يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً يأتيك ميسوراً بأي مكان، والسنة بالعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم، ولقاء يتجدد في أكاديمية زاد، هذه الأكاديمية المباركة، ومع مادة الحديث الشريف، ومع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع جوامع الكلم.
اليوم مع الحديث السادس، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم. حديث عمدة في بابه وعمدة في الدين الإسلامي. من راوي الحديث؟ أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، من صغار الصحابة وخيارهم، كان من المكثرين للرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيهاً مجتهداً مفتياً، شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم الخندق وما بعدها. رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.
مع الكلمات وشرح المفردات ومعاني الكلمات: قوله "منكراً"، المراد أن يكون منكراً واضحاً يتفق عليه الجميع، أما إذا كان من مسائل الاجتهاد فإنه لا ينكر؛ المنكر هو الذي أجمع الناس على أنه منكر، أما إذا كانت مسألة خلافية فلا، وكل ما نهى الله تعالى عنه فهو منكر. قوله "فبلسانه"، أي فلينكره بلسانه، ويكون ذلك بالتوبيخ والزجر وما أشبه ذلك، ولكن لابد من استعمال الحكمة. قوله "فإن لم يستطع فبقلبه"، أي فلينكر بقلبه يكرهه ويبغضه ويتمنى أن لم يكن.
أحبتي في الله، قبل أن نشرع في بيان مراتب الإنكار، أولاً ينبغي أن نعلم أن هذه الأمة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بماذا تميزت؟ الإيمان بالله؛ كل الأمم تؤمن بالله وكلفت بالإيمان بالله، لكن هنا ركن عظيم جداً في هذا الدين لو انخرم انخرم الدين، ما هو؟ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الله سبحانه وتعالى ماذا يقول؟ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. انظروا أيها الأحبة كيف أن الله أخر الإيمان بالله على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لماذا؟ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقودك ذلك الإيمان بالله عز وجل.
انتبهوا، المعروف كل ما عُرف من الشارع أنه مقبول وأنه مأمور به، هذا معروف؛ تعارف الناس على أنه مباح وأنه واجب وأنه حلال وأن الله أمر به، هذا معروف. نأمر بالمعروف كل ما جاء في الشرع من أمر أمرنا الشارع الكريم به هذا معروف. وننهى عن المنكر، المنكر كل ما خالف كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم منكر. فإذاً المعروف ما وافق الكتاب والسنة، والمنكر ما خالف الكتاب والسنة. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقودانك إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقودانك إلى قيام هذا الدين، إلى قيام كل أركان الإيمان بالله عز وجل وأركان الإسلام.
لذلك أحبتي في الله، هذه العبادة وهذه الشعيرة ليست على اختيارك أو اختياري، هذه الشعيرة أمر الله عز وجل بها، ما لك فيها اختيار. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». انظر يا عبد الله وانظري يا أمة الله، لا بد لي ولك أمام منكرات من واحدة من هذه الثلاثة. لا تقل لي: "أنا ما لي دخل، شيء ما يخصني"، لا؛ المسلم في هذه الحياة إيجابي، والمسلمة إيجابية. حتى الإنكار بالقلب يتعذر، فإذا كان الإنكار بالقلب معناه أن القلب ميت، هنا الكارثة.
لذلك شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحبتي في الله من أعظم شعائر الدين. أرأيتم لو أن الناس استمرأوا الباطل والمنكر والمعاصي والسيئات والموبقات، كيف ستكون حياة الأمة؟ كيف ستصلح الأمة ويصلح المجتمع وتصلح الأسرة؟ وكيف تحفظ الأموال والأعراض والدماء والأنساب؟ لذلك أحبتي في الله، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو قيام الدين، لو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسد الناس وضاع الدين وأهملت الشريعة وضاعت الحدود والواجبات والفرائض وانتشرت المعاصي والذنوب والمهلكات والموبقات.
إذاً أيها الأحبة الأفاضل، شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة عظيمة جداً، لذلك أهل الباطل لا يبغونها، لا يريدونها أبداً. الليبرالية والعلمانية، الشهوانيون، كل هؤلاء ما يبغونها. وشوف الأوصاف التي تطلق: هذا تدخل في حريات الناس، هذا تدخل في أفعال الناس، دع الناس يعيشون، يا أخي ليش هذا التقييد؟ لماذا هذه التعديات على حريات الناس وعلى أفعال الناس؟ لا يا حبيبي، هذا دين الله. لذلك هجمات شعواء من أهل الفكر العفن، من أصحاب الفكر الليبرالي -الليبرالية معناها الحرية المطلقة- والعلمانية، العلمانية قصر الدين في مسجد وعدم تحكيم الدين في المجتمع، ما يبغون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وتجد أنهم يزبدون ويرعدون ويحاولون دائماً الانتقاص والمهاجمة وانتقاص الدعاة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لكل صغيرة أو كبيرة لأن هذا يخالف هواهم. يريدون الانفتاحية المطلقة، الشهوة المطلقة، يريدون أن يفعلوا ما شاءوا، ما يريد أحد أن يقول هذا صح وهذا غلط. كيف يكون الإسلام؟ مع الأسف، وتعظم القضية إذا كانت القضية عدم التدخل في أمور مفصلية في الإسلام، يعني الآن بعض الناس أو بعض المسؤولين أو بعض السلاطين أو غير ذلك، تجده يريد أن يحرف في الدين ويلغي أحكاماً شرعية ثابتة بالكتاب والسنة؛ مسلمات ما فيها اجتهاد، ولا تنكر، كيف ما أنكر؟ هذا دين الله.
ولذلك الأنبياء عملهم الأول ما هو؟ كل أنبياء الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم عملهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نعم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا عمل الأنبياء يا أحبابي. يجيني بعض الناس يقول لك لا هذا تدخل، هذه لقافة، هذه كذا، لا يا أخي دين الله.
(فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين).
الخطبة أولى خطوات الزواج ومقدماته، وقد حث الشرع على تيسيرها، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن من يمن المرأة تيسير خطبتها». والمرأة التي يجوز خطبتها هي غير المتزوجة وغير المعتدة وغير المخطوبة، والتي ليس بها مانع من موانع النكاح من الخاطب. ويحرم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة أو من طلاق رجعي أو بائن، وأما التلميح بإبداء الرغبة في الخطبة فمباح، إلا الرجعية فلا يجوز التلميح لها، قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: 235].
يستحب للخاطب النظر إلى المخطوبة لقوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة وقد ذكر له امرأة أراد خطبتها: «اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». وقد ذكر الفقهاء لجواز النظر إلى المرأة المخطوبة شروطاً منها: أن يكون الخاطب عازماً على الخطبة، أن يغلب على ظنه الإجابة، أن يكون النظر بلا خلوة، أن يكون مقصده الاستعلام لا الاستمتاع، أن ينظر إلى ما يظهر غالباً كالوجه والكفين، ألا تكون المرأة متبرجة أو متطيبة. ونظر المخطوبة إلى خاطبها كحكم نظره إليها. ويجوز للخاطب تكرار النظر إذا لم يكتفِ بالنظرة الأولى، فإذا اكتفى بالأولى لم تجز له الثانية.
ولا يجوز للخاطب مصافحة المخطوبة ولا مسها ولا الخلوة بها ولا الخروج معها لأنها قبل عقد النكاح لا تزال أجنبية عنه. وتحرم خطبة الرجل على خطبة غيره بغير إذنه لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب». ولا يترتب على الخطبة حق للخاطب غير أنه مقدم في النكاح على غيره، فإذا فسخت الخطبة فإن للخاطب أن يسترد ما قدمه من هدايا لأنها في حكم المهر، موهبة لأجل إتمام الزواج ولم يحصل، ولكن الأفضل ألا يستردها خاصة إذا كان الترك من جهته. وينبغي للولي أن يحرص على تزويج الكفء متى تقدم للزواج لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، ما زلنا أيها الأحبة في الحديث عن هذه الشعيرة العظيمة، شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ شعيرة وأي شعيرة. إذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم...». للأمة عامة، قبل أن ندخل في هذا الموضوع، ينبغي أن ننتبه أيها الأحبة أن الإنسان الذي ينكر أو يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر يجب أن يكون هناك بعض الشروط المهمة.
بمعنى أنك إذا أنكرت منكراً مثلاً أن تكون عالماً بالحكم الشرعي، وأن هذا فعلاً منكر، وأن تعرف آداب الإنكار ومراتب الإنكار، وأن تتوخى الحكمة. هل الحكمة أن تنكر بلسانك؟ بقولك؟ بقلبك؟ لا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلمة جميلة: "ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ولا يكن نهيك عن المنكر بالمنكر". إنسان يا إخواني قد يقع في خطأ أو في سهو كذا، فتنكر عليه إنكاراً شديداً، يواجهك بالشدة، قد يتأنت.
روي أن الحسن البصري رحمه الله كان مع بعض طلابه، فمر رجل أو شاب وكان ثوبه يسحب في الأرض، فأرادوا أن يبتدروه بلسانهم -يعني تكلموا عليه كلاماً قوياً-، قال لهم: "دعوه". قال: "يا ابن أخي، ألي حاجة؟". قال: "ما هي يا أبا سعيد؟". قال: "أن لي إليك أن ترفع ثوبك فوق كعبيك، فهو موافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال: "حباً وكرامة يا أبا سعيد، وعلى الرأس وعلى العين"، ثم مضى. فالتفت الحسن البصري إلى طلابه وقال: "أرأيتم؟ لو أنكم أخذتموه بألسنتكم لرد عليكم بأسوأ مما سمعتم، ولما فعلتم شيئاً". الحكمة مطلب في التعامل، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن سعوهم بأخلاقكم».
صاحب المنكر قد يكابر، لذلك أيها الأحبة، التلطف، الكلمة، الابتسامة، الدعوة الصالحة، الدعوة الصادقة؛ هذه كلها مما تقربك إلى صاحب المنكر فيسمع كلامك. لكن بعض الناس قد تنكر عليه إنكاراً شديداً فيرد عليك برد أقذع وأشد مما سمع منك، وبالتالي ما غيرنا المنكر. القضية ليست قضية أني أظهر نفسي أنا أعلم منك ولا أنت أجهل مني؟ لا، القضية قضية كيف أحملك وأحمل نفسي وندخل الجنة سوياً. «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
إذاً لا بد أن نتعلم فقه الإنكار أيها الأحبة، بل بعض الأوقات ترك الإنكار هو الحل، هو الذي فيه حكمة. كيف ذلك؟ مرة ابن تيمية رحمه الله مع طلابه فمروا على بعض جنود التتار وكانوا سكارى يشربون الخمر، فأرادوا أن ينكروا عليهم، وكانوا مسلمين. فقال: "لا، دعوهم يا شيخ، هؤلاء يشربون الخمر". قال: "دعوهم، فإن شرب الخمر مضرة على أنفسهم". طيب، هؤلاء يقول: "لو أفاقوا لتعدوا على حرمات المسلمين وعلى أعراضهم وعلى أموالهم، لكن دعوهم في سكرهم". شوفوا الحكمة، شيخ الإسلام قال: "لا، هذا لو أفاق لعاث في الأرض الفساد، لكن وجودهم على هذا المسكر لا فساد على أنفسهم". هذه حكمة.
طيب، الإنكار أيها الأحبة ليس معناه أن أوافق. صلى الله عليه وسلم علمنا في الحديث كيف دخل النقص على بني إسرائيل، يقول: "كان أحدهم ينهى صاحبه عن المنكر ثم يجالسه، فلم يمنعه المنكر من مؤاكلته ومجالسته، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض". أنزل الله سبحانه وتعالى قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79].
وبالتالي إنكار المنكر له محصلات، له أمور تلزمه. أنا في مجلسي الآن ورأيت المنكر، أنكر ثم أقوم، ما أجلس، ما أجلس. لكن بني إسرائيل كانوا ينهون ويجالسونهم ويؤاكلونهم ويسالفون معهم ويتكلمون معهم، فضربت قلوب بعضهم ببعض. لا، المجلس فيه منكر، تنكر ثم تقول: "وأنا أنكر بقلبي"، لا، ما تنكر بقلبك؛ ما الذي يوجب عليك أن تجلس في مجلس فيه منكر؟ ما في شيء يلزمك، ولذلك تنكر ثم تقوم، هذا الأصل.
أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه يا أحبابي يوم من الأيام صعد المنبر ثم قال: "يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]، وإنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه". سمعتم أيها الأحبة؟ إن الناس إذا رأوا المنكر لا ينكرونه أوشك الله أن يعمهم بعقابه. يعني يعم من يا إخواني؟ الطالح. وفرق بين الصالح والمصلح، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]. ما قال صالحون، المصلح هو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، هذا يمنع نزول العذاب، أما الصالح فلا يمنع نزول العذاب.
جاء في بعض الآثار أن الله سبحانه وتعالى أمر جبريل أن يهلك قرية ومن فيها، فذهب وإذا رجل قائم يصلي، ورجع إلى رب العالمين قال: "يا رب، إن فيهم عبدك فلاناً...".
جئته قائم يصلي، قال به فابدأ به؛ فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه من أجل يوم من الأيام، صالح يصوم ويصلي، يقوم الليل، قال به فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه من أجل يوم من الأيام.
أيها الأحبة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له مكانته وعظمته. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يا إخواني يبعد العذاب ونزول العذاب، وأهلها مصلحون وما قال صالحون؛ الإصلاح ينفي العذاب بإذن الله ويطرد العذاب، الصلاح لا يطرد العذاب أيها الأحبة، هذا معنى الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 89].
إذن، لابد من الإنكار، وعن حذيفة أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر»، أو شوف التهديد: «ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم». لا إله إلا الله، لا إله إلا الله. «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم».
أحبتي في الله، القضية ليست سهلة؛ القضية ليست سهلة، هي شعيرة من شعائر الدين، أيها الأحبة، ميزت هذه الأمة عن جميع الأمم السابقة بقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قضية أن تقول: «أنا مالي»، لا، هذا ليس عندنا في ديننا. يقول سفيان الثوري رحمه الله: «والله إني لأمر بالمنكر فلا أستطيع أن أغيره فأبول دما». أرأيتم حرقة السلف الصالح؟ يأمر بالمنكر لا يستطيع أن ينكره، قال: فأبول دما من الحسرة والهم والألم.
الإنسان يا إخواني لابد يكون عنده ضابط، لابد من إيمان حاضر في نفسه وفي قلبه وفي تفكيره. لابد يا إخوان هذا ديننا، صدقوني أيها الأحبة، يوم القيامة يأتي أناس لا تعرفهم ويتمسكون برقبتك، تعرف ليش؟ يقول: يا ربي خذ حقي من فلان، يقول: يا ربي أنا ما أعرف هذا، ما أعرفه. قال: لا يا رب، هذا رآني على منكر ولم يأمرني ولم ينهاني. ماذا تقول؟ رب العالمين عنده حجة يقدمها أمام رب العالمين: يا رب إن فلانًا رآني على منكر، على معصية، فلم يأمرني ولم ينهاني، خذ لي حقي منه. ماذا ستجيب ربك يا عبد الله؟
ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. كل إنسان له خصوصيته وأسراره، وقد شرع الإسلام الاستئذان وحرم التجسس حفظًا للعورات واحترامًا للخصوصيات. وفي زمن انفجار المعلومات أصبح السر يطير في الآفاق بثوان معدودة، فانتهكت الخصوصيات وانتشرت الأسرار وضاعت؛ فاختراق المواقع والمنتديات جريمة، والتلصص على البريد الإلكتروني وحسابات المستخدمين جريمة، والعبث ببيانات المستخدمين واستعراض محتوياتها دون إذن أصحابها جريمة. ففي الحديث: «من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته». والمسلم اللبيب يأخذ حذره ويأخذ بكل الأسباب التي تحفظ أسراره وخصوصياته.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا أيها الأحبة مع هذا الحديث العظيم ومع هذه التحفة النبوية الكريمة، قوله ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
أيها الأحبة الأفاضل، كما جاء عن بعض السلف أن الله لا يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. بعض الناس أيها الأحبة الآية ترده، الحديث يرده، الموعظة ترده، لكن بعض الناس لا يرده إلا السلطان. أذكر كنت في مجلس قديم سمعت رجلًا يقول لآخر: «والله لولا خوفي من السيف لقتلت فلانًا»، يعني ما هو بخوف من الله سبحانه وتعالى، لكن يعرف أنه لو قتل سيقام عليه الحد. نعم، «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن».
بالتالي أحبتي في الله، هناك أفراد في المجتمع لا يردهم إلا القوة، لا يردهم إلا السلطان، لا يردهم إلا أهل الحسبة، بالتالي هؤلاء تجدهم سبحان الله يحاربون الحسبة وأهلها والأمر بالمعروف وأهله؛ لماذا؟ لأنه يتصادم مع شهواتهم وأهوائهم ولذاتهم وطلباتهم. إذاً وجود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع هو مدعاة إلى سلامة المجتمع.
ولذلك النبي ﷺ ضرب مثالًا عظيمًا جدًا، مثلًا: «القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة، فأصاب قوم أعلاها وقوم أسفلها، وكان الذين في الأسفل إذا أرادوا أن يستقوا صعدوا إلى الأعلى فشقوا عليهم أذوهم، وقال الذين في الأسفل لو خرمنا في نصيبنا واستقينا الماء وما أذنا الذين فوقنا»، منطقيًا وعقليًا مقبولة، هذا سهمنا وهذا مكاننا، نخلق في خرق ونستقي بدل ما كل شيء نطلع وننزل ونطلع وننزل. يقول النبي ﷺ: «فإن تركوهم يخرقون في نصيبهم غرقوا وغرقوا جميعًا»، يعني غرق الأسفل وغرق الأعلى، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا.
هذا هو باختصار، اسمحوا لي في الكلمة هذه، فلسفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بمعنى أنه صحيح أنت عندك حرية، لكن حريتك هذه لا تتعدى على حرية المجتمع، لذلك نحن في أسفل السفينة وفي أعلى السفينة مأمورون أن نحافظ على هذا الكيان. لا تقل لي: «هذا حقي وهذا نصيبي وأنا حر أفعل فيه ما أشاء»، لا يا أخي الكريم، حقك ونصيبك إذا فعلت فيه شيئًا يضر بالسفينة؟ لا ما لك حق ولا نصيب، يؤخذ على يدك.
لذلك النبي ﷺ قال: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر»، قال: «ولتأطرنهم على الحق إطرا»، يعني تأخذ أصحاب السفينة وعلى هذا صاحب المنكر بالقوة تمشيه على الصراط المستقيم. «لتأطرنهم على الحق إطرا»، ما هو بكيفك، انتبه هذه استقامة أمة وسلامة مجتمع، وبالتالي لازم يكون عندك هناك خيار بسيط، ما هو إطلاق حقي أفعل به ما أشاء، لا يا أخي الكريم، أنت في مجتمع، أنت في سفينة واحدة، إن هلكت هلكت السفينة كلها.
هذه قضية مهمة جدًا لابد أن ننتبه لها. نأتي الآن أيها الأحبة إلى قضية الإنكار؛ شوف النبي ﷺ ما ترك لي ولا لك ولا لأحد من أمتي عذر، «من رأى منكم منكرًا»، أي واحد رأى منكرًا، أي واحد عارف أنه منكر والجميع مجمع على أنه منكر، قال: «فليغيره بيده»، إذا كان عندك قدرة على تغيير المنكر بيدك فافعل وإلا تأثم عند رب العالمين. إنسان يريد أن يقتل إنسانًا وأنت تستطيع أن ترده، والله يا أخي لا تقتل الرجل، خله، وأنت تقدر تضرب الرجل وتأخذ السلاح من يده وتنقذ الرجل.
يجب عليك وجوبًا أن تنقذه بيدك؛ إنسان سيسقط مثلًا، يريد أن ينتحر مثلًا، هذا منكر وتقدر تمسكه وتمنعه، تقول له: «يا أخي فلان لا تلقِ نفسك خلاص»، لا ليس بكيفك، تروح تمسكه وتنقذه.
وقس على ذلك، إذا كان هناك منكر، فما هو؟ يغير باليد، وأنت عندك قدرة على تغييره باليد. اسمحوا لي، بعض الناس يقول لك: لماذا هذا التدخل في حقوق الناس؟ لا يا أخي، في أشياء يجب عليك وجوبًا، وتأثم عند رب العالمين، بل عند ولي الأمر؛ إذا ثبت أنك فرطت يمكن أن يعاقبك، هذا أنت تستطيع أن تفعله. إذًا منكر، أول درجة: الإنكار باليد، كن حكيمًا وعالمًا بما تنكر، فقيهاً في ذلك.
إذا كان منكرًا أكبر من قدراتك، ماذا تفعل؟ قال: «فإن لم يستطع فبلسانه». اللسان تنصح، ويدخل في اللسان أيها الأحبة القلم؛ ترسل رسالة لفلان فيها إنكار، ترسل لفلان الذي كذا تبرق برقية بلسانك يا أخي. هذا يجب عليك وجوبًا، لأن الأمة لما تتناصح يصبح البناء قويًا.
حتى بلساني ما أقدر؟ لو تكلمت بلساني قُطع الرأس، إذا وصلت إلى هذه الدرجة، خالف بقلبك، كذلك أضعف الإيمان. انظر يا عبد الله، وانظر يا أمة الله، يجب أن يكون لك موقف إيجابي من المنكرات. الكارثة، كل الكارثة أحبتي في الله، الكارثة إذا أصبح موقفنا سلبيًا من المنكرات؛ تمر بالمنكر لا تغتم، ولا تتأثر، ولا تتألم، ولا يصيبك حزن، ولا يصيبك هم من هذا المنكر. هذه بلادة، أين الإيمان؟ أين الإيمان أيها الأحبة؟ حتى الإنكار بالقلب ما في، إذاً الإيمان ضعيف، إذاً الإيمان ميت.
يا عبد الله يجب أن يكون لك موقف من أحد هذه الأمور الثلاثة. في السابق كان الواحد إذا شاف المنكر يقول: «أعوذ بالله، استغفر الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله، نسأل الله أن يصلح أحوالهم»، إذاً فيه تألم. لكن الكارثة إذا وصل الإنسان إلى التبلد في الإحساس؛ تبلد، لا إنكار باليد، ولا إنكار باللسان، ولا إنكار حتى بالقلب بالجنان. لماذا أنت مسلم؟ أين إيمانك؟ أين إسلامك يا عبد الله؟ أين خوفك من الله؟ أين تأسيك برسول الله ﷺ؟ يا أخي رسولك محمد، ونبيك محمد ﷺ، ما ترك لك فرصة ولا عذر؛ منكر غير بيدك ما تستطيع، بلسانك ما تستطيع، بقلبك أضعف الإيمان، ما في شيء بعد ذلك. لا تقل لي أنا مالي صلاح، بكيفهم ينحرقون، لا، وقف، يجب عليك أقل شيء القلب؛ القلب أن يكون عندك إحساس وشعور أن دين الله يُنتهك، شريعة الله تُنتهك، محارم الله تُنتهك. يا أخي تألم بقلبك، حتى القلب ميت، أين إيمانك يا عبد الله؟ أين إيمانك يا أمة الله؟
نحذر أيها الأحبة، نحذر من قضية: تبلد الإحساس. هناك من يقول، سمعنا بعض الدعوات تقول لك: الإنكار باليد يكون لولي الأمر، والإنكار باللسان يكون للعلماء وكذا، والإنكار بالقلب هذا لعامة الناس. كلام فاضي، من قال هذا الكلام؟ من أين جئتم بهذا الكلام؟ النبي ﷺ قال: «من رأى منكم منكرًا...»، كلام عام للأمة، لا تقل لي ولي أمر، ولا العلماء، ولا طلبة العلم، لا، الكلام للأمة: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». إذا كان آمن الفتنة وآمن عدم أن يكون المنكر أكبر، وعنده قدرة على ذلك وما يترتب عليه مفسدة أكبر.
انتهينا، قد خلاص، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يستشري في دمائنا، ليكن أمرك بالمعروف ولا يكن نهيك عن المنكر بالمنكر. هذه إقامة لدين الله، ولشريعة الله، وللكتاب والسنة. هذه الميزة: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].
أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يجعلنا ميسرين ولا يجعلنا معسرين، وأن يجعلنا مبشرين ولا يجعلنا منفرين. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً يأتيك ميسورًا بأي مكان.
د. موفق كدسة الغامدي