دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريد سهلا صافي اللغة الفصيحة، وراها بطريف أسلوب وحسن بيان، بالعلم كالأزهر في البستان؛ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مرحبا بكم أيها الإخوة والأخوات في هذا الدرس الأول من دروس اللغة العربية في الفصل الرابع من أكاديمية زاد. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لحسن القول والعمل. درسنا في هذا اليوم سيكون عن أسلوب من الأساليب التي يحتاجها المتكلم حينما يتكلم؛ فإنه يستخدم أساليب كثيرة: أسلوب الخبر، أسلوب السؤال، أسلوب الاستنكار، أسلوب التعجب. فمن الأساليب التي يستخدمها المتكلم أسلوب التعجب، حينما يسمع أو يرى شيئا يدعو إلى الاستغراب، إلى الدهشة، إلى التعجب، فإنه يستخدم في كلامه أسلوبا من التعجب.

وهذا أمر معلوم ومشاهد؛ فإن الإنسان إذا رأى شيئا يشده، شيئا غريبا عجيبا، فإنه يقول مثلا: سبحان الله، أو يقول: كيف هذا؟ فإن هذا من أساليب التعجب. فإذن التعجب أسلوب من أساليب الكلام يحتاجه المتكلم ليعبر عن دهشته، ويعبر عن استغرابه. حينما تسمع كلاما يعجبك فتقول: سبحان الله. حينما ترى منظرا يشدك تقول: سبحان الله. حينما ترى عالما تقول: ما أكثر علمه، ما أعلمه، ما أفقهه! حينما ترى شيئا جميلا تقول: ما أجمله! إذا، هذا التعجب يحتاجه المتكلم حينما يرى شيئا غريبا أو شيئا عجيبا.

حينما نتكلم عن التعجب فإننا أمام نوعين من أنواع التعجب: نوع سماعي ليس له قياس، ليس له قاعدة، ولكنها أساليب معروفة، مثل قول الله عز وجل: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 28]. هذا أسلوب من أساليب التعجب، هو ليس استفهاما حقيقيا، وإنما هو دليل على الاستغراب والتعجب. حينما يقال: سبحان الله ما أعظمه، سبحان الله، فسبحان الله هذا أسلوب من أساليب التعجب لكنه ليس له قياس وقاعدة. حينما يقال: لله دره فارسا، لله دره شاعرا، لله دره كاتبا، هذا أيضا أسلوب من أساليب التعجب، لكنها أساليب سماعية وليست أساليب قياسية.

الذي يهمنا في الدرس النحوي والدرس اللغوي هو الأسلوب القياسي، الذي له قاعدة يمكن أن يقاس عليها، ويمكن أن يستخدمها الإنسان في أفعال كثيرة وفي أمثلة كثيرة. فإذا، ما هو أسلوب التعجب الذي يمكن أن يقاس عليه؟ القياسي هناك صيغتان قياسيتان للتعجب: الصيغة الأولى (ما أفعله) أو (ما أفعل فلانا)، والصيغة الثانية (أفعل به) أو (أفعل بفلان). حينما يقال: ما أحسن زيدا، هنا تعجب من حسنه. ما أجمل السماء، هنا تعجب من جمال السماء. ما أفعل كذا، ما أجمل السماء، ما أفعل، هذه هي الصيغة الأولى من صيغ التعجب القياسية؛ بمعنى أن كل فعل ينطبق عليه شروط التعجب، فإنك تستطيع أن تنشئ تعجبا بهذه الصيغة بهذا الفعل، والأفعال كثيرة لا يمكن حصرها؛ ولذلك يكون الأمر قياسيا أن تتعجب بهذه الصيغة: ما أفعل فلانا، ما أفعل كذا، ما أحسن كذا، ما أجمل كذا، ما أفضل كذا، ما أفعل وبعدها الفعل، ثم يأتي المفعول به.

الصيغة الثانية: أفعل به، أحسن بزيد، أكرم بعمرو، ومنه قول الله عز وجل: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: 38]. صيغة أفعل بكذا، هذه هي الصيغة الثانية، وهي صيغة أيضا قياسية، صيغة قياسية لها قاعدة تنضبط بها، ويمكن أن ينشئ المتكلم أمثلة كثيرة على هذه الصيغة. إذا نحن في التعجب أمام نوعين: نوع سماعي ليس له قياس، سبحان الله، لله دره، كذا وكذا، هذه أمثلة سماعية تقال على هذا الوجه. ونوع آخر من التعجب هي أمثلة قياسية، هي صيغ قياسية، يمكن أن يقيس المتكلم ما لم يسمعه على ما سمع، يمكن أن يأتي بأي فعل تنطبق عليه الشروط التي سيأتي ذكرها فيصوغ فعلا للتعجب، يتعجب من هذا الشيء بذاته على هذه الصيغة: ما أفعل كذا أو أفعل بكذا.

في الإجمال هذا هو التعجب مجملا. سنتحدث إن شاء الله أيها الإخوة بعد الفاصل عن كل صيغة: كيف نصوغ فعل التعجب، ونشرح أيضا بإذن الله عز وجل تفصيلا لهذه الصيغة وإعرابا. من المهم جدا أن نعرف الإعراب لكل صيغة: ما إعراب (ما)، ما إعراب الفعل الذي بعدها، ما إعراب الاسم الذي يأتي بعد الفعل، وكذلك في الصيغة الأخرى (أفعل به)، (أفعل بزيد)، (أكرم بزيد)، كيف نعرب أكرم وكيف نعرب بزيد؟ وهذا سيكون إن شاء الله بعد الفاصل.

هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم؛ إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بألا تريد به إلا وجه الله. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وبالإخلاص ترزق صحة الفهم، وقوة الاستنباط؛ قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد؛ قال الذهبي: "علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي".

ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف؛ قال أبو داود الطيالسي: "ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين، لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف". فأخلص النية واحذر من فسادها، كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو للجاه والشهرة، أو المراء والجدل؛ فإن ذلك يفسد العمل؛ قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

بسم الله الرحمن الرحيم، نستكمل أيها الإخوة الحديث عن الصيغ القياسية للتعجب، وهما صيغتان: ما أفعله وأفعل به. فأما الصيغة الأولى ما أفعل كذا، يعني ما أجمل السماء، ما أعلم زيدا، فإنها مكونة من (ما) التعجبية، هذه ما التعجبية، وهي اسم من الأسماء التعجبية. فعل التعجب: أجمل، ما أجمل السماء مثلا، ما هذه التعجبية، أجمل فعل التعجب، والسماء المتعجب منه، وله إعراب.

طيب، كيف نعرب (ما أجمل السماء)؟ فنقول: (ما) هذه نكرة بمعنى شيء في محل رفع مبتدأ؛ لأنه اسم ابتدئ به فهو مبتدأ. وقد يقول قائل إنه لا يصح الابتداء بالنكرة كما سبق، لكن هنا مسوغ للابتداء بالنكرة ذكره العلماء؛ يوجد مسوغ. فالشاهد أن (ما) هنا نكرة بمعنى شيء في محل رفع مبتدأ. طيب، (ما أجمل)، أجمل فعل ماض مبني على الفتح، وهو فعل التعجب. طيب إذا كان أجمل فعلا، فأين فاعله؟ فاعله ضمير مستتر تقديره هو عائد على (ما) التي بمعنى شيء، يعني أجمل الشيء السماء؛ لأنه أجمل الشيء السماء. الفاعل ضمير مستتر تقديره هو عائد على (ما) التي هي بمعنى شيء، التي بمعنى شيء؛ يعني كأنه شيء أجمل السماء، شيء جعل السماء جميلة. طيب والسماء هو المتعجب منه، مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.

ما أجمل السماء، ما أجمل السماء. طيب سؤال، إذا كنا قد قلنا إن (ما) نكرة بمعنى شيء في محل رفع مبتدأ، فأين الخبر؟ الجواب أن الخبر هو الجملة الفعلية، الجملة الفعلية التي بعدها في موضع رفع خبر. فهذه إذا هي الصيغة الأولى من الصيغ القياسية للتعجب، ما أجمل السماء، ومنه قول الله عز وجل: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17]، قتل الإنسان هذا دعاء عليه، وما أكفره يعني تعجب من كفره؛ كيف يكفر بالله والله عز وجل هو الذي خلقه ورزقه وهو المستحق للعبادة! ما أكفره يعني تعجب من كفره. فإذا أردنا أن نعرب (ما أكفره)، نقول: (ما) تعجبية نكرة بمعنى شيء، وأكفر فعل ماض مبني على الفتح. ويقولون إن فعل التعجب جامد لا يتصرف؛ قبل أن يكون للتعجب هو متصرف، ولابد أن يكون متصرفا، لكنه بعد التعجب وفي أسلوب التعجب لا يكون متصرفا بل هو جامد، هو فعل ماض جامد مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو عائد على (ما)، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به. والجملة من الفعل والفاعل في موضع رفع خبر.

هناك خلاف بين أهل العلم فيما هناك من يرى أنها معرفة وليست نكرة، لكن الذي يترجح أن (ما) نكرة بمعنى شيء، وهي في موضع رفع مبتدأ، والفعل بعدها هو فعل التعجب، والفاعل ضمير مستتر، والجملة من الفعل والفاعل في موضع رفع خبر. هذه هي الصيغة الأولى.

الصيغة الثانية حينما نقول (أحسن بزيد)، هذه (أحسن) انتبهوا، أحسن بزيد هي كأنها في الأصل (حسُن زيد)، حسن زيد يعني صار زيد ذا حسن، مثل ما نقول أورق الشجر يعني صار الشجر ذا ورق، وحينما نقول أزهر البستان يعني صار ذا زهر. فالأصل كأنه حسن زيد ثم من أجل التعجب غيرت صيغته إلى (أحسن)، فأحسن صيغته صيغة تعجبية جاءت على صيغة فعل الأمر، وهي ليست فعل أمر، هي على صيغة فعل الأمر لكنها ليست فعل أمر. وقالوا: أحسن بزيد، ولا يصح أن يكون هذا مستقبح في الكلام، فجيء بالباء، جيء بالباء فقيل أحسن بزيد.

طيب كيف نعرب (أحسن بزيد)، أكرم بعمرو، اسمع بهم وأبصر؟ نقول: اسمع فعل ماض جاء على صيغة الأمر للتعجب؛ يعني هو جاء على صيغة الأمر لكنه ليس فعل أمر. يعني حينما نقول أحسن بزيد، وحينما أقول أكرم بعمرو، وحينما أقول اسمع بهم، هل هو فعل أمر؟ هل هو أمر؟ لا ليس أمرا، وإنما هو فعل ماض جاء على صيغة الأمر من أجل التعجب. طيب الباء هنا حرف جر زائد، بمعنى أنه ليس له معنى حرف الجر، وإنما جيء به لتحسين اللفظ، وأيضا يجر الاسم الذي بعده في اللفظ فقط؛ حرف الجر الزائد يجر الاسم الذي بعده في اللفظ، أما في محله وفي موقعه وفي موضعه فإنه يبقى على أصله؛ يكون مرفوعا.

طيب إذا الباء حرف جر زائد، زيد مثلا أحسن بزيد، زيد نقول فاعل مرفوع محلا مجرور لفظا، فاعل مرفوع محلا، محله الرفع ولكنه مجرور لفظا بحرف الجر الزائد. فإذا عندنا فعل وفاعل، وننتبه إلى الإعراب؛ نقول أحسن بزيد: أحسن فعل ماض جاء على صيغة الأمر للتعجب، والباء حرف جر زائد، زيد فاعل مرفوع محلا مجرور لفظا. فنقول أحسن بزيد، ومثل اسمع بهم، فاسمع فعل ماض جاء على صيغة الأمر للتعجب، والباء حرف جر زائد، والضمير في موضع رفع فاعل. فاصل أيها الإخوة ثم نواصل الحديث عن صيغ فعل التعجب.

هل تظن العلم وجبة سريعة تجهز وتؤكل في لحظات؟ بل يحتاج طالب العلم إلى صبر طويل؛ قال يحيى بن أبي كثير: "لا يستطاع العلم براحة الجسم". فيصبر على حضور مجالس العلم ودوراته، أو متابعتها عبر الشبكة، أو الفضائيات العلمية، ويصبر على المراجعة حتى يثبت الحفظ؛ قال أبو بكر الصبغي عن بعض مسائل العلم: "كررتها على نفسي ألف مرة حتى تحققتها". ويصبر على السهر في العلم، فإن في النهار أشغالا؛ قال بعض الفضلاء: "متى تبلغ من العلم مبلغا يرضيك وأنت تؤثر النوم على الدرس والأكل على القراءة!".

ويصبر على النصب والتعب في تحصيل العلم؛ قال تعالى في قصة خروج موسى عليه السلام لطلب العلم وجاوزه: ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: 62]. ويصبر على إنفاق المال في طلب العلم وشراء الكتب ونحو ذلك؛ قال إسماعيل بن عياش: "ورثت من أبي أربعة آلاف دينار، أنفقتها في طلب العلم". فاصبر على طلب العلم حتى تنال طرفا منه، واسأل الله المزيد.

بسم الله الرحمن الرحيم، نستكمل الحديث أيها الإخوة عن صيغ فعل التعجب، وهنا سؤال: هل كل كلمة يمكن أن يصاغ منها فعل تعجب؟ الجواب: لا، لا يصاغ فعل التعجب إلا مما اجتمعت فيه الشروط الثمانية، ثمانية شروط، يعنى بعضهم بخمسة منها، لكن نذكر هذه الثمانية الشروط العلم بها. الشرط الأول: أن يكون فعلا، لا يتعجب أو لا يصاغ فعل التعجب من غير الفعل، لا يصاغ من الاسم، كما لا يقال مثلا: ما أحمره، ويكون هذا صياغة من الحمار، من اسم الحمار يتعجب منه، ما أحمره يعني تعجب من كونه مثل الحمار، هذا يقولون لا يصاغ فعل التعجب من الاسم، إنما لا بد من الفعل، كما ذكرنا سابقا لما نقول ما أجمل أو ما أحسن، حسن زيد، حسن فعل فيصاغ منه فعل التعجب لأنه فعل. إذا الشرط الأول أن يكون فعلا، الشرط الثاني أن يكون ثلاثيا، يعني الفعل على ثلاثة أحرف، أن يكون ثلاثيا فلو كان مثلا رباعيا أو خماسيا: دحرج، انطلق، استخرج، فإنه لا يصاغ منه فعل التعجب، استخرج مثلا كيف نقول؟ كيف نتعجب؟ ما أخرجه! لا يصح، ما أطلقه من انطلق! لا يصح، فلا يصاغ فعل التعجب من غير الثلاثي. الشرط الثالث: أن يكون مثبتا، يعني غير منفي.

فلو كان مثلاً ما قام، أو ما تكلم، أو ما قال، فلا يصاغ من المنفي، وإنما يصاغ من المثبت. الشرط الرابع: أن يكون متصرفاً، يعني من الأفعال المتصرفة؛ حسن يحسن حسناً. هذا متصرف؛ عظم يعظم، علم يعلم، ما أعلمه، ما أفهمه، فمن فعل متصرف. أما الفعل الجامد فلا يصاغ منه فعل التعجب؛ نعم وبئس مثلاً لا يصاغ، هما فعلان جامدان لا يصاغ منهما فعل التعجب.

الشرط الخامس: أن يكون قابلاً للتفاضل والتفاوت، يعني يكون فيه تفاوت بين الناس فيه، فلا يصاغ فعل التعجب من الفعل الذي ليس فيه تفاوت أو ليس فيه تفاضل. مثل فعل مات مثلاً، مات الناس يستوون في هذا، فلا يصاغ منه فعل التعجب. هذا الشرط الخامس.

الشرط السادس: أن يكون مبنياً للمعلوم، لا يكون مبنياً لما لم يسمَّ فاعله أو للمجهول أو مبنياً للمفعول. يعني مثلاً كُتب مثلاً أو عُلم، فلا يصاغ منه فعل التعجب.

الشرط السابع: أن يكون تاماً. ما معنى تام؟ يعني أن يكون فعلاً تاماً غير ناقص، مثل كان وصار وليس وما أشبهها؛ هذه أفعال ناقصة فلا يصاغ منها فعل التعجب.

الشرط الأخير الثامن: ألا يكون الوصف منه على أفعل الذي مؤنثه فعلاء. فلو كان عندنا فعل الوصف منه أفعل والمؤنث فعلاء فلا يصاغ منه فعل التعجب. مثل مثلاً عمي؛ عمياء، هذا فعل لو قلنا ثلاثي فهو ثلاثي تام، فهو تام مثبت متصرف قابل للتفاوت مبني للمعلوم؛ كل الشروط السابقة متوفرة فيه. لكن الإشكال فيه أن الوصف منه على أفعل عمياء. كيف نصف منه؟ نقول أعمى والمؤنث فعلاء عمياء، فلا يصاغ منه فعل التعجب، فلا يقال ما أعمى فلاناً.

فهذه الشروط يجب أن تتوافر في الفعل أو في اللفظ الذي يصاغ منه فعل التعجب، أن يكون فعلاً ثلاثياً مثبتاً متصرفاً تاماً؛ تاماً يعني غير ناقص ليس من الأفعال الناقصة، قابلاً للتفاوت يعني يمكن أن يتفاوت فيه الناس، ومبنياً للمعلوم. الشرط الثامن: ألا يكون الوصف منه على أفعل الذي مؤنثه فعلاء، مثل عمي وعرج؛ الوصف منه أعرج والمؤنث عرجاء، فهذا لا يصاغ منه فعل التعجب.

ماذا لو أردنا أن نتعجب من فعل من الأفعال التي لم تتوافر فيه الشروط؟ مثلاً نريد أن نتعجب من عرج، أو نتعجب من فعل غير قابل للتفاوت، أو فعل مبني للمفعول، أو مثلاً فعل زائد عن ثلاثة أحرف؛ كيف نتعجب منه؟ هل لا نتعجب منه؟ لا، نتعجب، ولكن ما هي الطريقة؟ الطريقة أن نأتي بمصدر الفعل صريحاً مع وجود فعل مساعد. نقول مثلاً: ما أشد انطلاقه، نأتي بالمصدر انطلاق وقبله هذا الفعل المساعد. نقول: ما أشد انطلاقه، ما أكثر استخراجه! هنا لأنه استخرج زائد على ثلاثة أحرف وانطلق زائد على ثلاثة أحرف، لا يتعجب منه مباشرة، فنأتي بالمصدر ونسبقه بفعل مساعد. نقول: ما أشد انطلاقه أو ما أسرع انطلاقه أو ما أكثر استخراجه؛ أكثر، أشد، أعظم، هذه أفعال مساعدة للتعجب مما لم تتوافر فيه الشروط.

لو جئنا مثلاً إلى شيء لونه أحمر ونتعجب من حمرته؛ أحمر هنا اختل فيه شرط وهو أن الوصف منه على أحمر والمؤنث على حمراء، فإذا اختل الشرط الثاني؛ كيف نتعجب من حمرته؟ نقول: ما أشد حمرته، ما أعظم حمرته، ما أكثر كذا. إذاً نأتي بالمصدر ونأتي قبله بالفعل المساعد، ما أجمل حمرته، ما أحسن صفرته مثلاً، ونأتي بفعل مساعد ونأتي بعده بمصدر ذلك الفعل.

كذلك لو كان مبنياً للمجهول، مثلاً يباع، يعاد، كذا؛ نقول: ما أعظم أن يقال كذا، ما أعظم أن يقال الحق. يقال هنا مبني لما لم يسمَّ فاعله، فاختل فيه شرط البناء للمعلوم. وعليه فنقول: ما أعظم أن يقال كذا، فنأتي بالفعل المساعد أعظم مثلاً، ثم نأتي بالمصدر؛ مصدر الفعل أو المصدر المؤول أن والفعل، ما أعظم أن يقال الحق، ما أجمل أن يقال الحق. لكن لا نستطيع أن نصوغ فعل التعجب من هذا لأنه اختل فيه شرط من شروط التعجب.

خلاصة الكلام: هذه شروط التعجب، لو اختل شرط وأردنا أن نتعجب فإننا نأتي بالمصدر ونسبقه بفعل مساعد لنتوصل إلى التعجب من ذلك الشيء الذي اختلت فيه شروط التعجب. هذا كل ما يتعلق بفعل التعجب وصيغه. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح. وإلى أن نلتقي في الدرس القادم أستودعكم الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.