يا راغبا في كل علم نافع، متطلع لزيادة الإيمان، وتريد سهلا يأتيك ميسورا، بأي مكان، وتعلم اللغة الفصيحة، ورعها بطريف أسلوب وحسن بيان، بالعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. مرحبا بكم أيها الإخوة والأخوات في هذا الدرس الثالث والعشرين من دروس اللغة العربية في أكاديمية زاد العلمية في الفصل الرابع.
درسنا سيكون عن أسلوب من أساليب الكلام، وهذا الأسلوب له علاقة بالدرس السابق وهو جزم الفعل المضارع؛ فهناك ارتباط بينه وبين هذا الأسلوب الذي سنتحدث عنه. هذا الأسلوب هو أسلوب الشرط. ومعنى الشرط أن يربط بين حدثين أو بين فعلين يتوقف الثاني منهما على الأول؛ ارتباط بين الحدثين، بين الفعلين، لا يحصل الثاني إلا إذا حصل الأول، ففيه شرط.
مثاله حينما نقول مثلا: «من يجتهد ينجح»؛ فعندنا حدثان: الاجتهاد والنجاح، لكن الثاني، هذا النجاح، متوقف على الأول، لا يحصل إلا إذا حصل الأول، معنى ذلك أن الذي لا يجتهد لا ينجح. قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]؛ عندنا الهداية متوقفة على الإيمان، بمعنى أن الهداية لا تحصل إلا لمن آمن بالله، هنا ارتباط بين الإيمان وبين الهداية، لكن الهداية متوقفة على الإيمان.
فأسلوب الشرط هو عبارة عن حدثين، فعلين، يرتبطان ببعضهما، يتوقف الثاني على الأول. هذا الأسلوب أسلوب سائغ وكثير وشائع في العربية كغيره من الأساليب، يحتاج المتكلم أن يذكر مثل هذا الأسلوب في حينه وفي وقته وحينما يحتاج إليه، كما أنه يستخدم أسلوب الاستفهام وأسلوب النفي وأسلوب التحذير، وهنا يستخدم أسلوب شرط حينما يحتاج إلى هذا الشرط. ماذا يقصد بالشرط؟ وما هي الأدوات التي تستعمل في أسلوب الشرط؟ وما هو المترتب على هذا الأسلوب؟ هذا ما سنتحدث عنه في هذا الدرس، وذلك يكون في اللوحة التعليمية.
إذاً درسنا سيكون عن أسلوب الشرط وأدواته. أسلوب الشرط هو الربط بين حدثين، الثاني يتوقف على الأول منهما، إذا حصل الأول يحصل الثاني. «إن تدرس جيدا تنجح في الامتحان»؛ إذاً عندنا: «تدرس جيدا» هذا الحدث الأول، و«تنجح» الحدث الثاني، وجاءت هذه الأداة التي هي «إن» ربطت بين هذا وهذا، والثاني يتوقف على الأول، ما يحصل النجاح إلا إذا حصلت الدراسة الجيدة.
فإذاً هذا أسلوب الشرط، ربط بين حدثين الثاني يتوقف على الأول منهما. من الأمثلة قال الله عز وجل: ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [المزمل: 20]؛ هنا مضاعفة الأجر هي مترتبة على إقراض الله قرضا حسنا. «إن تتصدقوا يضاعف الله لكم الأجر».
﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، وهذا ما أشرنا إليه، عندنا «يؤمن» الحدث الأول، و«يهدي قلبه» الحدث الثاني، والثاني مترتب على الأول. «من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها»؛ إذاً عندنا حدثان: «يشفع» و«يكن»، الثاني مرتبط بالأول ومتوقف عليه، لا يحصل له النصيب إلا إذا شفع الشفاعة الحسنة. ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 272]؛ فهنا الأجر والخير هو مترتب على الإنفاق، متوقف على الإنفاق. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: 78]، أينما تكونوا يأتي بكم الله جميعا.
إذاً الشرط هو ربط بين حدثين يتوقف الأول منهما. لو لاحظنا في هذه الأمثلة نجد أن الحدث الأول والحدث الثاني جاءا بصيغة الفعل المضارع، ونجد أيضا أن الأول مجزوم والثاني مجزوم: «تدرس تنجح»، مجزوم وهنا مجزوم، وعلامة جزمه السكون وهنا مجزوم وعلامة جزمه السكون. وهنا تأتي العلاقة بالدرس السابق، وهو الحديث عن جزم الفعل المضارع؛ فإذا وقع الفعل المضارع فعلا للشرط أو جوابا للشرط فإنه يجزم.
هذه الأدوات تجزم فعلين، أدوات الشرط كما سيأتي نوعان؛ نوع يجزم الفعلين. إذا عندنا نحن عندنا حدثان، الحدث الأول والحدث الثاني، فإذا كان الحدث الأول عبارة عن فعل مضارع والثاني فعل مضارع أيضا، ماذا نسمي الأول؟ نسمي الأول فعل الشرط، والثاني جواب الشرط. هنا الفعل المضارع جاء فعل الشرط وجواب الشرط في الأدوات التي تجزم فعلين.
وإذا كنتم تذكرون في الدرس الماضي فإننا قلنا إن أدوات الجزم نوعان: النوع الأول ما يجزم فعلا واحدا، وقلنا: «لم»، و«لما»، و«لام الأمر»، و«لا الناهية»، هذه أدوات تجزم فعلا واحدا. واليوم نقول لكم إن هذه الأدوات تجزم فعلين؛ الأول يسمى فعل الشرط، والثاني يسمى جواب الشرط. إذاً هذه الأدوات، أدوات الشرط الجازمة، تجزم فعلين: الأول فعل الشرط والثاني جواب الشرط.
خلاصة هذا الكلام وهذه الشريحة أننا أيها الإخوة والأخوات، عندنا في أدوات الجزم نوعان: أدوات جزم تجزم فعلا واحدا وهي ما ذكرناه في الدرس السابق، وأدوات جزم تجزم فعلين هما فعل الشرط وجواب الشرط. هذه الأدوات هي أدوات شرط جازمة، معناها تفيد الشرط، وعملها أنها تجزم فعلين. وهذه هي العلاقة بالدرس السابق.
السؤال الآن: هل أدوات الشرط كلها تجزم؟ الجواب سيكون إن شاء الله بعد الفاصل.
أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يرفع قواعد البيت الحرام وينادي في الناس بالحج، وصار هذا المكان مباركا وهدى للعالمين، إليه تشتاق نفوسهم وتهفو أفئدتهم. وفي العام التاسع للهجرة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية محكمة توجب على الناس حج البيت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، ليصير الحج بذلك فريضة من فرائض الدين وركنا من أركان الإسلام، ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]. فيجب على المسلم المبادرة إلى أداء فريضة الحج متى كان مستطيعا، لأنه لا يدري ماذا يحدث له لو أخره. ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تعجلوا إلى الحج، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له». وعلى من عزم على أداء هذه الفريضة العظيمة الاستعداد لها بالتوبة النصوح وإخلاص النية لله وحده.
فيبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، وليتحلل من الحقوق والديون والودائع التي لديه، وليوصي أهله بتقوى الله، وليكتب وصيته إذا كان له ما يوصي به من حقوق وغيرها، وليعد النفقة من المال الحلال، وليتحرى الرفقة الصالحة، وليتعلم فقه الحج وصفته، وليتزود من كتب أهل العلم في ذلك. قال رسول الله ﷺ: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
نعود أيها الإخوة ونواصل الحديث عن أدوات الجزم. قبل أن نواصل أريد أن أؤكد على أمر مهم؛ عندنا أدوات جزم تجزم الفعل المضارع، وعندنا أدوات شرط. هذا شيء وهذا شيء. أدوات الجزم -الجوازم التي تجزم الفعل المضارع- نوعان: أدوات تجزم فعلاً واحداً، وهي الأدوات التي ذكرناها في الدرس السابق وهي: لم، ولما، ولام الأمر، ولا الناهية، هذه أدوات تجزم فعلاً واحداً. وعندنا أدوات جزم تجزم فعلين، وهي أدوات الشرط الجازمة.
أدوات الشرط الجازمة تجزم فعلين، وهي أيضاً أدوات شرط لأن معناها يفيد الشرط، وهي تربط بين فعلين وتجزم فعل الشرط وجواب الشرط. أما عندما نتكلم عن أدوات الشرط، نقول إن أدوات الشرط تنقسم قسمين: أدوات شرط جازمة تجزم فعلين، وأدوات شرط غير جازمة.
إذن أقسام أدوات الشرط قسمان: أدوات شرط جازمة، وأدوات شرط غير جازمة. أدوات الشرط الجازمة تجزم فعلين: الأول فعل الشرط، والثاني جواب الشرط. هذه الأدوات هي التي ترتبط بالدرس السابق؛ لأن الدرس السابق كان عن أدوات الجزم، وقلنا إن أدوات الجزم نوعان: أدوات تجزم فعلاً واحداً، وأدوات تجزم فعلين، وهي هذه الأدوات: أدوات الشرط الجازمة.
إذا سألنا عن أقسام الشرط، نقول إن أقسام أدوات الشرط نوعان: أدوات شرط جازمة، وأدوات شرط غير جازمة. أدوات الشرط الجازمة هي التي تجزم فعلين، يسمى الأول فعل الشرط، ويسمى الثاني جواب الشرط. لو سألت سؤالاً وقلت لكم: قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 197]، أين فعل الشرط وأين جواب الشرط؟ فعل الشرط "تفعلوا"، وجواب الشرط "يعلمه الله".
عندنا أيضاً قول الله عز وجل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: 78]، فعندنا فعل الشرط "تكونوا"، وجواب الشرط "يدرككم الموت". إذاً في كل جملة شرط، يوجد فعل شرط وفيه جواب الشرط. فعندنا في هذه الأمثلة التي ذكرناها: "إن تدرس جيداً تنجح"، تدرس فعل الشرط، تنجح جواب الشرط. "من يؤمن بالله يهدي قلبه"، يؤمن فعل الشرط، يهدي جواب الشرط. ونلاحظ أنها كلها مجزومة لأن هذه الأدوات هي أدوات الشرط الجازمة.
السؤال الآن: ما هي أدوات الشرط الجازمة بالتحديد؟ أدوات الشرط الجازمة هي -وانتبهوا- أننا نريد أن نفرق بين "إنْ" الشرطية، و"إنْ" النافية، و"إنْ" المخففة من الثقيلة. فعندنا أكثر من أداة تأتي على نفس اللفظ "إنْ"؛ أولاً هي بكسر الهمزة وسكون النون. "إنْ" هذه بلفظها نفسه قد تأتي نافية، وقد تأتي توكيدية مخففة من الثقيلة، وقد تأتي شرطية. فهنا التي نتكلم عنها هي الشرطية التي تربط بين حدثين، وتربط بين فعلين ويكون فيه شرط ويتوقف الثاني على الأول ويرتبط الثاني بالأول.
فهذه الشرطية: "إن تذاكر تنجح"، هذه شرطية. لكن النافية يمكن أن نمثل لها بأمثلة حينما نقول مثلاً: "إن حسابهم إلا على الله"، أي ما حسابهم إلا على الله. و"إن" المخففة من الثقيلة يمكن أن نمثل لها بمثال آخر غير هذه الأمثلة، نقول مثلاً: "إن محمداً لمجتهد"، فهنا "إن" هذه توكيدية وليست شرطية. لكن الشرطية: "إن تذاكر تنجح"، "إن تفعل خيراً تفز".
كذلك "إذ ما" التي تفيد الشرط أيضاً: "من يعمل سوءاً يجز به"؛ "من" للعاقل، و"ما" لغير العاقل، "وما تفعلوا من خير يعلمه الله". و"مهما": ﴿قَالُوا ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِآيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾﴾ [الأعراف: 134]. و"متى": "متى تذاكر تنجح". وأيضاً "أيان": "أيان تذاكر تنجح" مثلاً. و"أين" و"أينما" هي نفسها، لكن هذه جاء بعدها "ما"، أحياناً تستعمل لوحدها وأحياناً تستعمل مع "ما"، المهم: "أينما تكونوا يدرككم الموت". وكذلك "أنى" تستعمل شرطاً: "أنى تجلس معنا تجد خيراً". و"حيثما": "حيثما تفعل الخير تجده إن شاء الله". و"كيفما": "كيفما تذاكر تجد جزاءك إن شاء الله". و"أيا ما": ﴿أَيَّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: 110]؛ فهذه "أيا ما".
فهذه كلها أدوات الشرط الجازمة: إنْ، إذ ما، من، ما، مهما، متى، أيان، أين، أينما، أنى، حيثما، كيفما، أيا ما. إذا جاء بعدها شرط، وكان فعل الشرط وجواب الشرط مضارعين، فإن هذه الأدوات تجزم هذين الفعلين. فخلاصة الكلام أن هذه الأدوات هي أدوات الشرط الجازمة.
نواصل أيها الإخوة: هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك». ومن أهمية الوقت أن الله أقسم به في كتابه، فقال: ﴿وَالْعَصْرِ﴾، وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة. قال ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه».
وإذا أراد الله بالعبد خيراً أعانه بالوقت، وإذا أراد به شراً جعل وقته عليه. وفي سيرته أروع الأمثلة على استغلال الوقت؛ فقد كان داود الطائي يستلف الفتيت ويقول: «بين سلف الفتيت أكل الخبز قراءة خمسين آية». وقال ابن القيم: «أعرف من أصابه مرض وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب وضعه».
ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتأخير آفات، ولأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات، فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت؛ فإن رسول الله ﷺ قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».
بسم الله الرحمن الرحيم. نكمل الحديث أيها الإخوة والأخوات عن أدوات الشرط الجازمة. قلنا إن هذه الأدوات إذا جاءت في أسلوب شرط، وكان فعل الشرط مضارعاً وجواب الشرط مضارعاً، فإنها تجزم الفعلين. معنى ذلك أنه لو جاءنا فعل الشرط ليس فعلاً مضارعاً وإنما هو فعل ماضٍ مثلاً، لو قلت: «إن جاء أخوك فأكرمه»، «إن جاء» هنا فعل الشرط فعل ماضٍ، والماضي يكون مبنياً دائماً كما عرفنا، لكن الفرق هنا نقول إنه فعل ماضٍ مبني على الفتح في محل جزم؛ لأن هذا موضع جزم ما دام في شرط وفي أداة شرط جازمة.
وكذلك لو كان جواب الشرط فعلاً ماضياً أو غير ذلك، فإنه يبقى في موضع جزم، لكن لا يلزم في الشرط أن يكون فعل الشرط فعلاً مضارعاً، ولا يلزم في الجواب أن يكون جواب الشرط فعلاً مضارعاً، لكن إن وقع فعل الشرط مضارعاً وجواب الشرط مضارعاً، فإن الفعلين مجزومان. أما إذا كانا غير مضارع فالموضع موضعهما موضع جزم.
مثلاً: ﴿حَيْثُمَا تَسْتَقِمْ يُقَدِّرْ لَّكَ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [الفرقان: 58]. هنا هذه جملة شرطية، أين فعل الشرط؟ فعل الشرط «تستقم»، وهو فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه السكون. «يقدّر» هنا فعل مضارع وقع جواباً للشرط، وهو مجزوم أيضاً.
وقد يأتي فعل الشرط مضارعاً ولا يكون جواب الشرط فعلاً مضارعاً، كما في قوله تعالى: ﴿إِن يَسْرَقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: 77]. هنا جواب الشرط «فقد سرق» ليس فعلاً مضارعاً، لكن فعل الشرط الذي هو الأول «يسرق» جاء مجزوماً لأنه مضارع. وهذا يعني أنه لا يلزم أن يكون فعل الشرط وجواب الشرط فعلين مضارعين مجزومين، وإنما إذا كانا مضارعين فإنهما يجزمان، وإذا كان فعل الشرط مضارعاً وجواب الشرط ليس فعلاً مضارعاً، فيجزم فعل الشرط ويبقى جواب الشرط في موضع جزم.
وهنا نشير فقط إشارة إلى أن جواب الشرط قد يقترن بالفاء، هذه الفاء التي تقع في جواب الشرط؛ تقترن بالجواب إذا لم يصلح أن يكون جواب الشرط فعلاً للشرط، وذلك باختصار إذا لم يصلح في تركيب آخر أن تقع فعلاً للشرط، فتقترن بالفاء، كما لو كان الجواب جملة اسمية، أو كان جملة طلبية، أو كان فعلاً مضارعاً مسبوقاً بـ«قد» إلى آخره، فتقترن بالفاء. ومسألة اقتران الجواب بالفاء مسألة معروفة ومشهورة ومبثوثة في كتب النحو، من أراد أن يتوسع فليراجع كتب النحو.
إذن، هذه الأدوات إذا جاءت في أسلوب شرط وكان فعل الشرط مضارعاً وجواب الشرط مضارعاً فإنهما يجزمان، وإذا لم يكن مضارعاً فإنه يكون في موضع جزم. تجزم هذه الأدوات فعلين، ويسمى الأول فعل الشرط ويسمى الثاني جواب الشرط، نحو: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 197].
هنا «ما» اسم شرط، و«تفعلوا» فعل الشرط مجزوم لأنه وقع فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والأفعال الخمسة هي الأفعال المضارعة التي اتصلت بواو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطبة، وهنا اتصلت بواو الجماعة، والأفعال الخمسة ترفع بثبوت النون وتنصب وتجزم بحذف النون، فعلامة الجزم هنا حذف النون.
«من خير» جار ومجرور متعلق بالفعل «تفعلوا». و«يعلمه» أليس هو جواب الشرط؟ بلى، هو جواب الشرط، أليس مجزوماً؟ بلى، هو مجزوم. كيف نقول «يعلمه»؟ ينتهي الفعل هنا عند العين، فالفعل هو «يعلم»، والهاء ضمير، فالفعل «يعلم» فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه السكون الظاهر على آخره (الميم)، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به مقدم، ولفظ الجلالة فاعل مؤخر.
إذن أيها الإخوة، هذا هو عمل أدوات الشرط الجازمة. بقيت مسألة، وهي أنه أحياناً يأتينا الكلام وأسلوبه ظاهره الأمر، فحواه ومعناه الشرط، مثلاً حينما أقول: «ذاكر تنجح»، الآن «ذاكر» الأمر، و«تنجح» فعل مضارع، هل هذا أسلوب شرط؟ هذا ليس أسلوب شرط في ظاهره.
لأنه فعل أمر، وهناك فعل مضارع؛ "ذاكر تنجح"، هذا يسمى الفعل الأمر أسلوب طلب، و"تنجح" فعل مضارع. هنا الفعل المضارع جاء في جواب الطلب، لكن المعنى كأنك تقول: "أن تذاكر تنجح". إذًا قد يجزم الفعل المضارع إذا وقع جوابًا للطلب.
هذا الأسلوب وهذه الطريقة سنتحدث عنها بإذن الله عز وجل مع أدوات الشرط غير الجازمة في الدرس القادم بإذن الله عز وجل. إلى أن نلتقي في ذلك الدرس، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً يأتيك ميسورًا بأي مكان، اللغة الفصيحة ورعاها بطريف أسلوب وحسن بيان، تحية للعلم كالأزهار في البستان.
د. عبدالله مسملي