بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم في لقاء يتجدد في هذه الأكاديمية المباركة، أكاديمية زاد، مع مادة الحديث الشريف.
اليوم أيها الأحبة الأفاضل نبدأ في الحديث الرابع من هذه الأحاديث المباركة، حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها». رواه الدارقطني وحسنه.
نقف أحبتي في الله مع راوي الحديث، أبو ثعلبة الخشني منسوب إلى خشين وهو بطن من قضاعة، مشهور بكنيته، واختلف في اسمه واسم أبيه. كان ممن بايع تحت الشجرة، وأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه فأسلموا، وكان من عباد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. نزل الشام ومات بها سنة خمس وسبعين من الهجرة رضي الله عنه وعن صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم.
أيها الأحبة الأفاضل، قبل أن نشرع في بيان الحديث والفوائد، نستعرض معاً شرح المفردات ومعاني الكلمات. قوله: «فرض» أي أوجب أشياء وجعل فرضها حتماً لازماً، عندنا في الدين الفرائض ما فيها اجتهاد، قال: فرائض مثل الصلوات الخمس والزكاة والصيام والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام وغير ذلك مما جاء في الشرع الحنيف. قوله: «فلا تضيعوها» أي لا تهملوها فتضيع، بل حافظوا عليها، هذا دين ينبغي أن نحافظ عليه بكل ما أوتينا من قوة. قوله: «فلا تنتهكوها» أي فلا تتجرأوا عليها وتفعلوها والعياذ بالله، مثل الزنا وشرب الخمر والقذف والسرقة والربا وغير ذلك مما حرم.
قال في الحديث: «وحد حدوداً فلا تعتدوها». الحد في اللغة المنع، ومنه الحد بين الأراضي لمنعه من دخول أحد الجارين على الآخر، وفي الاصطلاح المراد بالحدود الواجبات والمحرمات، فالواجبات حدود لا تتعدى، والمحرمات حدود لا يقترب منها؛ المواريث التي بينها الله عز وجل في كتابه الكريم فلا يجوز لأحد أن يتعداها أو أن يأتي بقسمة تخالف. هذه قضايا إلزامية أحبتي في الله، الفرائض والواجبات ما فيها اجتهاد.
دعونا نكمل معاني الكلمات، قال: «وسكت عن أشياء» المسكوت عنه هو ما لم يذكر حكمه بتحليل ولا إيجاب ولا تحريم، فيكون معفواً عنه لا حرج على فاعله، هذا مباح. قوله: «من غير نسيان» أي أنه عز وجل لم يتركها ناسياً، وما كان ربك نسياً سبحانه جل في علاه، ولكن رحمة بالخلق حتى لا يضيق عليهم. قال: «فلا تبحثوا عنها» أي لا تسألوا، مأخوذ من بحث الطائر في الأرض، أي لا تنقبوا عنها، بل دعوها. أحبتي في الله، انتهينا من قراءة معاني الكلمات والمفردات.
هذا الحديث يحتاج إلى مصنف كامل لأن هذا الحديث جمع الإسلام كله، جمع الدين كله؛ حلاله وحرامه ومكروهه ومباحه، وما يجب أن تفعل وما يجب ألا تفعل، وحكم البدعة وحكم الغلو وأشياء كثيرة جداً في هذا الحديث الشريف، بأبي وأمي ونفسي صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم.
أول نقطة أحبتي في الله كمال هذا الدين وعظمة هذا الدين العظيم، الله سبحانه وتعالى يقول في الكتاب الكريم: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]. والنبي صلى الله عليه وسلم أنزل عليه في الحج: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. إذاً في تلك اللحظة حينما أنزلت هذه الآية كمل الدين، كمل الدين يعني ما في واحد يستطيع أن يأتي بشيء جديد في الدين أبداً، الله عز وجل أذن في ذلك اليوم في يوم الحج الأكبر أن الدين قد كمل وانتهى التشريع، واكتمل الدين وواجباته وفرائضه وحدوده وحلاله وحرامه. ولذلك الذي يتعدى على التشريع كارثة، لا أريد أن أستبق النقاط، ولكن يهمني في الدرجة الأولى أن نتعرف أيها الأحبة على عظمة هذا الدين العظيم وكماله.
سبحان الله، ما تريد من أمور تشريعية في حياتك تجدها ولا يمكن أن تتعب في إيجادها. لما جاء الرجل يناقش أحد الصحابة أظنه صهيباً رضي الله عنه وأرضاه، قال: دينكم علمكم كل شيء؟ قال: نعم، حتى قضاء الحاجة. حتى قضاء الحاجة، إذا دخلت كيف تدخل، وإذا جلست كيف تجلس، وعلى أي قدم تعتمد، وماذا تقول إذا دخلت، وماذا تفعل أنت في الخلاء، وإذا خرجت ماذا تقول، وكيف تستنجي، وكيف تقضي حاجتك وكيف تستجمر، كل هذا موجود؛ هذه من دقائق الأمور موجودة، فكيف من عظائم الأمور؟
هنا عظمة هذا الدين، لو تدخل بعض المكتبات العامة في أوروبا وفي الغرب تبحث عن كتب الفقه عندهم ما في، كتب التفسير والحديث لا يوجد عندهم. ما عندهم إلا العهد القديم والعهد الجديد والتلمود وهذه الخرافات والخزعبلات. تأتي عندنا في الإسلام تجد ما شاء الله تبارك الله، أي مكتبة تدخلها عشرات مئات بل يمكن آلاف الكتب: المذهب الحنفي، المذهب الحنبلي، المذهب المالكي، المذهب الشافعي، الفقه المقارن، كتب الحديث، كتب التفسير، كتب اللغة، كتب العقائد. لماذا؟ عظمة الدين، وبالتالي فعلاً هذا الدين له من العظمة الكثير المطلق، بل عظمة الدين من عظمة رب العالمين، ويقولون في الأمثال: إن الصنعة تدل على الصانع. ومن الذي أنشأ هذا التشريع؟ هو رب العالمين، إذاً عظمة هذا الدين تليق بعظمة رب العالمين، لأن الله هو الذي أمر بهذه الشريعة وبهذا الشرع. لذلك فعلاً ما تجد شيئاً قليلاً أو كبيراً أو كثيراً أو ظاهراً أو باطناً إلا ولك في الدين منه مستند، علمه من علمه وجهله من جهله.
تقول إحدى الأمهات: لم أستطع أن أتمالك نفسي من الغضب عندما تلفظت ابنتي البالغة من العمر خمس سنوات بألفاظ بذيئة أثناء زيارة صديقة لي، أحسست بالأسف والإحراج، ولم أدرِ كيف أتصرف من شدة الغضب؟ كثيراً ما ينطق الأطفال كلمات مزعجة تتسبب في شعور الوالدين بالأسف والحرج، والخوف من انفلات الطفل أخلاقياً. والحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها أن الألفاظ اللغوية لدى الطفل يكتسبها فقط من خلال محاولته تقليد الآخرين، وغالباً ما يكون غير مدرك لأبعاد معانيها، ومن المهم المبادرة بعلاج هذه المشكلة بصبر وحكمة قبل أن تتحول إلى عادة وسلوك.
ويكون ذلك من خلال: التجاهل وعدم إبداء انزعاج ملحوظ عند سماع كلمة نابية من الطفل لأول مرة، حتى لا يكون لها أهمية لديه أو تأثير. عدم استقبال الكلمة بابتسامة أو ضحك ونحوه عند سماعها كي لا يتشجع عليها، فإنه سيتركها من تلقاء نفسه. إظهار الرفض التام لهذا السلوك وذم هذا اللفظ علناً إذا تكرر. مراقبة اللغة المتداولة في محيط الطفل، مراقبة البرامج الإعلامية التي يتابعها، مخاطبته باللغة التي ترغب في أن يخاطبك بها، تطوير مهارة التفكير لديه وفتح باب الحوار معه، تعويده على الأسف والاعتذار كلما تلفظ بكلمة بذيئة. إذا لم يستجب الطفل بعد مرات من التنبيه يعاقب بالحرمان من شيء يحبه، مع تنبيهه إلى أن الكلمة البذيئة من وحي الشيطان، وتذكيره دوماً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما زلنا في مقدمة لهذا الحديث، عشر دقائق مرت وما زلنا في عظمة وبيان وكمال هذا الحديث العظيم وهذا الدين الكريم. من الفوائد التي نخرج بها من هذا الحديث أحبتي في الله أن التحليل والتحريم والتشريع بيد من؟ بيد ربنا سبحانه، بيد الله وليس بيد رسول الله. لا، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو النبي وهو الرسول وهو أعظم الخلق بأبي وأمي ونفسي صلى الله عليه وسلم، إلا أن حق التشريع ليس من حقه، دين الله عز وجل فالتشريع بيد الله، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فهو المبلغ، يبلغ دين الله عز وجل.
طيب ما الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن له أن يحلل أو يحرم؟ أدلة كثيرة جداً في الشرع، يعني يكفي سورة التحريم، لماذا نزلت؟ وأنزلت فيها عتاب من الله سبحانه وتعالى إلى خليله وحبيبه وكليمه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التحريم: 1]. لما حرم النبي صلى الله عليه وسلم ما هو مباح للأمة على نفسه المغافير والعسل عاتبه الله، هل يمكن بعد ذلك أن يحلل أو يحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فضلاً عن أن يحرم أحد من عامة الأمة! مستحيل، مستحيل.
فإذاً التشريع بيد الله، التحليل بيد الله، التحريم بيد الله. جاء شاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، ائذن لي في الزنا. فانتهره الصحابة وقام عليه الصحابة، قال: دعوه. هذا الشاب ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن أن يحلل أو يحرم، هذا ليس بيده، لكن هذا الشاب صادق، لو لم يكن صادقاً لما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ادنُ، فدنا الشاب، قال: «أترضاه لأمك؟». قال: يا رسول الله، جعلت فداءك! قال: «وكذلك الناس لا يرضونه. أترضاه لأختك؟». قال: لا يا رسول الله جعلت فداءك! قال: «وكذلك الناس لا يرضون. أترضاه لعمتك، لخالتك؟». يقول: لا يا رسول الله جعلت فداءك! كذلك الناس لا يرضون. ثم وضع يده على صدره وقال: «اللهم اهدِ قلبه وحصّن فرجه». الراوي يقول فكانت الظعينة تمر بالشاب ما يرفع طرفه إلى هذه الظعينة. الشاهد من هذا الكلام أن هذا الشاب ظن أن رسول الله عليه الصلاة والسلام يمكن أن يحلل أو يحرم، فقال: لا، أبداً ليس بيده صلى الله عليه وسلم.
طبعاً بين له الدليل العقلي، بعض الناس ربما يقول لك يا أخي يمكن، لا لا، الدين واضح، اضطراب العقل والنقل، الدين ثابت، معادلته ثابتة. إذاً ننتبه أيها الأحبة الأفاضل من بعض الدعوات الآثمة، بل يا إخواني من حلل حراماً أو حرم حلالاً، انتبهوا من هذه الكلمة، من حلل حراماً أو حرم حلالاً فقد خرج من الدين والملة، خرج من الدين والملة، إجماع عند العلماء، أبداً هذه قضية مسلمة ومجمع عليها. الحلال واضح أحله الله، الحرام واضح حرمه الله، لو جاء كائناً من كان يحل حراماً أو يحرم حلالاً فقد خرج من الدين وارتد والعياذ بالله، لماذا؟ لأن حق التشريع لله سبحانه وتعالى.
ولذلك مع الأسف التاريخ يشهد على بعض الأشخاص وبعض الناس، وربما كانوا بعض القادة، يريد أن يحلل حراماً أو يحرم حلالاً أو أن يتدخل في الدين، نقول: قف، هذا خط أحمر، الدين خط أحمر، التحليل فيه والتحريم فيه ليس حقاً مكتسباً للبشر، هذا حق لله سبحانه وتعالى. مع الأسف نسمع دعوات بين الفينة والأخرى: هذا يريد أن يتحكم في الميراث، وهذا يريد أن يساوي بين الرجل والمرأة في الميراث، وهذا يريد أن يجيز أو يبيح أن تتزوج المسلمة من كافر؛ أي كلام فاضي هذا؟ انتبهوا، هذا دين الله، ما فيه مجاملة.
هناك من كان يدعو إلى أن يفتي المفتي بأن الناس يفطرون في رمضان لأن هذا يساعدهم على رفع الدخل والاقتصاد للدولة، خاب وخسر وإلى جهنم وبئس المصير إن شاء الله. لذلك انتبهوا أيها الأحبة، نحن في هذا الزمن الأخير زمن الفتن والمصائب، وهناك من السلاطين من يريد أشياء وسيجد له من الأتباع والأذناب من يحلل أو يحرم، وتذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة».
لذلك الفيصل ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما تكلم النبي صلى الله عليه وسلم عن الفئة الناجية ماذا قال؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». إذاً ديننا نأخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما نقله الصحابة الأطهار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وإلا سنجد في كل زمان ومكان من ينعق بكل ما يريد من هوى والعياذ بالله وانحراف. لا، انتبهوا، دين الله خط أحمر، ممنوع الاقتراب، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. انتهينا خلاص، الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. التحليل والتحريم بيد الله سبحانه جل في علاه.
من القضايا التي أريد أن أنبه إليها أيضاً يسر الإسلام وسماحته، وأنه في صالح الناس وما يقوم على عافيتهم، فحينما الله سبحانه وتعالى فرض علينا فرائض هل هو في حاجة لها سبحانه جل في علاه؟
يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا.
يا عبادي، إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني. إذا الله عز وجل، أحبتي في الله، حينما فرض الفرائض وأوجب الواجبات وحرم المحرمات، لمن؟ لمن؟ لنا نحن بعباده.
والذي لا إله إلا هو، ما فرض ربنا علينا الصلوات ولا الحج ولا الصوم ولا الزكاة ولا باقي الشريعة إلا حتى نهنأ في حياتنا ونسعد في حياتنا ونطمئن في حياتنا، وتكون حياتنا غاية في الروعة وفي اللذة وفي السعادة. أما بعض الناس يظن أن هذه تكاليف وآصار، والله حملنا، يا أخي اتق الله يا رجل! والذي لا إله إلا هو ما هذه إلا حتى تستقيم الحياة وتسعد البشرية ويسعد الخلق وينتشر الخير والوئام بين الخلق وبين الناس. أبداً، الله في غنى عن تعذيبنا يا أحبابي، والله كل هذه الشريعة ما فيها من فرائض وواجبات وحدود، ما هذا إلا لي ولك وللبشرية نسعد. إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. قالوا: ما هي يا ابن تيمية؟ قال: جنة الإيمان. نعم، المؤمن يعيش الدنيا كأنه في جنة من جنان الآخرة.
ننتبه أيها الأحبة، لا يأتينا الشيطان أو النفس يحكم على هذه، هذه فيها تشدد. ما فيها تشدد، هذه فيها رحمة، عرف من عرفها وجهلها من جهلها. أيها الأحبة، ثم نعود إليكم بإذن الله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 27]. من إكرام الله تعالى للإنسان أن شرع له الاستئذان، وأكد آدابه لخصوصيته وتعظيماً لحرمته. ومن هذه الآداب أن يختار الوقت المناسب للزيارة، أن يستأذن ثلاثاً ولا يزيد عليها، فإن أذن له وإلا رجع، ألا يجعل استئذانه قوافل، بل يجعل بين كل استئذان وآخر وقتاً يسيراً، ألا يستقبل الباب بل عن يمينه أو يساره، أن يخبر المستأذن باسمه عند الاستئذان حتى يعرف. إذا تبين للمستأذن أنه قد أحرج صاحب البيت فلينصرف ولا يدخل، أن يلقي السلام على أهل البيت إذا دخل. والاستئذان يكون أيضاً على المحارم؛ لئلا يكون في الدخول دون إذن انكشاف لعورة أو اطلاع عليها، فقد جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود وقال: أستأذن على أمي؟ فقال: ما على كل أحيانها تحب أن تراها.
كما شرع الاستئذان لما فيه من فوائد تعود على الفرد والمجتمع؛ منها ترضية النفوس وحفظ الحرمات، رفع الحرج عن المستأجر والمستأذن عليه، إتاحة الفرصة لصاحب البيت أن يستر عوراته وما يكره أن يطلع عليه، إشاعة الاطمئنان في المجتمع حيث يأمن الإنسان عدم اقتحام بيته إلا بإذنه، سد الذرائع كي لا يقع البصر على ما لا يحل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإذن من أجل البصر».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا مع هذه التحفة النبوية العظيمة، وما زلنا نستنبط منها بعض الفوائد. قبل الفاصل كنت قد أشرت إلى أن هذا الدين يقوم على يسر السماحة، ولذلك كل الفرائض والواجبات والحدود إنما هي لمصلحة من؟ لمصلحة البشرية، لمصلحة الخلق حتى يهنأوا في حياتهم. والله يا أحبابي انضباط في التعامل؛ كيف تتعامل مع نفسك، مع الآخرين، مع أقرب الناس إليك، مع جارك؟ حتى والله مع الحيوانات، حتى والله مع الطرق لما تمشي في الطريق، كيف تتعامل مع الطريق وإماطة الأذى وإعطاء الطريق حقه؟ فنجد أن هذا الدين كله يقوم على صلاح البشرية وصلاح الدنيا، متى ما حدث التفريط في شيء ولو كان يسيراً حدثت هناك الضريبة، حدثت هناك المؤاخذة، حدث هناك الأثر السلبي.
وإلى أحبتي في آخر الزمان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، لما ينزل عيسى عليه السلام ويقتل الدجال ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويعم الأمن والرخاء، ما الذي يحدث؟ أمر عجيب؛ الذئاب ترعى مع الغنم لا تؤذيها، الطفل يلعب بالحيات والعقارب لا تؤذيه، الأرض تخرج بركتها، والثمار تعطي بركتها، يعني الناس الأمور تختلف عن كل ما كان سابقاً. هذا الدين أيها الأحبة لو طبق الإسلام بحذافيره لرأينا الأمن والأمان والبركة والرخاء والخير، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. هذا بالنسبة للفرد، فكيف لو كانت الأمة؟ ولذلك أحبتي في الله هذا الدين إنما أنزل لتنشر السعادة وينتشر السلام وينتشر الوئام وينتشر الخير بين الناس. وهذا الدين يقوم على اليسر والسماحة، وأنه في صالح الناس، ليس مرهقاً لهم أبداً، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا». هذه قضية مهمة لابد أن يعيها المسلم، مهما يتعب الإنسان في أداء الواجبات، يثق تماماً أن مردودها وأثرها أعظم وأعظم بكثير مما يتوقع.
من النقاط المهمة أيضاً التي أنبه إليها: التحذير من البدع. ليش؟ خلاص الفرائض واضحة، المحرمات واضحة، المباحات واضحة. إذاً هل هناك فرصة للبدعة؟ والبدعة هي الزيادة في الدين، أن نتعبد لله عز وجل بشيء لم يأت لا في كتاب ولا في سنة. هذه البدعة، «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وبالتالي انتبهوا، البدعة أيها الأحبة أعظم عند الله من الكبيرة؛ لماذا؟ لأن الكبيرة أنت تفعلها عارف أنها كبيرة، عارف أن ذنب ذنب، مهما بلغ ذنب تحت المشيئة، لكن البدعة تشريع في الدين، وهذا تعدٍ على حق رب العالمين. المبتدع يساوي نفسه بالله، يحلل من عنده ويحرم من عنده، وهذا يجوز وهذا لا، يا أخي لا، انتبه! حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يأمر بأمر إلا بأمر الله سبحانه وتعالى، ولا ينهى عن أمر إلا بأمر الله سبحانه وتعالى.
لما جاء لما النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا»، قال أحد الصحابة: يا رسول الله، أفي كل عام؟ هذا سؤال كارثة، كارثة بكل ما تعنيه الكلمة. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى رؤي الغضب في وجهه، شيء عجيب! إخواني، تخيلوا بس لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم، ما هي الكارثة التي ستحدث على الأمة؟ الحج مبني على الاستطاعة، تخيل لما يكون الحج واجباً في كل عام، كم سيحج عندك في السنة هذه؟ مليون، مليار ونصف المليار، أي بلد تحويهم وأي مكان يحويهم؟ وسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى رؤي الغضب في وجهه وقال: «لو قلت نعم لوجبت». ثم بين لهم، الأدب ضروري: «ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة اختلافهم على أنبيائهم». لذلك الله لما أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة، قروشية ما لونها؟ ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: 70]. يقول ابن عباس رضي الله عنهما: لو ذبحوا أي بقرة من أول أمر لأجزأت، فلما تشددوا شدد الله عليهم. لذلك أيها الأحبة كان الصحابة يخشون سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يقعوا في محظور، ولذلك كانوا ينتظرون الأعراب، الأعراب يأتون من خارج المدينة يسألون، فكانوا ينتظرونهم حتى يسمعوا الأسئلة ويسمعوا الأجوبة فيستفيدوا. ليس معنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يفيد، بلى، ولكن شغف الصحابة بالعلم، ولذلك أيها الأحبة كان الصحابة مضرب المثل في الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم.
إذاً هذا الدين التحليل فيه والتحريم فيه بيد الله سبحانه وتعالى، ولذلك أيها الأحبة نحذر من البدع، كما جاء عن بعض السلف أن التوبة تحجب عن صاحب البدعة؛ لأن هذا يشرع في دين الله، والتشريع في دين الله حق لله فقط، ليس لغيره من البشر، لا لنبي مرسل ولا لملك مقرب. أيضاً هذا الحديث فيه التحذير من الغلو، «ما تغلو»، وقال صلى الله عليه وسلم: «وحد حدوداً فلا تعتدوها»، في حدود انتبه لا تتعداها؛ لأنك لو تعديت هذا وقعت في الغلو. مثلاً السارق تقطع يده إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع، بدل ما تقطع من هنا من الرسغ والعياذ بالله، جاء إنسان قال لك: لا اقطعه من هنا، لا يا أخي ما هو من حقك! لا انتبه لا تتعدى يا أخي، اليد هذه كلها يد، اقطعها من الكتف؟ لا يا أخي الكريم، لا لا، السنة تبين أنهم من الرسغ والعياذ بالله. طيب حد شرب الخمر، حد الزنا والعياذ بالله، حد انتبه هذه حدود، انتبه ما تغلو فيها.
لذلك أحبتي في الله، ديننا يقوم بين إيش وبين إيش؟ وسط بين الغلو وبين الجفاء، فلا نغلو في دين الله ولا نجفو عن دين الله، بل نتبع ولا نبتدع. هذا دين محمد صلى الله عليه وسلم، دين الصحابة رضوان الله عليهم، دين السلف الصالح رضوان الله عليهم، ما عندنا لا غلو ولا جفاء في ديننا. ديننا واضح بين، «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك»، «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي»، وسكت عن أشياء رحمة لكم، غير نسيان سبحانه وتعالى، كيف ينسى الله عز وجل؟ لا، وإنما هي رحمة حتى الناس يكون عندهم شيء من السعة في حياتهم. لذلك الإنسان ينتبه أيها الأحبة من قضية الغلو أو الجفاء، لا انتبه، نحن أمة إيش يا أحبابي؟ نحن أمة اتباع ولسنا بأمة ابتداع.
لذلك هذا الدين يحكم لك دينك، يفصل فتكون على بينة من أمرك. وصلنا إلى نهاية لقائنا اليوم، أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء. اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا، وفقنا لكل خير، خذ بنواصينا للبر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اغفر لنا ولأمة محمد أجمعين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي