر الحديث التالي وخلينا نشوف ايش العلاقة بين الحديث وبين الباب، لكن دعونا الآن ننتقل للحديث، سأعلق إن شاء الله على عنوان الباب مع الحديث التالي.
أما الحديث: سألت أبا وائل عن... هذه أنا ذكرت الآن الفائدة الأولى فقط، الفائدة الثانية وهي متعلقة بالحديث: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر». هذا الحديث يبين خطورة سب المسلم ومن باب أولى خطورة قتاله، حتى إنه من بشاعة قتال المسلم لقب هذا العمل بالكفر، وإن لم يكن كفرا ينقل عن الملة، إلا أنه لا يلقب بالكفر إلا لبشاعته وسوء منزلته. فإذا كان الإنسان متعود -تعرف أن كثير من الناس متعود على السب، يسب الإنسان أي أحد يضايقه، أي أحد يشعر معه بأي اختلاف مباشرة يسب- لا، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «سباب المسلم فسوق». لا يتهاون الإنسان بهذه القضية. وأما من حيث علاقة الحديث بالباب...
هو عبد الله بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أو أبو وائل. كأنه يقول المرجئة هؤلاء الذين يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب، كيف يتعاملون مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»؟ هذا علاقة الحديث بالباب.
ثم قال الإمام البخاري رحمه الله: أخبرنا قتيبة بن سعيد -نعم عبد الله بن سعود قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر قال، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: أخبرني عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: «إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان، فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم، التمسوها في السبع والتسع والخمس».
الكلام على هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول فيما يتعلق بالكلام على الإسناد والصنعة الحديثية. من برأيكم الرواة المهمون في هذا الإسناد؟
طيب، هو قتيبة بلا شك مهم جدا، ولكن قتيبة لأنه متأخر في الزمن ليس مدارا أساسيا. قتيبة من شيوخ أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وهو ثقة إمام من بلخ، لكن هنا عندنا أنس بن مالك طبعا كصحابي لأنه مكثر جدا من الرواية لكني تكلمت عنه أمس وقلت وذكرت تلاميذه وذكرته في يوم سابق. حميد الطويل مهم، هذا حميد بن أبي حميد الطويل ومن تلاميذ أنس، وممن يروي عنه مالك، ممن يروي عنه الإمام مالك رحمه الله تعالى. وإسماعيل بن جعفر يكثر عنه، إسماعيل بن جعفر مدني يكثر عن حميد الطويل. حميد ثقة ومن أصحاب أنس لكن لا يروي بالكثرة التي يروي بها قتادة والزهري وثابت البناني؛ هؤلاء الثلاثة أكثر حديثا عن أنس من حميد الطويل.
وفي هذا فائدة أخرى فيما يتعلق بالأسناد، هنا رواية صحابي عن صحابي؛ أنس عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه.
الوجه الثاني من الكلام عن الحديث وفيما يتعلق ببيان الغريب، في قول النبي صلى الله عليه وسلم أو في قول عبادة بن الصامت: فتلاحى رجلان، تلاحى يعني تنازع واختلف وتخاصم، اختصم رجلان من المسلمين.
أما -عفوًا، خلينا نرجع الوجه الأول اللي هو الصنعة الحديثية وصنعة البخاري- ما علاقة هذا الحديث بالباب؟ الإمام ابن حجر يقول إن العلاقة أخطأ فيها عدد من الشراح وما عرفوها أو أخطأوا فيها، لكن ابن حجر أتى بعلاقة كما يقال من وراء وراء، يعني حققت علاقات حقت البخاري هذه. الآن ايش الفكرة؟ ايش الباب؟ باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر. طيب، ايش اللي يحبط عمل الإنسان؟ واحد من الأشياء التي تحبط عمل الإنسان ما جاء في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لَبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2]. وهنا تلاحى رجلان، وكأنه ربط هذه القصة بالآية وبالباب، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر، وتلاحى رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، و﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لَبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. إن تحبط أعمالكم التي في الآية هي نفس حبوط العمل الذي في الباب، خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر، فربط بين هذين المعنيين وإن لم يذكر الآية.
واضح الفكرة؟ واضح كيف الربط؟ هذه العلاقة بين الحديث وبين الباب من جهة خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر. تلاحى الرجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم أو في حتى بعض الرواية في المسجد.
باختصار شديد، الآن الباب ايش هو؟ باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر. والصحابة هؤلاء تلاحوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وهم من المؤمنين، خوف المؤمن. لم يذكر في الحديث شيء يدل على العلاقة مع الباب، كأن البخاري يقول لك: وأنت تعلم أن في القرآن آية تقول: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لَبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، أي لئلا تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. فكأن البخاري استحضر هذه الآية مع هذا الحديث وبوب عليها بباب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر. هذا باختصار شديد وهو من الاستدلالات التي تحتاج إلى تعب حتى يأتي بها الإنسان، وهذا ذكرها ابن حجر في فتح الباري.
الوجه الثالث من كلامي عن الحديث وفي الفوائد المنهجية التربوية الإيمانية إلى آخره التي يمكن أن تستخرج من الحديث. أولا، ومن أهم الفوائد هذه التي هي شؤم التنازع بين المسلمين. التنازع بين المسلمين يرفع البركة. مع أن بعض العلماء ذكر أن الخلاف الذي حصل بين الصحابيين الذين سمي في بعض الروايات عبد الله بن أبي حدرد وكعب بن مالك، كان في قضية أشباه ما يكون بالاختصام عند القاضي، ولكن حصل رفع صوت وكانت في المسجد وفي ليالي مباركة فلم يكن هذا المكان ولا الزمان المناسب ولا الحال المناسبة، وليس المقصود أنهم اختلفوا اختلاف عادي أو لا مبرر له، هو كان قضية بينهما حسب ما ذكر في بعض الروايات، ومع ذلك رفعت بركة تعيين ليلة القدر بسبب هذا التنازع. في بعض الروايات التي توضح قال: فاختصم رجلان أو فتنازع رجلان معهما شيطانهما، هذا أظن في صحيح مسلم.
فينظر الإنسان كيف شؤم الاختلاف بين رجلين بس رجلين أمام النبي صلى الله عليه وسلم في سياق معين، رفعت بركة معينة. ما بالكم باختلاف جماعات واحتراب فصائل وأعداد كبيرة بين المسلمين على خلافات لا مبرر لها في كثير من الأحيان، ألا تنزع البركة؟ تنزع البركة. ألا تؤدي إلى الهزيمة؟ تؤدي إلى الهزيمة. ألا تؤخر النصر؟ تؤخر النصر. فيعني في هذا الدرس أو في هذا الموقف عبرة كبيرة جدا، وهو من الأحاديث التي ينبغي استحضارها دائما، أنه تحديد ليلة القدر خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرهم به فنسي النبي صلى الله عليه وسلم فرفعت، يعني في بعض الأوقات فنسيتها أو فأنسيتها، يعني النبي صلى الله عليه وسلم نسيها بسبب هذا الخلاف، طبعا هذا قدر بلا شك ولكن هذا تنبيه للشيء بسببه أنه هذا بسبب هذا. فهذا شؤم كبير يمكن أن يحدث للمسلمين بسبب الخلافات والمشاكل.
الفائدة الثانية من الوجه الثالث: أن ما يحدث من الشر أو من الخلافات من الجيد أن تتلمس في جوانب الخير أيضا. يعني هنا كان خسارة أن لا نعرف ليلة القدر، ولكن في نفس الوقت فيها خير من جهة أخرى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وعسى أن يكون خيرا لكم» ورفعت «وعسى أن يكون خيرا لكم»، يعني لتجتهدوا في بقية الأيام والليالي إلى آخره. فلو كانت محددة ما اجتهدنا في تلك الليالي، طبعا هي من جهة لو كانت محددة أصبنا ليلة القدر قطعا، عرفناها بالضبط، ولكن من جهة أخرى يجتهد الإنسان في عشر ليالي، ولكن طبعا هذا يفوت الفرصة على كثير ممن لا يستطيع الاجتهاد أو ممن تضعف نفسه عن الاجتهاد في عشرة ليالي متتالية، فعسى أن يكون خيرا لكم. هذا نستفيد من هذا المنهج أنه إذا حصل مشكلة أو حصل شيء يحاول الإنسان أن يأتي بجوانب الخير التي يمكن أن يخرج بها، وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: 11].
إذن الفائدة الثالثة: هي منهجيا ودعويا من الجيد أن توضح الأخطاء بصراحة وتربط الأمور بأسبابها حتى يستفاد منها وتتقى، ولا تبقى الأخطاء غامضة محبوسة في بطون الموجهين والمربين وأصحاب الشأن. النبي صلى الله عليه وسلم هنا أخبر الصحابة عن سبب رفع البركة ورفع الخبر بليلة القدر، وذلك هذا من فوائده أن يعرف المسلمون الخطأ ويجتنبوه في المستقبل، قال: «إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان فرفعت»، يعني هذا هو السبب. فمعرفة الأخطاء ومعرفة السبب ولو كانت في داخل الإطار المسلم، الإطار المهتم، الإطار العامل للإسلام، ما في أشكال بل هو مطلوب حتى يجتنب هذا الخطأ. «وإنه تلاحى فلان وفلان فرفعت»، وهذا هدي نبوي. الإنسان ما يتحرج من ذكر الأخطاء، لكن طبعا بالأسلوب الحسن بالأسلوب المناسب؛ شوف النبي صلى الله عليه وسلم كيف عقب؟ قال: «وعسى أن يكون خيرا لكم».
فهذه قضية منهجية مهمة، ويشهد لها في القرآن قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 217]. هذه سرية أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم وقتلت في الشهر الحرام، قتلت مشركين، الشهر الحرام ليس شهر قتال. هنا جاء المشركون وانتقدوا الصحابة، الله سبحانه وتعالى هل لن يذكر هذا الخطأ؟ لا، ذكره: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، أمر كبير، خطأ لازم يذكر. ثم: أنتم أيها المنتقدون لا تغفلوا عن أخطائكم، قل قتال فيه كبير، وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وأخراج أهله منه أكبر عند الله، هذاك كبير وهذا أكبر؛ ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ نقطة أكمل: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، اللي أنتم يا المنتقدين تتكلمون عن هؤلاء الذين انتهكوا في الشهر الحرام خطأ وإن كان هذا خطأ، لكن فعلكم أكبر وأشد: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ من قتل أولئك في الشهر الحرام، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾، الفتنة أكبر من القتل؛ القتل الذي حصل من الصحابة والفتنة اللي هي الشرك والصد عن سبيل الله، هذي الفتنة، هذي أكبر عند الله من القتل.
الحديث التالي حديث حقيقي طويل، والكلام في حديث جبريل يحتاج إلى ما يكفي الوقت الباقي فنكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد