يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً يأتيك ميسوراً بأي مكان، صافي اللغة الفصيحة ورعها، بطريف أسلوب وحسن بيان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. مرحباً بكم أيها الإخوة والأخوات في هذا الدرس التاسع عشر من دروس اللغة العربية في أكاديمية زاد العلمية.
درسنا نتحدث فيه ونتدارس ما بدأناه من قبل ونستكمله اليوم. بدأنا الحديث عن الفعل المضارع في الدروس السابقة، وتحدثنا عن أحوال الفعل المضارع، وقلنا إنه يكون معرباً ويكون مبنياً. يكون مبنياً في حالين: الحالة الأولى أن تتصل به نون التوكيد فيبنى حينئذ على الفتح، والحالة الثانية أن يبنى على السكون وذلك إذا اتصلت به نون الإناث. وفيما عدا هاتين الحالين يكون الفعل المضارع معرباً، وحينما يكون معرباً أي لم تتصل به نون التوكيد ولم تتصل به نون الإناث فإنه إما أن يكون مرفوعاً أو منصوباً أو مجزوماً.
يكون مرفوعاً إذا لم يتقدمه ناصب أو جازم، فإنه يكون مرفوعاً لأنه خلا من الناصب والجازم. ذكرنا أحوال الرفع: متى يكون مرفوعاً بالضمة؟ يعني تكون علامة الرفع فيه الضمة، ومتى تكون علامة الرفع فيه ثبوت النون؟ متى يكون مرفوعاً وتكون علامة الرفع فيه الضمة الظاهرة، ومتى يكون مرفوعاً وتكون الضمة المقدرة؟ قلنا يكون مرفوعاً بضمة ظاهرة إذا كان صحيح الآخر ولم يتصل به شيء، ويكون مرفوعاً بضمة مقدرة إذا كان معتل الآخر بالالف أو الواو أو الياء؛ يخشى ويدعو ويرمي فإنه يكون مرفوعاً بضمة مقدرة. ويكون مرفوعاً بثبوت النون وذلك في الأفعال الخمسة التي يكون فيها الفعل متصلاً بواو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المؤنث المخاطبة؛ يفعلون وتفعلون ويفعلان وتفعلان وتفعلين، فهذه تكون مرفوعة إذا لم يتقدمها ناصب ولا جازم، وتكون علامة الرفع في هذه الأفعال ثبوت النون.
وبدأنا أيضاً الحديث في الدرس الماضي عن النصب وعلامات النصب وأدوات النصب، فنستكمل بإذن الله، ولكن لعلنا نعيد ما بدأناه بإيجاز فيما يتعلق بأدوات النصب في لوحة التعليم بإذن الله عز وجل. نقول: يُنصب الفعل المضارع إذا سبقته إحدى أدوات النصب، يكون منصوباً إذا سبق بناصب. لكن ما هو هذا الناصب؟ ما هي الأدوات التي تنصب الفعل المضارع؟ هذا ما سيكون محور هذا الدرس بإذن الله عز وجل. أم الباب في الأدوات هي أن المصدرية، إذا سبق الفعل بأن المصدرية فإنه يكون منصوباً.
نأخذ على ذلك بعض الأمثلة، نقول عن المصدرية منه قوله تعالى: ﴿بِئْسَ مَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [البقرة: 90]. أن يكفروا وأن ينزل؛ هنا فعلان مضارعان سُبقا بأن المصدرية، فالفعل مضارع مسبوق بأن المصدرية منصوب. ما علامة النصب فيه هنا؟ علامة النصب فيه هنا حذف النون كما أشرنا في الدرس الماضي، وهنا ﴿أَن يُنَزِّلَ﴾ فعل مضارع منصوب بأن المصدرية وعلامة النصب فيه الفتحة. فهنا علامة النصب مختلفة عن علامة النصب هنا؛ لأن ينزل الفعل صحيح الآخر فهو علامة النصب فيه الفتحة كما هو معلوم، وهنا لما اتصلت به واو الجماعة أصبح من الأفعال الخمسة، هنا علامة النصب فيه حذف النون.
وهنا أريد أن أشير إلى أمر مهم، أن أن المصدرية هي أم الباب لأنها تعمل إذا كانت ظاهرة، وتعمل أحياناً وهي مضمرة، فتعمل وهي مضمرة؛ ولذلك جُعلت هي أم الباب في أدوات النصب. لكننا الآن مع الظاهرة التي تأتي ظاهرة، فينصب الفعل المضارع بعد أن المصدرية، فيكون منصوباً وتكون علامة النصب فيه الفتحة أو حذف النون كما بينا.
لكن هنا أيضاً نحتاج أن نقف وقفة مع أن المصدرية التي تسبق الفعل المضارع؛ إذا أردنا التفصيل والتدقيق، أن المصدرية إذا جاءت قبل الفعل المضارع لها ثلاث حالات. الحالة الأولى: أن تسبق بما يدل على اليقين، مما يدل على العلم أو اليقين، فهنا إذا جاءت أن وبعدها فعل مضارع ولكنها مسبوقة بما يدل على العلم واليقين، فإن أن هذه ليست هي الناصبة، هذا أمر مهم، ليست هي الناصبة؛ يعني يأتيك أن ويأتي بعدها فعل مضارع وهذا الفعل المضارع ليس منصوباً، وذلك إذا كانت أن هذه مسبوقة بفعل يدل على العلم واليقين.
طيب ما هي إذا؟ ليست الناصبة، ما هي إذا؟ هي أن المخففة من الثقيلة، أن الثقيلة خففت فصارت أن التي تدل على التأكيد فهي ليست الناصبة. مثال ذلك قول الله عز وجل: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ﴾ [المزمل: 20]. لاحظوا علم فعل يدل على العلم واليقين وبعدين أن وبعدين فعل مضارع سيكون، فهنا أن هذه ليست هي الناصبة، وإنما هذه المخففة من الثقيلة ولا ينصب الفعل المضارع بعدها. هي أن المخففة من الثقيلة تنصب الاسم وترفع الخبر، واسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة في موضع خبر أن مرفوع، فهي ليست أن الناصبة التي معنا. نقول هذا نميز بيننا لأنه سيأتيني إنسان ويقول أنت تقول أنه أن إذا سبقت الفعل المضارع ينصب، طيب الله عز وجل يقول: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ﴾، نقول هذه ليست أن الناصبة وإنما هي أن المخففة من الثقيلة. إذاً الحالة الأولى إذا سُبقت أن بما يدل على العلم أو اليقين فهي ليست الناصبة وإنما هي المخففة من الثقيلة. نذكر إن شاء الله الحالة الثانية والحالة الثالثة التي تسبق الفعل المضارع بعد الفاصل بإذن الله عز وجل.
بسم الله الرحمن الرحيم، نواصل الحديث أيها الإخوة، بدأنا الكلام قبل الفاصل عن أن التي تسبق الفعل المضارع، وقلنا إن لها ثلاث حالات. الحالة الأولى أن تسبق بما يدل على العلم أو اليقين، فهنا نعتبر أن أن هذه ليست هي الناصبة، فالفعل المضارع بعدها ليس منصوباً، وإنما هي المخففة من الثقيلة.
الحالة الثانية: أن تسبق بما يدل على الظن أو الرجحان، ليس اليقين، إنما الظن أو الرجحان، فهنا يجوز لنا أن نعدها هي الناصبة فينصب الفعل المضارع بعدها، ويجوز لنا أن نعدها المخففة من الثقيلة فلا ينصب الفعل بعدها وإنما يرفع، والأكثر في كلام العرب أنها ناصبة. إذا سُبقت بما يدل على الظن أو الرجحان، فهنا يجوز لنا أن نجعلها أن المخففة من الثقيلة فنرفع الفعل بعدها، ويجوز لنا أن نجعلها أن المصدرية الناصبة فينصب الفعل بعدها؛ يجوز لنا الوجهان، لكن الأكثر والرجح النصب.
ولذلك في قول الله عز وجل: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: 2]. انتبهوا أحسب، إذا جاء الفعل الذي يدل على الرجحان: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا﴾، انظروا إلى أن وجاء بعدها الفعل المضارع يُتركوا والفعل هنا منصوب، وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة. وفي آية أخرى قال الله عز وجل: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: 71]. فهنا أن جاءت قبل الفعل المضارع وسبقت بفعل الحُسبان الذي يدل على الرجحان، فهنا الفعل مضارع منصوب، وجاء في قراءة أخرى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونُوا﴾، فإذا كان الفعل مرفوعاً فإن أن هي المخففة من الثقيلة، وإذا كان منصوباً فإن أن هي الناصبة. فإذاً الحالة الثانية إذا سُبقت بما يدل على الظن فيجوز فيها الوجهان؛ النصب ويجوز أن تكون المخففة من الثقيلة فيرفع الفعل المضارع بعدها.
الحالة الثالثة: ألا تسبق بما يدل على العلم ولا تسبق بما يدل على الظن، هنا تكون هي الناصبة. إذاً هذه حالات أن المصدرية. الأداة الثانية من أدوات النصب سيأتي معنا الحديث عن أن، لكن أن ليست الظاهرة وإنما المضمرة، هنا لن، قوله تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ﴾ [النساء: 172]. هنا لو سألت سؤالاً كم فعلاً مضارعاً في هذه الآية؟ ستقولون هنا فعلان، الأول يستنكف وهو فعل مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه الفتحة، فسبق بلن ونصب فيكون منصوباً وعلامة نصبه الفتحة. وعندنا أيضاً فعل آخر مضارع وهو يكون سُبق بأن المصدرية فنصب، ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ﴾، فهنا الشاهد عندنا في أول الآية لن يستنكف، وهنا سبق الفعل المضارع بلن فنصب. إذاً من أدوات النصب لن.
كذلك أيضاً قالوا كي، هنا ذكرت من الأدوات أنها كي، كقوله: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ﴾، ولاحظوا هنا قد يأتي الفعل المضارع قبله لا النافية، ولا النافية لا تعمل شيئاً، وما قبل لا النافية يمكن أن يعمل في الفعل المضارع. فهنا منصوب، الفعل المضارع يكون منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ﴿حَتَّىٰ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا﴾، فهنا الفعل مضارع تعلم وجاء بعد حتى، فهنا الفعل مضارع منصوب، وكذلك أيضاً: ﴿حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا﴾، ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43]. فإذاً عندنا هنا فعلان مضارعان منصوبان، سُبقا بحتى فهما منصوبان لأنهما مسبوقان بحتى. وهناك من يكون أدق في التعبير فيقول إن حتى هذه ليست هي التي نصبت الفعل المضارع، وإنما الناصب هو أن المضمرة بعد حتى، فإذاً أن المضمرة بعد حتى هي التي نصبت هذا الفعل المضارع. وسواء قلنا إن الناصب حتى أو أن الذي يهمنا أن الفعل المضارع جاء منصوباً، لكن ما علامة نصبه؟ علامة نصبه حذف النون، ﴿تَعْلَمُوا﴾، ﴿تَغْتَسِلُوا﴾؛ لماذا حُذفت النون؟ لأنه فعل مضارع اتصل به واو الجماعة فهنا هو من الأمثلة الخمسة ونصبه يكون بحذف النون.
طيب ننتقل أيها الإخوة إلى الحديث عن الفعل المضارع الذي يقع بعد اللام، اللام هذه التي تسبق الفعل المضارع قد تدل على التعليل، وقد يسمى في حال أخرى لام الجحود. يعني عندنا لام التعليل وعندنا لام الجحود، وهي في الحقيقة هي اللام الجارة، لام الجر لكنها قد تكون للتعليل وقد تكون للجحود وقد تكون لغير ذلك كما سيأتي معنا، ولذلك قالوا إن الفعل المضارع الذي بعد اللام منصوب بأن المصدرية المضمرة بعد لام التعليل، المضمرة بعد لام الجحود. اللام أيها الإخوة التي تسبق الفعل المضارع هذه طبعاً سيقول قائل لماذا قلت لام الجر؟ لأن في الحقيقة هي لام الجر وما بعدها يؤول بالمصدر في موضع جر، لكن لا يهمنا هذا، هذا تفصيل ليس هذا مجاله. ولكن نقول إن الفعل المضارع إذا جاء بعد اللام فله ثلاث حالات، نعرف هذه الحالات إن شاء الله بعد الفاصل.
وبالتدبر يستنبط الدقائق والأحكام، ويستطيع تطبيق القرآن على الواقع بشكل صحيح، وبه تحصل الخشية والخشوع. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 51]، لذا ينبغي أن نهتم بمدارسة القرآن في المساجد والمدارس والدور المتخصصة في تحفيظ القرآن وتعليمه، وينبغي أن نستخدم التكنولوجيا الحديثة في تعلم القرآن وتعليمه من خلال الإنترنت والفضائيات.
اعلم يا طالب العلم أن القرآن الكريم هو رأس مالك وهو أربح التجارات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].
بسم الله الرحمن الرحيم. إذا أيها الإخوة والأخوات، إذا جاءنا فعل مضارع مسبوق باللام فهذه اللام إما أن تدل على الجحود، وإما أن تدل على التعليل، وإما أن تدل على غير ذلك، فما هي أحوال الفعل المضارع إذا سبق باللام؟
إذا سبق باللام فله ثلاث حالات: إما أن يكون الفعل المضارع هذا منصوباً بأن المضمرة بعد اللام وجوباً. يجب أن تضمر "أن" ولا تظهر، إذاً "أن" هنا تعمل في الفعل المضارع لكنها مضمرة. الصورة الملفوظ بها لام وبعدها الفعل المضارع، هذا الفعل المضارع يكون منصوباً بأن المضمرة، وهذا الإضمار واجب، وذلك في لام الجحود. لام الجحود هذه تفيد الإنكار وتسمى لام الجحود، وتأتي بعد "كان" المنفية. إذاً تأتي "كان" منفية قبلها نفي، وبعدين تأتي اللام ثم يأتي الفعل المضارع، هذا الفعل المضارع يكون منصوباً بأن المضمرة بعد هذه اللام التي تسمى لام الجحود. لام الجحود ما علامتها؟ أنها تسبق بـ "ما كان" أو "لم يكن".
يأتي "ما كان" أو "لم يكن" ثم تأتي بعد ذلك اللام ثم الفعل المضارع، هذا الفعل المضارع منصوب؛ بعضهم يقول إنه منصوب بلام الجحود، لكن الأدق أن نقول منصوب بـ "أن" المضمرة بعد لام الجحود إضماراً واجباً. ما أمثلتها؟ قول الله عز وجل: ﴿لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: 137]، و﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: 33]. فهنا "يعذب" فعل مضارع منصوب باللام ومنصوب بأن المضمرة وجوباً وعلامة نصبه الفتحة. "ليغفر" فعل مضارع منصوب جاء بعد لام الجحود، لأن لام الجحود هذه سبقت بـ "كان" المنفية، فهذه تسمى لام الجحود، فالفعل المضارع بعدها منصوب.
الحالة الثانية: أن تكون هذه اللام جاء بعدها نفي، حرف نفي، فهنا لا بد أن تظهر "أن"، يجب إظهار "أن" لئلا يكون للناس على الله حجة، "لأن لا"؛ هذا اللام و"أن" وبعدين "لا" النافية. فإذا سبق الفعل بحرف نفي "لا" فيجب أن تظهر النون؛ "لئلا" هي تُكتب لئلا بصورة اللام وهمزة ولام، لكن ما هي في الحقيقة إلا لام ثم "أن" ثم "لا". "لئلا يكون"، فيكون فعل مضارع منصوب بـ "أن" وجاء قبلها اللام، لكن منصوب بـ "أن" ويجب إظهار هذا الحرف الذي هو "أن".
الحالة الثالثة: يجوز الإظهار والإضمار، وذلك إذا كانت اللام غير منفية ولم تكن للجحود. مثال ذلك لام التعليل؛ قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: 75]، هنا لام التعليل. ومنه أيضاً قول الله عز وجل: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: 44]، فهنا "لتبين" لام التعليل، وتبين فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة. قد تكون اللام ليست للتعليل، قد تكون للعاقبة، ليست لبيان السبب ولا لبيان العلة، وإنما للعاقبة، مثل قول الله عز وجل: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: 8]. طبعاً هم ما التقطوه بسبب أنهم يريدون أن يكون عدواً، وإنما هذه عاقبة ذلك أنه سيكون عدواً، فتسمى لام العاقبة. فهذه أيضاً يأتي الفعل المضارع بعدها منصوباً بـ "أن" المضمرة، وهذا الإضمار جائز؛ لأنني يمكن في الكلام أن أقول مثلاً: "أتيتك لتكرمني"، ويجوز أن أقول: "أتيتك لأن تكرمني". ولذلك جاء في القرآن مرة مظهرة ومرة مضمرة: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 71]، فـ "لنسلم" فعل مضارع منصوب، وهناك في آية أخرى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: 12]، فظهرت هنا "أن".
إذاً الفعل المضارع إذا سبق باللام فقد تكون هذه اللام تدل على الجحود وذلك بعد "كان" المنفية، فيجب إضمار "أن". وقد يكون الفعل منفياً، فعل مضارع نفسه سبق بنفي فتظهر "أن" كقوله: ﴿لِّئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ [النساء: 165]. وفيما عدا هذين الموضعين يجوز الإضمار والإظهار، قد تكون اللام للتعليل كما ذكرنا، وقد تكون للعاقبة، وقد تكون لغير ذلك.
نكمل الأدوات؛ عندنا فاء السببية، وتعني أن ما قبلها سبب لما بعدها، وهذه فاء السببية تسبق في العادة بنفي أو طلب أو نهي أو ما أشبه ذلك، قال الله عز وجل: ﴿لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: 36]، وهنا نهي: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: 46]. الفاء هذه سببية، فالفعل المضارع هنا منصوب وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والصواب أن نقول إن الفعل هنا منصوب بـ "أن" المضمرة بعد فاء السببية. وهذه فاء السببية تسبق بنفي أو طلب، "لا يقضى عليهم فيموتوا" هذا نفي، "فيموتوا" يموت فعل مضارع منصوب بـ "أن" المضمرة بعد فاء السببية وعلامة نصبه حذف النون.
الحرف الذي بعده "أو" بشرط أن تكون بمعنى "إلى أن"، مثاله: "لأظل أطالب أو أنال حقي"؛ يعني لأظل أطالب إلى أن أنال حقي. فهنا "أو" بمعنى "إلى أن"، فهنا الفعل جاء بعدها الفعل المضارع منصوباً وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وكذلك أيضاً قول الشاعر: "لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى"؛ يعني لأستسهلن الأمور الصعبة إلى أن يأتيني الموت، فـ "أو" هنا بمعنى إلى أن، فجاء الفعل المضارع بعدها منصوباً.
إذاً هذه هي أدوات النصب بإجمال: "أن" المصدرية وتعمل ظاهرة ومضمرة لها أحوال، ويتنبه إلى أنها إذا سبقت بما يدل على العلم أو اليقين فإنها ليست هي الناصبة، ونميز بينها وبين "أن" المخففة من الثقيلة، وكذلك "لن" الناصبة، و"كي" و"حتى" واللام. واللام لها أحوال، لام الجحود، وقد تكون لام العاقبة، وهي في الحقيقة الفعل المضارع يكون ما يكون بعدها منصوباً بـ "أن" المضمرة، قد يكون الإضمار واجباً وقد يكون الإضمار جائزاً. وتسمى لام التعليل أو الجحود، متى تسمى لام الجحود؟ إذا سبقت بـ "كان" المنفية: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: 33]، ﴿لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: 137]. فهذه تسمى لام الجحود، لام التعليل تدل على علة الشيء أن هذا علة لهذا. فهذه تسمى لام التعليل، لكن الحقيقة أنها كلها لام الجر، معانيها تختلف. وقد تكون كما ذكرنا للعاقبة، يعني: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: 8].
كذلك فاء السببية هذه، إذا سبقت فاء السببية بنفي أو نهي فإنها تنصب أو فإن الفعل المضارع يأتي بعدها منصوباً بـ "أن" المضمرة بعد هذه الفاء. وكذلك "أو" إذا كانت بمعنى إلى أن أو إلا أن قد تأتي بمعنى إلا أن فينصب الفعل المضارع بعدها. إلى هنا نكون قد أتينا على أدوات نصب الفعل المضارع، إلى أن نلتقي إن شاء الله في الدرس القادم، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. عبدالله مسملي