يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً يأتيك ميسورًا بأي مكان، صافي اللغة الفصيحة، ورعها بطريف أسلوب وحسن بيان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أرحب بكم أيها الإخوة والأخوات في هذا الدرس الثاني من دروس اللغة العربية في أكاديمية زاد في الفصل الرابع. درسنا سيكون عن اسم التفضيل؛ حينما يريد المتكلم أن يصف شخصًا بأنه أفضل أو أزيد في هذه الصفة من شخص آخر، شخصان أو اثنان اشتركا في صفة، لكن زاد أحدهما على الآخر، فأراد المتكلم أن يبين أفضلية هذا على ذاك. في هذا الدرس سنتحدث عن هذا النوع من أنواع الكلام والأساليب، أسلوب التفضيل، نتحدث عن صياغته ونتحدث عن أحواله، سيكون ذلك بإذن الله على الشاشة وعلى السبورة بإذن الله عز وجل.
اسم التفضيل كما تشاهدون اسم مشتق من الفعل على وزن «أفعل». إذاً هنا على وزن «أفعل»، هذا أمر مهم جدًا للدلالة على أن شيئين اشتركا في صفة معينة وزاد أحدهما على الآخر في تلك الصفة. إذاً اثنان اشتركا في صفة من الصفات زاد أحدهما على الآخر في تلك الصفة، حينما نقول: أجمل، أعظم، أطول، ألطف، أكرم، على وزن «أفعل»، ويدل على أن ما قبل «أفعل» زاد على ما بعده في هذه الصفة.
ومنه قول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا﴾ [يوسف: 8]، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ [يوسف: 9]، وقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191]. إذاً هذا هو التفضيل؛ أن يكون شيئان اشتركا في صفة معينة وزاد أحدهما على الآخر في تلك الصفة، فيأتي المتكلم ليبين هذا التفضيل.
ننتقل إلى كيف يصاغ اسم التفضيل؟ يصاغ اسم التفضيل من الفعل الثلاثي التام المتصرف المثبت غير المنفي، وفق الشروط التي ذكرناها سابقًا في التعجب. في الدرس السابق تحدثنا عن فعل التعجب وأنه يصاغ مما اجتمعت فيه ثمانية شروط، والشروط نفسها تتكرر معنا في اسم التفضيل: أن يكون فعلًا، وأن يكون ثلاثيًا، وأن يكون تامًا، وأن يكون مثبتًا غير منفي، وأن يكون مبنيًا للمعلوم، وأن يكون تام التصرف، وأن يكون قابلاً للتفاوت، ألا يكون الوصف منه على وزن «أفعل» الذي مؤنثه «فعلاء».
هذه الشروط كلها لا بد أن تتوافر بالفعل الذي نقصد أن نصوغ منه «أفعل» التفضيل، لابد من اجتماع الشروط كلها. الشرط الأول: أن يكون الفعل ثلاثيًا، فإذاً لا يصاغ «أفعل» التفضيل من الرباعي أو الخماسي أو السداسي. الثاني: أن يكون تامًا غير ناقص، فلا يكون من الأفعال الناقصة ككان وكاد وأخواتهما وما أشبه ذلك. الثالث: أن يكون مثبتًا غير منفي، فلا يكون من «ما» كـ «ما خشي». الرابع: أن يكون مبنيًا للمعلوم، فلا يكون مبنيًا لما لم يسمى فاعله أو مبنيًا للمجهول.
الخامس: أن يكون تام التصرف، لا يكون جامدًا، لا يكون «نعم» أو «بئس» أو «عسى» أو ما أشبه ذلك. وكذلك أيضًا أن يكون قابلاً للتفاوت، أي يصلح الفعل للمفاضلة بالزيادة أو النقصان، فلا يصاغ «أفعل» التفضيل من فعل غير قابل للتفاضل وغير قابل للتفاوت مثل: غرق أو فني أو مات. السادس: ألا يكون الوصف منه على وزن «أفعل» الذي مؤنثه «فعلاء»، مثل: عرج وعور وما أشبه ذلك، فإنه أو عمي أيضًا؛ فإن مؤنثه عرجاء وعوراء وعمياء وهكذا.
فإذا استوفى الفعل تلك الشروط، فإننا نصوغ اسم التفضيل على وزن «أفعل» مباشرة؛ نقول: الكريم أفضل من البخل، العلم أنفع من المال، محمد أطول من عمر، وهكذا. إذاً هنا «أفعل» التفضيل كأن العلم والمال اجتمعا في صفة النفع، لكن زاد العلم زيادة واضحة بينة على المال في النفع. محمد أطول من عمر، اشتركا في صفة الطول لكن محمد صار أطول وزاد عليه في الطول.
ومنه قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ﴾ [الروم: 9]، وقوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [القصص: 81]. هذه الأمثلة وهذه الآيات كلها جاءت فيها الأسماء على وزن «أفعل» للتفضيل، وصيغت مما استوفت الشروط وهي الثمانية: أن يكون فعلًا، ثلاثيًا، متصرفًا، تام التصرف، مثبتًا، تامًا غير ناقص، قابلًا للتفاوت، وألا يكون الوصف منه على وزن «أفعل» الذي مؤنثه «فعلاء».
بقي أن أشير إلى كلمة هي تستعمل دائمًا للتفضيل، وهي لم تأتِ على وزن «أفعل» لكنها للتفضيل، وهي كلمة «خير». «خير» هذه للتفضيل؛ هذا خير من هذا. وكان الأصل «أخير» على وزن «أفعل» لكن حدث فيه تغيير فأصبحت «خير»، فيتنبه لذلك؛ لأن «خير» من أسماء التفضيل. إذا لم تتوافر الشروط في الفعل، فكيف يصاغ «أفعل» التفضيل منها؟ هذا ما سنعرفه بإذن الله بعد الفاصل.
أمانة يجب أداؤها وإتمامها، إنها الوظيفة. فمن صفات المؤمنين، فعلى الموظف إتقان عمله، قال ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه». وليلتزم بمواعيد الدوام آية ونهاية، ولا يتغيب عنه إلا لعذر قاهر، وليحافظ على أسرار الوظيفة وخصوصيات جهة العمل، وعلى الأجهزة والأدوات التي في محل عمله ولا يفسد شيئًا منها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: 56].
ولينفذ أوامر مديره فيما ليس بمعصية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]. وليراقب الله تعالى في وظيفته ولو كان مديره لا يراه، قال ﷺ في تفسير الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وعليه احترام زملائه والتعاون معهم وإفادة الموظفين من الجدد بخبراته، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
وليكن بشوشًا لينًا رفيقًا مع مراجعيه، وليقضِ لهم حوائجهم، قال ﷺ: «خير الناس أنفعهم للناس». وليحذر من الرشوة ولو سموها هدية أو إكرامية، قال ﷺ: «لعنة الله على الراشي والمرتشي». وليعلم الموظف أنه مسؤول يوم القيامة عن عمله، قال تعالى: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يس: 54].
بسم الله الرحمن الرحيم. نستكمل الكلام أيها الإخوة عن اسم التفضيل، وكنا قبل الفاصل ذكرنا بأن اسم التفضيل يصاغ من الفعل الذي توافرت فيه الشروط كلها.
إذا فُقد شرط من الشروط فكيف نصوغ اسم التفضيل؟ إذا فُقد شرط من الشروط فلا يصاغ بالتفضيل منه مباشرة، وإنما يتوصل إلى التفضيل منه بذكر مصدره الصريح مع اسم تفضيل مساعد. نأتي بالمصدر الصريح أو ما يشبهه ونأتي باسم تفضيل مساعد، وتصبح عندنا كلمتان: اسم التفضيل المساعد مثل: أكثر، أفضل، أجمل، أحسن، أشد، أو لا.
ما مثاله؟ نقول: الصيف أشد حرا من الخريف، يعني لا نستطيع أن نقول: الصيف أحر من الخريف؛ لأن الحر لم تتوافر فيه الشروط المذكورة سابقا، فماذا نعمل؟ نأتي بالفعل المساعد ونأتي بالمصدر، هذا الفعل المساعد وهذا المصدر: الصيف أشد حرا. الرجل أكثر حلما، وهو أفصح مني لسانا، والله أشد بأسا وأشد تنكيلا، أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا. هذا المصدر الذي يكون بعد اسم التفضيل كيف يعرب؟ يعرب تمييزا.
إذا لم تتوافر الشروط في الفعل الذي يصاغ منه اسم التفضيل، فإننا نأتي بفعل مساعد ويكون على وزن أفعل، يأتي بعده المصدر، والمصدر يعرب تمييزا. لو أردنا أن نصوغ اسم تفضيل من الفعل انطلق، ماذا نقول؟ هل نستطيع أن نأتي باسم التفضيل من انطلق؟ لا، لأنه ليس فعلا ثلاثيا. ماذا نقول؟ نقول: فلان أشد انطلاقا من فلان، أو فلان أقوى انطلاقا، نأتي بهذا الاسم المساعد ثم نأتي بعده بالمصدر: فلان أقوى انطلاقا، أشد انطلاقا، وهكذا. إذا لم تتوافر الشروط فإننا نأتي باسم تفضيل مساعد ونأتي بعده بالمصدر ويعرب المصدر تمييزا.
ننتقل بعد ذلك أيها الإخوة والأخوات إلى مسألة أخرى مهمة جدا وهي أحوال اسم التفضيل. اسم التفضيل قد يكون مجردا من ال والإضافة، يعني لا يكون فيه ال ولا يكون مضافا، كما أقول مثلا: فلان أعلم من فلان، أعلم هنا ليس فيها ال التعريف وليس مضافا. وقد يكون اسم التفضيل مضافا إلى نكرة، فنقول: فلان أكرم الناس، هنا مضاف إلى معرفة. وقد يكون مضافا إلى نكرة، وقد يكون معرفا بـ ال، فلان الأقوى، فلان الأعلم، فلان الأكرم. فإذا أحوال اسم التفضيل تتغير، وهنا سنتعرف بإذن الله على هذه الأحوال.
الحالة الأولى: أن يكون مجردا من ال والإضافة، يعني لا يكون فيه ال ولا تكون فيه الإضافة، وحينئذ يكون حكمه وجوب الإفراد والتذكير. لما نقول: محمد أكبر من أخيه، محمد أكبر من أخيه هنا ليس فيه ال وليس مضافا. علي أصغر سنا. هند أقصر من سعاد. هاتان البنتان أكبر من أختيهما. الأولاد أطول من البنات. وهكذا هذه الأمثلة كلها جاء اسم التفضيل فيها خاليا من ال وخاليا من الإضافة. ما الحكم؟ يجب أن يكون اسم التفضيل هنا مفردا مذكرًا، حتى لو كان المفضل مؤنثا، حتى لو كان مثنى، حتى لو كان جمعا، فإن اسم التفضيل يلزم الإفراد والتذكير.
يلزم حالة واحدة، متى يلزم حالة واحدة؟ إذا كان مجردا من ال والإضافة. ونلاحظ هنا أننا قلنا: الأولاد أطول، وهو جمع، جاء أطول على صيغة واحدة مفرد مذكر. وهنا مثنى مؤنث ومع ذلك جاء اسم التفضيل على صيغة واحدة مفردا مذكرًا، وهنا هند مؤنث وسعاد مؤنث ومع ذلك جاء اسم التفضيل على صيغة الإفراد والتذكير. إذا لو سألنا وقلنا: متى يلزم اسم التفضيل الإفراد والتذكير؟ يلزم إذا كان مجردا من ال والإضافة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 124]، وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَاهُمَا أَكْبَرُ نَفْعًا﴾ [الكهف: 19]، ومنه قوله تعالى: ﴿هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ سَبِيلًا﴾ [النساء: 175]. إذا هنا يلزم الإفراد والتذكير حينما يكون مجردا من ال والإضافة.
ننتقل بعد ذلك إلى الحال الثاني: أن يكون مضافا إلى نكرة. اسم التفضيل مضاف إلى نكرة، ما حكمه أيضا؟ يجب الإفراد والتذكير. حينما نقول: الكتاب أفضل أنيس، عندنا الكتاب هو المفضل واسم التفضيل أفضل وهو مضاف إلى النكرة. وكذلك: هذان الرجلان الصالحان أفضل صديقين، مضاف إلى النكرة. الطالبتان الملتزمتان أفضل طالبتين في المدرسة، مضاف إلى نكرة. ما الحكم؟ وجوب الإفراد والتذكير، يجب أن يكون اسم التفضيل مفردا مذكرًا، لكن ثمة ملاحظة يجب التنبه لها وهي أن المضاف إليه يطابق المفضل. هنا الكتاب هو المفضل والمضاف إليه أنيس، يجب أن تكون هناك مطابقة بين المضاف إليه وبين المفضل في التثنية والجمع، في التذكير والتأنيث. فنقول مثلا: الطالبتان الملتزمتان، هنا المفضل مثنى مؤنث، واسم التفضيل ملازم للإفراد والتذكير، لكن المضاف إليه مطابق للمفضل، مثنى مؤنث، مثنى مذكر، مفرد مذكر، وهكذا. ومنه قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: 54]، كان الإنسان أكثر شيء، أكثر شيء هنا مضاف إلى نكرة، نلاحظ هنا المطابقة بين المضاف إليه والمفضل.
إذًا خلاصة هاتين الحالتين: أن يكون مجردا من ال والإضافة، أو يكون مضافا إلى نكرة، وفي كلتا الحالتين يجب الإفراد والتذكير في اسم التفضيل. سنتعرف إن شاء الله بعد الفاصل على الحالات الأخرى لاسم التفضيل.
هي نصف المجتمع وتلد النصف الآخر، رمز العاطفة والعناية والعطاء، فهي الأم والأخت والزوجة والابنة، هكذا هي المرأة. ومع هذا فقد تعاملت حضارات وأمم سابقة معها على أنها رمز شر وشرقاء، آدم فسلبوها جميع حقوقها المادية والمعنوية، بل في بعض المجتمعات لا يحق لها أن تعيش بعد موت زوجها فتحرق معه وهي حية. فجاء الإسلام وأنصف المرأة وأعطاها كامل حقوقها وعزز مكانتها الحقيقية اللائقة بها، وحذر أشد التحذير من انتقاص حق من حقوقها، وبين أنها خير هبة من الله تعالى فقال: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الروم: 21]، فقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]، وقال النبي ﷺ: «...».
النساء شقائق الرجال، وأسند إليها مهمات ووظائف تتفق مع طبيعتها وأنوثتها من عناية وعطف ورحمة، فجعل من مهامها القيام على شؤون بيتها ورعايته؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها». وهذه الرعاية تحتاج إلى عناء وتعب لا يقل بحال عنها عن عناء الرجل في طلب الرزق ومتطلبات الحياة حتى يحصل التكامل داخل البيت وخارجه.
وأسند إليها كذلك مهمة تنشئة الأجيال؛ لكون الأسرة هي أساس المجتمع، فهذا تكوين طبيعي من الله للمرأة يبين أهميتها وعلو مكانتها ومتانة مركزها في دورة الحياة.
بسم الله الرحمن الرحيم، نستأنف الكلام أيها الإخوة والأخوات عن حالات اسم التفضيل. ذكرنا قبل الفاصل أن اسم التفضيل أربعة حالات:
الحالة الأولى: أن يكون مجردًا من (أل) والإضافة، وهنا يجب الإفراد والتذكير. الحالة الثانية: أن يكون مضافًا إلى نكرة، وهنا أيضًا يجب الإفراد والتذكير. الحالة الثالثة: أن يكون معرفًا بـ (أل)، كأن يكون اسم التفضيل معرفًا بـ (أل)؛ فتقول: فلان الأعلم، فلان الأفضل، الكتاب الفلاني أجدر، وهكذا يكون اسم التفضيل فيه (أل).
ما حكم اسم التفضيل في هذه الحالة إذا كان معرفًا بـ (أل)؟ حكمه وجوب مطابقته للمفضل. محمد هو الأصغر، محمد مفرد مذكر فالأصغر كذلك مفرد مذكر. يوم الحج الأكبر، يوم مفرد مذكر فالأكبر كذلك.
قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238]. سؤال: أين اسم التفضيل هنا في هذه الآية؟ الجواب: "الوسطى"، وليس على وزن "أفعل". جاء الحديث عنه هنا أن اسم التفضيل كما قلنا يجب مطابقته، فإذا كان المفضل مؤنثًا يكون اسم التفضيل مؤنثًا، فالوسطى مؤنث، وأوسط على وزن أفعل مؤنثه وسطى وجمعه أواسط.
هنا حينما كان المفضل مؤنثًا "الصلاة"، جاء اسم التفضيل على صيغة المؤنث "الوسطى"؛ لأنه معرف بـ (أل). لما عرف اسم التفضيل بـ (أل) طابق أو وافق المفضل؛ فإذا كان المفضل مذكرًا يكون اسم التفضيل مذكرًا، وإذا كان مؤنثًا يكون مؤنثًا، وإذا كان مثنى يكون مثنى، وإذا كان جمعًا يكون جمعًا. لاحظتم في الحالة الأولى والثانية يلزم اسم التفضيل الإفراد، فيكون على صيغة المفرد المذكر، ولا يكون على صيغة المؤنث ولا على صيغة الجمع ولا على صيغة التثنية، لكن هنا لما كان معرفًا بـ (أل) مثل: الأصغر، الأكبر، لابد من المطابقة بين اسم التفضيل وبين المفضل.
مثل: الرياضيون هم الأقوى، حفاظ السنة هم الأكثر التزامًا. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: 139]. "الأعلون" هنا هي "الأعلى"، ولكن لأن المفضل جاء ضمير الجمع "أنتم"، لحق اسم التفضيل الواو والنون وصار على صيغة الجمع.
وقال تعالى: ﴿فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [المؤمنون: 11]. أين اسم التفضيل هنا؟ اسم التفضيل هو "العلى"، وأين المفضل؟ المفضل هو "الدرجات". جاء اسم التفضيل معرفًا بـ (أل)، وما دام أنه معرف فلابد أن يطابق، وعندنا "العلى" اسم تفضيل لكنه جاء على صيغة الجمع؛ لماذا جاء على صيغة الجمع؟ لأن المفضل جمع، "الدرجات العلى"، فلا يقال "الدرجات الأعلى" وإنما يقال "الدرجات العلى". فهنا المطابقة لازمة لاسم التفضيل إذا كان معرفًا بـ (أل).
خلاصة الحالة الثالثة: أن اسم التفضيل إذا كانت فيه (أل) فإنه يطابق المفضل؛ فيكون مفردًا إذا كان مفردًا، ومثنى إذا كان مثنى، وجمعًا إذا كان جمعًا، ومؤنثًا إذا كان مؤنثًا.
الحالة الرابعة: أن يكون مضافًا إلى معرفة. الحالة الأولى: مجرد من (أل) والإضافة. الحالة الثانية: مضاف إلى نكرة. الحالة الثالثة: معرف بـ (أل). الحالة الرابعة: أن يكون مضافًا إلى معرفة، يعني هو يضاف وما بعده المضاف إليه يكون معرفة؛ مثل: محمد أفضل الرجال، "أفضل" مضاف و"الرجال" مضاف إليه وهو معرفة من المعارف.
ما حكمه؟ هل يجب الإفراد والتذكير مثل الحالة الأولى والثانية؟ أم تلزمه المطابقة؟ الجواب: يجوز الوجهان؛ يجوز أن نأتي به على صيغة المفرد المذكر، ويجوز أيضًا أن نطابق. محمد أفضل الرجال، محمد مفرد مذكر فجاء "أفضل" مفردًا مذكرًا. وتقول: هند أفضل النساء، هنا لزم الإفراد والتذكير، وهند مؤنث، و"فضلى" مؤنث "أفضل"، فيجوز الوجهان. وقالت: "الزيدان أفضل اللاعبين" أو "الزيدان أفضلا اللاعبين"، هنا طابق وهنا لزم الإفراد، فإذن يجوز الوجهان. والمواظبون على الصلاة أفضل المسلمين، أو المواظبون على الصلاة أفاضل المسلمين.
إذن إذا كان مضافًا إلى معرفة فإنه يجوز فيه الوجهان: الإفراد والتذكير، أو المطابقة في الإفراد والتثنية والجمع وفي التذكير والتأنيث. وقد جاء الوجهان في كتاب الله عز وجل في آيتين؛ الآية الأولى جاء فيها الإفراد والتذكير، وفي الآية الثانية جاءت المطابقة. الآية الأولى قول الله عز وجل: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 69]، "أحرص" هنا مضاف إلى المعرفة "الناس"، فجاء اسم التفضيل على صيغة الإفراد والتذكير مع أن المفضل جمع.
أما الآية الأخرى التي جاءت بالمطابقة، قول الله عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: 12]، وهنا قال "أكابر"، و"أكابر" هنا جمع "أكبر" لأن المفضل جمع، فالمطابقة جاءت لأن المفضل جمع، فجاء اسم التفضيل جمعًا "أكابر مجرميها" لأنه مضاف إلى المعرفة.
إذن الحالة الرابعة: إذا كان مضافًا إلى معرفة فإنه يجوز فيه الإفراد والتذكير وتجوز فيه المطابقة أيضًا. فأنت بالخيار؛ أما في الحالة الأولى والثانية فيجب الإفراد والتذكير، وفي الحالة الثالثة يجب المطابقة، أما في الحالة الرابعة فيجوز فيها الوجهان.
وبهذا نكون أيها الإخوة قد أنهينا الحديث عن هذا النوع من الأسماء وهو اسم التفضيل، نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وإلى أن نلتقي بإذن الله في درس قادم، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. عبدالله مسملي