يا راغبًا في كل علم نافع، متخلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلًا وتعلم اللغة الفصيحة، ورعها بطريف أسلوب وحسن بيان. بشرى لنا زاد أكاديمية بالعلم كالآزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. مرحبًا بكم أيها الإخوة والأخوات في هذا الدرس الثامن من دروس اللغة العربية في أكاديمية زاد في المستوى الرابع. أسأل الله عز وجل أن يوفقني وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح.
درسنا في هذا اليوم سيكون استكمالًا للدرس السابق؛ تحدثنا في الدرس السابق عن التوكيد، وكانت العناية في ذلك الدرس عن النوع الأول من أنواع التوكيد وهو التوكيد اللفظي، واليوم نتحدث بإذن الله عن التوكيد المعنوي.
ماذا يقصد بالتوكيد المعنوي؟ وكيف يكون التوكيد المعنوي؟ وما هي الألفاظ التي تستعمل للتوكيد المعنوي؟ التوكيد المعنوي هو توكيد للاسم بألفاظ محصورة يراد منها تقوية المعنى. كيف؟ هناك ألفاظ تستعمل للتوكيد، حينما أقول: «حضر الأمير نفسه»، كلمة «نفس» هنا لفظ جيء به للتوكيد لتقوية المعنى. حينما أقول: «قرأت الكتاب كله»، «كله» هنا المقصود به التوكيد.
حينما نقرأ قول الله عز وجل: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: 30]، فهنا التوكيد بكلمة «كلهم» والتوكيد بكلمة «أجمعون» أيضًا توكيد معنوي. فهذه الألفاظ وغيرها من الألفاظ التي تستعمل للتوكيد هي ألفاظ محصورة، ويراد منها تقوية المعنى وتوكيد الاسم السابق لها، ولذلك ما دام أنه تقوية للمعنى وليس بإعادة اللفظ، فقد سمي توكيدا معنويًا.
نقف مع بعض الأمثلة: «وصل المدير نفسه». حينما أقول: «وصل المدير» أو حينما أقول: «حضر الأمير»، قد يتطرق إلى الذهن عند السامع احتمال أن يكون المراد: حضر أمره، أو حضر خطابه، أو حضر وزيره. قد يرد هذا الاحتمال، فأنا حينما أريد أن أقوي هذا الأمر عند السامع أقول: «حضر الأمير نفسه»، وهذا أيضًا من المعاني ومن الطرق التي نستخدمها ونستعملها نحن في لغتنا اليومية أحيانًا؛ حينما نؤكد نقول: «جاء الأستاذ نفسه»، «جاء المدير نفسه»، فهنا يقصد به التوكيد، وهذا من التوكيد المعنوي بكلمة «نفس».
«حضر الأمير عينه»، أي هو بذاته، لم يحضر أمره ولم يحضر فقط وزيره، إنما حضر هو عينه. «مررت بالبيت عينه»، يعني البيت المعين الذي يقصده المتكلم ويفهمه السامع. «فسجد الملائكة كلهم أجمعون». إذاً أيها الإخوة، التوكيد المعنوي يكون: بالنفس، بالعين، بكل، بكلتا، بكل، بجميع، بأجمع، بجمعاء، بعامة، بكافة. هذه ألفاظ تستعمل لتقوية المعنى لتأكيده، فتأتي بعد الاسم لتقويته حينما يتطرق الشك أو الاحتمال عند السامع، فيحتاج المتكلم أن يقوي كلامه ويؤكده بأحد هذه الألفاظ التي ذكرها النحويون.
«وصل المسؤول نفسه»، «وصل المسؤول نفسه»؛ هنا أين التوكيد؟ أين لفظ التوكيد؟ أين المؤكد؟ المؤكد هو «نفسه»، والمؤكد هو «المسؤول». «أثنيت على الفائزين كلهم»، المؤكد هو «الفائزين»، والتوكيد هو «كلهم». «صافحت المدير عينه»، يعني عين المدير، نفس المدير، وقد يستعمل «عين» مع «النفس». «جاء فلان جاء الأمير نفسه عينه». «أكرمت المرأتين كلتيهما». «شاركت الطبيبات أعينهن في علاج الجرحى». «فاز المتسابقان أنفسهما». «وزعت الجوائز على المشاركين جميعهم». «رأيت المعتمرات كلهن في الميقات».
نعيد المثال: «رأيت المعتمرات كلهن في الميقات». إذاً هذه هي الألفاظ التي تستعمل في التوكيد المعنوي: نفس، وعين، وكلى، وكلتا، وكل، وجميع، وأجمع، وجمعاء، وعامة، وما أشبه ذلك، وكافة وما أشبهها.
حينما أقول: «حضر الطلاب»، فإن السامع قد يتطرق له الاحتمال أن يكون هناك غياب طالب أو طالبين، إذا كان عدد الطلاب خمسين أو ثلاثين وغاب طالب، فإني أقول: «حضر الطلاب»، لكن إذا أردت التأكيد لأرفع هذا الاحتمال الوارد عند السامع بأن جميع الطلاب حضروا، أقول: «حضر الطلاب كلهم» أو «حضر الطلاب جميعهم»، بمعنى لم يتخلف أحد، لم يتغيب أحد.
فهذه الألفاظ تستعمل للتوكيد، لرفع الاحتمال، لرفع المجاز. ربما واحد يقصد مجازًا لما يقول مثلاً: «حضر الأمير»، يعني يقصد أمره، فهنا فيه مجاز، فيأتي لرفع المجاز عن الذات: «حضر الأمير نفسه»، لرفع احتمال إرادة الجزء مع إطلاق الكل، أو إرادة الجزء. «حضر الطلاب» هنا إطلاق الكل وإرادة الجزء قد يكون، لكن لرفع هذا الاحتمال أقول: «حضر الطلاب كلهم».
فاصل أيها الإخوة، ثم نواصل الحديث عن التوكيد المعنوي بإذن الله عز وجل.
منذ أن فارقت النبي ﷺ وهو لا يزال يذكرها بأرق الكلمات وأطيب العبارات، وفاءً لها واعترافًا بجميلها، حتى قال لإحدى زوجاته حين غارت منها: «إني قد رزقت حبها». إنها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية رضي الله عنها؛ الزوجة الوفية والمؤمنة الصابرة التقية، أولى زوجات النبي ﷺ، وأم جميع أولاده سوى إبراهيم.
ولدت بمكة سنة ثمان وستين قبل الهجرة، وكانت من أعرق بيوتات قريش نسبًا وحسبًا وشرفًا، ولذا نشأت على الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، فكانت عفيفة رصينة ذات عقل وحزم. وحين سمعت بخبر الصادق الأمين ﷺ، رغبت في أن تجعله يعمل في تجارتها فعمل فيها، فربحت أضعاف ما كانت تربح مع غيره، فوسطت من عرض عليه الزواج منها، فوافق عليه الصلاة والسلام وتزوجها.
كانت رضي الله عنها تعد للنبي ﷺ الزاد الذي يكفي حينما كان يتعبد في غار حراء، وقد هرع إليها بعدما فاجأه الوحي وهو في الغار، فطمأنته بقولها: «كلا والله ما يخزيك الله أبدًا». فكانت أول من أسلم من الناس قاطبة، وخير من بذل بنفسها ومالها، ظلت مع النبي ﷺ صابرة على أذى قريش حتى وقع حصار قريش على بني هاشم وبني المطلب في شعب أبي طالب، فالتحقت بزوجها في الشعب وعانت معه في سبيل الله ما عاناه بنو هاشم من جوع ومرض مدة ثلاث سنوات.
توفيت رضي الله عنها قبل هجرة النبي ﷺ بثلاث سنوات، فذهبت وبقي أثرها من فضائلها ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: أتى جبريل النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه طعام أو إناء فيه شراب، فإذا هي أتتك فأقرئها السلام من ربها عز وجل ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب».
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
نواصل أيها الإخوة الحديث عن التوكيد المعنوي. قلنا إن التوكيد المعنوي يكون بألفاظ معروفة: نفس، عين، كل، كلا، كلتا، جميع، أجمع، جمعاء، عامة، كافة، وما أشبه ذلك.
لكن هنا نحتاج أن نؤكد على أمر مهم، وهو أن هذه الألفاظ يتصل بها ضمير يعود على المؤكد. ماذا نقصد بهذا الكلام؟ نقصد حينما نقول: وصل المسؤول نفسه، أين التوكيد؟ وأين لفظ التوكيد؟ لفظ التوكيد هو «نفس»، والمؤكد هو «المسؤول». نلاحظ هنا أن في التوكيد لفظًا وهو «نفس» اتصل به الضمير الهاء، وهذا الضمير يعود إلى المؤكد، أي إلى المسؤول. فإذا كان هذا الضمير عائدًا على المسؤول وهو المؤكد، فلذلك قالوا يشترط أن يتصل بها ضمير يعود على المؤكد، وهذا الضمير دائمًا يعرب في محل جر بالإضافة.
لاحظ معي: «أثنيت على الفائزين كلهم». هنا أين التوكيد؟ التوكيد «كلهم»، وقد اتصل به الضمير، وهذا الضمير عائد على المؤكد؛ أي «أثنيت على الفائزين كلهم»، فـ«كل» هنا ضمير عائد على المؤكد. «صافحت المدير عينه»، هنا فيه ضمير عائد على المؤكد. «أكرمت المرأتين كلتيهما»، هنا الضمير «هما» عائد على المرأتين، والمرأتان هما المؤكد، و«كلتيهما» هو التوكيد.
«شاركت الطبيبات أعينهن في علاج الجرحى»، «أعينهن» الضمير الهاء هنا عائد على المؤكد. «هذان المتسابقان أنفسهما»، «وزعت الجوائز على المشاركين جميعهم»، «رأيت المعتمرات كلهن في الميقات»، «كلهن» ضمير عائد على المؤكد. فإذن التوكيد المعنوي يكون بألفاظ محددة: عين ونفس وما أشبه ذلك، يتصل بها ضمير يعود على المؤكد.
المسألة الثانية وهي: كيف يعرب التوكيد وكيف يكون حاله مع المؤكد؟ أولًا: المؤكد -وهو الاسم الأول السابق- يعرب بحسب موقعه من الإعراب بحسب موقعه من الجملة؛ فقد يكون مبتدأ، وقد يكون فاعلاً، وقد يكون مفعولًا به. فالمؤكد الذي هو اللفظ الذي حصل تأكيده يعرب حسب موقعه في الكلام، من كان فاعلاً فهو فاعل، ومن كان مفعولًا به فهو مفعول به، وهكذا.
أما التوكيد -وهو نفس وعين وجميع وأجمع وكل وما أشبه ذلك من الألفاظ- فإنها تابعة؛ ولذلك نحن قلنا إن التوكيد من التوابع التي تتبع ما قبلها في الإعراب؛ فإن كان الذي قبله مرفوعًا كان مرفوعًا، ومجرورًا مجرورًا، ومنصوبًا منصوبًا، وهكذا، كما يتبعه في الإفراد والتثنية.
هنا أمر مهم جدًا: التوكيد المعنوي لا يتقدم على المؤكد. لا تأتِ وتقول: «جاء نفس الأمير»، إذا قلت «جاء نفس الأمير» فهناك من يقول إن هذا التعبير فيه إشكال؛ المفروض أن تقول: «جاء الأمير نفسه». ولو أجازه بعضهم وقال «جاء نفس الأمير»، هنا ليس عندنا توكيد في الإعراب؛ نقول «نفس» تصبح فاعلًا. ما دام قد تقدم لا يعد توكيدًا، فلا يكون إعرابه توكيدًا ما دام تقدم. لذا يتأخر؛ وبعض العلماء يقول إن هذا التعبير فيه إشكال، فلا يتقدم لفظ التوكيد على المؤكد، فتقول: «حضر الأمير نفسه» ولا تقول: «حضر نفس الأمير». وهذا من أحكام التوكيد.
نعود أيها الإخوة إلى الشريحة السابقة لنرى كيف نعرب المؤكد والتوكيد: «وصل المسؤول نفسه». ما إعراب «المسؤول»؟ المسؤول هنا فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. «نفسه»، «نفس» توكيد مرفوع، لماذا مرفوع؟ لأنه تابع للمرفوع. إذن هو توكيد تابع للمرفوع، و«نفس» توكيد مرفوع وعلامة رفعه الضمة، وهو مضاف، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
وهل يصح أن أقول: «وصل نفس المسؤول»؟ بعضهم يقول هذا لا يصح، تقول: «وصل المسؤول» أو تقول: «وصل المسؤول نفسه». لو قلنا وأجزنا وقلنا «وصل نفس المسؤول»، فإن هنا في هذه الجملة ليس عندنا كلمة تعرب توكيدًا، وإنما «نفس» تصبح فاعلًا و«المسؤول» مضافًا إليه.
«أثنيت على الفائزين كلهم». أين المؤكد؟ المؤكد هو «الفائزين»، وإعرابه: اسم مجرور وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم. «كلهم»، قل لي هنا: توكيد معنوي مرفوع ولا منصوب ولا مجرور؟ الجواب أنه مجرور؛ لأن المتبوع الذي هو المؤكد مجرور، فما دام المؤكد مجرورًا فهو سيكون مجرورًا مثله، وهو مضاف والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
حاصل أيها الإخوة، ثم نواصل الحديث عن إعراب التوكيد المعنوي والجملة التي احتوت على توكيد معنوي إلى أن نلتقي بعد الفاصل.
استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله.
الصلاة ثاني أركان الإسلام ومبانيه العظام، أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، صلة بين العبد وربه، طائل سامية وخصال عالية اجتمعت في عبادة واحدة. إنها الصلاة، كما أنها تمحو الخطايا؛ قال عليه الصلاة والسلام: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا». وتبعد الإنسان عن الوقوع في المعاصي والمنكرات.
قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ سَخْطَتُنَا﴾ [الأعراف: 130]. فكيف لعاقل أن يرد كل هذه الهدايا والعطايا ويعرض نفسه لسخط الله وعذابه؟ فقد توعد الله المتهاون في أدائها، فقال وحين يسأل أهل النار عن سبب دخولهم فيها يكون أول جوابهم، لذا جعل النبي ﷺ...
«بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة». قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدًا من أكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة. فدين بلا صلاة كبيت بلا عماد، فإنها ميزان النجاة وسبيل الفلاح، فاحرص على إقامتها وسلامتها». ﴿فَذَاقَ وَبَالَ أَمْرِهِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ فِرَقَاءَ﴾ [الطلاق: 11]، وكل نفس بما كسبت رهينة.
بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الإخوة، نواصل الحديث عن إعراب التوكيد المعنوي. وقفنا عند هذا المثال: "صافحت المديرة عينه"؛ المديرة هنا ما إعراب المدير؟ ليس فاعلاً، وإنما هو مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وعينه توكيد معنوي منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
"أكرمت المرأتين كلتيهما"؛ انتبهوا، أكرمت: فعل وفاعل، والمرأتين مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه مثنى، وكلتيهما توكيد معنوي منصوب لأن المؤكد منصوب، وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بالمثنى.
"شاركت الطبيبات أعينهن في علاج الجرحى"؛ هنا الطبيبات ما إعرابها؟ الطبيبات وهو المؤكد فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة، وأعينهن توكيد معنوي مرفوع وعلامة رفعه الضمة، وهو مضاف، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
"فاز المتسابقان أنفسهما"؛ سنقف مع هذا المثال. "وزعت الجوائز على المشاركين جميعهم"؛ هنا المؤكد أين؟ المؤكد المشاركين. المشاركين اسم مجرور وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم، وجميعهم توكيد معنوي مجرور وعلامة جره الكسرة، وهو مضاف، والهاء مضاف إليه.
سنقف أيها الإخوة مع آية وعبارة، أما الآية فهي قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [إبراهيم: 48]. أين لفظ التوكيد هنا؟ سيقول الجميع إن لفظ التوكيد هو "أجمعين". ما إعرابه؟ لابد أن نحدد أولاً أين المؤكد، والمؤكد هنا هو الضمير في "لموعدهم".
لو أردنا أن نعرب الآية كاملة نقول: إن حرف توكيد ونصب، وجهنم اسم إن منصوب، واللام هي اللام المزحلقة، وهي في الأصل لام الابتداء، وموعد خبر إن مرفوع وهو مضاف، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الضمير هنا في محل جر لأنه في موضع المضاف إليه، فإذاً هو في موضع جر حينما أكدنا هذا الضمير بـ "أجمعين". كيف جاءت "أجمعين"؟ جاءت مجرورة لأن التوكيد تابع، وما دام المؤكد وهو الضمير "هم" في موضع جر، فإنه يأتي التوكيد مجروراً.
إذن هنا توكيد مجرور وعلامة جره الياء؛ لأنه معرب، لكنه لا يلزم أن يكون جره بعلامة ظاهرة، فقد يكون مبنيًا. الضمير "هم" مبني في جميع حالاته على الضم، لكنه في محل جر بالإضافة، فجاء التوكيد مجروراً مثله. الفرق أن الضمير مبني وهذا معرب فظهرت العلامة هنا وهي الياء.
هنا المثال الآخر: "محمد يحب المكرمات كلها". محمد يحب المكرمات، أين المؤكد؟ المكرمات، والتوكيد "كلها". ما موقعه الإعرابي؟ المكرمات مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة لأنه جمع مؤنث سالم، وحينما جئنا إلى التوكيد "كلها" نصبناه بالفتحة؛ لأنه ليس جمع مؤنث سالم حتى ينصب بالكسرة، فيتنبه لهذا: المكرمات مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة، وكلها توكيد للمكرمات منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
أما المثال الآخر: "فاز المتسابقان أنفسهما". فاز: فعل ماض مبني على الفتح، المتسابقان: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى. أنفسهما: لاحظ هنا أن "أنفس" جاءت بصيغة الجمع وإن كان المؤكد مثنى، وهذا كثير في كلام العرب، "أنفسهما" توكيد معنوي مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني على السكون في محل جر بالإضافة.
هذا هو إعراب التوكيد المعنوي؛ المؤكد بحسب موقعه في الكلام، والتوكيد الذي هو بلفظ (نفس وعين وكل) وما أشبه ذلك يكون لما قبله، فإن كان ما قبله مرفوعًا كان مرفوعًا، وإن كان منصوبًا كان منصوبًا، وإن كان مجرورًا كان مجرورًا.
بهذا نكون قد أنهينا الحديث أيها الإخوة عن التوكيد المعنوي. أسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، وأن يوفقنا للعمل الصالح. وإلى أن نلتقي إن شاء الله في درس قادم، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. عبدالله مسملي