دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 8 - حديث: (إن الله تجاوز عن أمتي...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلًا يأتيك ميسورًا بأي مكان، زادٌ وزاد، والسنة بالعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعًا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء، ولقاء يتجدد.

أكاديمية زاد، الأكاديمية المباركة في العلم الشرعي، ومع مادة الحديث الشريف اليوم، لقاؤنا مع الحديث السابع، حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» [رواه أحمد وابن ماجه وصححه الألباني].

أما راوي الحديث فهو أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري رضي الله عنه وأرضاه، قيل إنه رابع من دخل في الإسلام، وقيل الخامس. قدم أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فأسلم، ثم رجع إلى قومه وعاد بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. توفي أبو ذر في الربذة سنة اثنين وثلاثين من الهجرة، وصلى عليه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. النفر الذين شهدوا موته رضي الله عنه من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.

أما شرح المفردات ومعاني الكلمات، فقوله: "تجاوز" أي عفى ورفع. وقوله: "أمتي" أي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم أمتان: أمة دعوة وأمة إجابة. أمة النبي تنقسم قسمين؛ أمة الدعوة: جميع البشر من مسلم وكافر، وهم كل إنس وجني من وقت بعثته عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة. وأمة الإجابة: الذين وفقهم الله للدخول في دينه الحنيف وصاروا من المسلمين. والمراد من الأمة في هذا الحديث أمة الإجابة.

قوله: "الخطأ" بمعنى أن يرتكب الإنسان العمل من غير عمد. والنسيان: ذهول القلب عن شيء معلوم من قبل، وهذا نسيان الإنسان يفعله وهو غير منتبه، كأن ينسى أن هذا حرام. وقوله: "ما استكرهوا عليه" أي الإكراه، وهو الإرغام والاضطرار على قول أو فعل.

أحبتي في الله، قبل أن ندخل في زوايا هذا الحديث، أولًا أن نتعرف على عظمة هذا الدين الذي يتوافق مع النفس البشرية، ويتوافق مع هذا الإنسان المخلوق الضعيف. وما سمي القلب إلا لأن الإنسان ينسى، ولا الإنسان إلا لأنه ينسى، ولا القلب إلا لأنه يتقلب. وبالتالي أيها الأحبة، الإنسان ضعيف بطبعه، ينسى ويذهل ويخطئ، وتمر عليه حالات كثيرة.

الله سبحانه وتعالى من رحمته بهذا الخلق وبالبشر مثل هذه الأمور، لأن الله رحيم بعباده ورحيم بخلقه، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147]. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: 15-17].

لكن رحمة الله سبحانه وتعالى ليس لها حدود، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]. والله سبحانه يقول: "إن رحمتي تسبق غضبي". ولذلك من رحمة الله سبحانه وتعالى بنا وبالخلق مثل هذه النصوص الشرعية. أيها الأحبة، من منا لا يخطئ؟ من منا لا ينسى؟ من منا يمكن أن يسلم من هذه الأمور؟ كم من واحد منا قد أجبر على شيء هو لا يريده، إذًا هل يكون حكمه وحكم الذي يفعله قاصدًا متعمدًا واحدًا أبدًا؟

هنا عظمة هذا الدين، لذلك جاء في النصوص الله عز وجل: "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، كما في حديث مسلم، قال: "قد فعلت". وربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]، وقوله سبحانه: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: 106].

إذًا أحبتي في الله، الإنسان ضعيف قد تمر به هذه العوارض، ولذلك هل يؤاخذ بها؟ من رحمة الله له رفع، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان»، وأيضًا في حديث يقول صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان». بالتالي هنا عظمة هذا الدين أيها الأحبة، الذي ليس فيه تشديد وليس فيه شدة على أتباعه، بل إن الأصل فيه رفع المشقة والعنت، والمشقة تجلب التيسير، والأمر إذا ضاق اتسع، "لا ضرر ولا ضرار"، كل هذه من قواعد الدين العظيمة التي يقوم عليها هذا الدين.

أيضًا سهولة هذا الدين، هذا الدين سهل يا أحبتي، ما فيه مشقة، سهل، هذا الدين متين؛ فاوغلوا فيه برفق، "اسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا". ذكر الصحابي الذي احتلم وكان به شجة في رأسه، احتلم الرجل في الصباح يقول: يا أصحابي احتلمت، هل تجدون لي رخصة؟ قال: "ما دمت تجد الماء فلا رخصة لك". ورجل مشجون شجة كبيرة في رأسه فاغتسل بالماء فتورم جرحه فمات بسببه، ماذا قال صلى الله عليه وسلم؟ قال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا؟ فإن شفاء العي السؤال».

ديننا يا أحبابي دين الرحمة واليسر، أما الشدة والتشدد والتنطع فما أنزل الله به من سلطان. أحبتي في الله، هذا الحديث مظهر من مظاهر رحمة الله، واسم الله الرحمن الرحيم؛ الرحمن هو الذي رحمته وسعت كل شيء، والرحيم هو الرحيم بعباده المؤمنين ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43]. الرحمن رحمن الدنيا، والرحيم رحيم الآخرة، الرحمن دائم المغفرة، والرحيم واسع المغفرة. هذا النص إنما هو مظهر من مظاهر صفة الله الرحمة.

تجاوز عن أمتي الخطأ وإن كان فاحشًا ما دام أخطأ، والله سبحانه وتعالى لا يعاقبه، يا أخي أخطأ خطأ كبير وإن كان خطأ، اسمه خطأ، أو فعل ذلك نسيانًا أو مكرهاً، فالله سبحانه وتعالى أرحم بنا من أنفسنا. فاصبروا أيها الأحبة، ثم نعود إليكم إن شاء الله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: "إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك".

ومن أهمية الوقت أن الله تعالى أقسم به في كتابه فقال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة. قال النبي ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يسأل العبد عن عمره فيما أفناه».

وإذا أراد الله بالعبد خيراً أعانه على الوقت، وإذا أراد به شراً جعل وقته عليه. وفي سيرته أروع الأمثلة على استغلال الوقت، فقد كان داود الطائي يصطف الفتيت ويقول: «بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية».

قال ابن القيم: «أعرف من أصابه مرض وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب وضعه». ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتأخير آفات، ولأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها.

ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات؛ فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت، فإن رسول الله ﷺ قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

وما زلنا مع حديث رسول الله ﷺ: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». أحبتي في الله، من الفوائد التي نخرج بها من هذا الحديث أن هذا الحديث مظهر من مظاهر رحمة الله سبحانه وتعالى، عز وجل يقول: «إن رحمتي سبقت غضبي»، ورحمته وسعت كل شيء.

لما ننظر في التشريع الإسلامي نجد سبحان الله كيف أن الله سبحانه وتعالى وضع لنا أموراً مساعدة لنا في حياتنا، أموراً مساعدة لنا في ثباتنا، وأموراً مساعدة لنا في أن نجني أكثر الحسنات وأن نبتعد عن أكثر السيئات، من ذلك هذا الحديث: «تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». من منا لا يخطئ؟ لا أحد منا لا ينسى؟

أيضاً الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. هذا دلالة على رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده؛ الخطأ، والنسيان، وعدم التكليف بما هو فوق الطاقة. بل من فضل الله علينا أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين، إلى سبعمئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة من فضل الله علينا.

وكذلك من رحمته بنا أن الله سبحانه وتعالى إذا تاب الإنسان له: ﴿فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. إذاً نحن محاطون بعظيم من الأعذار من الله سبحانه وتعالى، وفي الحديث: «أحب العذر إلى الله العذر». الله سبحانه وتعالى كريم ورحيم ولطيف وحليم وقريب وغني.

كل هذه أيها الأحبة الصفات وهذه الأسماء تعطيك أماناً مع رب العالمين سبحانه جل في علاه. وإن المقصد من هذه الأوامر والنواهي إنما هو حفظ الضروريات الخمس، لتسود الحياة الآمنة المطمئنة في النفس، وفي الأسرة، وفي المجتمع، وفي الأمة، وفي الكون.

المقصد من الشريعة وأوامرها ونواهيها وزواجرها وترغيبها وترهيبها إنما هو للحياة الطيبة للناس وللأمة، وبالتالي لابد أن نزرع في قلوب الناس، وفي خاصة قلوب الأبناء والبنات الصغار، أن الله سبحانه وتعالى رحيم لطيف.

بعض الناس حينما يتكلم عن الله سبحانه وتعالى ويصف الله، يدخلهم النار، الله سيعذبك، الله سيفعل فيك كذا، فما يعرف الطفل أو الشاب الصغير إلا وجه القوة والعذاب من رب العالمين. يا إخواني، الجنة لها صفاتها وأعمالها، والنار كذلك لها صفاتها وأعمالها، لكن يجب علينا وجوباً في البداية أن نضع حب الله في قلوب الأبناء والبنات والناس والعوام.

بدل أن نضع أن الله يغضب وأن الله يعذب وأن الله عنده نار تلظى وأن الله عنده زبانية يعذبون الناس -وصحيح هذا موجود ولا نكابر فيه- لكن الأصل أن نبين لهم عظمة الله، وكبرياء الله، وصفات الله، ورحمة الله بعباده، ومحبة الله لعباده، ولطف الله، وفرح الله بتوبة عبده.

أعطهم هذه المعاني الإيجابية حتى يتعلقوا بالله حباً وشوقاً وانقياداً أكثر مما يتعلقوا بالله خوفاً. الخوف لازم يكون موجوداً، لكن يجب أن يكون هناك أيضاً الحب، والرجاء مقدم في الحياة أيها الأحبة حتى لا يكون هناك شيء من الغلو في جانب من الجوانب؛ لذلك النبي ﷺ دائماً يقول: «بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا».

هذه الأمور ما هي إلا من مظاهر رحمة الله. لذلك حينما نربي أبناءنا وبناتنا، نربيهم على أن الله عز وجل لطيف بعباده، رحيم بعباده، يحب عباده، يفرح بهم وبتوبتهم، يحب أن يعطيهم الجنة وما فيها. ولكن انتبه، إذا أخطأت قد يعاقبك الله سبحانه وتعالى، ونبين لهم كلام النبي ﷺ: «اعملوا فإن كل ميسر لما خلق له»، واعلموا أنكم لن تدخلوا الجنة بأعمالكم. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته».

كل هذا يعطي أبعاداً أخرى في نفوس الأبناء والبنات وفي نفوس الناس، بحيث يشتاقون إلى الله وإلى لقاء الله سبحانه وتعالى. وهذا الذي نريده؛ أن الإنسان حينما يتعامل مع ربه يتعامل معه بمبدأ الحب والرجاء، ثم الخوف بعد ذلك، فلا يكون هناك إفراط ولا تفريط، ويكون له أثر عظيم جداً على حياته.

إذا عندنا قضية الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، عمار بن ياسر رضي الله عنه وأرضاه، يأتي إلى النبي ﷺ وهو يبكي، فيقول: يا رسول الله! ما بك يا عمار؟ قال: «ما زالوا بي حتى قلت الذي أكره في ربي».

عمار بن ياسر وأمه سمية وأبوه ياسر تعرضوا لعذاب شديد جداً، فسمية أول شهيدة في الإسلام رضي الله عنها وأرضاها. يمر عليهم النبي ﷺ يقول: «صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». ويقول عن عمار: «تقتلك الفئة الباغية». لكن انظروا لما جاء إلى الرسول ﷺ يبكي، عُذب عذاباً شديداً جداً حتى وصل إلى أنه تكلم في ذات الله عز وجل بكلام يكرهه حتى يتخلص من عذابه، فظن أنه هلك، فذهب إلى حبيبنا وقدوتنا ﷺ الرحمة المهداة وهو يبكي ويقول: «يا رسول الله، ما زالوا بي حتى قلت الذي أكره في ربي». فكيف هذا؟ وكيف قلبك؟

قال: «على ما تحب يا رسول الله؟». قال: «فإن عادوا فعدوا». الله أكبر، فإن عادوا فعدوا، ما دام الإنسان قلبه مطمئن بالإيمان.

أيها الأحبة، الحكم نقول: إن الإنسان لا يبادر بما يكره، أن يقول بما يكره، أو أن يقول بما يريده منه عدوه، لا. لكن إذا وصلت القضية إلى أنه سيعذب يقيناً، لا بأس، ما دام القلب مطمئن بالإيمان. وهذا يعطينا شيئاً من العذر بالاستكراه، أو يمكن الإنسان أن يعمل معاريض، يعرض بالكلام من استطاع، وهذا أولى. لكن وقع عمار في شيء لا يوصف من العذاب والشدة، حتى وصل إلى أنه تكلم في ذات الله سبحانه وتعالى وهو معذور، ولذلك جاء هنا الإعذار: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». هذا من الإكراه.

لذلك أحبتي في الله، عظمة هذا الدين أنه لن يشاده أحد إلا غلبه، وقد مر هناك علماء من الأمة تعرضوا للسيف فأنقذوا أنفسهم بشيء من هذا القبيل حتى لا يقتلوا ولا تراق دماؤهم. والإنسان إذا كان عنده قدرة وما فعل ذلك قد يؤاخذ من رب العالمين سبحانه جل في علاه. فإذن أيها الأحبة، عظمة الدين وسهولة الدين، وإن هذا الدين كما قال صلى الله عليه وسلم متين، فيه رفق.

فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله، وصلى الله على محمد، والحمد لله رب العالمين. أفضل أيام الأسبوع هو يوم عيد للمسلمين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة». لذلك خصه الله بخصائص، منها صلاة الجمعة وهي فرض عين بلا خلاف، وتركها من أعظم المحرمات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ» أي تركهم الجمعات، «أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ».

وتجب الجمعة على المسلم بشروط، منها العقل والبلوغ فلا تجب على صبي، ولكنه يؤمر بها إذا بلغ سبعاً. ومنها الإقامة فلا تجب على مسافر إلا إذا أقام في بلد وقت صلاة الجمعة فتجب عليه. ومنها الصحة فلا تجب على مريض، ولا على مرافقه الذي لا يستطيع تركه. ومنها الذكورة فلا تجب على المرأة، ولكنها إذا حضرت الجمعة صحت منها وأجزأتها عن الظهر. ووقت الجمعة هو وقت الظهر، وهي ركعتان يجهر فيهما الإمام.

ومن أدرك الإمام قبل أن يرفع من ركوع الركعة الثانية فقد أدرك الجمعة، لكنه يضيف ركعة أخرى ويتمها ركعتين. ومن أدركه بعد الرفع من ركوع الركعة الثانية فقد فاتته الجمعة، فيدخل مع المصلين ثم يقضيها ظهراً أربع ركعات بعد سلام الإمام. ومن حضر إلى الجمعة متأخراً فلا يتخطى الرقاب، ولا يجلس حتى يصلي ركعتين. وإن كان الإمام يخطب، ومن قال لصاحبه يوم الجمعة انصت والإمام يخطب فقد لغى وفاتته أجر الجمعة، فبادر إلى الجمعة ولا يشغلنك عنها شاغل فيفوتك خير عظيم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: 9].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، أيها الأحبة، فما زلنا مع هذه التحفة النبوية الكريمة: «إن الله قد تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وقلت أيها الأحبة قبل الفاصل: من منا لا ينسى؟ من منا لا يخطئ؟ قد نمر بمواقف فيها استكراه وفيها إجبار، وبالتالي دين الله سبحانه وتعالى ليس خاضعاً لأحكام الناس واجتهاداتهم، الله سبحانه وتعالى أرحم بنا من أنفسنا.

ولذلك هذا مبدأ ينبغي للدعاة من خطباء والعلماء والأئمة أن ينشروه بين الناس، مبدأ الرحمة، وأن الله سبحانه وتعالى أرحم بنا من أنفسنا، وأن نتراحم نحن فيما بيننا. إذا كان الله سبحانه وتعالى يرحم عباده في أمور عظيمة جداً، فكيف لا نتراحم نحن فيما بيننا؟

اسمع، رجل كان في صحراء ومعه راحلته وعليها طعامه وشرابه، فانفلتت منه في الصحراء، فبحث عنها ما وجدها، فجاور عند شجرة، نام تحتها ينتظر الموت، فلما نام واستيقظ وإذا الراحلة واقفة عند رأسه، خلاص الحياة رجعت مرة ثانية، وقال من شدة الفرح: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك»، أخطأ من شدة الفرح. هل يتوقع إنسان يقول: اللهم أنت عبدي؟ لكن هذا وقع، كيف يا إخواني؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخطأ من شدة الفرح».

هل يؤاخذ بهذا؟ لا ما يؤاخذ، كان النبي ضرب هذا المثال لبيان فرح الله عز وجل بتوبة التائب، وأن الله أشد فرحاً من هذا الذي أخطأ، فوصف الله بأنه عبد ووصف نفسه بأنه رب، هذا خطأ لا يعاقب عليه الإنسان ولو كان فادحاً، كما سمعنا، لأن الله أرحم بنا من أنفسنا. والإنسان ضعيف، وربنا سبحانه وتعالى يقول: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم».

إذن أيها الأحبة، لا نشدد على الناس في حياتهم، بعض الناس قد يرى إنساناً يفعل فعلاً كفرياً فيكفره، طب يا أخي وتوقف، اسأل، يمكن إنسان جاهل، يمكن إنسان نسي، يمكن إنسان فعل ذلك غير متعمد، وهذا يعطينا أن الإنسان يتثبت قبل أن يصدر الأحكام، بعضنا سريع في إصدار الأحكام: فعل ذا هذا كافر، مرتد، حلال الدم، لا يا أخي، لابد من توفر الشروط وانتفاء الموانع.

أذكر كلمة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أرسل رسالة لأحد الزنادقة، فيقول: «لو قلت بكلامك أنا ابن تيمية، لو قلت بكلامك كفرت، إلا أني لا أكفرك»، ليش؟ قد يكون عنده مانع من موانع التكفير. وبالتالي أيها الأحبة، الإنسان يكون منضبطاً في أحكامه، لا نتسرع، لا نخرج الناس من الدين، لا نصدر الفتاوى والأحكام وننشرها بين الناس ونحن نجهل حال ذلك الشخص، كم من دماء أريقت وأعراض -والعياذ بالله- انتهكت وأموال والسبب تسرع في الحكم. لذلك أيها الأحبة الكارثة حينما نتعامل مع الناس كأننا رب الناس، الله عز وجل في عليائه، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، رحمتي وسعت كل شيء، ومع ذلك بعض الناس يتصدر ويبادر إلى التفسيق والتبديع والتكفير، ثم بعد ذلك قد يلحق التفجير والعياذ بالله، لا يا أحبابي، دين الإسلام يقوم على السماحة واليسر.

هذا أكبر دليل، هذا الحديث أكبر دليل: «تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». يا إخواني، واحد نسي صلاة، النبي ﷺ يقول: «إذا نام أحدكم عن صلاة أو نسيها فليذكرها فليصلها، إن ذكره لا كفارة لها إلا ذلك». مبدأ النسيان وارد، لا يأتيني أحد يقول: يا أخي تنسى الصلاة؟ ما تخاف الله؟ أنت وين إيمانك؟ أنا قد أنسى، والنبي ﷺ أثبت أن هناك نسيانًا.

نأخذ الناس بالعنت والشدة؟ إنسان جاء لآخر معه مسدس قال: طلق زوجتك وإلا ذبحتك! يا ابن الناس غير بدل، قالها الآن ما تطلب زوجتك، اذبحك يا أخي طلقها بالعشر لا بالثلاثة! العلاقة المكررة لا يقع يا أحبابي، لا يقع مستكرهًا، فإذا كان الكفر لا يقع، فمن باب أولى الطلاق لا يقع. إنسان أخطأ في حكم أو في صلاة أو في صوم، يا أخي خلاص أنت فعلت ذلك مخطئًا ما أنت متعمد، الله يغفر لك، اقضِ ما فاتك.

أحبتي في الله، هناك فرق بين فعل المحظور وترك الواجبات. فعل المحظور في حق الله سبحانه وتعالى خطأ أو نسيانًا أو مكرهاً، فالله سبحانه وتعالى لا يعاقب به، لا إثم عليه، هذا محظور في حق الله سبحانه وتعالى فعله الإنسان خطأً أو نسيانًا، فالله سبحانه وتعالى لا يعاقبه عليه. أما فعل الواجبات، فإنسان أخطأ في واجب أو نسي واجبًا، هنا ما دام فيه واجبات يمكن لك أن تقضيها.

نأتي إلى النسيان في حقوق الآدميين؛ حق الآدمي، أنا أخطأت على فلان. عندنا شيء اسمه قتل العمد، وقتل شبه العمد، وقتل الخطأ. فحين نتحدث عن قتل الخطأ، نجد أن حقوق الله سبحانه وتعالى يا أحبابي تقوم الأصل فيها على المسامحة، وحقوق العباد بينهم وبين بعضهم تقوم على المشاحة. فالله سبحانه وتعالى يغفر ويرحم، لكن حقوق الآدميين لا، أنا أخطأت على فلان أتحمل خطئي بما فيه من أحكام شرعية، مثلاً نسيت في أمر من الأمور وترتب على ذلك ضرر بالآخرين، أتحمل ذلك لأنه حق من حقوق الآدميين، وحقوق العباد تقوم على المشاحة؛ لك شيء خذه لي، شيء آخذه.

أما حق الله عز وجل على العباد فلا يقوم على المشاحة بل على المسامحة؛ ربنا ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، و﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286]، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286]. ربنا عز وجل يقول: قد فعلت، قد فعلت. هذا ربنا يا إخوان، هذا إلهنا، هذا خالقنا، هذا من نحبه ويحبنا، ولذلك علينا أن نتعامل مع الله بهذه المشاعر؛ أن تحب الله عز وجل محبة تقودك إليه انقيادًا، تجعلك دائمًا سباقًا إلى ما يحبه الله ويرضاه، بعيدًا عن كل ما يسخط الله ولا يرضاه.

هل حب هذا هو الحقيقي؟ الحب الذي يقودك للعمل والمتابعة لرسولك ﷺ، الحب الذي يجعلك دائمًا مستشعرًا لمعية الله وقرب الله وعلم الله ونظر الله إليك وسمع الله لك. أحبتي في الله، الله سبحانه وتعالى ليس القصد من خلقنا أن يعذبنا، والله إنما خلقنا ليرحمنا، ولكن مع الأسف بعض الناس لا يريد أن يتعرض لهذه النفحات وهذه الرحمات. والنبي ﷺ يقول: «عجبت لأقوام يقادون إلى الجنة بالسلاسل». الله يقول ادخل الجنة، فيقول: ما أبغى أدخل الجنة، فيسحب إلى الجنة بالسلاسل. كم هو عظيم سبحانه، وكم هو رحيم سبحانه، وكم هو لطيف سبحانه، وكم هو غني سبحانه، عظيم قادر حي قيوم.

كم نحن فينا من تقصير أيها الأحبة، ومع ذلك ربنا عز وجل إن عدت إليه قبلك. قيل إن رجلًا من بني إسرائيل عبد الله أربعين سنة ثم عصى الله أربعين سنة، ثم نظر في المرآة وقد خط الشيب في لحيته، فكان يقول لنفسه: يا رب لو عدت؟ سمع هاتفًا يقول: أطعتنا أربعين فقربناك، وعصيتنا أربعين فأمهلناك، وإن عدت لنا قبلناك. هذه من الإسرائيليات لكن معناها صحيح إن شاء الله.

أسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وجوده وفضله وكرمه أن يجعلنا جميعًا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يجعلنا ميسرين ولا يجعلنا معسرين، وأن يجعلنا مبشرين ولا يجعلنا منفرين. اللهم اغفر لآبائنا وارحم أمهاتنا، وأصلح نياتنا وذرياتنا، اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً...