يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن، وتعلم علم اللغة الفصيحة ورعها بطريف أسلوب وحسن بيان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أرحب بكم أيها الإخوة والأخوات في هذا الدرس السابع من دروس اللغة العربية في أكاديمية زاد، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح. درسنا سيكون استكمالاً لما بدأنا به الحديث عن التوابع. ذكرنا في درس سابق أن التوابع، والمقصود بها التي تتبع ما قبلها في الإعراب، هي النعت والتوكيد والعطف والبدل، فهذه الأربعة هي التوابع التي تتبع ما قبلها في الإعراب.
درسنا سيكون عن النوع الثاني من أنواع التوابع، فقد تحدثنا في درسين سابقين عن النعت، واليوم نتحدث بإذن الله عز وجل عن التوكيد، ويقال فيه أيضاً التأكيد. ما المقصود بالتوكيد؟ وما هي صور هذا التوكيد؟ التوكيد أسلوب من الأساليب؛ فالمتحدث حينما يخبر بخبر، فأحياناً يحتاج إلى تأكيد حديثه، يحتاج أن يؤكد هذا الخبر. قد يستعمل أساليب مختلفة للتأكيد، قد يستعمل القسم فيقول: والله كذا للتأكيد، وقد يستعمل بعض الأدوات التي جاء بها للتأكيد مثل "إن"، فلما يأتي إنسان ويقول: حضر فلان، أو حضر خالد، فيقول: «إن خالداً حاضر»، فهذا تأكيد وتوكيد للكلام. وهناك صور كثيرة للتوكيد.
ليس المجال هنا الحديث عن فائدة التوكيد ومتى يأتي التوكيد، ومتى يؤكد المتحدث كلامه، ومتى يراعي المخاطب؛ فإذا كان المخاطب خالي الذهن كيف يخبر له الخبر أو ينقل له الخبر، وإذا كان متردداً أو كان منكراً كيف يؤكد له الخبر، فذاك مجاله في علم البلاغة. لكن الذي يهمنا صورتان من صور التوكيد: التوكيد اللفظي والتوكيد المعنوي. التوكيد اللفظي بإعادة اللفظ نفسه، يعاد اللفظ كما هو، وهذا التوكيد اللفظي. والتوكيد المعنوي بألفاظ معينة خاصة بالتوكيد مثل نفس وعين وكل وما أشبه ذلك.
لماذا نحن نتحدث عن التوكيد؟ لأن النوعين يتبعان ما قبلهما في الإعراب، ولذلك جاء الحديث في النحو عن التوكيد من هذا الجانب من هذا الباب، وهو باب التبعية؛ وذلك أن التوكيد اللفظي أو التوكيد المعنوي كلاهما يتبع ما قبله في الإعراب. فإذا كان المتبوع -والذي هو المؤكد- مرفوعاً فيكون التوكيد مرفوعاً، وإذا كان منصوباً يكون منصوباً، وإذا كان مجروراً يكون مجروراً وهكذا، سواء كان التوكيد لفظياً أو معنوياً فإنه يتبع ما قبله في الإعراب. لذلك نحن ندرس التوكيد في النحو هنا، أما الجوانب الأخرى المتعلقة بالتوكيد، ومتى يستخدم المتكلم التوكيد، وما هي أساليب التوكيد وطرائقه بالقسم أو بـ "إن" أو بالتقديم والتأخير وما أشبه ذلك، فهذا بابه في علم البلاغة وليس في علم النحو. إنما النحو يدرس هذين النوعين لأنهما يتبعان ما قبلهما في الإعراب، فيدخلان في باب التوابع.
إذاً التوكيد هو تثبيت الخبر وتثبيت الكلام عند المخاطب، فقد يكون التثبيت بإعادة اللفظ نفسه، المتكلم يكرر اللفظ نفسه. حينما أقول لشخص: لا لا تدخل، هذا تأكيد له. حينما أقول له: تفضل تفضل، فأنا أؤكد هذا الكلام. حينما أقول له: جاء فلان، هذا تأكيد وتوكيد له. حينما أقول: حضر الطلاب كلهم، حينما أقول: حضر الطلاب، هل يلزم من كلامي أن جميع الطلاب حضروا لم يتغيب أحد؟ ربما يكون مقصودي حضر عامة الطلاب، جل الطلاب، أكثر الطلاب. لكن حينما أقول: حضر الطلاب كلهم، فهنا أنا أؤكد على أن الحاضرين هم جميع الطلاب. قال الله عز وجل: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: 30]، كلهم أجمعون، جميع الملائكة لم يتخلف أحد، لم يتخلف أحد. وعليه فمن يسمع هذا الكلام لا يتطرق إليه الشك أو يتطرق إليه الاحتمال غير ذلك، غير أن الجميع قام بهذا العمل، وهذه هي فائدة التوكيد. ولذلك فنحن سنتحدث إن شاء الله عن نوعي التوكيد: التوكيد اللفظي والتوكيد المعنوي، وسيكون إن شاء الله الحديث بالتفصيل عن التوكيد اللفظي بعد هذا الفاصل.
هل خطر على بالك وأنت على مائدة الطعام أنه رزق من الله؟ اعلم أن كل طعام مباح طيب نافع، وأن كل محرم خبيث ضار. قال الله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]. والحبوب والثمار والخضر والبقوليات كلها مباحة إلا ما يضر، سواء كان ضرره عاماً كالمخدرات، أم خاصاً كالحلويات لمريض السكري؛ قال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». والأشربة بأنواعها مباحة إلا ما أسكر، قال صلى الله عليه وسلم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». والحيوان البحري كله حلال حياً كان أم ميتاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم عن البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته». والأصل في الحيوان البري الحل إلا ما نص على تحريمه، مثل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، ويحرم ما نهي عن قتله كالهدهد، وما أمر بقتله كالعقرب، وجميع الخبائث كالحشرات. وأما البر مائي كالتمساح فهو من المتشابه فالأولى تركه، والمسكوت عنه الذي لا يدخل تحت سبب عام من أسباب التحريم ككونه ضاراً أو نجساً فهو عفو. وقد يحرم الطعام من جهة الكسب كالمسروق، وإن كان أصله من جنس المباح، فتحرَّ الحلال من الطعام واشكر الله على فضله، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172].
التوكيد ينقسم قسمين: توكيد لفظي، وتوكيد معنوي. سنقف الآن بإذن الله عز وجل على النوع الأول وهو التوكيد اللفظي، ونبين ما المقصود بالتوكيد اللفظي وكيف يكون، ونذكر أمثلة لذلك ونعرب هذا النوع إن شاء الله من أنواع التوكيد وهو التوكيد اللفظي، ويكون ذلك إن شاء الله على اللوحة التعليمية.
إذاً أيها الإخوة، أنواع التوكيد: التوكيد اللفظي والتوكيد المعنوي. التوكيد اللفظي هو توكيد الكلمة بلفظها، وحينما نقول توكيد الكلمة بلفظها بمعنى أننا نكرر الكلمة ذاتها، نعيد الكلمة ذاتها. "أخاك أخاك يشد عضدك"، فهنا أنا حينما أقول: أخاك أخاك، فإنني كررت هذه الكلمة "أخاك". الزم أخاك، فأخاك الأولى إذا جئنا نعربها نقول أنها منصوبة بفعل مقدر تقديره: الزم أخاك ليشد عضدك. إذاً أخاك الأولى هذه منصوبة بفعل محذوف، أخاك الثانية توكيد لفظي، بمعنى أننا أكدت الكلمة الأولى بالكلمة الثانية. حينما نأتي نعرب الكلمة الأولى قلنا: أخاك مفعول به لفعل مقدر، أخاك الثانية توكيد لفظي وهي تابعة للأولى، الأولى منصوبة إذاً الثانية منصوبة، ما أستطيع أقول أخاك أخوك أو أخاك أخيك؛ أرفع أو أجر ما دام الأولى منصوبة إذاً الثانية تكون منصوبة مثلها فهي تابعة لها. فإذا لو سألت سؤالاً وقلت: أخاك أخاك يشد عضدك، أين التوكيد؟ ستقولون التوكيد في أخاك الثانية. طيب ما إعرابها؟ نقول: توكيد لفظي منصوب، لماذا منصوب؟ لأن المتبوع وما قبله منصوب، إذاً هو تابع له.
"رأيت رأيت الأسد". التوكيد أكيد أيها الإخوة يحتاجه المتحدث في مواقف كثيرة، ولا نستغني عنه حتى في لغتنا اليومية؛ حينما نتكلم فنحن نحتاج إلى التوكيد وكثيراً ما نكرر من أجل أن نؤكد. حينما أخاطب الابن أقول: انتبه، انتبه، انتبه، انتبه. لماذا أكرر؟ أنا أكرر لأثبت هذا الأمر، لأؤكد له ليتنبه جيداً. هنا "رأيت رأيت الأسد"، هنا أيضاً تكرر الفعل فالمكرر هو توكيد لما قبله. وهذا أيضاً في القرآن موجود، قال الله عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 10-11]، السابقون السابقون، فهنا تكررت الكلمة وهذا تأكيد. هو هو، وذاك ذاك، هو هو الشيخ الصالح. وأيضاً قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
إذاً التوكيد اللفظي أمره سهل وواضح، والمقصود منه تثبيت الأمر والتوكيد والتقوية، تقوية الخبر، تقوية الشيء الذي يراد تقويته بتكراره. الثاني يتبع الأول في الإعراب، لأنه نحن قلنا أن التوكيد من التوابع، فالثاني يتبع الأول في إعرابه تابع له، فهو توكيد؛ إن كان ما قبله مرفوع فهو مرفوع، ما قبله منصوب فهو منصوب، ما قبله مجرور فهو مجرور وهكذا.
السؤال: هل يكون التوكيد في أنواع الكلمة كلها؟ بمعنى هل يكون التوكيد اللفظي في الأسماء؟ هل يكون التوكيد اللفظي في الأفعال؟ هل يكون التوكيد اللفظي في الحروف؟ الجواب: التوكيد اللفظي يكون في الأسماء، ويكون في الأفعال، ويكون في الحروف، ويكون في الجمل. بمعنى قد أكرر الاسم فيكون هذا توكيداً لفظياً اسماً، وقد أكرر الفعل "رأيت رأيت"، "جاء جاء زيد"، أكرر الفعل. وقد أكرر الحرف، أقول مثلاً: لا لا تدخل هنا، وأقول مثلاً كما قال الشاعر: "لا أَبُوحُ بِبُثْنَةٍ إِنَّهَا أَخَذَتْ عَلَيَّ مَوَاثِقاً وَعُهُوداً لا"، فهنا يؤكد النفي تأكيد النفي "لا"، وهكذا يمكن الحرف أن يكرر من أجل التأكيد. وكذلك أيضاً قد يقع التوكيد اللفظي في الجمل، بمعنى أقول جملة ثم أكرر الجملة، فأقول مثلاً: حضر محمد، حضر محمد، فأكرر الجملة مرة أخرى من باب التوكيد، وهذا كله في التوكيد اللفظي في النوع الأول من أنواع التوكيد، ومنه قول المؤذن: "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة"، حينما يقيم الصلاة يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فهو يكرر ويعيد هذه الجملة.
إذاً التوكيد اللفظي هو توكيد الكلمة بلفظها، إن فعلاً ففعل، وإن اسماً فاسم، وإن حرفاً فحرف، وإن جملة فجملة. فإذاً في جميع الأنواع يقع التوكيد اللفظي. التوكيد اللفظي هو بتكرار الكلمة وهدفه وغايته تقوية الكلام. فهذا هو ما يتعلق بالتوكيد اللفظي أيها الإخوة. نقف الآن مع بعض النماذج التي تدل على التأكيد أو التوكيد اللفظي، من ذلك قول الشاعر: "فَأَيْنَ إِلَى أَيْنَ النَّجَاةُ بِبَغْلَةٍ ... أَتَاكَ أَتَاكَ اللَّاحِقُونَ احْبِسِ احْبِسِ".
سنجد أن عندنا "أتاك أتاك"، لو سألت سؤالاً: هذا التوكيد اللفظي "أتاك أتاك" من أي الأنواع؟ هو من توكيد الاسم باسم مثله أم بتأكيد الفعل أم الحرف أم الجملة؟ سيقول بعضكم الفعل، وأنا أقول الجملة، لأنه "أتاك أتاك"؛ لأن عندنا فعل "أتى" وعندنا فاعل، وعندنا الكاف في موضع نصب مفعول به، فهنا أكدنا الجملة بجملة، تأكيد الجملة بجملة، لذلك لو قال "أتى أتى" يمكن أن نقول بالفعل، لكن "أتاك أتاك اللاحقون احبس احبسي" فهنا تأكيد أيضاً بالجملة. هل في هذا الشطر توكيد آخر توكيد لفظي آخر؟ الجواب نعم، "احبس احبسي"، "احبس" فعل أمر، وفيه فاعل ضمير مستتر تقديره أنت، و"احبس" الثانية كذلك فعل وفيها فاعل تقديره أنت، إذاً هذا من أنواع الجمل أيضاً، لأنه "احبس" فيها ضمير مستتر تقديره أنت. لو قال قائل إنه من تأكيد الفعل بالفعل فلا ضير في ذلك، لكن لأن فعل الأمر يلزم منه أن يكون فيه فاعل وهو الضمير المستتر، فإذاً هذا من أنواع أو من أمثلة ونماذج التوكيد اللفظي.
كذلك أيضاً قول الشاعر: "لا أَبُوحُ بِبُثْنَةٍ إِنَّهَا أَخَذَتْ عَلَيَّ ... بِبُثْنَةٍ لَا أَبُوحُ بِبُثْنَةٍ إِنَّهَا أَخَذَتْ عَلَيَّ مَوَاثِقاً وَعُهُوداً". وبعضهم يرويه يقول إن هذا البيت ليس لجميل بثينة وإنما هو لكثير عزة، وأن البيت "لا أَبُوحُ بِعَزَّةٍ" لا يهمنا ذلك، الذي يهمنا أن الشاعر قال "لا أَبُوحُ... لا أَبُوحُ"، فهنا كرر الكلمة وهي "لا" مرتين والمقصود به التوكيد. فهنا كرر من أي الأنواع؟ هنا من تكرار الحرف، من تأكيد الحرف بحرف مثله، يعني زيادة تقوية الكلام، فكأنه يؤكد هذا النفي وأنه لا يمكن أن يحصل منه، وهذا ما نستخدمه كثيراً في كلامنا وفي حديثنا اليومي.
طيب، ذكر أهل العلم من النحاة والمعربين أن هناك ما يتوهم أو ما يظن بعض الناس أنه من التوكيد اللفظي، والصواب أنه ليس من التوكيد اللفظي؛ لأن المقصود التوكيد اللفظي هو تكرار اللفظ من أجل التقوية والتوكيد، قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22]، صفا صفا.
قالوا صفا صفا، من يرى لأول وهلة يظن أنه صفا تأكيد للصف الأولى، والجواب أنه ليس المقصود تأكيد صف بتأكيد بصف آخر، وإنما المقصود أنهم مرصوصون متراصون صفوفًا؛ صفا يتبع صف، صفا بعد صف، صفا بعد صف. فهذا ليس من التوكيد، لماذا؟ لأن المعنى لا يتغير أصل المعنى لا يتغير إذا حذفت التوكيد، يعني لو قلت أتاك اللاحقون هل يتغير المعنى؟ ما يتغير المعنى، لو قلت احبس يتغير المعنى؟ ما يتغير المعنى، لو قلت لا أبوح يتغير المعنى؟ لا يتغير المعنى.
قوله تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22] يختلف المعنى، لكن صفا صفا يعني صفا بعد صف، صفا بعد صف؛ وكذلك أيضًا دكا دكا، يعني دكا بعد دك، دكا بعد دك. فهذا ليس من التوكيد اللفظي، لأن التوكيد اللفظي يلزم منه أنه لو حذف المؤكد اللي هو الكلمة الثانية لو حذفت لا يتغير المعنى، لأن الهدف من التوكيد هو ماذا؟ هو تقوية المعنى فقط، تقوية المعنى وليس إضافة معنى جديد، وليست إضافة معنى جديد؛ فإذا التوكيد اللفظي هدفه التقوية، تقوية الكلام وتقوية الخبر. أما إذا كان هناك معنى آخر زائد من خلال تكرار الكلمة أو هناك شيء متعلق بتكرار الكلمة معنى آخر، فإنه لا يعد من باب التوكيد اللفظي.
ولذلك أيضًا تكلم العلماء لما قالوا: هل هناك فرق بين قول المؤذن الله أكبر الله أكبر وبين قوله قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة؟ فرق العلماء بين هذين؛ قالوا الله أكبر الله أكبر ليس من باب التوكيد، لأن الله أكبر الثانية إنشاء تكبير جديد وتكبير آخر غير التكبير الأول مقصود لذاته. أما قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة فهو تأكيد للجملة الأولى، فهي ليست ذكراً مقصوداً لذاته، ليست تكبيراً بعد تكبير مثل الله أكبر الله أكبر.
يعني حينما يقول الإنسان أستغفر الله أستغفر الله أستغفر، هذا ليس من باب التوكيد، وإنما هو إنشاء ذكر جديد، ذكر آخر غير الذكر الأول يهدف منه الذاكر أن يستزيد من الحسنات وما عند الله عز وجل والمغفرة، أستزيد من ذلك. والتكبير كذلك الله أكبر الله أكبر، فأنا أكبر وآتي بتكبير آخر غير التكبير الأول أهدف منه إلى تعظيم الله عز وجل وزيادة، وليس تأكيد المعنى السابق، فهو إنشاء كلام جديد. أما قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة فقالوا إن المقصود التأكيد فقط لأن المقام هنا مقام تقوية المعنى وتأكيده.
فرق العلماء بينهما، إذاً التوكيد اللفظي هو إعادة اللفظ كما هو، إن كان اسماً أو فعلاً أو حرفاً أو جملة؛ تعاد كما هي والمقصود بها تقوية المعنى وليس فيها معنى جديد. هذا هو التوكيد اللفظي، كيف يعرب؟ مثل ما ذكرنا أن هذا التوكيد تابع لما قبله، فإن كان مبنياً يكون مبنياً، وإن كان معرباً يكون معرباً، إن كان مرفوعاً يكون مرفوعاً، منصوباً يكون منصوباً، مجروراً يكون مجروراً، وهكذا. وهذا يتبين أكثر في الأسماء كما قلنا: أخاك أخاك، إن من لا أخا له كساع إلى الهيجا بغير سلاح؛ أخاك الأولى منصوبة بفعل مضمر تقديره الزم الزم أخاك، والثانية هي تأكيد للأولى.
هذا هو كل ما يتعلق أيها الإخوة بالنوع الأول من أنواع التوكيد، وهو التوكيد اللفظي. وسنتكلم بإذن الله عز وجل في الدرس القادم عن التوكيد المعنوي، إلى أن ألتقيكم إن شاء الله في الدرس القادم استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. عبدالله مسملي