دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 22 - علامات جزم الفعل المضارع

عبدالله مسمليد. عبدالله مسملي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع، متطلع لزيادة الإيمان، وتريد سهلا صافي اللغة الفصيحة، ورعها بطريف أسلوب وحسن بيان، بالعلم كالأزهر في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مرحبا بكم أيها الإخوة والأخوات في هذا الدرس الثاني والعشرين من دروس اللغة العربية في أكاديمية زاد العلمية في الفصل الرابع. درسنا في هذا اليوم سيكون استكمالا للدرس السابق الذي تحدثنا فيه عن جزم الفعل المضارع، وتحدثنا عن أدوات الجزم التي تجزم فعلا واحدا، وقلنا إن الفعل المضارع يأتي مجزوما إذا سبق بأداة جزم تجزمه.

ومن أدوات الجزم ما يجزم فعلا واحدا، وهناك أدوات للجزم تجزم فعلين، وهناك أدوات تجزم فعلا واحدا. تحدثنا عن الأدوات التي تجزم فعلا واحدا وقلنا إنها "لم" التي تفيد النفي وتفيد القلب، وأيضا "لما" وهي أخت "لم" لكنها تشاركها في بعض الأمور وتختلف عنها في بعض الأمور، ذكرناها في الحلقة الماضية. وكذلك أيضا تحدثنا عن "لام الأمر" وتحدثنا عن "لا الناهية"، وقلنا إن هذه الجوازم الأربعة تجزم فعلا واحدا.

وذكرنا أمثلة لذلك حينما قلنا مثلا: "لم يكتب"، و"لما يخرج زيد من المسجد"، وقلنا: "لا تكتب ما لا ينفعك"، ومنه قول الله عز وجل: ﴿يُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7]. وأيضا "لا الناهية"، الحرف الرابع، لا الناهية التي تدل على النهي وليست "لا النافية"، لأن لا النافية لا تجزم، وإنما التي تجزم هي لا الناهية؛ كقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: 151]، و﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 152]، وقول الله عز وجل: ﴿لَا تَحْزَنِي وَلَا تَخَافِي﴾ [القصص: 7]. هذه أدوات الجزم التي تجزم فعلا واحدا.

الحديث عن أدوات الجزم التي تجزم فعلين، وهي أدوات الشرط، هذا ما سيكون إن شاء الله في الحلقات القادمة، لكننا اليوم نقف مع علامات الجزم. ما هي علامات الجزم؟ هل تكون علامة الجزم السكون دائما أم هناك حالات علامة الجزم لا تكون السكون وإنما تكون علامة أخرى؟ هذا ما سنقف معه إن شاء الله في درسنا اليوم عند اللوحة التعليمية.

إذا، علامات جزم الفعل المضارع: أولا يجزم المضارع وتكون علامة الجزم فيه السكون، هذا هو الأصل في الجزم، أن يكون بالسكون. متى؟ إذا كان صحيح الآخر ولم يتصل به واو الجماعة، ولا ألف الاثنين، ولا ياء المخاطبة. إذا كان صحيح الآخر ولم يتصل به واو الجماعة ولا ألف الاثنين ولا ياء المخاطبة، هنا تكون علامة الجزم فيه السكون، والأصل في الجزم يكون بالسكون.

مثال: "لا تأخذ مال غيرك بغير حق"، وأيضا قول الله عز وجل: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ [الكهف: 37]. أين الفعل المضارع؟ "لا تحزن" الفعل المضارع المجزوم عندنا في هذه الآية، لكن الفعل الذي هو "يقول" في قوله "إذ يقول لصاحبه" هو فعل مضارع مرفوع لأنه لم يسبق بناصب ولا جازم. لكن الفعل الذي نحن نتحدث عنه في الجزم هو قوله: "لا تحزن"، "تحزن" هنا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه السكون، لأنه صحيح الآخر ولم يتصل به واو الجماعة ولا ألف الاثنين ولا ياء المخاطبة، إذا هو هنا مجزوم وعلامة جزمه السكون.

إذن السؤال: متى يجزم الفعل المضارع بالسكون؟ إذا كان صحيح الآخر. هذه الحالة الأولى. الحالة الثانية: إذا كان معتل الآخر، هنا تكون علامة الجزم حذف حرف العلة. فإما أن يكون صحيح الآخر أو يكون معتل الآخر؛ فإذا كان صحيح الآخر فالسكون، وإذا كان معتل الآخر فيكون علامة الجزم حذف حرف العلة، بمعنى يزول حرف العلة إذا كان الفعل المضارع مجزوما، وتكون علامة الجزم حذف هذا الحرف.

وعندنا المعتل يكون معتلا بالألف، أو معتلا بالواو، أو معتلا بالياء؛ جميع المعتلات حروف العلة. مثلا حينما نقول: "يدعو" هذا الواو، وحينما نقول: "يخشى" الألف، وحينما نقول: "يرمي" الياء. إذا دخل على أحد هذه الأفعال الثلاثة "يدعو" وما أشبه ذلك مثل "يرجو" و"ينمو"، أو "يخشى" و"يسعى" و"ينهى"، أو "يرمي" و"يمشي" وهكذا، فإنه إذا سبق بجازم يحذف حرف العلة وتكون علامة الجزم حذف حرف العلة.

حينما نقول مثلا: "لا تدعُ غير الله"، "لا تدعُ مع الله إلها آخر"، هناك "تدعو" فعل مضارع مجزوم، الجازم له هو "لا" الناهية، "تدعو" فعل مضارع مجزوم، ما علامة الجزم؟ علامة الجزم حذف حرف العلة. وكذلك لو قلت: "لا تسعَ في الشر"، "تسعَ" هنا عين وفتحة، لأن حرف العلة الذي هو الألف قد حذف لما دخل الجازم. "لا تسعَ بالشر"، ولو وقفت تقول "تسعْ" نقف عليها بالسكون، لكن إذا وصلت تقول "لا تسعَ بالشر"، هنا "تسعَ" فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة لأنه سبق بجازم. وكذلك في الياء مثلا نقول: "لا ترمِ بالغيب"، لا نقول "لا ترمي" وإنما نحذف الياء فنقول "لا ترمِ"، إذا "ترمِ" هنا فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة. إذا كان صحيح الآخر تكون علامة الجزم السكون، وإذا كان معتل الآخر تكون علامة الجزم حذف حرف العلة.

فاصل، أيها الإخوة، ثم نواصل الحديث عن علامات جزم الفعل المضارع. هل تظن العلم وجبة سريعة تجهز وتؤكل في لحظات؟ بل يحتاج طالب العلم إلى صبر طويل. قال يحيى بن أبي كثير: «لا يستطاع العلم براحة الجسم»، فيصبر على حضور مجالس العلم ودوراته أو متابعتها عبر الشبكة أو الفضائيات العلمية، ويصبر على المراجعة حتى يثبت الحفظ.

قال أبو بكر الصبغي عن بعض مسائل العلم: «كررتها على نفسي ألف مرة حتى تحققتها». ويصبر على السهر في العلم فإن في النهار أشغالا. قال بعض الفضلاء: «متى تبلغ من العلم مبلغا يرضيك وأنت تؤثر النوم على الدرس؟».

والأكل على القراءة، ويصبر على النصب والتعب في تحصيل العلم. قال تعالى في قصة خروج موسى عليه السلام: ﴿سِرْنَا هَٰذَا نَصَبًا﴾ [طه: 82]. ويصبر على إنفاق المال في طلب العلم وشراء الكتب ونحو ذلك.

قال إسماعيل بن عياش: «ورثت من أبي أربعة آلاف دينار، أنفقتها في طلب العلم». واصبر على طلب العلم حتى تنال طرفًا منه، وأسأل الله المزيد.

نواصل أيها الإخوة الحديث عن علامات جزم الفعل المضارع. قلنا قبل الفاصل إن الفعل المضارع إذا كان صحيح الآخر ولم يتصل به واو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطبة، فإن علامة الجزم فيه تكون السكون.

أما إذا كان معتل الآخر، فإنه أيضًا تكون علامة الجزم فيه حذف حرف العلة. هنا حذف حرف العلة ويكون هذا هو علامة الجزم، ومثاله: «لم يأتِ الرجل من العمل». «يأتي» هنا الفعل المضارع، سبق بالجازم وهو «لم»، فنقول: فعل مضارع مجزوم بـ«لم» وعلامة جزمه حذف حرف العلة لأنه معتل الآخر.

«لا تدعُ إلى ضلالة أو بدعة»، «لا تدعُ» فهنا «تدعُ» فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة لأنه أصله «تدعو». وهنا أيضًا: «لتمشِ إلى الصلاة بمجرد الأذان»، «لتمشِ» هنا فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة جزمه حذف حرف العلة.

الحال الثانية في ترتيبها، ولكن هي الأخيرة في العلامات، هي حذف النون. متى يجزم الفعل المضارع وتكون علامة الجزم فيه حذف النون؟ يكون ذلك إذا كان من الأفعال الخمسة. ما هي الأفعال الخمسة؟ سبق أن ذكرناها كثيرًا؛ الأفعال الخمسة هي الفعل المضارع الذي اتصلت به واو الجماعة: «يكتبون» و«تكتبون» للغائبين وللمخاطبين، أو ألف الاثنين للغائبين أو للمخاطبين: «يكتبان» و«تكتبان»، أو ياء المخاطبة: «تكتبين». إذًا: يكتبون، وتكتبون، ويكتبان، وتكتبان، وتكتبين، هذه هي الأفعال الخمسة التي اتصلت بها واو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطبة.

ما حكم هذه الأفعال الخمسة إذا سبقت بجازم؟ ما هو حالها إذا سبقت بجازم؟ حالها أن تحذف هذه النون، فتكون علامة الجزم حذف النون. قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا﴾ [المائدة: 61]. أين الفعل المضارع؟ الفعل المضارع «يصروا»، ما حكمه؟ ما إعرابه؟ نقول: فعل مضارع مجزوم بـ«لم» وعلامة جزمه حذف النون، أصلًا قبل الجزم «يصرون»، لما جاء الجزم حذفت النون فصار علامة الجزم هو حذف النون.

قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: 188]. هذه الآية اشتملت على ثلاثة أفعال مضارعة، مهم جدًا أن نقف معها: «يحبون»، «يحمدوا»، «يفعلوا»، كلها أفعال مضارعة اتصلت بها واو الجماعة، فهي إذًا الأفعال الثلاثة كلها من الأفعال الخمسة.

لما نأتي لنقف معها: «يحبون» هذا فعل مضارع، هل هو مرفوع أم منصوب أم مجزوم؟ الجواب هو مرفوع، لماذا هو مرفوع؟ لأنه تجرد عن الناصب والجازم، لم يسبق بناصب أو جازم، إذًا هو مرفوع، وما علامة رفعه؟ علامة رفعه ثبوت النون.

«ويحبون أن يحمدوا»، «يحمد» فعل مضارع من الأفعال الخمسة اتصلت به واو الجماعة، حذفت النون، إذًا هل هو مرفوع أم منصوب أم مجزوم؟ لا نقول مرفوع؛ لأنه لو كان مرفوعًا لثبتت هذه النون، لأن علامة الرفع ثبوت النون، لكن هنا لم تثبت النون، إذًا حُذفت. هل هو منصوب أم مجزوم؟ ننظر إلى الحرف الذي يسبقه، «أن» هذه ماذا تعمل؟ هي المصدرية، وهي من أدوات النصب التي ذكرناها في الدرس الماضي، فإذًا «أن» أداة نصب. إذًا الفعل «يحمد» فعل مضارع منصوب بـ«أن» وعلامة نصبه حذف النون.

ماذا بقي معنا؟ بقي معنا «يفعلوا»، «يفعل» هنا فعل مضارع سبق بـ«لم» الجازمة، و«لم» من أدوات الجزم، فإذًا هو فعل مضارع مجزوم بـ«لم» وعلامة جزمه حذف النون. إذًا في هذه الآية ثلاثة أفعال مضارعة كلها من الأفعال الخمسة لأنها اتصلت بها واو الجماعة: «يحبون»، «يحمدوا»، «يفعلوا»؛ الأول مرفوع، والثاني منصوب، والثالث مجزوم. وهي تختصر لنا أحوال الأفعال الخمسة في حال الرفع أو النصب أو الجزم؛ فالأفعال الخمسة في حال الرفع تُرفع بثبوت النون، وفي حال النصب تُنصب بحذف النون، وفي حال الجزم تُجزم بحذف النون.

نعود ونقول إن علامات جزم الفعل المضارع لا تخرج عن أن تكون: إما السكون، وإما حذف حرف العلة، وإما حذف النون.

هنا سؤال لإخوتي الطلاب وأخواتي الطالبات: إذا كان الفعل المضارع معتل الآخر، ولكنه اتصلت به واو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطبة، فهو معتل الآخر وفي الوقت نفسه اتصل به ضمير من هذه الضمائر، فأصبح من الأفعال الخمسة، فهل إذا كان مجزومًا يجزم بحذف حرف العلة أم يجزم بحذف النون؟ هو معتل الآخر، حينما نقول مثلًا: «يدعو»، هذا فعل مضارع معتل الآخر، لو اتصلت به واو الجماعة نقول: «هؤلاء يدعون الله»، «الرجال يدعون الله»، «يدعون» هنا فعل مضارع هو في الأصل معتل الآخر بالواو «يدعو» واتصلت به واو الجماعة، فهل نقول إذا سبق بجازم إنه مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، أم نقول إنه مجزوم وعلامة جزمه حذف النون؟ الجواب: نقول إنه مجزوم وعلامة جزمه حذف النون، فهنا نراعي اتصاله بواو الجماعة فنجعله من الأفعال الخمسة.

سؤال لإخوتي وأخواتي: إذا قلنا «يدعو» أو «يعفو» أو «يرجو»، إذا اتصلت به نون النسوة، ماذا نقول؟ «يدعو» هذا الفعل نريد أن نسنده إلى نون النسوة، يكون الفاعل نون النسوة، مثل «يكتب» إذا أسندناه لنون النسوة نقول «يكتبن»، فماذا نقول في «يدعو» و«يرجو» و«يعفو» إذا أسندناه لنون النسوة؟ الجواب سيكون إن شاء الله بعد الفاصل.

ما أوثق العلاقة بين العلم والعمل؛ العلم شجرة والعمل ثمرة.

والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. قال النبي ﷺ: «القرآن حجة لك أو عليك»، أي تنتفع به إن تلوته وعملت به، وإلا فهو حجة عليك، وإنما يراد العلم لأجل العمل.

قال أبو الدرداء: «لا تكون بالعلم عالماً حتى تكون به عاملاً». وقد ذم الله تعالى من لا يعملون بالعلم فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. وقال ﷺ: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه».

والعلم النافع يورث خشية الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. وقال ابن مسعود: «ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية»، والخشية تنير العقل، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، أي اتقوا الله والله وسيلة إلى حصول العلم.

فمن صدق العلم بالعمل كان قدوة للمتعلمين، ومن خالف فعله قوله كان من الممقوتين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

السؤال الذي كان قبل الفاصل أيها الإخوة هو: إذا كان الفعل يدعو أو يرجو أو يعفو، وأردنا أن نسنده إلى نون النسوة أو نون الإناث ماذا نقول؟ هل نقول يدعون؟ الجواب لا، وإنما نقول يَدْعُونَ، يَرْجُونَ، يَعْفُونَ. لماذا؟ لأنه مبني على السكون. نحن في أول الكلام عن الفعل المضارع قلنا إن الفعل المضارع يكون مبنيًا إذا اتصلت به نون النسوة أو نون التوكيد، وهنا نأتي بنون النسوة.

قال الله عز وجل: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾، "لا يرجون" هو الفعل يرجو ودخلت عليه نون الإناث، فأصبح يرجونه. ما إعراب الفعل المضارع؟ نقول هنا: فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث أو نون النسوة.

هنا يخرج من الإعراب لأننا نتكلم هنا عن الفعل المضارع المعرب، فإذا دخلت نون النسوة يخرج إلى باب المبني، وهذا ما ذكرناه في الدروس السابقة؛ يخرج من الإعراب إلى البناء لأنه اتصلت به نون النسوة. لماذا أقول هذا؟ لأنه مع واو الجماعة نقول: الرجال يدعون، "يدعون" هنا يدعو ودخلت عليه واو الجماعة، وأصلها يدعون بواوين ثم حذفت إحدى الواوين ونون الرفع، "يدعون" هذه من الأفعال الخمسة التي اتصلت بها واو الجماعة. لكن النساء يدعون، هنا يدعو دخلت عليها نون النسوة فهو فعل مضارع مبني على السكون، حتى لو دخل عليه جازم فإنه يبقى مبنيًا، لو قلت مثلا: النساء لم يدعون، لأنه فعل مضارع مبني على السكون. حتى لو سبق بجازم فإنه يبقى مبنيًا، لكن إذا كان الرجال نقول: الرجال لم يدعوا، لأنه فعل مضارع مجزوم بلام وعلامة جزمه حذف النون.

هنا أيها الإخوة سنقف مع آية مهمة للتدريب والتمرين على الفعل المضارع عمومًا، سواء أكان مبنيًا أم معربًا، مرفوعًا أم منصوبًا أم مجزومًا. يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 237].

عندنا هنا الفعل المضارع الأول: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، ما إعراب تمسوهن؟ الفعل المضارع تمسّ، والهاء ضمير، "تمسوا" هنا فعل مضارع سبق بأداة نصب، فهل هو منصوب؟ لا، مبني، لا يُبنى إلا إذا اتصلت به نون النسوة أو اتصلت به نون التوكيد اتصالًا مباشرًا، وهنا هل اتصلت به نون النسوة؟ الجواب هنا الهاء وليست النون، فإنه ليس مبنيًا وإنما هو معرب. ما إعرابه؟ نقول: فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه حذف النون، لأنه تمسوهن، فلما دخل الناصب نصب وعلامة النصب حذف النون.

ثم: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، هذا الفعل الثاني "يعفون"، كيف نعرب يعفون؟ ذكرت لكم قبل قليل، "يعفون" هنا الفعل المضارع يعفو ودخلت عليه نون النسوة أو نون الإناث، فهل الفعل هنا معرب أم مبني؟ الجواب هنا مبني لأنه اتصلت به نون النسوة، فالنون هذه نون النسوة وليست نون الرفع، فهو مبني، فلما نأتي نعربه نقول: فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، وهو في موضع نصب لأنه سبق بناصب.

ثم: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، "يعفو" هنا فعل مضارع منصوب لأنه معطوف على منصوب، لكنه مبني في موضع نصب لأنه اتصل بنون النسوة، ثم "يعفو" هنا معرب لأنه لم يتصل به نون النسوة ولا نون الإناث، فهو معرب معطوف على منصوب لأنه سبق بناصب، فيكون منصوبًا وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.

ثم: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾، هنا "أن" بدأت نصب، "تعفوا" فعل مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه هنا حذف النون، لأن واو الجماعة وبعدها نون الرفع التي تثبت في الرفع، لكن لما صار منصوبًا حذفت النون، فهو منصوب وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة اتصلت به واو الجماعة.

ثم: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، "تنسوا" هنا فعل مضارع مجزوم، لماذا هو مجزوم؟ لأنه سبق بـ "لا" الناهية، والفعل المضارع إذا سبق بلا الناهية فإنه يكون مجزومًا، وعلامة الجزم هنا حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة اتصلت به واو الجماعة.

ثم: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، "تعملون" هنا فعل مضارع مرفوع لأنه لم يسبق بناصب أو جازم، وعلامة رفعه ثبوت النون.

إذًا هنا في هذه الآية كلمة الفعل يعفو، جاء الفعل "يعفو" مرة مبنيًا ومرتين معربًا، وفي كل المواضع هو في موضع نصب: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، ﴿أَوْ يَعْفُوَ﴾، ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾، ففي كل الأحوال هو في موضع نصب، لكن جاء مرة مبنيًا.

مبنيا لأنه اتصلت به نون النسوة، هنا هذه نون النسوة ولا شك في ذلك؛ هنا يعفون فعل مضارع اتصلت به نون النسوة فهو مبني على السكون.

أما هنا فهو منصوب لأنه ليس مبنيًا إنما هو معرب، وسبق بياننا فهو منصوب، لكن منصوب علامة نصبه ماذا؟ الفتحة؛ يعفو الذي بيده عقدة النكاح، الفتحة لأنه المعتل الآخر بالواو، والمعتل الآخر بالواو تكون علامة النصب فيه الفتحة كما سبق.

أما هنا أيضًا منصوب، لكنه مسند إلى واو الجماعة، اتصل بواو الجماعة فهو من الأفعال الخمسة، فهنا علامة النصب فيه حذف النون.

هذه إذاً آية اشتملت على ثلاثة أفعال، كلها يعفو؛ مرة جاء مبنيًا، ومرة جاء منصوبًا بالفتحة، ومرة جاء منصوبًا بحذف النون. وبهذا نكون قد أنهينا الحديث عن علامات الفعل المضارع إلى أن نلتقي إن شاء الله في الحلقة القادمة.

استودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً وتعلم اللغة الفصيحة، ورعها بطريف أسلوب وحسن بيان.