يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً، والسنة بالعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. ومع هذه الأكاديمية المباركة، أكاديمية زاد، ومع مادة الحديث الشريف. اليوم أيها الأحبة سنعيش معكم مع الحديث الخامس من هذا المنهج المبارك، حديث شداد بن أوس رضي الله عنه وأرضاه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته». رواه مسلم. حديث عظيم جداً، لكن قبل أن نتكلم فيه دعونا نمر على راوي الحديث شداد بن أوس رضي الله عنه وأرضاه، وكم له من المناقب الكثيرة.
راوي الحديث هو شداد بن أوس بن ثابت الخزرجي الأنصاري، صحابي من الأمراء، ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه على حمص، ولما قتل عثمان بن عفان اعتزل الولاية وعكف على العبادة. كان فصيحاً حليماً حكيماً، قال عنه أبو الدرداء رضي الله عنه وأرضاه: لكل أمة فقيه، وفقيه هذه الأمة شداد بن أوس رضي الله عنه وأرضاه. توفي في القدس سنة ثمان وخمسين من الهجرة. الحقيقة يا إخواني هذا الصحابي الجليل روى أحاديث كثيرة وعظيمة، أرجو أن نعود إليها، سيد الاستغفار هو الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
حقيقة لا أود أن يتشعب بنا الكلام، نستعرض معاً وسوياً شرح المفردات ومعاني الكلمات. قوله: «إن الله كتب الإحسان»، أي كتب بمعنى أوجب. والإحسان لغةً: بذل المنفعة والخير، واصطلاحاً يطلق على أمرين: الأمر الأول إيصال النفع إلى الآخرين بأكمل صورة، والمعنى الثاني إتمام العبادة وإتقانها. بل ينبغي أن نقدم ونؤخر، المعنى الأول هو إتقان العبادة لله سبحانه وتعالى، والمعنى الثاني إتقان العمل مع الناس وإيصال النفع للناس بأجمل صورة وأتقن حال، فهو يشمل الإحسان في حق الله والإحسان في حق المخلوق. قوله في الحديث "على كل شيء" أي بمعنى إلى كل شيء.
والقتلة بكسر القاف هي هيئة حالة القتل، والقتلة بفتح القاف هي المرة من القتل، وإحسان القتل في البهائم اختيار أسهل الطرق وأقلها ألماً. قال: «وليحد أحدكم شفرته»، أي يشحذ سكينه، الشفرة هي السكين. «فليرح ذبيحته»، بإحداد السكين وتعجيل إمرارها وغير ذلك مما يدخل في إراحة الذبيحة. أحبتي في الله، هذا الحديث أيضاً من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء».
أحبتي في الله، الدين ثلاث مراتب؛ المرتبة الأولى مرتبة الإسلام، والمرتبة الثانية مرتبة الإيمان، والمرتبة الثالثة مرتبة الإحسان. حديث جبريل؛ حديث عمر لما سأل جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأخبرني عن الإسلام؟ قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً». قال: صدقت. قال عمر: فعجبنا يسأل ويصدق. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره». قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ هنا الشاهد، أخبرني عن الإحسان. قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
أحبتي في الله، الإحسان هو أعلى مراتب العمل، ولا يصل إلى درجة الإحسان إلا القلة في الأمة. أغلب الأمة في دائرة الإسلام، وأقل منهم من دخل دائرة الإيمان، وأقل ذلك درجة الإحسان؛ أن يصل الإنسان في عبادته إلى درجة كأنه يرى الله عز وجل عياناً بياناً. هذه درجة عظيمة جداً، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم هذه المنزلة، المنزلة التي يصل فيها العبد إلى أن يعبد الله كأنه يراه، لأنه طبعاً ليس كأنه يراه يعني استشعار العظمة، بل يستشعر كمال الله وصفات الله وكبرياء الله كأنه يرى الله عز وجل. طبعاً لا يمكن هذا، لكن استشعار العظمة لله سبحانه وتعالى، يعيش في هذه الدنيا كأنه يرى عرش ربه.
هذه درجة الإحسان درجة الصديقين، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث الأمة عليها. صلِّ صلاة مودع، هذه صلاة المودع هي التي توصلك إلى درجة الإحسان. كلما زاد الإنسان في العبادات وترقى فيها وأكثر منها، وراقب الله عز وجل في ليله وفي نهاره، وفي سره وفي جهاره، وفي قليله وفي كثيره، وفي أكله وشربه ومطعمه وملبسه وكل أموره؛ يترقى حتى يصل إلى درجة الإحسان أن يعبد الله كأنه يراه. ما أعظم هذه الدرجة! لذلك لما تقرأ في كتب التراجم وتطلع على بعض الناس والأشخاص، فعلاً وصل الواحد فيهم إلى درجة خلاص، ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: 11]، امرأة فرعون بلغت درجة الإحسان.
قصص كثيرة جاءت في السنة، فعلاً لما يصل الإنسان إلى درجة الإحسان خلاص؛ حتى أصحاب الأخدود كيف وصلوا إلى درجة الإحسان؟ الصحابة وأكثر الصحابة كيف وصلوا إلى هذه الدرجة؟ أبو بكر وعمر والصحابة العشرة وأهل بدر، كبار الصحابة رضوان الله عليهم، كيف وصلوا إلى هذه الدرجة؟ الإحسان؛ كلما ترقيت في العبادة وأكثرت في العبادات والطاعات والقربات، زاد إيمانك حتى تصل إلى درجة الإحسان؛ أن تعبد الله كأنك تراه، تستشعر معِيته وقربه. واصل ثم نعود إليكم بإذن الله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
لا يكاد يوم يمر إلا ويعرض لنا أمر نحتار في حكمه الشرعي، فكيف نتصرف؟ الحل أن نستفتي العلماء، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. ثم آداب ينبغي أن يتحلى بها المستفتي؛ آداب في نفسه وآداب مع العالم، وآداب في طريقة السؤال. فيستفتي أهل الذكر المتبعين للأدلة، ويتجنب من يفتون بالجهل أو الهوى؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». ويعرض السؤال على حقيقته دون كذب أو كتمان، وليعلم أن تدليسه لا يحل له الحرام، فإنما يفتيه المفتي على حسب ما يسمع.
ويوقر مفتيه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه». ويتحين الوقت والحال المناسب للسؤال، ولا يقاطع الشيخ، ولا يلح عليه إذا اعتذر عن الإجابة، ولا يضيع وقته بما لا علاقة له بالسؤال، ويترك السؤال عما لا يعنيه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ويتقبل الحكم الشرعي ولو لم يكن على هوى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
بشرى لنا زاد أكاديمية بالعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ما زلنا نتكلم عن الإحسان ومكانة الإحسان، وقلنا إن الإحسان هو أعلى مراتب الدين؛ الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان. وبالتالي أحبتي في الله، كلما زادت أعمالنا وقرباتنا وسعينا إلى الله، كلما ترقينا من درجة الإسلام إلى الإيمان إلى الإحسان، ستصل أن تعبد الله كأنك تراه؛ كأنك المثال، الكاف للتشبيه، كأنك تراه، وإن لم تكن تراه فإنه يراك.
وبالتالي الوصول إلى هذه الدرجة ليس مستحيلاً وليس حكراً على أحد دون أحد، إنما هذه الدرجة بعد توفيق الله سبحانه وتعالى ينالها الإنسان بالجد والاجتهاد. إخواني الحمد لله ديننا ما فيه كهنوت، ما فيه قداسة لأحد دون أحد من البشر، لا أتكلم على الأنبياء أتكلم على البشر، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. ولذلك أطرف إنسان في الأمة من المسلمين يستطيع أن يكون من المحسنين، يصل إلى هذه الدرجة. أنت اقرأ التاريخ، علماء الأمة السابقين أغلبهم موالي؛ تحصل أبوه أو أمه كانت أمة أو أبوه عبداً يباع ويشترى، أنجبوا مثل هؤلاء وأصبحوا سادة الأمة. لماذا؟ لأن الدين لا يحكم على الناس بألوانهم ولا بأشكالهم ولا بأنسابهم، بل بأعمالهم؛ «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
من هو الحسن البصري؟ مولى. عطاء بن أبي رباح مولى. كثير من العلماء السابقين الأصل أنهم كانوا موالي، وبالتالي أحبتي في الله هؤلاء الموالي رفعهم دينهم، علمهم، تقواهم، ورعهم، مسارعتهم إلى الله سبحانه وتعالى. بلغوا، مجاهد بن جبر وعكرمة وغيرهم كثير جداً. وبالتالي أحبتي في الله هنا عظمة هذا الدين، أنك يمكن أن تصل إلى درجة الإحسان وأنت من أطرف الناس. القضية قضية ماذا؟ بعد توفيق الله، عملك على نفسك، جدك واجتهادك ومثابرتك وإصرارك في العمل والمتابعة وأشياء كثيرة جداً ترتقي بها إلى درجة الإحسان.
أعود فأقول أيها الأحبة، اطلعت على رسالة جميلة جداً للباحث الدكتور أحمد بن سعد غرم الغامدي في جامعة أم القرى، بعنوان "الإحسان" في مجلدين كبيرين، وتناول الإحسان في جميع نواحيه وبشتى صوره وأشكاله. الحقيقة رسالة جديرة أن تقتنى؛ كيف تكون من المحسنين مع الله عز وجل مع رب العالمين؟ كيف تكون من المحسنين مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؟ كيف تكون محسناً مع القرآن الكريم؟ كيف تكون محسناً مع الصحابة؟ كيف تكون محسناً مع نفسك، مع الناس، مع والديك؟ سبحان الله دراسة الإحسان بجميع أنواعه.
أقول أيها الأحبة، الإنسان إذا وصل إلى درجة الإحسان وصل إلى محبة الرحمن، هذه المحبة إذا وصلت في قلبك، شاء بعد ذلك الخوف منه والرجاء لما عنده. فإذا جاء الحب لله عز وجل، وجاء الخوف من الله، وجاء الرجاء لما عند الله، حينئذ كل هذه الأمور الثلاثة تسحب كل أعمال القلوب وأعمال الجوارح، فيظهر وتظهر آثارها على قلبك وعلى لسانك وتظهر حتى على جوارحك الخارجية. إذا وصل الإحسان إلى نفسك يا عبد الله ظهرت الثمار على القلب وعلى اللسان وعلى الجوارح، لذلك كان هو أعلى مراتب الدين.
طيب ننتقل الآن إلى القسم الثاني من الإحسان، ألا وهو الإحسان مع الآخرين. من أولى هؤلاء الآخرين؟ من أولى من أولاهم بالإحسان؟ أولى الناس بالإحسان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قبل أبيك وأمك ونفسك والناس أجمعين. فلابد أن تكون محسناً مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. طيب كيف أكون محسناً مع رسول الله؟ أن تحسن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. طيب كيف أحسن الأدب مع رسول الله؟ أن تكون من الممتثلين لأمره، المنتهين عما نهى وزجر، المسارعين إلى تطبيق سنته، المتأسين بهديه، كثرة صلاتك عليه صلى الله عليه وسلم، حبك له صلى الله عليه وسلم. يعني أول محبة في قلبك تكون لرب العالمين، المحبة الثانية للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك أحبب من شئت.
فإذاً الإحسان إلى الله أولاً، ثم الإحسان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثانياً، أن تقتدي به في كل صغيرة وكبيرة، في عملك في قولك في اعتقادك في كل شيء. نعم في كل شيء، ﴿صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي﴾، خذوا عني مناسككم، من رغب عن سنتي فليس مني. لا تكن دائماً إلا مسارعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في امتثال أمره واجتناب نهيه. طيب نهي رسول الله طبعاً انتبه، هو تشريع من الله سبحانه وتعالى.
بعد ذلك أيها الأحبة نأتي إلى الإحسان إلى من بعد ذلك؟ من الذي يستحق إحسانك بعد ربك سبحانه وبعد نبيك صلى الله عليه وسلم؟ الوالدان، والداك يا عبد الله هم الذين يتعين عليك بعد ذلك أن تحسن إليهم. ولذلك الله عز وجل لما أمرنا بطاعتهم، قال الله عز وجل: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]. يا إخواني كل النصوص في القرآن الكريم التي تحكم علاقة الفرد بوالديه لم يستخدم إلا لفظة الإحسان. الوالد والوالدة يجب عليَّ وعليك وعلى كل مسلم ومسلمة إذا عامل والديه أن يعاملهما بدرجة الإحسان، ولو كان كافرين، ولو كانا كافرين. أبداً، ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ما قال لك بأبويك المسلمين؛ حتى ولو كان أبوك كافراً وأمك كافرة، عاصياً أو عاصية، يجب عليك أن تتعامل معهم إذا أردت الإحسان. هذه من أساسيات ديننا أيها الأحبة، من أساسيات ديننا بر الوالدين، ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].
وبالتالي أحبتي في الله، الوالدان ينبغي أن نتعامل معهما أجمل تعامل وأكمل تعامل بشري وأسمى تعامل بشري. نعم والداك مهما كان يجب عليك وجوباً الإحسان إليهما، كنت في ظهر أبيك وانتقلت إلى بطن أمك وخرجت بعد ذلك، وفعلوا معك ما لا يمكن لأحد من البشر أن يفعله بعد ذلك؛ ترفع صوتك؟ تخالف أمرهما؟ تبخل عليهما؟ تقول لهما "أف"؟ هذه درجة عظيمة جداً.
الزينة في حياة المرأة حاجة فطرية جبلت عليها، وقد تكون مولعة بها، والإسلام لا يقاوم هذه الرغبة الفطرية، ولكنه ينظمها ويضبطها. ومن ذلك نهيه المرأة عن التزين بالوشم أو الوصل أو النمص أو فلج الأسنان. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعنت الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة من غير داء».
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «والمتفلجات للحسن». والوصل أن يوصل شعر المرأة بشعر آخر، ويدخل فيه الباروكة والرموش والأظافر الصناعية؛ لأنها في معنى الوصل. والنمص هو الأخذ من شعر الحاجبين بالنتف كان ذلك أو الحلق أو غيرهما، وأما الشعر الذي بين الحاجبين فلا بأس بإزالته.
والوشم هو غرز إبرة أو نحوها في أي موضع من البدن حتى يسيل الدم، ثم يحشى ذلك الموضع بالكحل أو غيره فيخضر، وتجب إزالة الوشم إلا إن خاف منه تلفاً أو ضرراً. والفلج هو تباعد ما بين الأسنان الثنايا والرباعيات، إظهاراً لصغر العمر وحسن الأسنان. والحرام من ذلك كله ما فعل طلباً للحسن وزيادته، وأما ما كان منه للعلاج أو إزالة عيب، كإزالة الكلف وحبة الخال ونحوه، فلا بأس به. ولا يحرم التغيير الذي لا يبقى كالحناء والكحل؛ فليس هذا من التغيير الممنوع. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7].
يستمر مسلسل الإحسان وضوابط الإحسان ومحفزات الإحسان، وهكذا أيها الأحبة، نحن أمرنا أن نحسن مع رب العالمين، مع الرسول الكريم، مع الوالدين، مع الأقربين، زوجك، أبناؤك، أقاربك، جيرانك، إخوانك المسلمين. بل والله حتى الإحسان يتطور مع نفسك، أنت نعم تحسن مع نفسك؛ كيف أحسن مع نفسي؟ أن تلزمها بما أوجب الله، أن تمنعها عما حرم الله، أن تزكيها، تبحث عن أسباب تزكيتها فتزكي نفسك، أن تؤدبها، نعم أن تأطرها على الحق أطراً، أن تخالف هواها، كل هذا من إحسان الإنسان إلى نفسه.
وهكذا أعود فأقول: الإحسان للجميع، حتى الإحسان يصل إلى العجماوات البهائم والإحسان في كل شيء. إن الله كتب الإحسان على كل شيء، يعني ديننا دين الإحسان. من الإحسان للعجماوات أولاً أن ترفق بها، لا تحملها ما لا تطيق، لا تؤذيها. النبي صلى الله عليه وسلم رأى حماراً قد وسم على وجهه، فقال صلى الله عليه وسلم: «لعن الله من فعل هذا». ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان لعاناً ولا فاحشاً بذيئاً، لكن لما رأى أمراً لا تقبله الفطرة ولا يقبله الدين، لعن الله من فعل هذا. إذاً القضية ما هي سهلة، أنت كمسلم مطالب بأن تحسن في كل شيء حتى مع العجماوات والبهائم، لا تقل لي هذه بهائم لا تعي، لا والله، سبحان الله.
بالأمس القريب انظر إلى صورة، مجموعة يذبحون ذبيحة وذبيحة أخرى خلف الجدار تطل برأسها تنظر ماذا يفعلون؟ وسبحان الله جاء إنسان ولقط صورة وقال انتبهوا أيها الناس، حتى البهائم تعي، نعم تعي يا إخواني، كيف ما تعي وتفهم؟ إن البهائم تفهم، ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن امرأة دخلت النار في هرة، ليش؟ قال: «حبستها لا هي أطعمتها وتركتها تأكل من خشاش الأرض». ما في إحسان، الإحسان انعدم بين هذه المرأة وبين تلك الهرة، كانت هذه الهرة سبباً لدخولها النار، فكيف بالبشر لو تم أذيتهم؟ ما حال المؤذي؟
وكذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة بغياً من بني إسرائيل دخلت الجنة بسبب إحسانها إلى كلب سقى هذا الكلب، يلهث يأكل الثرى من شدة العطش، فشكر الله له وأدخله الجنة. صحابي يقول: وإن لنا الأجر في هذه البهائم يا رسول الله؟ قال: «في كل كبد رطب صدقة». رأيتم كيف الإسلام يهتم يا أحبابي؟ الإسلام يحمي، أي مخلوق تحسن إليه ثق تماماً أن جزاءك عند رب العالمين حسناً. انتبه، يعني حتى العصفور إذا قتله الإنسان بغير حاجة أو فائدة يأتي يوم القيامة يشتكيه إلى رب العالمين، يشتكي نعم، جاء في الحديث حتى ماء العصفور ما تقتله إلا إذا أردت أن تأكله أو أن تستفيد منه.
إذاً الإحسان مطلب، تعامل الحيوانات برفق، بلين، برحمة. النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى جملاً قد هاج على أصحابه وجاء الجمل يشتكي إلى رسول الله، يقول النبي: «من صاحب الجمل؟» قال: أنا يا رسول الله، قال: «جمل يشتكي أنك تدأبه أي تحمله ما لا تطيق ولا تطعمه إلا القليل، أفلا أحسنت إليه؟». إذاً هذا الإحسان يا أحبابي يضبط كل تعامل المسلمين. الإحسان كذلك حتى في الطريق، الطريق تحتاج منا إلى إحسان، مثل ماذا؟ مثل إماطة الأذى عن الطريق، هذا من الإحسان. الآن امتحنا، يقول أوروبا وأمريكا والغرب وما أدري إيش، ومع قاذورات وما أحد يرمي في الطريق، ديننا يأمرنا بهذا يا إخواني، إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان، الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
أنت وأنا ونحن جميعاً أمرنا بالإحسان للطريق، النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الجلوس في الطرقات، قال بعض الصحابة: يا رسول الله ما لا بد من جلوسها، مجالسنا وين نجلس لمجالسنا؟ قال: «فأعطوا الطريق حقها». حق الطريق هو الإحسان، إرشاد الضال، غض البصر، وهكذا. إذاً نحن حتى أمرنا بالإحسان في كل شيء، إحسان مع جيرانك، مع أقاربك، مع زملائك، مع زوجتك، مع أبنائك، وكلما اقترب منك الآخر كلما كان حقه في الإحسان أعظم.
وكما سمعنا إحسان في كل شيء، في الحديث: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح». طيب الحيوان مذبوح مذبوح، كيف نحسن؟ النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل يريد أن يذبح ذبيحة وهو يحد السكينة أمام الذبيحة، شوف يا إخواني كيف التوجيه والأدب والخلق والرحمة، قال صلى الله عليه وسلم: «أتريد أن تذبحها مرتين؟». يا أخي إذا تبغى تحد سكينك حدها في مكان بعيد لا تراك فيه الذبيحة. بعض الناس والله عنده قلب قاسي، يا أخي أنت نعم يجوز لك شرعاً أن تذبح الذبيحة، لكن ليس بهذا الشكل، ليس بهذا التعذيب، يجيب خمس عشرة قدام بعضها ويذبح هذه وهذه وأمام بعضها، يا أخي ليس من الإحسان هذا.
الله عز وجل خلق لنا هذه البهائم لتذبح، ولذلك أنا رأيت، يمكن بعضكم رأى من يأتي بالذبيحة الخروف أو الشاة ويغمض عينه ويقول بسم الله والله أكبر، فتنام قريراً لأنها خلقت لهذا، خلقت لهذا سبحان الله بمجرد أن يقول بسم الله والله أكبر ويغطي عينيها تستسلم وتتمدد فيمكن تذبحها بكل سهولة لأنها خلقت لذلك وهي تعرف هذا، لكن أن نحسن.
يعني حتى يا أحبابي لو كان إنسان محكوم عليه بالقصاص، كيف تقتل تعذبه؟ لا يا أخي حتى لو كان مخطئاً، القصاص له طريقة، خلاص هذا حد، إذاً أنا أقتله بطريقة موافقة لشرع الله سبحانه وتعالى، أنا لا أتكلم عن التعزير، أنا أتكلم عن القتل، حتى هذا الذي حكم عليه بالقتل والقصاص يجب علينا وجوباً أن نحسن قتلته، لا نعذبه، بل كما جاء الشرع قتل وبطريقة فيها راحة له ولذويه.
حتى إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، ليحد أحدكم شفرته، حتى حد الشفرة من الإحسان. من الإحسان ألا تذبح أمام صويحباتها أو الغنم أو الذبائح الأخرى. يا إخواني الإحسان يدخل في حياتنا كلها، شوف الإحسان يجمع كل الأخلاق الحسنة وينهى عن كل الأخلاق الذميمة، متى ما طبقت الأخلاق الإيجابية في حياتك والسلبية تركاً، الإيجابية فعلاً والسلبية تركاً، بلغت درجة الإحسان بالتعاون مع الآخرين، فإذا أضفت إلى ذلك التعبد لله سبحانه وتعالى بدينه وشرعه، بلغت درجة الإحسان مع رب العالمين سبحانه جل في علاه. إذاً تذكروا أيها الأحبة أن الإحسان مطلب بكل أعمالنا، من كل أعمالنا بدون استثناء.
نصل إلى نهاية لقائنا اليوم، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجعلنا جميعاً مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يغفر لآبائنا وأن يرحم أمهاتنا، وأن يغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي