دخولتسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً، وتعلم اللغة الفصيحة، ورعاها بطريف أسلوب وحسن بيان، بالعلم كالأزهر في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. مرحباً بكم أيها الإخوة والأخوات في هذا الدرس العاشر من دروس اللغة العربية في أكاديمية زاد العلمية. درسنا سيكون استكمالاً للدرس السابق؛ تحدثنا في الدرس السابق عن العطف، وبالتحديد عن عطف النسق، وذكرنا أن عطف النسق يكون بواسطة أحد حروف العطف. فيكون عندنا المعطوف عليه، ثم حرف العطف، ثم المعطوف وهو التابع.

نحن اليوم سنتحدث عن حروف العطف؛ ما هي حروف العطف، وما معاني هذه الحروف؟ يكون ذلك بإذن الله على اللوحة التعليمية. حروف العطف متعددة، سنقف مع بعض هذه الحروف وأشهرها.

أول الحروف الواو، والواو هو أشهر حروف العطف. ماذا يفيد هذا الحرف؟ ماذا تفيد الواو؟ قالوا إن فائدة الواو هي الاشتراك في الحكم بين المعطوف والمعطوف عليه؛ يعني يشتركان في الحكم، وكما يعبر بعض النحاة فيقولون هي لمطلق الجمع. كيف ما معنى مطلق الجمع؟ يعني لا تفيد ترتيباً. حينما أقول: نجح محمد وإبراهيم؛ هما اشتركا في الحكم الذي هو النجاح، كلاهما يجتمعان في النجاح. هل محمد نجح قبل إبراهيم؟ لا. هل إبراهيم نجح قبل محمد؟ لا. ليس هناك ترتيب في هذا المثال، الواو لا تفيد ترتيباً، وإنما تفيد الاشتراك؛ اشتراك المعطوف مع المعطوف عليه في الحكم، ولذلك قالوا لمطلق الجمع.

قد تأتي عندنا أمثلة يكون فيها ترتيب، بمعنى الأول سبق الثاني، وقد تأتي من غير ترتيب، إنما اجتمعا واشتركا في، وقد تأتي عكس الترتيب. قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: 127]. أين المعطوف؟ المعطوف إسماعيل، معطوف على ماذا؟ معطوف على إبراهيم. ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾، إذاً إسماعيل معطوف على إبراهيم. الواو هنا ماذا تفيد؟ تفيد مطلق الجمع، اشتركا في هذا الأمر، وهما كذلك شاركا في البناء وفي الرفع، وكان إسماعيل مع أبيه إبراهيم. فهنا ليس هناك ترتيب؛ ما في ترتيب، إبراهيم ثم إسماعيل جاء بعده أو كان رفع بعده، وإنما رفعا معاً، فاشتركا معاً، فهما مجتمعان، ليس هناك ترتيب.

قال الله عز وجل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة: 1-3]. هنا من عطف الجمل، الواو هنا ماذا أفادت؟ أيضاً مطلق الجمع. هل في ترتيب هنا؟ في ترتيب؛ حدثت الزلزلة أولاً ثم حدث ما بعد ذلك. ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، ليسوا مجتمعين في وقت واحد، بل هنا فيه ترتيب. هل الواو هي التي أفادت الترتيب؟ قالوا لا، ليست الواو هي التي أفادت الترتيب، وإنما الترتيب يفهم من شيء آخر غير الواو.

قول الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: 24]. من الذي يقول هذا؟ الذي يقول هذا هم الذين ينكرون البعث، يقولون ما في بعث. قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ما في إلا حياة الدنيا فقط، ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾. هل الحياة بعد الموت هم يقصدون الحياة بعد الموت؟ هل هنا في ترتيب الموت ثم حياة بعد الموت؟ هم ينكرون أصلاً البعث، هنا عكس الترتيب؛ بمعنى الحياة في هذه الدنيا ثم الموت، هذا هو مرادهم. هناك أنه عكس الترتيب، ولهذا نقول إن الواو لمطلق الجمع، لا تفيد ترتيباً. قد يكون المعطوف مع المعطوف عليه في وقت واحد، وقد يكون المعطوف عليه أولاً ثم المعطوف، وقد يكون المعطوف أولاً ثم المعطوف عليه. ولذلك فإننا نقول إن الواو لا تفيد ترتيباً، وإنما هي لمطلق الجمع؛ لمطلق اشتراك المعطوف مع المعطوف عليه في الحكم فقط من دون ترتيب. إذا أردنا ترتيباً ويفيد الحرف الترتيب، فنستخدم أو نستعمل حرف العطف الذي يفيد الترتيب، الفاء أو ثم، كما سيأتي. إذاً الحرف الأول أيها الإخوة هو حرف الواو، وهو يفيد مطلق الجمع أو يفيد مطلق الاشتراك؛ اشتراك المعطوف مع المعطوف عليه في الحكم، يشتركان في الحكم ولا تدل الواو على الترتيب. هذا هو الأصل، إذا كانت هناك دلالة على الترتيب أو عكس الترتيب فهي من شيء آخر غير الواو.

الحرف الثاني هو الفاء. ماذا تفيد الفاء؟ الفاء تفيد الترتيب مع التعقيب، يعني الترتيب وفي تعقيب، ما في فاصل طويل بين المعطوف والمعطوف عليه، هناك ترتيب من غير مهلة. إذاً الفاء ماذا تفيد أيها الإخوة؟ تفيد الترتيب مع التعقيب. نواصل الحديث عن معاني حروف العطف بعد الفاصل بإذن الله عز وجل.

من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشاً ضعيفاً، جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها؛ فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة أبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة. وبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة. وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة. فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم وألا يمنعها الحياء من ذلك، فإنه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار؛ لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الإخوة، قبل الفاصل ذكرنا معاني هذه الحروف، حروف العطف. أولاً ذكرنا الحديث عن الواو، وقلنا إن الواو هي لمطلق الجمع وللاشتراك؛ اشتراك المعطوف مع المعطوف عليه في الحكم. ثم وقفنا عند الفاء، وقلنا إن الفاء تفيد الترتيب مع التعقيب، يعني ليس هناك فاصل بين المعطوف والمعطوف عليه. بعكس «ثم»، فإن «ثم» تفيد الترتيب مع التراخي.

حينما أقول: جاء زيد فعمرو، ماذا أقصد؟ أقصد أن عمراً جاء بعد زيد، لكن من غير فاصل طويل. لكن لو قلت: جاء زيد ثم عمرو، فبينهما وقت بين مجيئهما. فإذاً الفاء تفيد الترتيب، إذاً المعنى تفيد الترتيب وتفيد التعقيب. أما «ثم» فإنها تفيد الترتيب والتراخي. طب إذاً الفاء ماذا تفيد؟ الفاء تفيد ثلاثة أمور. الأمر الأول: تفيد الاشتراك، انتبهوا، الأمر الأول تفيد الاشتراك؛ اشتراك المعطوف مع المعطوف عليه في الحكم. لما أقول: جاء زيد فعمرو، اشترك زيد مع عمرو في حكم المجيء، إذاً المعنى الأول الاشتراك. المعنى الثاني: الترتيب، هناك ترتيب؛ يعني لما أقول: جاء زيد فعمرو، يعني جاء زيد أولاً وبعده جاء عمرو. في ترتيب، ما يمكن يكون عمرو جاء قبل زيد. لكن في الواو يمكن أن أقول: جاء عمرو وزيد، حتى لو كان عمرو بعد زيد ما عندنا مشكلة، ليس في الجملة خطأ. لما أقول: جاء عمرو وزيد، ما يلزم أن يكون عمرو جاء قبل زيد، هو جاء زيد وجاء بعده عمرو، فأنا إذا أردت أن أقول إنهما جاءا، أريد أن يشتركا في الحكم، مطلق الجمع، ممكن أن أقول: جاء زيد وعمرو، وممكن أن أقول: جاء عمرو وزيد. لكن إذا أردت الترتيب فلابد أن أقول: جاء زيد فعمرو؛ ما يفاد الترتيب إلا بالفاء أو «ثم».

جاء زيد فعمرو، فهنا الترتيب جاء بحرف العطف وهو الفاء. إذاً الفاء تفيد الاشتراك، وتفيد الترتيب، وتفيد التعقيب، والتعقيب في كل حال بحسبها. يعني المجيء لما أقول: جاء زيد فعمرو، يمكن أن يكون بينهما دقيقة، دقيقتان، ثلاث، خمس، عشر. لكن إذا قلت: جاء زيد ثم عمرو، معنى ذلك أن هناك فاصل طويل. في حال أخرى، ربما يكون الفاصل يوماً ومع ذلك يكون تعقيباً، مثل ماذا؟ مثل لو قلت مثلاً: زرت مكة فالمدينة؛ هنا يمكن أن يكون بينهما يوم أو يومان ويكون هذا تعقيباً. لكن لو كان بينهما شهر، ما يمكن أقول: زرت مكة فالمدينة ويكون بينهما شهر. لكن لو كان بينهما يوم أو يومان، فليس هنا إشكال، هذا تعقيب. نحن هناك قلنا الساعة تعتبر تراخي، لكن في المجيء، في الزيارة بين مدينة وأخرى ما يمكن يكون ساعة ولا نصف ساعة ولا أقل، وإنما يكون يوم أو يومان. فإذاً التعقيب في كل حال وفي كل مثال بحسبه، ليس هناك مهلة محددة أو زمن محدد يقال هذا زمن، إذا كان في خلال هذا الزمن يكون تعقيباً، وإذا كان أكثر من ذلك يكون تراخياً، لا، وإنما التعقيب في كل شيء بحسبه. إذاً الفاء ماذا تفيد أيها الإخوة؟ تفيد اشتراك الحكم، وتفيد الترتيب، وتفيد التعقيب.

وتفيد التعقيب هنا المثال: وصلت الطائرة فخرج المسافرون. هنا وصلت الطائرة فخرج المسافرون؛ عطفنا الجملة على جملة «وصلت الطائرة فخرج». كان خروج المسافرين من الطائرة عقيب وصول الطائرة، لما وصلت خرج المسافر بعد ذلك. لكن لو كان هناك خلل في الطائرة استدعى أن يبقى المسافرون في الطائرة لساعة مثلاً، ما يمكن نقول: وصلت الطائرة فخرج المسافرون، لأنه ليس هناك تعقيب، وإنما صار هناك تراخي، صار فيه فاصل في مهلة غير قصيرة، في مهلة غير معتادة، هنا ليس تعقيباً. فأنا لو قلت: فرق بين أن نقول وصلت الطائرة فخرج المسافرون وبين أن أقول وصلت الطائرة ثم خرج المسافرون؛ هنا لما قلت «ثم» معنى ذلك أن هناك فاصل، هناك مهلة غير قليلة.

وأول من خرج النساء فالرجال؛ أول من خرج النساء فالرجال، إذاً الرجال خرجوا بعد النساء مباشرة، هنا تعقيب. لو قال المسؤول في الطائرة: نريد من الرجال أن يمكثوا بعد النساء ساعة، ما يمكن نقول خرج النساء فالرجال، لأنه ليس هناك تعقيب، فيه فاصل. لكن بمجرد انتهاء خروج النساء خرج الرجال، نقول: خرج النساء فالرجال. فإذاً الفاء تفيد ثلاثة أمور: الاشتراك، الترتيب، التعقيب.

الحرف الثالث «ثم»، هذه تفيد ثلاثة أمور أيضاً: تفيد الاشتراك، وتفيد الترتيب، وتفيد التراخي؛ أن الحكم الذي حصل للمعطوف كان بعد الحكم الذي حصل للمعطوف عليه، وبينهما فاصل، وبينهما مهلة، وبينهما وقت، كان يمكن أن يكون أقل من ذلك لكن صار فيه تراخي. لما أقول: جاء زيد ثم عمرو، يعني ترى بينهما وقت، ليس بينهما تعاقب مباشرة، إنما فيه فاصل وقت. فإذاً «ثم» تفيد ماذا؟ تفيد الترتيب مع التراخي، والتراخي المقصود وجود فاصل بين الأول والثاني.

الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ [فاطر: 11]، فهذا يفيد اشتراك الحكم، الله خلقكم، الخلق اشتراك في الخلق، وتفيد الترتيب، أنه الخلق من تراب أولاً ثم الخلق من نطفة ثانياً، وبينهما وقت، فإذاً هذا يفيد التراخي. إذاً تفيد «ثم» التراخي. هذه أيها الإخوة أشهر حروف العطف، هناك حروف أخرى غير هذه الثلاثة سنعرفها إن شاء الله بعد الفاصل.

ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوتهما أما لبره أو أدبه أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت لصحابي جليل، النعمان بن بشير رضي الله عنه يقول: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: أكلهم وهبت لهم مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد على جور. ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته، وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم.

ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره، لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يُفضّل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد العطية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم. ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك، كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].

بسم الله الرحمن الرحيم. نكمل الحديث أيها الإخوة والأخوات عن معاني حروف العطف؛ ذكرنا أن الواو تفيد مطلق الجمع والاشتراك، وأن الفاء تفيد الاشتراك والترتيب والتعقيب، وأن «ثم» تفيد الاشتراك والترتيب مع التراخي.

التراخي، لو أخذنا مثالاً على ذلك: زرعت القمح ثم حصدته. لو سألت سؤالاً قبل أن أتكلم عن معنى "ثم" لو قلت: من أي أنواع العطف في هذه الجملة؟ هل هو من عطف الأسماء على الأسماء، أم من عطف الأفعال، أم من عطف الجمل؟

الجواب أنه من عطف الجمل: "زرعت القمح ثم حصدته". من عطف الجمل عندنا هنا فعل "زرعت" فعل وفاعل، والقمح مفعول به منصوب، و"ثم" حرف العطف، و"حصدته" عندنا فعل وفاعل ومفعول به؛ "حصد" فعل ماضٍ مبني على الاتصال بضمير رفع متحرك، والتاء ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به. والجملة من الفعل والفاعل والمفعول به "حصدته" معطوفة على الجملة السابقة.

المعنى هنا واضح أن "ثم" تفيد الاشتراك؛ يعني أن المتكلم جمع بين الزراعة والحصد، جمع بينهما واشتركا، اشتركت الزراعة والحصاد في فعله. هذا الاشتراك والترتيب، نعم الحصاد كان بعد الزرع، الحصاد كان بعد الزرع في ترتيب، والتراخي لأن الزرع سابق بفترة عن الحصاد، فهنا تفيد "ثم" الترتيب وتفيد التراخي. هذه هي معاني حروف العطف الثلاثة: الواو، والفاء، وثم.

هناك أيها الإخوة حروف عطف غير هذه الثلاثة، ومنها "أو". حرف العطف "أو" ماذا تفيد؟ باختصار تفيد بعد الطلب -إذا كان هناك طلب- فهي تفيد التخيير أو الإباحة؛ تخيير المخاطب بين هذا وهذا، أو إباحة له. وبعد الخبر -إذا كان خبراً فقط وليس طلباً- فهي تفيد الشك.

لو أخذنا هذه المعاني الثلاثة: التخيير، ثم الإباحة، ثم الشك. التخيير يعني أنا أخير السامع بين أحد الأشياء، والإباحة أبيح له. ما الفرق بين التخيير والإباحة؟ الفرق بين التخيير والإباحة أن التخيير لا يجوز الجمع بين الأمرين، إما تختار هذا أو هذا، أما الإباحة فيجوز أن تجمع بينهما.

مثال التخيير لو قلنا مثلاً لو خاطبنا أحداً وقلنا له: «تزوج هنداً أو أختها»، ما معنى "أو" هنا؟ لاحظ أنه جاء بعد الطلب "تزوج"، أمر. "تزوج هنداً أو أختها" هنا "أو" تفيد التخيير. لماذا قلنا التخيير؟ لأنه لا يجوز أن يجمع بين هند وأختها، لا يمكن الجمع بينهما، لا يجوز هنا التخيير؛ إما هذه أو تلك، هذا يسمى التخيير. وكذلك في الكفارات، الآيات التي فيها الكفارة: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89]. هنا قالوا إن "أو" تفيد التخيير بمعنى أنه يختار إما هذه الكفارة أو تلك، ولا يجمع بينهما على اعتبار أنهما كفارة، لكن يمكن أن تكون إحداهما كفارة والأخرى صدقة مثلاً، لكن أن يجمع بينهما على اعتبار أنهما كفارة لا، هذا تخيير.

كذلك لو قلنا مثلاً: تعجل في الحج أو تأخر، يعني إما أن تغادر في اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه؛ لمن اتقى. يقول: «تعجل أو تأخر»، هذا تخيير لأنه لا يمكن أن يجمع بينهما.

أما الإباحة، فتكون "أو" فيها الإباحة، أي أحد الأمرين ويجوز أن يجمع بينهما، كما يمثل النحاة بقولهم: "جالس الحسن أو ابن سيرين"، يعني اجلس إلى هذا وتعلم من هذا أو من هذا، لكن هذه إباحة وليست تخييراً. لماذا؟ لأنه يجوز أن يجالس الحسن ويجالس ابن سيرين، يجلس إلى هذا ويجلس إلى هذا، ليس هناك مانع شرعي ولا مانع في الواقع، فإنه يستطيع أن يجالس هذا ويستطيع أن يجالس هذا، هذا يجالسه بعد العصر وذلك يجالسه بعد المغرب مثلاً، أو هذا في يوم وهذا في يوم، فهذه تسمى الإباحة.

إذن "أو" تفيد التخيير أو الإباحة وذلك إذا جاءت بعد طلب. والفرق بين التخيير والإباحة أن التخيير لا يجوز الجمع بين الأمرين كـ "تزوج هنداً أو أختها"، والإباحة يجوز أن يجمع بينهما كـ "جالس الحسن أو ابن سيرين". أما إذا جاءت بعد الخبر، يعني بعد خبر من الأخبار كقولنا: "جاء زيد أو عمرو"، فهذا يفيد الشك، بمعنى أن المتكلم شك، لا يدري هل جاء هذا أو هذا، فيقول: "جاء زيد أو عمرو". فهنا "أو" تفيد الشك، وهذا يرد كثيراً في الحديث وفي أقوال الرواة، فيقولون: "شك يشك في هذا، فيقول هذا أو هذا"، هذا يفيد الشك. وقد تأتي "أو" بعد الخبر ويكون هناك مقصد للمتكلم وهو الإبهام؛ هو لا يشك، لكن يريد أن يوهم أو يبهم على السامع، وهذا معنى دقيق.

إذن "أو" تفيد التخيير أو الإباحة وذلك بعد الطلب، وتفيد الشك بعد الخبر. وهناك أيضاً ظروف أخرى تستعمل العطف لا بد أن ننبه إليها، فعندنا "حتى"، هذه الكلمة هي حرف عطف تستعمل حرف عطف، ماذا تفيد؟ تفيد الغاية والتدريج. يعني حينما أقول للأخ الكريم: "ناولته الكتب حتى كتاب الأدب"، هنا "كتاب الأدب" معطوف على "الكتب"، أنا ناولته الكتب حتى كتاب الأدب، فهنا "الكتب" مفعول به، و"حتى" حرف عطف، و"كتاب" معطوف منصوب، يفيد الغاية مع التدريج، يعني أنا أعطيته الكتب كتاباً كتاباً حتى أعطيت كتاب الأدب.

ومن المثال الذي يذكر في كتب النحو: "أكلت السمكة حتى رأسها"، يعني أكل السمكة إلى أن وصل إلى الرأس وأكل الرأس. "أكلت السمكة حتى رأسها"؛ فهنا "حتى" حرف عطف يفيد الغاية والتدريج، يعني تدرج في الأكل حتى وصل إلى الرأس فأكل الرأس أيضاً. وقد تأتي "حتى" لمطلق الجمع مثل الواو، قد تأتي "حتى" مثل الواو، قالوا من ذلك ما جاء في الحديث: «كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس»، فإذاً هنا "حتى" تفيد مطلق الجمع، يعني كل شيء بقضاء وقدر، وكذلك العجز والكيس.

كذلك من حروف العطف "بل"، تستعمل للعطف، مثل لما أقول مثلاً: "جاءني زيد لا عمرو"، يعني ترى الذي جاءني زيد أم عمرو؟

جاءني زيد لا عمرو، فهذه حرف عطف. وحينما أقول: ما جاءني زيد بل عمرو، فهي حرف عطف. وحينما أقول: ما جاءني زيد لكن عمرو، فهذه أيضاً تستعمل حرف عطف؛ فهذه الحروف الثلاثة قد تستعمل حرف عطف.

هذا لمزيد البيان، فإذا حروف العطف هي الواو والفاء وثم وأو، وهذه أشهر حروف العطف، وكذلك حتى ولا وبل ولكن؛ هذه هي حروف العطف. وبهذا نكون قد أنهينا الحديث عن العطف.

نلتقي إن شاء الله في درس قادم، ولذلك أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يا راغباً في كل علم نافع، متطلع لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً يأتيك ميسوراً بأي مكان، اللغة الفصيحة ورعها بطريف أسلوب وحسن بيان، تحية للعلم كالأزهار في البستان.