يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهل اللغة الفصيحة، ورعها بطرف أسلوب وحسن بيان، بالعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أرحب بكم أيها الإخوة والأخوات في هذا الدرس الرابع من دروس اللغة العربية في الفصل الرابع من أكاديمية زاد العلمية. درسنا سيكون امتدادًا للدرس السابق؛ تحدثنا في الدرس السابق أيها الإخوة والأخوات عن أسلوب المدح والذم عن «نعم» و«بئس» وما يجري مجراهما.
تحدثنا عن جملة المدح والذم، وقلنا إن جملة المدح تتكون من فعل المدح والفاعل والمخصوص بالمدح، وجملة الذم: فعل الذم والفاعل والمخصوص بالذم. وقلنا إن ما يجري مجرى هذين الفعلين «نعم» و«بئس»، مثل «حبذا» و«لا حبذا» و«ساء» و«كبر» وحسن، وما أشبه هذه الأفعال التي تأتي لإنشاء المدح أو إنشاء الذم. وتحدثنا أيضًا عن حالات فاعل «نعم» و«بئس»، وقلنا إن فاعل «نعم» و«بئس» لا يخرج عن إحدى الحالات الأربع: إما أن يكون معرفًا، أو يكون مضافًا إلى المعرفة بـ (أل)، أو يكون (ما) أو (من)، أو يكون فاعلًا مستترًا يفسره نكرة تعرب تمييزًا.
في هذه الحلقة أيها الإخوة والأخوات، سنتحدث عن إعراب هذه الجملة تفصيلًا، ويكون من إعرابها إعراب الفعل، وإعراب الفاعل، وإعراب المخصوص بالمدح، وإعراب الجملة التي تتكون من فعل وفاعل؛ لأنها جملة، هل لها محل من الإعراب أو لا محل لها من الإعراب؟ ما سنعرفه إن شاء الله في هذا الدرس، فيكون بإذن الله عز وجل عند شاشة العرض.
إلى هناك إعراب صيغة المدح والذم. هنا مثال أيها الإخوة والأخوات: «نعم الخلق الصبر». هنا المتحدث ينشئ هذه الجملة ويمتدح هذا الخلق؛ هنا الفعل «نعم» والفاعل «الخلق»، والصبر هو المخصوص بالمدح. عندنا في هذه الجملة «نعم الخلق» هذه جملة، والصبر اسم بعد هذه الجملة ابتداء؛ نقول إن «نعم الخلق» هذه الجملة خبر مقدم، والصبر مبتدأ مؤخر.
هذا ابتداء، لكن إذا جئنا إلى التفصيل نقول: إعراب هذه الصيغة للمخصوص بالمدح بالذات يجوز فيه وجهان سنتعرف على ذلك بالتفصيل. أولًا «نعم»: نقول إن «نعم» فعل ماضٍ جامد لإنشاء المدح؛ قلنا إنه فعل ليس اسمًا، هذا على القول المشهور قول الجمهور، وقلنا إنه ماضٍ لأنه على صيغة الماضي، وقلنا إنه جامد وذكرنا ذلك في الدرس السابق، وأشرنا إلى أن هذا الفعل جامد لا يتصرف، لا يأتي منه المضارع ولا يأتي منه فعل الأمر.
فإذن هو فعل ماضٍ جامد لإنشاء المدح. «الخلق»: فاعل، وإذا كنتم تذكرون في الدرس السابق قلنا إن الفاعل يأتي بعد «نعم» ويكون في إحدى الصور الأربع والحالات الأربع، وهنا من الحالة الأولى وهي الفاعل حينما يكون مقترنًا بـ (أل) المعرفة، فإذن «الخلق» فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
طيب، عندنا «نعم الخلق» فعل وفاعل، فهذه جملة، ما موقع هذه الجملة؟ هذه الجملة في محل رفع خبر مقدم؛ يعني الجملة موضعها خبر مقدم. «الصبر»: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، وهو المخصوص بالمدح. يعني كأنني أقول: «الصبر نعم الخلق»، كأنني قلت: «الصبر نعم الخلق»، فإذن حينما أقول «الصبر» فهو مبتدأ، و«نعم الخلق» فعل وفاعل وهو في محل رفع خبر.
فإذا قلت: «نعم الخلق الصبر»، فإنني أقول: «نعم» فعل، و«الخلق» فاعل، والجملة في موضع خبر مقدم، و«الصبر» مبتدأ مؤخر، وهو المخصوص بالمدح. قولنا «المخصوص بالمدح» ليس إعرابًا، ليس ذكرًا لمحله من الإعراب، وإنما هو لبيان حاله ولبيان معناه، وأنه هو الذي خُص بالمدح. حينما نعرب لا نقول هو مخصوص بالمدح ونكتفي، وإنما لا بد أن نذكر موقعه، نقول مبتدأ مؤخر.
طيب، هل يجوز في إعراب كلمة «الصبر» في «نعم الخلق الصبر» إعراب آخر؟ نعم، يجوز أن يعرب إعرابًا آخر، فنقول إنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره «هو»، أي: «نعم الخلق هو الصبر». فإذن «الصبر» إما أن يكون مبتدأ مؤخرًا ويكون ما قبله خبرًا مقدمًا، وإما أن يكون «الصبر» خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره «هو».
أيها الإخوة نكمل إن شاء الله إعراب جملة المدح والذم بعد الفاصل. ابقوا معنا.
فارق كبير بين من يسافر لنزهة سياحية أو لمشاهدة مباراة، وبين من يسافر لطلب العلم؛ فالرحلة لطلب العلم موصلة إلى سعادة الأبد. قال النبي ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». وبالرحلة يلقى الطالب العلماء، وينوع المشايخ، ويقارن بين المناهج، ويجدد نشاطه، ويزيد خبراته. قال الشعبي: «لو أن رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن حفظ كلمة تنفعه رأيت أن سفره لا يضيع».
وهل من شيء أشرف من العلم يرحل في طلبه؟ وقد رحل موسى عليه السلام في ذلك رحلة شاقة: ﴿أَمْ مَضَيْتَ فِي سَبِيلِكَ﴾ أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقبًا. ورحل الصحابة والعلماء من بعدهم في طلب العلم المسافات، حتى سافر بعضهم شهرًا في طلب حديث واحد، وقطع بعضهم في طلبه أكثر من خمسة آلاف كيلومتر سيرًا على قدميه. فإن عجزت عن الرحلة في طلب العلم، فلا أقل من التعلم عبر الشبكات والشاشات. قال النبي ﷺ: «سددوا وقاربوا، والقصد القصد تبلغوا».
بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الإخوة والأخوات، نستأنف الحديث عن إعراب جملة المدح والذم. قلنا إن إعراب جملة «نعم الخلق الصبر»: «نعم» فعل، و«الخلق» فاعل، والجملة في موضع خبر مقدم، و«الصبر» مبتدأ مؤخر، أو نقول: «نعم» فعل، و«الخلق» فاعل، و«الصبر» خبر لمبتدأ محذوف تقديره «هو».
فيجوز لنا في إعراب «الصبر» أن نعربه مبتدأ مؤخرًا والجملة قبله خبر مقدم، أو نعربه خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره «هو». إذا لو سألنا سؤالًا وقلنا: كيف يعرب المخصوص بالمدح؟ الجواب: يجوز في إعرابه وجهان؛ إما أن يعرب مبتدأ مؤخرًا والجملة قبله خبر مقدم، وإما أن يعرب خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره «هو». هذا إعراب هذه الجملة «نعم الخلق الصبر»، وهذا الإعراب يكون في حال إذا كان الفاعل مقترنًا بـ (أل) أو مضافًا إلى ما فيه... إن السؤال الآن...
كيف نعرب جملة المدح أو الذم إذا كان الفاعل ضميراً مستتراً مفسراً بنكرة؟ مثل ماذا؟ مثل المثال: «بئس خلقاً الكذب». كيف نعرب هذه الجملة؟
بئس خلقاً الكذب؛ عندنا «بئس خلقاً» هذه جملة، وعندنا «الكذب» هذا مبتدأ مؤخر، وسيأتي التفصيل إن شاء الله. فنقول: بئس إعرابها فعل ماضٍ جامد لإنشاء الذم، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو». ليس عندنا فاعل ظاهر، فإذاً لا بد أن نقدر الفاعل؛ لأن كل فعل لا بد له من فاعل.
ما الذي يفسر هذا الفاعل المستتر؟ الذي يفسره التمييز، «خلقاً». فما إعراب «خلقاً» إذاً أيها الإخوة والأخوات؟ «خلقاً» إعرابه تمييز منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. «الكذب» هنا مبتدأ مؤخر، والجملة التي قبله هي خبر مقدم؛ والخبر قد يكون جملة كما تعلمون وكما ذكرنا في فصول سابقة أن من أنواع الخبر الخبر المفرد والخبر الجملة. فهنا نوع الخبر جملة، الجملة المكونة من الفعل والفاعل والتمييز «بئس خلقاً» في موضع رفع خبر مقدم، و«الكذب» مبتدأ مؤخر.
هل يجوز إعراب «الكذب» إعراباً آخر؟ نعم، يمكن أن يكون «الكذب» خبراً لمبتدأ محذوف تقديره «هو الكذب»، كما ذكرنا سابقاً.
هنا سؤال: الفاعل هنا ضمير مستتر وفسر بالتمييز، هل يجوز أن يجمع بين الفاعل والتمييز؟ يعني هنا جاء التمييز لما كان الفاعل ضميراً مستتراً، هل يجوز أن نأتي بجملة فيها فاعل ظاهر وفيها تمييز أيضاً؟ الجواب عنه فيه خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال يجوز واستدلوا على ذلك في بعض كلام العرب، كقول التغلبيين: «بئس الفحل فحلهم وفحلاً». وبعضهم قال لا يجوز. وبعضهم قال يجوز إذا كانت هناك فائدة، مثل حينما أقول: «نعم الرجل فارساً زيد».
هنا «نعم» فعل، و«الرجل» فاعل، و«فارساً» تمييز؛ إذاً الفاعل اسم ظاهر وذكر معه التمييز، و«زيد» هو المخصوص بالمدح. فهنا جمعنا بين الفاعل الظاهر وبين التمييز، والسبب في هذا الجمع هو ظهور الفائدة من التمييز؛ لأني لو قلت «نعم الرجل زيد» سيكون هذا مدحاً عاماً، لكن حينما أقول «نعم الرجل فارساً زيد» هنا ميزت هذا المدح وهذه الرجولة في فروسيته، فهنا يجوز الجمع بين الفاعل الظاهر وبين التمييز. أما ما عدا ذلك فالأصل ألا يجمع بينهما؛ إما أن يكون الفاعل ظاهراً ولا نحتاج إلى التمييز، أو يكون الفاعل ضميراً مستتراً فنحتاج إلى التمييز ونأتي به.
نعود إلى الإعراب: بئس فعل ماضٍ جامد لإنشاء الذم، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو»، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر مقدم، و«خلقاً» تمييز منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، و«الكذب» مبتدأ مؤخر، وخبره الجملة السابقة التي هي مكونة من الفعل والفاعل.
إذاً هذه هي طريقة إعراب جملة المدح والذم إذا كان الفاعل ظاهراً أو كان الفاعل ضميراً مستتراً. إذا كان الفاعل ظاهراً كما قلنا في الجملة السابقة: «نعم الرجل زيد»، فـ«نعم» فعل، و«الرجل» فاعل، و«زيد» إما أن يعرب مبتدأ مؤخراً والجملة قبله خبر مقدم، أو يعرب خبراً لمبتدأ محذوف. وهنا إذا لم يذكر الفاعل أو كان ضميراً مستتراً فنقول: بئس فعل ماضٍ جامد لإنشاء الذم، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو»، والجملة من الفعل والفاعل خبر مقدم، و«خلقاً» تمييز، و«الكذب» مبتدأ مؤخر، ويجوز أيضاً في «الكذب» أن يعرب خبراً لمبتدأ محذوف تقديره «هو».
نقف أيها الإخوة هنا لفاصل، نتحدث بعد الفاصل بإذن الله عز وجل عن إعراب الجملة إذا تقدم المخصوص بالمدح أو الذم على الفعل والفاعل، فكيف يكون الإعراب؟ هذا ما سنذكره إن شاء الله بعد الفاصل.
وظائف وأعمال، شاشات وألعاب، أشغال كثيرة مهمة وغير مهمة، فكيف نطلب العلم في زحمة الانشغالات؟ أما الأشغال الباطلة والمحرمة كالأفلام والمسلسلات فيجب الإقلاع عنها فوراً، وبذلك يتوفر وقت طويل لطلب العلم. والقناعة؛ وفروا الوقت المبذول في تحصيل النفقات الترفيهية، فيمكن إغلاق المحل يوماً في الأسبوع مثلاً وتخصيصه لطلب العلم، ويمكن التناوب مع زميل على طلب العلم فيحضر أحدكما حين يغيب الآخر ثم تتبادلان المعلومات، كما كان يفعل عمر بن الخطاب وجاره الأنصاري. ويمكن استغلال وقت المواصلات ذهاباً وإياباً في القراءة والسماع، وكذلك استغلال وقت الفراغ أثناء العمل وأيام الإجازات، واستفد بالتكنولوجيا الحديثة كالإنترنت والهواتف الذكية، والالتحاق بالتعليم المفتوح مثل منصة زادي، وعلى الأغنياء كفالة بعض النابهين وتفريغهم لطلب العلم.
وفي الحديث: «من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا»، وفي رواية: «عمل للآخرة يكفيك الله هم الدنيا». قال ﷺ: «من كانت الآخرة همه جعل الله أغناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة».
نستأنف الكلام أيها الإخوة عن إعراب جملة المدح والذم، نتحدث الآن عن المخصوص بالمدح أو الذم؛ إذا تأخر، مثل: «نعم الرجل زيد»، فهذا هو زيد هو المقصود بالمدح، و«بئس خلقاً الكذب»، فالكذب هو المخصوص بالذم، وإعرابه إما أن يكون مبتدأ مؤخراً والجملة قبله خبر مقدم، أو يكون خبراً لمبتدأ محذوف.
أما إذا تقدم المخصوص بالمدح أو الذم على الفعل والفاعل، نحو: «محمد نعم الصديق»، فيعرب على النحو الآتي: «محمد» مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، اسم في أول الكلام ابتدأ به الكلام فهو مبتدأ. و«نعم» فعل ماضٍ جامد لإنشاء المدح، و«الصديق» فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر. وهنا الكلام مستقيم ولا تقديم فيه ولا تأخير؛ مبتدأ وأُخبر عنه بجملة، وهذا كأي جملة تبتدئ بمبتدأ ويكون الخبر جملة مثل ما نقول مثلاً: «زيد رجل كريم» أو «زيد كريم»، عندنا الخبر جملة. وهنا «محمد نعم الصديق» لا إشكال فيها.
الأصل والغالب أن يتأخر المخصوص بالمدح أو الذم، مثل: «نعم الصديق محمد»، «نعم الرجل زيد»، لكن لو تقدم فليس أمامنا إلا صورة واحدة في الإعراب: أن يكون «محمد» مبتدأ والجملة بعده في محل رفع خبر، والجملة على ترتيبها وعلى نسقها مبتدأ متقدم كما هو الأصل، وخبر متأخر كما هو الأصل. سؤال هنا: هل يمكن أن تأتي...
جملة المدح أو جملة الذم خالية من المخصوص بالمدح أو المخصوص بالذم، نحن قلنا: «نعم الرجل زيد»، و«بئس خلقًا الكذب»؛ هنا ذكرنا المخصوص بالمدح والمخصوص بالذم. هل يمكن أن تأتي جملة خالية من المخصوص بالمدح والذم؟
الجواب ما سنذكره إن شاء الله في هذه الشريحة؛ قد يُحذف المخصوص بالمدح أو الذم إذا فُهم من سياق المعنى، إذا فُهم من السياق، إذا فُهم من الكلام، إذا كان معروفًا للمخاطب، هذا المخصوص بالمدح أو المخصوص بالذم فلا داعي لذكره. وهذا متسق مع القاعدة النحوية العامة، وهي أن ما يُعلم يجوز حذفه، وحذف ما يُعلم جائز. وما يكون معروفًا عند السامع وعند المخاطب فإنه يُحذف، يجوز حذفه.
إذًا يجوز أن يُحذف المخصوص بالمدح أو المخصوص بالذم، يجوز أن يُحذف من الكلام إذا كان معروفًا لدى السامع ولدى المخاطب إذا دل عليه الدليل إذا كان معروفًا. وأمثلة هذا كثيرة؛ قول الله عز وجل: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: 40]، معروف أن المخصوص بالمدح هو الله سبحانه وتعالى، نعم المولى الله ونعم النصير الله، فهنا استُغني عن المخصوص بالمدح للعلم به. فنعم: فعل، والمولى: فاعل، والمخصوص بالمدح محذوف للعلم به.
وقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30]، الحديث هنا عن أيوب عليه السلام، فنعم العبد أيوب، فاستُغني عن المخصوص بالمدح للعلم به؛ لأن المخاطب ولأن السامع يعرف ويفهم المخصوص بالمدح هنا، ولذلك لا يُذكر لأنه معلوم معروف، نعم العبد يعني أيوب.
﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا ۖ فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: 48]، فنعم الماهدون نحن، هذا ضمير العظمة، نعم الماهدون نحن، ضمير العظمة لله عز وجل، فنعم الماهدون نحن، هنا استُغني أيضًا عن المخصوص بالمدح للعلم به.
وقوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 24]، يعني نعم عقبى الدار عقباهم، عقبى هؤلاء الذين آمنوا واتقوا، فنعم عقبى الدار عقباهم. فالعلم به وللمعرفة به ولفهمه حُذف واستُغني عنه.
إذا خلاصة الكلام، قد يُحذف المخصوص بالمدح أو المخصوص بالذم إذا عُلم وفُهم، وحذف ما يُعلم جائز.
إذًا أيها الإخوة، بهذا نكون قد أعربنا جملة المدح أو الذم، وذكرنا إعراب المخصوص بالمدح أو المخصوص بالذم على وجه الخصوص؛ لأننا تكلمنا في ما سبق عن إعراب فعل المدح وعن إعراب الفاعل وأحواله، والحديث هنا عن إعراب المخصوص بالمدح مع إعراب الجملة كاملة.
خلاصة الدرسين السابقين أيها الإخوة، أن نعم وبئس وغيرهما من الأفعال، كحبذا ولا حبذا، وساء، ووضع، وحسن، وكبر، وما قام مقامها من الأساليب النحوية التي استخدمها العرب للتعبير عن المدح والذم، وحالات فاعل نعم وبئس؛ أن يكون معرفًا بـ (أل)، أن يكون مضافًا إلى المعرف بـ (أل)، أن يكون (ما) أو (من) الموصولتين، أن يكون ضميرًا مستترًا مفسرًا بنكرة بعده، حدثنا في هذا الدرس عن إعراب هذه الجملة.
إذا ذكر الفاعل فيكون الإعراب: الفعل والفاعل، «نعم الرجل زيد»؛ فعل وفاعل، والمخصوص بالمدح إما أن يكون مبتدأ مؤخرًا والجملة قبله خبر، وإما أن يُعرب خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره هو. وهذا إذا ذكر الفاعل.
وإذا لم يُذكر الفاعل، «بئس خلقًا الكذب»، فيكون فعلًا والفاعل ضميرًا مستترًا و«خلقًا» تمييز، و«الكذب» هو المخصوص بالمدح. وأخيرًا قلنا إن المخصوص بالمدح قد يجوز حذفه من الكلام إذا فُهم وإذا عُرف وإذا عُلم، يُحذف من الكلام ويُستغنى عنه.
وبهذا نكون أيها الإخوة قد أتينا على الحديث عن هذا الأسلوب من أساليب العرب، وهو أسلوب المدح وأسلوب الذم باستخدام الفعل نعم أو بئس وما جرى مجراهما، إلى أن نلتقي أيها الإخوة في درس قادم، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. عبدالله مسملي