يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً اللغة الفصيحة، ورعاها بطريف أسلوب وحسن بيان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
مرحباً بكم أيها الإخوة والأخوات في هذا الدرس الثاني عشر من دروس اللغة العربية في أكاديمية زاد العلمية في هذا الفصل الرابع. درسنا اليوم سيكون استكمالاً للدرس السابق في الحديث عن النوع الرابع من أنواع التوابع وهو البدل. حدثنا في الدرس السابق عن تعريف البدل، وما المقصود بالبدل؟ وما هي أمثلة البدل؟ درسنا اليوم سيكون عن أقسام البدل.
أقسام البدل: البدل قد يكون بدل مطابقاً بمعنى أن يكون البدل هو المبدل منه نفسه، كما سيأتي معنا من الأمثلة، والنوع الثاني هو بدل الاشتمال، والنوع الثالث هو بدل البعض من كل. هناك أنواع أخرى من البدل، لكن هذه هي الثلاثة المشهورة. سنقف مع هذه الأنواع، نعرف كل نوع وكل قسم ونذكر أمثلة هذه الأقسام، وذلك يكون على اللوحة التعليمية.
إذن أيها الإخوة، أقسام البدل ثلاثة: بدل المطابقة أو البدل المطابق، وبدل البعض من كل، وبدل الاشتمال. هذه هي أقسام البدل، فنحن اليوم بإذن الله سنعرف كل قسم من هذه الأقسام، ونذكر أو نشير إلى الأقسام الأخرى إشارة، لكن هذه الأقسام هي الأقسام الرئيسية والمشهورة والمستعملة بكثرة.
القسم الأول هو بدل المطابقة. ما المقصود ببدل المطابقة أو البدل المطابق؟ ويسميه بعضهم بدل "كل من كل"، وهو ما تطابق فيه البدل والمبدل منه، وكان البدل هو عين المبدل منه؛ أي أن هناك تطابقاً بين البدل والمبدل منه.
حينما نقول مثلاً: «انتصر الخليفةُ عمرُ بن عبد العزيز»، أين البدل؟ البدل هو "عمر". أين المبدل منه؟ "الخليفة". ما العلاقة بين الخليفة وبين عمر؟ هنا بدل المطابقة، تطابق البدل هو عين المبدل منه؛ الخليفة هو عمر، وعمر هو الخليفة، هذا يسمى بدل المطابق أو بدل كل من كل.
مثال آخر: «رأيتُ المعلمَ محمداً». أين البدل؟ البدل هو "محمداً"، وأين المبدل منه؟ "المعلم". لماذا نصبنا محمداً؟ لأنه تابع "المعلم" المفعول به المنصوب، فبالتالي سيكون البدل منصوباً. نوع هذا البدل أنه بدل مطابق لأن البدل هو عين المبدل منه؛ المعلم هو محمد، ومحمد هو المعلم، بينهما تطابق "كل من كل".
«اتفقتُ مع الطبيبِ سعيدٍ على الزيارة غداً». الطبيب هو سعيد، وسعيد هو الطبيب. أين البدل؟ البدل هو "سعيد"، وأين المبدل منه؟ المبدل منه هو "الطبيب". الطبيب هنا مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة، وبما أن البدل تابع، فسيكون "سعيدٌ" بدلاً مجروراً وعلامة جره الكسرة، ونوعه بدل مطابقة لأنه تطابق بين البدل والمبدل منه، والبدل هو عين المبدل منه.
سؤال للمشاهدين: «أكرهُ البدعةَ الاحتفالَ بالمولد النبوي». أين البدل وأين المبدل منه؟ ستقولون إن البدل هو "الاحتفال بالمولد النبوي"، طيب أين المبدل منه؟ البدعة هي الاحتفال بالمولد النبوي، والاحتفال بالمولد النبوي هو البدعة. فهنا تطابق مطابق؛ لأنه قال هنا للعهد الذهني، فليس المقصود بالبدعة التي للاستغراق كل البدع، وإنما البدعة المعهودة. فكلمة "الاحتفال" هي البدل، و"البدعة" هي المبدل منه. "البدعة" مفعول به منصوب، و"الاحتفال" بدل منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وهو من النوع الأول من أنواع البدل وهو بدل المطابقة.
سؤال للمشاهدين: هنا خطأ فني في اللوحة أمامكم، هل تستطيعون اكتشافه؟ خطأ في الألوان؛ نلاحظ هنا أن هذا اللون خاص بالمبدل منه: الخليفة، المعلم، الطبيب، البدعة، الصراط، واللون الأحمر هو خاص بالبدل. في جملة «أكره البدعة الاحتفال بالمولد النبوي»، اللون الأحمر جاء في كلمة "بالمولد النبوي" مع أن البدل هو "الاحتفال"، وكان الصواب أن يكون لون "الاحتفال" هو الأحمر لأنه هو البدل، مثل عمر، ومحمد، وسعيد، وصراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
فاصل قصير أيها الإخوة ثم نواصل الحديث عن أقسام البدل.
أنيق المنظر، طيب المخبر، مجالسته أنفع مجالسة، ومؤانسته أمتع مؤانسة. إنه الكتاب، من خلاله نجالس العلماء والصالحين. قيل لابن المبارك: «ألا تجلس معنا؟»، قال: «ما أجلس إلا مع الصحابة والتابعين»، أي قراءة سيرهم. وقد كان العلماء مشغوفين بالكتب شراءً وقراءة. قال ابن الجوزي: «ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتاباً لم أره فكأني وقعت على كنز، ولو قلت إني طالعت ستين ألف مجلد كان أكثر».
وطالب العلم لا تخلو مكتبته من الكتب الأساسية في شتى العلوم؛ ففي التفسير مثلاً: تفسير السعدي وتفسير ابن كثير، وفي العقيدة: كتاب التوحيد والطحاوية والواسطية مع بعض الشروح، وفي الحديث: الكتب الستة مع أهم شروحها، وهكذا بقية العلوم. وقبل الشراء استشر أهل الخبرة ليدلوك على أهم الكتب وأفضل الطبعات، لا سيما ما حققه العلماء الثقات كالالباني وعبد المحسن العباد. احرص على التنويع في شراء الكتب، ولا تقتصر على فن واحد أو فنين، واعتن بكتب النوازل الفقهية والعقدية، ولا تبخل بإعارة الكتاب، وحافظ عليه إن استعرت، ولا تستكثر ما تنفقه في شراء الكتب، وصدق من قال: تلك النفائس لو تباع بوزنها ذهباً لكان البائع مغبوناً.
بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الإخوة، نواصل الحديث عن أقسام البدل. قلنا إن القسم الأول هو بدل المطابقة أو بدل كل من كل، وهو ما تطابق فيه البدل مع المبدل منه، وكان البدل هو عين المبدل منه. وهذه الأمثلة وقفنا عند قول الله عز وجل: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6-7]. هنا البدل هو "صراطاً" والمبدل منه هو "الصراط المستقيم"، والصراط المستقيم هو صراط الذين أنعمت عليهم.
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. فالبدل "الصراط" هنا بدل منصوب، والمبدل منه "الصراط" لأنه مفعول به، فإذاً الصراط تابع له فهو مفعول فهو بدل منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
ما نوع البدل هنا؟ النوع بدل المطابقة أو بدل كل من كل؛ لأن الصراط المستقيم هو عين صراط الذين أنعمت عليهم فهما شيء واحد. ننتقل بعد ذلك أيها الإخوة إلى من أنواع بدل المطابقة، وهذه فائدة مهمة جداً: أن كل اسم معرف بـ "ال" بعد اسم الإشارة يعرب بدلاً من اسم الإشارة، وهذا البدل من بدل المطابقة أيضاً. كل أنواع بدل المطابقة، وكل اسم معرف بـ "ال" بعد اسم الإشارة فهو بدل.
إذاً هذه قاعدة ميسرة، فإذا جئت تعرب أي كلمة، أي اسم معرف بـ "ال" بعد اسم الإشارة تعربه بدلاً. «إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ»؛ هنا القرآن اسم معرف بـ "ال" وجاء بعد اسم الإشارة، سنعرب القرآن بدلاً من اسم الإشارة منصوباً وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره. لماذا قلنا القرآن بدل؟ لأنه تابع، وهذا هو المبدل منه وهو اسم الإشارة. ما إعراب اسم الإشارة؟ اسم الإشارة مبني في محل نصب اسم "إن". فالقرآن بدل من اسم "إن" منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
«أَقْنَعَنِي ذَلِكَ الرَّأْيُ»؛ أين البدل؟ البدل "الرأي"، و"ذلك" اسم إشارة. كيف "أقنعني ذلك الرأي"؟ ألم نقل إن البدل يتبع المبدل منه؟ "الرأي" هو البدل و"ذلك" هو المبدل منه، ألا يتبع البدل المبدل منه؟ بلى هو تابع له. كيف ذلك؟ "ذا" اسم إشارة مبني في محل رفع فاعل، والكاف للخطاب، فهو اسم إشارة مبني لا يتغير آخره لكن محله الرفع لأنه فاعل. "الرأي" بدل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، فلماذا رفع البدل؟ لأن المبدل منه في موضع رفع لأنه فاعل، فالبدل تابع هنا للمحل لأن "ذا" اسم إشارة مبني لا يتغير آخره.
«اشْتَرَيْتُ هَٰذَا الْقَلَمَ»؛ القلم اسم معرف بـ "ال" وجاء بعد اسم الإشارة فهو بدل، وهذا اسم الإشارة هو المبدل منه. ما موقع "هذا"؟ الهاء للتنبيه، و"ذا" اسم إشارة مبني في محل نصب مفعول به، و"اشتريت" فعل وفاعل. القلم سيكون إعراب القلم بدلاً منصوباً لأنه تابع، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ومن أي أنواع البدل؟ من النوع الأول وهو بدل المطابقة؛ لأن المشار إليه هو القلم وهو عين القلم المشار إليه، هو نفسه، تطابق بينهما. فهذا نوع من أنواع بدل المطابقة أو بدل كل من كل، لكنها قاعدة: أن كل اسم معرف بـ "ال" بعد اسم الإشارة يعرب بدلاً من اسم الإشارة.
القسم الثاني من أقسام البدل هو بدل بعض من كل، وهو ما كان البدل فيه جزءاً حسياً من المبدل منه، بشرط أن يكون المبدل منه قابلاً للتجزئة؛ أي يمكن أن يُجزأ، فيكون هذا البدل جزءاً من الكل، لذلك سمي بدل بعض من كل. «قَرَأْتُ الْكِتَابَ نِصْفَهُ»؛ نصف الكتاب جزء من الكتاب، والكتاب يمكن أن يُجزأ، فنصفه ما إعرابه؟ "نصفه" بدل من الكتاب منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، لأن الكتاب منصوب مفعول به. نوع هذا البدل: بدل بعض من كل، لأن نصف الكتاب بعض من الكتاب كاملاً.
«مَرَرْتُ بِالطُّلَّابِ نُجَبَائِهِمْ»؛ المتكلم هنا يتحدث عن نجباء الطلاب، أنه مر بنجباء الطلاب، والنجباء جزء من الطلاب لأنه ليس كل الطلاب نجباء، فالنجباء جزء من الطلاب، وهو يقول: "مررت بالطلاب نجبائهم"، ولذلك نجبائهم هو المقصود بالحكم، هو التابع المقصود بالحكم. ما إعراب "نجبائهم"؟ بدل مجرور لأن المبدل منه مجرور، فهو بدل مجرور وعلامة جره الكسرة. ما نوع البدل هذا؟ نوعه بدل بعض من كل، لأن نجباء الطلاب بعض من الطلاب.
«جَاءَ الصَّيْفُ أَوَّلُهُ»؛ أول الصيف جزء من الصيف، فهنا "أوله" بدل مرفوع لأن الصيف فاعل مرفوع، فيكون "أوله" بدل مرفوع وعلامة رفعه الضمة، وهو بدل بعض من كل. «حَضَرَ وَالِدَاكَ أُمُّكَ وَأَبُوكَ»؛ "أمك" بدل وهو جزء من المبدل منهما، و"أبوك" معطوف. هنا "أمك" نعربها بدلاً مرفوعاً، والمبدل منه "والداك"، فأمك بدل مرفوع وعلامة رفعه الضمة. ما نوع هذا البدل؟ بدل بعض من كل، لأن أمك جزء من والديك، والواو حرف عطف، وأبوك معطوف. فهذه أمثلة على هذا النوع من أنواع البدل وهو بدل بعض من كل.
نقف لفاصل أيها الإخوة، ثم نواصل بإذن الله عز وجل.
القرآن الكريم هو أصل الأصول، فمن علم أحكامه ووفق للعمل بها فاز بالفضيلة في دينه ودنياه ونورت في قلبه الحكمة، وصار إماماً في الدين، وقد كان العلماء سلفاً وخلفاً يبدأون طلب العلم بحفظ القرآن. قال ابن عبد البر: «ولا أقول إن حفظه كنَّ له فرضاً ولكن ذلك شرط لازم على من أحب أن يكون عالماً فقيهاً». وطالب العلم يحرص على فهم القرآن وتعلم معانيه، قال سعيد بن جبير: «من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي». وبالتدبر يستنبط الدقائق والأحكام، ويستطيع تطبيق القرآن على الواقع بشكل صحيح، وبه يحصل الخشية والخشوع. لذا ينبغي أن نهتم بمدارسة القرآن في المساجد والمدارس والدور المتخصصة في تحفيظ القرآن وتعليمه، وينبغي أن نستخدم التكنولوجيا الحديثة في تعلم القرآن وتعليمه من خلال الإنترنت.
آيات، فاعلم يا طالب العلم أن القرآن الكريم هو رأس مالك وهو أربح التجارات.
أيها الإخوة، نواصل الحديث عن أقسام البدل. ذكرنا القسم الأول وهو بدل المطابقة، وهو ما كان البدل فيه مطابقًا للمبدل منه، وهو عين المبدل منه. والنوع الثاني بدل بعض من كل، وذكرنا الأمثلة، ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]. البدل هنا: «من استطاع إليه سبيلا»، «من استطاع» هو بدل من «الناس»، وهو اسم موصول مبني في محل جر بدل من «الناس».
ما نوع البدل هنا؟ هو بدل بعض من كل. لماذا هو بعض من كل؟ لأن المستطيعين هم بعض من الناس، ليس كل الناس مستطيعًا للحج، ولذلك فـ«من استطاع» هو بدل بعض من كل. هذه هي الأمثلة: قرأت الكتاب، نصفه، مررت بالطلاب نجبائهم، جاء الصيف أوله، حضر والداك أمك وأبوك، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. في هذه الأمثلة البدل جاء جزءًا من المبدل منه، لذلك سمي بدل بعض من كل، إذا ما كان البدل جزءًا من المبدل منه بشرط أن يكون المبدل منه قابلًا للتجزئة.
النوع الثالث من أنواع البدل هو بدل الاشتمال. المقصود ببدل الاشتمال هو ما كان بين البدل والمبدل منه علاقة وملابسة لكنها غير الجزئية. إذا كانت العلاقة علاقة الجزئية، فيكون من النوع الثاني وهو بدل بعض من كل، لكن إذا كانت هناك علاقة لكنها غير الجزئية يسمى بدل اشتمال. ويمكن أن نعرفه ونقول: هو البدل الدال على معنى من المعاني التي اشتمل عليها المبدل منه. المبدل منه اشتمل على أشياء كثيرة، منها هذا البدل، معنى من معانيه، لكن دون أن يكون جزءًا منه. إذا صار جزءًا منه فيكون من النوع الثاني.
بالأمثلة: شممت الزهور نسيمها. الزهور مشتملة على أمور كثيرة، الزهرة مشتملة على ورق وزهر، ومشتملة أيضًا على رائحة ونسيم، فهنا علاقة بين نسيم الزهرة وبين الزهرة، لكن ليس النسيم جزءًا من الزهرة، لو جئنا نجزئ الزهرة لا نستطيع أن نقول إن النسيم جزء منها. هنا علاقة بينهما، والبدل الذي هو النسيم دل على معنى من المعاني التي اشتمل عليها المبدل منه وهو الزهور.
إذا عندنا الموضوع مشتمل على أشياء كثيرة منها الفقرات. لو قلنا مثلا: المقال فقرات المقال، ربما يقول قائل إن الفقرات جزء من المقال، لكن حينما أقول: أدهشني الموضوع فقراته، هنا الموضوع مشتمل على أمور منها الفقرات، والفقرات ليست جزءًا من الموضوع، يعني لا نستطيع أن نقول إن الموضوع يقسم إلى أجزاء منها الفقرات، لكن حينما أقول «المقال فقراته» فالفقرات جزء من المقال، أما حينما أقول «الموضوع أدهشني فقراته» هنا الموضوع مشتمل على أمور منها الفقرات، والفقرات معنى من المعاني التي اشتمل عليها الموضوع، فيكون هذا بدل اشتمال وليس بعض من كل.
أحببت القائد شجاعته. هنا أين البدل؟ البدل «شجاعة»، والمبدل منه «القائد»، القائد مفعول به منصوب، و«شجاعة» بدل منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والشجاعة مضاف والهاء ضمير في محل جر بالإضافة. ما نوع البدل هنا؟ البدل هنا اشتمال، لماذا؟ لأن القائد مشتمل على أمور كثيرة منها الشجاعة، لكن الشجاعة ليست جزءًا من القائد. إذاً البدل الدال على معنى من المعاني التي اشتمل عليها المبدل منه.
وقعت على العقد شروطه. العقد مشتمل على أشياء ومنها الشروط، فـ«شروطه» هنا بدل مجرور لأن المبدل منه «العقد» اسم مجرور، فيكون مجرورًا مثله، وهذا النوع بدل اشتمال. أعجبني الطالب خلقه؛ فهنا بدل اشتمال أيضًا لأن البدل الذي هو «خلقه» دل على معنى من المعاني التي اشتمل عليها المبدل منه «الطالب»، فالطالب مشتمل على معانٍ كثيرة منها الخلق. استاء الطلاب من زميلهم بذائته؛ هم استاؤوا من بذائته، والزميل مشتمل على معانٍ منها البذاءة، فـ«بذائته» بدل مجرور وعلامة جره الكسرة ونوعه بدل اشتمال. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: 217]، «قتال» بدل من «الشهر الحرام»، لكن نوع البدل هنا بدل اشتمال.
هناك يتحدث النحاة -وهذا للاستزادة أيها الإخوة- عن ثلاثة أنواع من البدل: بدل الإضراب، وبدل الغلط، وبدل النسيان. لو قال قائل: «تصدقت بدرهم دينار»، لو كان تصدق بدرهم ثم أضرب عن الحديث عن الدرهم وقال دينار، فيكون «دينار» بدل من «الدرهم» لكنه بدل إضراب، أضرب عنه أي تركه إلى شيء آخر. ولو كان قد سبق لسانه فقال: «تصدقت بدرهم» وهو يقصد دينارًا، ثم تذكر فقال: «تصدقت بدرهم دينار»، فهذا بدل غلط. ولو كان قال «تصدقت بدرهم» وهو يقصد دينارًا، ثم تذكر أنه تصدق بدينار فقال: «تصدقت بدرهم دينار»، فيكون هذا بدل نسيان. لكن هذه أنواع غير مشهورة وغير مستعملة، فالمثال واحد لكن الأنواع تختلف، والأنواع المعروفة والمشهورة من أنواع البدل هي: بدل المطابقة، وبدل بعض من كل، وبدل الاشتمال.
وبهذا نكون قد أنهينا الحديث عن أنواع وأقسام البدل، نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لما يحب ويرضى. وإلى أن نلتقي في درس قادم عن أمثلة متنوعة من البدل، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان. وتريد سهلًا يأتيك ميسورًا بأي مكان، وتعلّم لغة الفصيحة، ورعها بطريف أسلوب وحسن بيان، بالعلم كالأزهار في البستان.
د. عبدالله مسملي