يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريد سهلا يأتيك ميسورا بأي مكان، اللغة الفصيحة ورعها بطريف أسلوب وحسن بيان، بالعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. مرحبا بكم أيها الإخوة والأخوات في هذا الدرس الثامن عشر من دروس اللغة العربية في أكاديمية زاد العلمية في الفصل الرابع.
درسنا سيكون استكمالا للدرس السابق للحديث عن الفعل المضارع. الدرس السابق تحدثنا عن الفعل المضارع، وعن تعريفه، وعن سبب تسميته بالفعل المضارع، وتحدثنا أيضا عن أحوال بنائه وإعرابه. فقلنا: إنه يكون معربا إلا في حالين. إذا اتصلت به نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة اتصالا مباشرا، أو اتصلت به نون النسوة؛ في هاتين الحالتين يكون الفعل المضارع مبنيا. سيكون مبنيا على الفتح إذا اتصلت به نون التوكيد، ويكون مبنيا على السكون إذا اتصلت به نون النسوة.
ما عدا هاتين الحالتين يكون معربا؛ فيكون مرفوعا أو منصوبا أو مجزوما. متى يكون مرفوعا؟ يكون مرفوعا إذا لم يسبق بناصب أو جازم، إذا لم يسبق بأداة نصب أو أداة جزم، ولم يكن معطوفا على منصوب أو مجزوم فإنه يكون مرفوعا. إذا تجرد من عوامل النصب أو الجزم فإنه يكون مرفوعا. وتوقفنا عند علامات الرفع؛ سنأخذ اليوم علامات الرفع، ثم علامات النصب، ثم علامات الجزم لتكون في موضع واحد مجملة، ثم ندلف بإذن الله إلى التفصيل: متى يكون منصوبا؟ ما هي أدوات النصب؟ متى يكون مجزوما؟ ما هي أدوات الجزم؟ حتى يستقيم لنا هذا الموضوع، ونسأل الله عز وجل أن يوفق.
فنقول: علامات رفعه إذا لم يسبق بناصب أو جازم، يرفع بالضمة الظاهرة إذا كان صحيح الآخر. يكتب، يذهب، يقرأ، وهكذا، سيكون إذا مرفوعا بضمة ظاهرة. متى؟ إذا كان آخره صحيحا، ولم يتصل به شيء، ولم يتصل به واو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطبة، هنا يكون مرفوعا وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
متى يرفع بضمة مقدرة؟ يرفع بالضمة المقدرة إذا كان معتل الآخر؛ إذا كان آخره واو كـ "يدعو"، أو آخره ياء كـ "يرمي"، أو آخره ألف كـ "يسعى" أو "يخشى"، فإنه يكون مرفوعا بضمة مقدرة. يرفع بالضمة المقدرة إذا كان معتل الآخر بالالف؛ يعني "يسعى"، "يخشى"، فإننا نقول: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة للتعذر. لأنه يتعذر أن ننطق بالضمة على الألف لأن الألف لا تقبل الحركة. وانتبهوا؛ هناك فرق بين الألف والهمزة، الهمزة شيء والألف شيء آخر؛ الألف لا تقبل الحركة لكن الهمزة تقبل الحركات.
يكون مرفوعا وعلامة رفعه ثبوت النون إذا كان من الأفعال الخمسة التي ترفع بثبوت النون. ما هي الأفعال الخمسة؟ ذكرناها في درس سابق أن الأفعال الخمسة هي الأفعال المضارعة التي اتصلت بها واو الجماعة: "يعلمون" و"تعلمون"، أو ألف الاثنين: "يعلمان" و"تعلمان"، أو ياء المؤنثة المخاطبة: "تعلمين".
نقف أيها الإخوة مع اللوحة التعليمية لنراجع هذا الأمر، هذه اللوحة سبق أن شاهدناها في الدرس السابق. يرفع الفعل المضارع بالضمة الظاهرة إذا كان صحيح الآخر، يعني لم يكن آخره معتلا، وأيضا لم تتصل به ألف أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة، "يذاكر"، "تنظم". هنا أيضا يرفع بالضمة المقدرة إذا كان معتل الآخر. يرفع بثبوت النون إذا كان من الأفعال الخمسة التي هي: "يفعلون"، و"تفعلون"، و"يفعلان"، و"تفعلان"، و"تفعلين"؛ واو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطبة، فهذه ترفع بثبوت النون. "المسلمون يحافظون على صلاة الجماعة"، "يحافظون" هنا فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة. "لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون"، "يعلمون" فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون. كذلك لو كان متصلا بألف الاثنين: "يعلمان"، "يفعلان"، "يكتبان" فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون. "تعلمين"، "تكتبين" أيضا فعل مضارع مرفوع بثبوت النون. إذا، إذا كان من الأفعال الخمسة يرفع بثبوت النون، إذا لم يكن من الأفعال الخمسة فإذا كان صحيح الآخر يرفع بالضمة، إذا كان معتل الآخر يرفع بالضمة المقدرة.
نكمل أيضا علامات النصب حتى نستوعب علامات النصب وعلامات الرفع ثم نعود إلى التفصيل إن شاء الله. إذا كان منصوبا، إذا كان الفعل المضارع منصوبا سبق بأداة نصب، "لن يذاكر"، سيكون منصوبا وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة أو الفتحة المقدرة أو حذف النون. فإذا كان صحيح الآخر فإنه سينصب بفتحة ظاهرة. "لن يذاكر"، "لن تنظم"، سينصب بفتحة ظاهرة.
إذا كان صحيح الآخر، إذا كان معتل الآخر انتبهوا في النصب، إذا كان معتل الآخر آخره واو أو ياء فإنه يكون بفتحة ظاهرة. إذا انتقلنا إلى شريحة علامات النصب، مثلا هنا علامات النصب: الفتحة الظاهرة إذا كان الفعل صحيح الآخر، أو معتلا بالواو أو الياء. إذا الفعل المضارع ينصب وتكون علامة نصبه الفتحة الظاهرة إذا كان صحيح الآخر أو معتلا بالواو أو الياء. "لن أدعو"، "أدعو" فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة لأنه صحيح الآخر، وكذلك إذا كان معتلا بالواو: "حتى تسمو أخلاقنا"، "على القاضي أن يقضي"؛ إذا كان معتلا بالواو أو الياء فتكون أيضا علامة النصب فيه الفتحة الظاهرة.
إذا السؤال: متى تكون علامة النصب الفتحة الظاهرة في الفعل المضارع؟ إذا كان صحيح الآخر أو معتلا بالواو أو الياء. متى ينصب بفتحة مقدرة ومتى ينصب بحذف النون؟ هذا ما سنعرفه إن شاء الله بعد الفاصل.
هل كرم المرأة أحد مثلما كرمها الإسلام؟ فالنساء شقائق الرجال، وإنما خصت المرأة ببعض الأحكام كإعفائها من الجمع والجماعات مراعاة لأنوثتها، لا تحقيرا لها. فللمرأة حقها في التعليم، وقد خصص النبي صلى الله عليه وسلم درسا لتعليم النساء، ولا يمنعها الحياء من طلب العلم. قالت عائشة رضي الله عنها: "نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين". والتعليم حق للمرأة على أبيها وزوجها. عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]، قال: "علموهن وأدبوهن"، وتُعلم المرأة زوجها إن كانت أعلم منه. قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي رافع حين علمته زوجته بعض الأحكام: «يا أبا رافع، إنها لم تأمرك إلا بخير». والتاريخ الإسلامي زاخر بالنساء العالمات المعلمات، كعائشة أم المؤمنين، قال عطاء بن أبي رباح: "كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة". ومنهن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وحفصة بنت سيرين البصرية، وفاطمة بنت عباس البغدادية. فتعلمي واعملي وأبشري، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124].
بسم الله الرحمن الرحيم، نواصل الكلام أيها الإخوة عن علامات نصب الفعل المضارع. فنقول: إن الفعل المضارع كما ذكرنا ينصب بفتحة ظاهرة إذا كان الفعل صحيح الآخر، أو معتلا بالواو أو الياء. "لن أدعو"، "حتى تسمو"، "على القاضي أن يقضي"؛ هنا آخره حرف صحيح منصوب بفتحة ظاهرة، هنا آخره واو منصوب بفتحة ظاهرة، هنا آخره ياء منصوب بفتحة ظاهرة.
إذا كان معتل الآخر بالألف آخره ألف، هنا ينصب بفتحة مقدرة. "لن أسعى في نشر البدعة"، "لن أخشى غير الله". فهنا إذا كان الفعل المضارع معتلا بالالف، يعني آخره ألف، فإن علامة النصب فيه الفتحة المقدرة. هنا إذا لو سألنا سؤالا: ما الفرق بين علامات الرفع وعلامات النصب؟ علامات الرفع يكون بضمة ظاهرة إذا كان صحيح الآخر فقط، إذا كان معتلا يكون بضمة مقدرة؛ لأن الضمة ثقيلة، أثقل من الفتحة، لكن إذا كان منصوبا، فإذا كان معتلا بالواو أو الياء فيكون بفتحة ظاهرة، إذا كان بالألف لأن الألف لا تقبل الحركة فيكون بفتحة مقدرة.
إذا كان من الأفعال الخمسة، التي هي الأفعال التي اتصلت بها واو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المؤنثة المخاطبة؛ "يكتبون" و"تكتبون"، "يكتبان" و"تكتبان"، "تكتبين". هذه الأفعال الخمسة إذا سبقت بناصب أنها تنصب وتكون علامة النصب فيها حذف النون. إذا متى تكون علامة النصب حذف النون؟ إذا كان من الأفعال الخمسة. "كي ترضوا الله عليكم باتباع شريعته"، "كي ترضوا"، "ترضون" لأنه فعل مضارع اتصلت به واو الجماعة. "وأن تعفوا أقرب للتقوى"، "تعفوا"، "تعفون" أنتم، فهنا دخلت عليها أداة النصب فصار منصوبا، علامة النصب فيه حذف النون، أصلها "تعفون". "ولن تستطيعوا"، أصلها "تستطيعون" قبل الناصب، فلما دخل الناصب حذفت النون. فإذا علامة النصب في الأفعال الخمسة هي حذف النون، بينما علامة الرفع في الأفعال الخمسة ثبوت النون.
إذا، علامات النصب: الفتحة الظاهرة إذا كان الفعل صحيح الآخر أو معتلا بالواو أو الياء، الفتحة المقدرة إذا كان معتل الآخر بالألف، حذف النون إذا كان من الأفعال الخمسة. والمقصود بالأفعال الخمسة هي الأفعال المضارعة التي اتصلت بها واو الجماعة "يكتبون" و"تكتبون"، أو ألف الاثنين "يكتبان" و"تكتبان"، أو ياء المؤنث المخاطبة "تكتبين".
بقي معنا علامات الجزم. إذا كان الفعل المضارع مجزوما فإنه يجزم وتكون علامة الجزم فيه السكون إذا كان صحيح الآخر. "لم يكتب زيد"، "يكتب" فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون. إذا علامة الجزم هنا السكون. إذا كان صحيح الآخر "لم يذهب"، "لم يقرأ"، علامة الجزم السكون.
متى تكون علامة الجزم السكون؟ إذا كان صحيح الآخر. الحال الثاني في الجزم: يجزم وتكون علامة الجزم حذف حرف العلة، إذا كان معتل الآخر فإن علامة الجزم فيه حذف حرف العلة. كما أقول مثلا: "لم يرجُ فلان غير ربه". "لم يرجُ" هنا "يرجو" آخره واو، لما دخلت أداة الجزم حذف حرف العلة. "لم يدعُ"، "لم يرمِ"، "لم يخشَ"، ها "ولم يخشَ إلا الله"، هنا حذف حرف العلة، صارت ياء وخاء وشين وليس هناك ألف، حذف حرف العلة لأنه مجزوم. علامة الجزم إذا كان معتل الآخر علامة الجزم حذف حرف العلة.
إذا كان من الأفعال الخمسة فكيف تكون علامة الجزم؟ علامة الجزم حذف النون. "لم يكتبوا"، "لم يذهبوا"، "فإن لم تستطيعوا"، "لم تستطيعوا" فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون. إذا، علامات الجزم ثلاث: السكون إذا كان صحيح الآخر، حذف حرف العلة إذا كان معتل الآخر، حذف النون إذا كان من الأفعال الخمسة.
إذا الآن عرفنا علامات الرفع، وعلامات النصب، وعلامات الجزم. علامات الرفع: الفعل المضارع يرفع بالضمة الظاهرة إذا كان صحيح الآخر، وبالضمة المقدرة إذا كان معتل الآخر، وبثبوت النون إذا كان من الأفعال الخمسة. وينصب بفتحة ظاهرة إذا كان صحيح الآخر أو معتلا بالواو أو الياء، وينصب بفتحة مقدرة إذا كان معتل الآخر بالألف، وينصب بحذف النون إذا كان من الأفعال الخمسة. الجزم: يجزم بالسكون إذا كان صحيح الآخر، بحذف حرف العلة إذا كان معتل الآخر، وبحذف النون إذا كان من الأفعال الخمسة.
إذا الآن أيها الإخوة عرفنا بإجمال علامات الرفع للفعل المضارع، وعلامات نصب الفعل المضارع، وعلامات جزم الفعل المضارع. متى يكون مرفوعا؟ يكون مرفوعا إذا لم يسبق بناصب أو جازم كما قررناه سابقا. يعني يرفع إذا لم يسبق بناصب أو جازم. ومتى ينصب؟ ينصب إذا سبق بناصب. يجزم إذا سبق بجازم.
الآن نعود إلى النصب أيها الإخوة. هنا علامات الرفع، هنا النصب. ينصب الفعل المضارع إذا سبقته إحدى أدوات النصب. ما هي أدوات النصب؟ انتبهوا معي أيها الإخوة، أدوات النصب هي الأدوات التي تأتي قبل الفعل المضارع: "أن"، وهي أم الأدوات، "أن" المصدرية. و"لن"، و"كي"، و"حتى"، ولام التعليل، ولام الجحود، وفاء السببية، و"أو". هذه "حتى" ولام التعليل وما بعدها هي في الحقيقة في اللفظ هي التي سبقت الفعل المضارع، لكن في التحقيق وفي التقدير فإن بعد هذه الأدوات تقدر "أن" المضمرة؛ تكون "أن" المضمرة بعد حتى، أو بعد لام التعليل، أو بعد لام الجحود، أو بعد فاء السببية، أو بعد أو التي بمعنى إلى أن.
هذه أدوات النصب، وأم الباب هي أن المصدرية. وعندنا أيضًا لن النافية، فإنها أداة من أدوات النصب. إذا عندنا أن المصدرية هي أم الباب، ولن كذلك التي تدل على النفي، وكي، وهذه الأدوات البقية التي ينصب بعدها الفعل المضارع بأن المضمرة، ويقال إنها منصوبة بأن أو لام التعليل، وإلا فإن التدقيق أن نقول: الفعل المضارع منصوب بأن المضمرة بعد حتى أو بعد لام التعليل أو بعد لام الجحود إلى آخره. فاصل أيها الإخوة ثم نواصل الحديث عن نصب الفعل المضارع.
نزل الوحي الإلهي باللسان العربي المبين، قال تعالى ﴿فَتَعَلَّمِ﴾، فتعلم العربية يسهل فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف، وكتب عمر إلى أبي موسى: أما بعد، فتفقهوا في السنة وتفقهوا في العربية. وعلم النحو هو علم بأصول يعرف منها أحوال أواخر الكلم إعرابًا وبناءً. والكلمة ثلاثة أقسام: اسم، وفعل، وحرف. والاسم منه مذكر كمحمد، ومؤنث كعائشة، ومنه مفرد كمسلم، ومثنى كمسلمين، وجمع؛ وهو مذكر سالم كمسلمين، ومؤنث سالم كمسلمات، وجمع تكسير كعلماء. والاسم منه نكرة كرجل، ومعرفة وهو أنواع: الضمير كأنا وهم، وعلم كأحمد، واسم إشارة كأولاء، والاسم الموصول كالذي، والمعرف بأل كالرجل، وبالإضافة كطالب العلم.
والإعراب هو تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظًا أو تقديرًا، وعكسه البناء. وأقسام الإعراب أربعة: الرفع وعلامته الأصلية الضمة، والنصب وعلامته الأصلية الفتحة، والجر وعلامته الأصلية الكسرة ويختص بالأسماء، والجزم وعلامته الأصلية السكون ويختص بالأفعال. والفعل ثلاثة أقسام: ماض كذهب، ومضارع كيذهب، وأمر كـ اذهب. والماضي والأمر مبنيان، والمضارع يعرب ويبنى. والجملة إما اسمية وهي مبتدأ وخبر، وإما فعلية وهي فعل وفاعل. فتعلم النحو واللغة لتفهم نصوص الوحي، فإنه نزل إلينا بلسان عربي مبين.
بسم الله الرحمن الرحيم، نستكمل الحديث أيها الإخوة عن أدوات نصب الفعل المضارع. نقول: ينصب الفعل المضارع إذا سبقته إحدى أدوات النصب، الأساس وأم الأدوات هي أن المصدرية، ثم لن وكي وما بعدها من الأدوات؛ هذه الأدوات ينصب الفعل المضارع بعدها. قال الله عز وجل: ﴿أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: 82]، أن هذه المصدرية سبقت الفعل المضارع. ما إعراب الفعل المضارع بعدها؟ نقول: الفعل المضارع بعدها فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة. لماذا قلنا الفتحة؟ لأنه صحيح الآخر. أن يغفر، لكن لو قلنا مثلًا: أحب أن أدعو، أيضًا بفتحة ظاهرة مع أنه معتل لكنه معتل بالواو. أحب أن أمشي، أيضًا فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. لكن أحب أن أسعى في الخير، أن أسعى، أسعى هنا فعل مضارع منصوب بأن، ولكن علامة نصبه ماذا؟ علامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره للتعذر؛ لأن آخره ألف والألف لا تقبل الحركة.
هذه هي مجمل أدوات النصب نأخذها مفصلة بأمثلتها. أن المصدرية، ومنه قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [البقرة: 90]. السؤال: كم فعلًا مضارعًا في هذه الآية؟ وما حاله؟ ستقولون إن الأفعال المضارعة يكفروا وينزل. من يعرب لنا يكفروا؟ ستعربون أنتم، ستقولون أن حرف مصدري ونصب، يكفروا فعل مضارع دام سبق بناصب فنقول فعل مضارع منصوب. ما علامة نصبه هنا؟ من قال الضمة نقول له أخطأت، من قال الواو نقول له أخطأت، علامة نصبه حذف النون؛ لأن الفعل اتصلت به واو الجماعة، أصلها يكفرون، فلما دخلت أن المصدرية، صار منصوبًا وعلامة النصب حذف النون.
إذا فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه حذف النون، ليست الفتحة المقدرة ولا الظاهرة، ليست الواو، ليست الضمة، وإنما علامة نصبه حذف النون. يكفرون، أن يكفروا هنا لما سبق بناصب صار منصوبًا وعلامة نصبه حذف النون، لماذا؟ لأنه من الأفعال الخمسة. الفعل الآخر ﴿بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ﴾، ينزل هنا فعل مضارع ما حاله؟ سبق بأداة نصب وهي أن المصدرية، فإذا فعل مضارع منصوب بأن، ما علامة نصبه؟ علامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ لأنه صحيح الآخر.
أن المصدرية هي أم الأدوات الناصبة التي تنصب الفعل المضارع، وهنا لفتة مهمة جدًا: قد تأتي أن ولكنها ليست المصدرية، وإنما المخففة من الثقيلة. عندنا أن وأن، وتكون أن المخففة من الثقيلة إذا سبقت بفعل يدل على اليقين، فإنها تكون المخففة من الثقيلة وليست الناصبة. ما مثال قول الله عز وجل: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ﴾ [المزمل: 20]؟ قد يظن الظان أن أن هذه هي الناصبة، طيب الفعل المضارع عندنا ليس منصوبًا وإنما هو مرفوع. نقول له إن أن هذه ليست هي أن الناصبة التي معنا، وإنما هي أن المخففة من الثقيلة، واسمها محذوف؛ لماذا؟ لأنه سبقت بيقين، بما يدل على اليقين؛ علم، أفعال العلم وأفعال اليقين إذا سبقت أن فإن هذه ليست هي الناصبة وإنما هي المخففة من الثقيلة. لا يأتين الإنسان ويقول: أنتم تقولون أن تنصب وهنا الفعل المضارع مرفوع، نقول لا، هذه ليست الناصبة وإنما هذه المخففة من الثقيلة.
من أدوات النصب لن، قال الله عز وجل: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ﴾ [النساء: 172]. في هذه الآية فعلان مضارعان وليس فعلًا واحدًا: الفعل الأول يستنكف، والفعل الثاني يكون. يستنكف هنا فعل مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه الفتحة، وأن يكون أيضًا فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة. إذا هذه لن الناصبة التي تنصب الفعل المضارع، هنا الفعلان منصوبان وعلامة نصبهما الفتحة الظاهرة. لكن لو قلنا: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 129]، لن هنا أداة نصب وتستطيعوا فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة. لن يدعو المسلم غير الله، لن يدعو المسلم غير الله، لن يدعو فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ لأن الفعل المضارع المعتل الآخر بالواو ينصب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، لن يدعوا ولن يرمي وهكذا.
كي، قوله تعالى: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: 37]، كي لا يكون دولة بين الأغنياء، كي لا يكون؛ فهنا الفعل المضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة لأنه سبق بناصب. كذلك هنا حتى، قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]، ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43]. نختم درسنا أيها الإخوة بالوقوف مع هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنبًا إلا عابر سبيل حتى تغتسلوا.
كم فعلًا مضارعًا في هذه الآية؟ تقربوا، تعلموا، تقولون، تغتسلوا، أربعة أفعال مضارعة في هذه الآية. لا تقربوا هنا هذا الفعل مضارع مجزوم وسيأتي الحديث عنه، حتى تعلموا، هنا فعل مضارع سبق بحتى، وهنا تعلموا، إذًا فعل مضارع منصوب، ما علامة نصبه؟ علامة نصبه حذف النون لأنه تعلمون، ثم لما جاء الناصب لما سبق بناصب حذفت النون، فهو فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه حذف النون. تقولون هنا فعل مضارع مرفوع، مرفوع لأنه لم يسبق بناصب أو جازم، ما ليست من أدوات النصب ولا أدوات الجزم، فإذا تقولون مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، ثبوت النون. حتى تغتسلوا، تغتسلوا فعل مضارع منصوب لأنه سبق بناصب، وعلامة نصبه حذف النون. فانظروا هنا حتى تعلموا حتى تغتسلوا، الفعل المضارع حذفت منه النون لأنه منصوب، وعلامة نصبه حذف النون. الأولى هنا والأدق أن نقول إن الفعل هنا المضارع منصوب بأن المضمرة بعد حتى، لكن لو قال قائل إنه منصوب بحتى فلا بأس ولا إشكال إن شاء الله، المهم أنه فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه حذف النون.
أيها الإخوة نقف هنا ونستكمل إن شاء الله في الدرس القادم الحديث عن أدوات نصب الفعل المضارع؛ لأنها لم ينتهِ الحديث عنها، إلى أن ألقاكم في الدرس القادم أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يا راغبًا في كل علم نافع، متطلع لزيادة الإيمان، وتريد سهلًا يأتيك ميسورًا بأي مكان، لغة الفصيحة ورعاها بطريف أسلوب وحسن بيان، تحية للعلم كالأزهار في البستان.
د. عبدالله مسملي