دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريد سهلا، اللغة الفصيحة ورعها بطريف أسلوب وحسن بيان، بالعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أرحب بكم أيها الإخوة والأخوات في هذا الدرس، الدرس الثالث من دروس اللغة العربية في أكاديمية زاد. درسنا في هذا اليوم بإذن الله سنتحدث فيه عن أسلوب من الأساليب التي ينشئها المتكلم لغرض من الأغراض، هذا الأسلوب هو أسلوب المدح أو أسلوب الذم. حينما يحتاج المتكلم أن يمدح رجلا أو يمدح امرأة، أو يذم رجلا أو يذم امرأة، أو يمدح عملا أو خلقا، أو يذم عملا أو خلقا؛ فإنه يستعمل ألفاظا لإنشاء المدح أو إنشاء الذم. يأتي على رأس هذه الألفاظ نعم وبئس. سنتحدث في هذا الدرس عن هذا الأسلوب: كيف ينشأ، ومما يتكون، وما هي أحواله، وكيف ينشئه المتكلم إلى غير ذلك، وفي الدرس القادم إن شاء الله نتحدث عن إعراب جملة المدح أو الذم.

تعالوا بنا أيها الإخوة لمتابعة هذا الدرس من خلال هذه الشاشة: أفعال المدح والذم نعم وبئس وغيرهما من الأفعال، فحبذا ولا حبذا، حبذا في المدح ولا حبذا في الذم، وساء في الذم أيضا، وكذلك الأفعال التي تأتي على زنة فعل وتدل على المدح فإنها تدخل في هذا الباب، ولذلك يقال: أفعال المدح والذم وما يجري مجراها، وما يجري مجراها حبذا، لا حبذا، ساء، ضعف، حسن، كبر، وما قام مقامها من الأساليب النحوية التي استخدمها العرب للتعبير عن المدح أو الذم.

أمثلة ذلك: أولا فعل المدح، نعم الرجل طالب العلم، نعم العمل الصلاة في وقتها، ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: 30]. هذه أمثلة وآيات فيها أسلوب المدح واستخدم فيها الفعل نعم، وكذلك بئس حينما نقول: بئس الخلق الكذب، وبئست المرأة الناشز، ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 11]؛ فهذه أمثلة على المدح وعلى الذم كما أخذنا أمثلة المدح. إذا نعم وبئس هما اللفظان المشهوران لإنشاء المدح أو الذم.

للحديث عن نعم وبئس نقول إنهما فعلان على القول المشهور وعلى مذهب الجمهور، فإن من النحاة من يرى أن نعم وبئس اسمان لا فعلان، ولكن مذهب الجمهور وهو الصحيح أنهما فعلان، والدليل على فعليتهما قبولهما تاء التأنيث الساكنة؛ حينما نقول: نعمت المرأة هند، دخلت تاء التأنيث الساكنة على الفعل نعم، وعليه فهذا يدل على أن نعم فعل؛ لأن تاء التأنيث لا تدخل إلا على الأفعال، وكذلك بئس، فنقول: بئست المرأة حمالة الحطب، فدخلت تاء التأنيث الساكنة على بئس وهذا يدل على فعليتها. إذا نعم وبئس فعلان، وهما جامدان، وما معنى جامدان؟ أي لا يتصرفان، لا يأتي منهما المضارع ولا يأتي منهما فعل الأمر، وهذا يدل على جمودهما وأنهما يلزمان حالة واحدة وهي حالة المضي، أي الفعل الماضي. إذا نعم وبئس فعلان جامدان لإنشاء المدح في نعم، وإنشاء الذم في بئس، يستخدمان بهذا الغرض وهو إنشاء المدح أو إنشاء الذم.

نعود إلى هذه الأمثلة أيها الإخوة: نعم الرجل طالب العلم. لو تأملنا في هذه الجملة لوجدنا أنها تشتمل على الفعل نعم، وعلى الفاعل الرجل، وعلى المخصوص بالمدح، انتبهوا إذا عندنا الفعل وهو نعم، وعندنا الفاعل وهو الرجل، وعندنا المخصوص بالمدح وهو طالب العلم؛ ثلاثة أركان أساسية في هذه الجملة، سيأتي جزء رابع لكن الحديث عنه سيأتي لاحقا إن شاء الله. نعم العمل الصلاة في وقتها، ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: 30]، نعم هو الفعل، ودار هو الفاعل، وجنات عدن المخصوص بالمدح. إذا عندنا ثلاثة أركان في جملة المدح أو الذم: فعل المدح، الفاعل، والمخصوص بالمدح. لما أقول نعم الرجل، يسألني السائل ويقول تخص من تريد من بهذا المدح؟ فأقول له: طالب العلم، فإذن طالب العلم هو المخصوص بالمدح.

حينما نقول نعم فعل؛ فإننا نحتاج في هذه الجملة إلى فاعل، ما دام عندنا فعل إذا لا بد من الفاعل، إذا أين الفاعل؟ الفاعل الرجل، وطالب العلم هو المخصوص بالمدح. هذه هي مكونات جملة المدح، مكونات الجملة التي تشتمل على أسلوب المدح بنعم، وكذلك الكلام نفسه عن بئس حينما نقول بئست المرأة حمالة الحطب، أو بئست المرأة الناشز، والمقصود بالناشز هي المرأة التي تعصي زوجها ولا تطيعه فهي تسمى ناشز، بئست المرأة الناشز، هذا أسلوب ذم فيه الفعل بئس، وفيه الفاعل المرأة، وفيه المخصوص بالذم وهي الناشز. فاصل أيها الإخوة ثم نواصل الحديث عن هذا الأسلوب.

داري في البستان، لا يكاد يوم يمر إلا ويعرض لنا أمر نحتار في حكمه الشرعي، فكيف نتصرف؟ الحل أن نستفتي العلماء، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وثم آداب ينبغي أن يتحلى بها المستفتي: آداب في نفسه، وآداب مع العالم، وآداب في طريقة السؤال؛ فيستفتي أهل الذكر المتبعين للأدلة، ويتجنب من يفتون بالجهل أو الهوى، قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». ويعرض السؤال على حقيقته دون كذب أو كتمان، وليعلم أن تدليسه لا يحل له الحرام، فإنما يفتيه المفتي على حسب ما يسمع، ويوقر مفتيه، قال صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه». ويتحين الوقت والحالة المناسبة للسؤال، ولا يقاطع الشيخ، ولا يلح عليه إذا اعتذر عن الإجابة، ولا يضيع وقته بما لا علاقة له بالسؤال، ويترك السؤال عما لا يعنيه، قال صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ويتقبل الحكم الشرعي ولو لم يكن على هوى، قال تعالى: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

بسم الله الرحمن الرحيم، نستأنف أيها الإخوة والأخوات الحديث عن نعم وبئس وما جرى مجراهما. هذه هي أمثلة فعل المدح: نعم الرجل طالب العلم، نعم العمل الصلاة في وقتها، ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: 30]. أجزاء ومكونات هذه الجملة: فعل المدح وهو فعل ماض جامد لإنشاء المدح، والفاعل هو الرجل والعمل والدار في الأمثلة السابقة، والمخصوص بالمدح هو طالب العلم والصلاة وجنات عدن. يلحق بنعم حبذا، حينما نقول حبذا الصدق، فهذا أيضا أسلوب مدح، وكذلك حسن وما جرى مجراهما، حينما نقول كبر، عظم، وما أشبه ذلك، ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]، كل ذلك يدخل في هذا الأسلوب وهو أسلوب المدح.

فعل الذم: بئس الخلق الكذب، وبئست المرأة الناشز، ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 11]، وهذه أمثلة لفعل الذم. مكونات هذه الجملة: فعل الذم بئس وهو فعل ماض جامد كما ذكرنا سابقا لإنشاء الذم، والفاعل الخلق هو فاعل بئس، والمخصوص بالذم هنا خطأ يتنبه له، المخصوص بالذم هو الكذب. إذا هذه مكونات جملة الذم: فعل الذم، والفاعل، والمخصوص بالذم. يلحق ببئس لا حبذا كما ذكرنا سابقا، وساء، وضعف، وما أشبه ذلك، منه قول الله عز وجل: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: 177]، قوله تعالى أيضا: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات: 177]، وقوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: 5]، فهذه أيضا أمثلة لما يلحق بالفعل بئس لإنشاء الذم.

ننتقل بعد ذلك أيها الإخوة إلى فاعلي نعم وبئس. كيف يكون فاعل نعم وبئس؟ الركن الأول هو الفعل نعم أو بئس، الركن الثاني الفاعل. كيف يأتي الفاعل في جملة المدح أو في جملة الذم؟ فاعل نعم وبئس يأتي على صورة من أربع صور أو حالة من أربع حالات، لا يخرج عن هذه الحالات الأربع. الحالة الأولى: أن يكون معرفا بأل، يأتي الفاعل مقترنا بأل، نعم العلم التوحيد، فهنا أين الفاعل؟ الفاعل العلم، وجاء هنا مقترنا بأل، بئس الرجل الكذاب، الفاعل هو الرجل وقد تحلى بأل واقترن بأل. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]، الفاعل الوكيل وقد اقترن بأل، كذلك أيضا قول الله عز وجل: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: 40]، المولى هنا جاء مقترنا بأل، والنصير مقترن بأل، الفاعل هنا مقترن بأل. ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: 48] وهو مقترن بأل أيضا. ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 162]، هنا بئس هو الفعل الذي جاء لإنشاء الذم، والفاعل المصير وقد اقترن بأل. ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 11]، هو مقترن بأل. إذا الحالة الأولى التي يأتي عليها فاعل نعم وبئس أن يكون معرفا بأل.

ننتقل إلى الحالة الثانية: أن يكون مضافا إلى المعرف بأل، يعني يأتي الفاعل مضافا إلى اسم بعده مقترن بأل، لا يكون هو مقترنا بأل وإنما هو مضاف، والمضاف إليه مقترن بأل، إذا الحالة الثانية أن يكون مضافا إلى المعرف بأل. نعم عمل المرء الصلاة، لو سألنا أين فاعل نعم؟ الفاعل عمل، ولكنه ليس مقترنا بأل وإنما هو مضاف إلى المقترن بأل، ونعم أجر العاملين، نعم أجر، الفاعل أجر وهو مضاف إلى العاملين، والعاملين مقترن بأل، وبئس مثوى الظالمين، الفاعل مثوى وهو مضاف إلى ما فيه أل. إذا الحالة الثانية التي يأتي عليها فاعل نعم وبئس أنه يكون مضافا إلى المقترن بأل.

هذه هي الحالة الثانية، الحالة الثالثة: أن يكون ما أو من الموصولتين، أن يكون فاعل نعم وبئس ما أو من. نعم ما قدمت الصدقة، فالفاعل ما، بئس من يسيء إلى وطنه مروج المخدرات، بئس من؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ﴾ [النساء: 58]، وانتبهوا هنا، مكونة من شيئين: نعم وما، وأدغمت الميم في الميم لأن آخر نعم ميم وأول ما ميم، فأدغمت الميم في الميم وأصبحت نعما، وأصلها نعم ما، ثم حصل الإدغام فصارت نعما، ولا بئس، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 62]، أيضا هنا الفاعل ما. إذا الحالة الثالثة التي يأتي عليها فاعل نعم وبئس أن يكون الفاعل ما أو من، نعم ما قدمت الصدقة، بئس من، ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ﴾ [النساء: 58]، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 62]. إذا هذه هي الحالة الثالثة.

نعيد الحالة الأولى: أن يكون الفاعل مقترنا بأل، نعم الرجل، المرأة. الحالة الثانية: أن يكون مضافا إلى ما فيه أل، نعم أجر العاملين، بئس مثوى الظالمين. الحالة الثالثة: أن يكون الفاعل عبارة عن ما أو من الموصولتين. طيب ما هي الحالة الرابعة التي يأتي عليها فاعل نعم وبئس؟ الحالة الرابعة أيها الإخوة ستكون إن شاء الله بعد هذا الفاصل.

يأخذ بيدك ليرقى بك إلى أعلى المنازل، يقف معك وينافح عنك وقت الضيق والكرب، إنه القرآن. ففي الحديث: يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة اقرأ واصعد، فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه. وحين تأتي أهوال يوم القيامة وشدائده، لا يتخلى القرآن عن أصحابه، يقول عليه الصلاة والسلام: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه». بل إن القرآن ينفع صاحبه بكل حرف منه، إن القرآن يرفعك وينفعك في الدنيا والآخرة، وفي الحديث: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها». لذلك استحق صاحب القرآن أن يغبط عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار». فكن مع هذا الصاحب الوفي، وعش في رحابه، فأنت في صفقة رابحة وتجارة لن تبور، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29]، بشرى لنا.

بسم الله الرحمن الرحيم، نستأنف أيها الإخوة الحديث عن نعم وبئس. كنا قبل الفاصل تحدثنا عن حالات فاعل نعم وبئس، نعم وبئس هما فعلان جامدان، فاعلهما ما حاله؟ تحدثنا عن أنه لا يخرج عن إحدى أربع صور أو أربع حالات. الحالة الأولى: أن يكون معرفا بأل، نعم العلم التوحيد، بئس الرجل الكذاب، ونعم الوكيل، ونعم النصير، نعم المولى ونعم النصير، فنعم الماهدون، وبئس المصير، بئس الاسم الفسوق. فهذه الحالة الأولى أن يكون معرفا بأل. الحالة الثانية: أن يكون مضافا إلى المعرف بأل، نعم عمل المرء الصلاة، نعم أجر العاملين، بئس مثوى الظالمين، فالحالة الثانية أن يكون الفاعل مضافا إلى المعرف بأل كما هو واضح أمامكم. الحالة الثالثة: أن يكون الفاعل هو ما أو من الموصولتين، وذكرنا الأمثلة: نعم ما قدمت الصدقة، بئس من يسيء إلى وطنه، ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ﴾ [النساء: 58].

ما يعظكم به، وقلنا إن نعمنا أصلها نعمة ما، و﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. بقيت معنا الحالة الرابعة، وهي الحالة الأخيرة بفاعل نعمة وبئس، أن يكون الفاعل ضميرا مستترا مفسرا بنكرة بعده. أن يكون الفاعل ضميرا مستترا، يعني لا يذكر في الكلام، لا ينطقه المتكلم، وإنما هو مستتر، يفسره نكرة تأتي بعده.

وهذه النكرة تعرب تمييزا له. إذا الفاعل في هذه الحالة يكون ضميرا مستترا، يذكر بعده تمييز نكرة مفسرة لهذا المضمر، وتعرب تمييزا. بئس خلقا الكذب، نعم صديقا الوفي، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾. فهنا ليس في الجملة فاعل ظاهر، وإنما الفاعل ضمير مستتر تقديره هو.

بئس هو خلق الكذب، ونعمة هو صديق الوفي. فإذا بئس خلقا الكذب، بئس فعل ماض لإنشاء الذم، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، وخلقا تمييز، والكذب هو المخصوص بالذم، وسيأتي إعرابه إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله عز وجل. إذا هذه الحالة الرابعة التي يكون عليها فاعل نعمة وبئس، أن يكون ضميرا مستترا لا يذكر في الكلام، ويفسره نكرة تذكر بعده وتعرب تمييزا منصوبا.

بئس خلقا الكذب، نعم صديقا الوفي، نعم فارسا زيد. فهنا نعمة وفاعله ضمير مستتر تقديره هو، وفارسا تمييز، وزيد هو المخصوص بالمدح. كأنني أقول نعم الفارس زيد. هنا أسأل سؤالا أيها الإخوة، لو قلت نعم الفارس زيد، أين الفاعل؟ ستقولون الفاعل هو الفارس، الفارس هو الفاعل. ما نوع الفاعل هنا من أي حالات الفاعل؟ ستقولون من الحالة الأولى، وهو المعرف بأل. نعم الفارس زيد، وزيد هو المخصوص بالمدح وسيأتي إعرابه إن شاء الله.

هنا إذا قلت نعم فارسا زيد، الفاعل هنا ضمير مستتر، وإذا قلت نعم الفارس زيد، فالفاعل هو الفارس. إذا أيها الإخوة والأخوات، حالات فاعل نعمة وبئس أربع: إما أن يكون معرفا بأل، أو يكون مضافا إلى المعرف بأل، أو يكون ما أو من الموصولتين، أو يكون الفاعل ضميرا مستترا مفسرا بنكرة. هذه هي حالات فاعل نعمة وبئس.

هنا أيها الإخوة نكون قد أتينا على ذكر هذا الأسلوب، كيف يتكون، كيف ينشأ، ما هي عناصره، ما هي أركانه، وما هي حالات الفاعل فيه. خلاصة ما ذكرنا أيها الإخوة في هذا الدرس ما يلي: أولا حينما نتحدث بمدح أو ذم، فإننا نستخدم هذا الأسلوب، نتلفظ بألفاظ تدل على المدح أو الذم، وأشهر هذه الألفاظ نعمة وبئس، ولكن الأمر لا يقتصر عليهما، بل هناك أفعال أخرى تجري مجراهما مثل ساء وحبذا ولا حبذا وحسن وعظم وكبر وما أشبه ذلك، فهي تجري مجرى نعمة وبئس؛ هذه هي الأفعال التي تدل على المدح أو الذم.

عناصر هذه الجملة، جملة المدح أو جملة الذم، عندنا فعل المدح والفاعل والمخصوص بالمدح، وجملة الذم فعل الذم والفاعل والمخصوص. هذه هي العناصر الأساسية، ومن العناصر أيضا التمييز إذا لم يذكر الفاعل؛ إذا كان الفاعل ضميرا مستترا فإنه يأتي تمييز ليفسر الفاعل المستتر. فهذه هي أركان جملة المدح أو الذم: فعل المدح، الفاعل، المخصوص بالمدح، فعل الذم، الفاعل، المخصوص بالذم.

ثم تحدثنا عن حالات فاعل نعمة وبئس، قلنا إما أن يكون معرفا بأل، أو مضافا إلى المعرف بأل، أو ما أو من، أو ضميرا مستترا يفسر بنكرة تكون تمييزا. وبهذا نكون ختمنا الحديث عن هذا الأسلوب. نتحدث إن شاء الله أيها الإخوة في الدرس القادم عن إعراب هذه الجملة كاملة بفعلها وفاعلها وإعراب المخصوص بالمدح أو المخصوص بالذم. إلى أن نلتقي إن شاء الله في الدرس القادم، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.