يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً، والسنة للعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء، ولقاء يتجدد مع هذه الأكاديمية المباركة، أكاديمية زاد، ومع مادة الحديث الشريف. اليوم بإذن الله تعالى معنا حديث آخر، ألا وهو الحديث الثامن، حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه، يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أنه «لا ضرر ولا ضرار». أخرجه الإمام أحمد ومالك في الموطأ وصححه الشيخ الألباني رحمة الله عليه.
أما راوي الحديث فهو عبادة بن الصامت بن قيس الخزرجي الأنصاري، شهد بيعة العقبة الأولى والثانية، وكان نقيباً على قوافل بني عوف بن الخزرج، آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه وأرضاه، وشهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتوفي سنة أربع وثلاثين من الهجرة، ودفن بالقدس رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.
نقف أحبتي في الله مع معاني المفردات وشرح الكلمات. قوله: «لا ضرر ولا ضرار»، قال: الضرر خلاف النفع، وقد اختلف في معنى هذا الحديث كثيراً، وهنا الخلاف خلاف تنوع. فقيل: لا ضرر ابتداءً ولا ضرر جزاءً ومقابلة، يعني أن الإنسان لا يبتدئ بالضرر ولا يرد بالضرر، وهذا معنى وكله صحيح. وقيل: المراد أن الإنسان لا يجوز له أن يضر بنفسه ولا يضر بغيره. وقيل أيضاً: إن نفي الضرر قصد به عدم وجود الضرر فيما شرعه الله سبحانه وتعالى لعباده من الأحكام، فكل الأحكام الشرعية تقوم على النفع ليس فيها ضرر، ونفي الضرار أريد به نهي المؤمنين عن إحداث الضرر أو فعله. وقيل: الضرر ما كان من غير قصد، والضرار ما كان بقصد. وكما قلت لكم أيها الأحبة، كل هذه المعاني سائغة وكلها مقبولة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم بأبي وأمي ونفسه وصلى الله عليه وسلم.
أحبتي في الله، كما قال الشارح: هذا الحديث هو عبارة عن قاعدة من القواعد العظيمة في الشريعة الإسلامية، فإن الفقه الإسلامي يقوم على خمس قواعد رئيسة. القاعدة الأولى: اليقين لا يزول بالشك. والقاعدة الثانية: الضرر يزال، مأخوذ من هذا الحديث. والقاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير. والقاعدة الرابعة: العادة محكمة، أو العادة معتبرة. والقاعدة الخامسة: الأمور بمقاصدها، وهي قاعدة سد الذرائع. هذه خمس قواعد رئيسة يقوم عليها الفقه الإسلامي، أجمع عليها أهل العلم. معنا اليوم هذا الحديث المبارك أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أنه «لا ضرر ولا ضرار»، وكما سمعنا هذا الحديث يحكم تعامل الأمة كلها مع بعضهم البعض، يحكم تعامل الفرد مع نفسه، ويحكم تعامل الفرد مع أسرته؛ الرجل مع زوجته، والأب مع أبنائه، والأخ مع إخوانه، والقريب مع أقربائه، ويحكم تعامل الجار مع جيرانه.
كل هذا التعامل الذي يكون بين الفرد والأسرة والمجتمع والأمة يقوم على قاعدة «لا ضرر ولا ضرار». الله أكبر، كم أوتي النبي صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم! يضبط تعامل الأمة قاطبة بهذه الكلمات اليسيرات. بمعنى أن الإنسان في هذه الدنيا يجب أن يكون متقياً لله سبحانه وتعالى في نفسه وفي أسرته وفي أقربائه وفي جيرانه وفي أصدقائه وزملائه؛ أن يصبح المجتمع ينتشر بينه خلق التقوى والمراقبة لله، وأن يتعاملوا مع الله قبل أن يتعاملوا مع أنفسهم.
نعم أيها الأحبة، المجتمعات المسلمة بما ترزح تحته من ظلم وتعدٍ؛ أعجبني هنا الشارح وفقه الله حينما بين بعض الوجوه في هذا الحديث المبارك، قال: والظلم يرجع إلى أحد أمرين؛ إما تفويت مصلحة أو إيقاع مضرة. تفويت المصلحة على أخيك المسلم هذا ما يجوز، أو إيقاع مضرة على أخيك المسلم هذا ما يجوز. المسلم يكون دائماً مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، هكذا الأمة الإسلامية؛ أمة سلام، أمة بر، أمة معروف، أمة خير، ليست أمة شر ولا بلاء ولا انتقام ولا وقوع في أعراض بعضهم البعض. لا، أبداً، «لا ضرر ولا ضرار»، هذا المبدأ وهذه القاعدة تحكم المجتمع الإسلامي من أدنى القاعدة إلى أعلى الهرم.
ما زلنا مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى «لا ضرر ولا ضرار». وكما قلت لكم قبل الفاصل، الشارح جزاه الله خيراً وفقه الله ذكر بعض النماذج فقط التي يشير إليها الحديث، وإلا لو دخلنا في تفصيلات الحديث لخرجنا بكثير من الفوائد. لا ضرر ولا ضرار، بمعنى أنه قد يرتكب الإنسان المضرة الأدنى حتى يتلافى المضرة الأعلى، وبعض الأوقات قد يرتكب الإنسان مفسدة صغرى لدفع مفسدة كبرى. إذاً، هذا الحديث فيه فقه عظيم جداً. قال الشارح: لا يجوز إلحاق الأذى بالناس، بل يجب على المسلم أن يمنع ضرره وأذاه عن جميع الخلق من جميع الوجوه.
وهذه كارثة أن الإنسان يتعدى على إخوانه ويتعدى على من هم تحت يده. وكم جاء في الشرع الحنيف من أدلة كلها حول هذا الموضوع، أن الإنسان حتى من كان تحت يدك لا يجوز لك أن تتعدى عليه أو أن تظلمه. النبي صلى الله عليه وسلم مر على معاوية بن الحكم، وكان عنده عبد يجلده أو يضربه لأنه أخطأ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود»، فلم أتبين الصوت من شدة الغضب، فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «اعلم أبا مسعود، إن الله أقدر عليك منك عليه، اعلم أبا مسعود، إن الله أقدر عليك منك عليه». فقال معاوية بن الحكم: يا رسول الله، هذه الكلمة نزلت علي نزولاً عظيماً، قلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله، وقال صلى الله عليه وسلم: «لو لم تفعل ذلك لخشيت أن تمسك النار، أو أن تلفحك النار».
الله أكبر، انظر هذا مولى عبد عنده، وحينما ضربه النبي صلى الله عليه وسلم ذكره أن الله أقدر عليه منه عليه، فكان من توفيق الله لهذا الصحابي الجليل أنه أعتقه لوجه الله، قال: «لو لم تفعل لخشيت أن تلفحك النار أو أن تمسك النار». هذا في شيء تحت يدك، هذا شيء ملكك، فكيف بمن يتعدى على الآخرين؟ بمن يتعدى على أموال الناس، وأسوأ من ذلك من يتعدى على أعراض الناس، من يتعدى على حقوق الناس وعلى دماء الناس؟ أين تذهب من الله سبحانه وتعالى؟
ولا أخفيكم أيها الأحبة، كثير من الناس يتصرف تصرفات رعناء فيها اندفاع ما فيها حكمة ولا فيها علم، وبالتالي يفسد أكثر مما يصلح، ثم بعد ذلك يريد وجه الله. طب كيف تريد وجه الله وأنت بعيد عن كل هذه الأمور التي ذكرناها؟ الإنسان يطلب العلم ويتعلم ويجاهد نفسه، ويجلس مع الطيبين ومع الصالحين ومع العلماء، ويأخذ منهم حتى تنضبط أفعاله وسلوكه وردات فعله، حتى يعيش في الحياة حياة سعيدة مطمئنة مباركة، حياة طيبة كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]، يبتعد عن كل ما يؤدي به إلى غضب الله سبحانه وتعالى.
لذلك العلم أيها الأحبة يضبط أفعالنا وسلوكنا وردات أفعالنا. مهم جداً؛ يعني هذا يتعدى على فلان فيكذب عليه أو يغتابه أو ينم عنه أو يتهمه في نفسه أو في ماله أو في أمانته. تجد أن المجتمع الآن مع الأسف يشتكي من قضية الظلم؛ الظلم الذي يقع من الأفراد ومن الناس ومن الكبار ومن الصغار، كارثة. الله سبحانه وتعالى حرم الظلم على نفسه، كيف نرضاه نحن لأنفسنا؟ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40]، ويقول في الحديث القدسي: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا».
إذا كان الله سبحانه وتعالى ملك الملوك الذي خلق الخلق كلهم ومع ذلك يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، كيف يستجرئ الواحد منا أن يظلم؟ أن تظلم أخاك المسلم، أن تظلم جارك، أن تظلم أحداً من الناس! بل والله حتى لا يجوز ظلم البهائم والعجماوات ما يجوز ظلمها؛ دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض. لذلك ينبغي أن يكون عند الإنسان بعد نظر ونظرة واسعة وشاملة؛ ديننا دين المعروف، ديننا دين البر، ديننا دين البركة والخير. لذلك على الإنسان أن يسعى دائماً وأبداً إلى أن يكون عنصراً إيجابياً في المجتمع، عنصراً يبذل للناس الخير، يفتح للناس الخير، مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر. هذا الذي نريده، مع الأسف بعض الناس يظن أن الدين هو فقط عبادة محضة بينك وبين الله؛ تصلي وتصوم وتزكي وتقرأ قرآن وتذكر الله سبحانه وتعالى وتعتمر وتحج. الدين أشمل من هذا كله؛ الدين بينك وبين الله، والدين بينك وبين الناس، والدين بينك وبين نفسك، وأقرب الناس بمعروفك هم من حولك.
لذلك تأتينا بعض الشكاوى؛ والله فلان يصلي ويصوم! أذكر أحد الإخوة يقول لي قبل فترة: أحد العوام طلب مني رشوة، واتفق أن تكون هذه في ليلة رمضان، فالتقيت به في أحد الأماكن يريد أن يقول لنا أن نكفي شره، وأعطيته الرشوة، ثم قلت له: تفضل معنا، قال: لا والله، أريد أن ألحق صلاة التراويح! بهذا المنطق هذا الرجل العامي يجبرني على الرشوة ويأخذها وأقول تفضل معي، قال: أريد أن أؤدي الحسنات في صلاة التراويح. إذاً، هنا كارثة؛ هنا انفصال بين العلم وأثره في الحياة، بين الدين وبين الأثر في الحياة.
لا يا أخي الكريم؛ أنت لأنك تصلي وتصوم وتعمل الصالحات والطاعات، لابد أن يكون لها أثر في حياتك، في سلوكك، في معاملاتك، في أخذك، في عطائك؛ لا ضرر ولا ضرار. إذا أنت تتقي الله سبحانه وتعالى، وتخاف من الله، وتخشى الله سبحانه وتعالى، ينبغي أن يكون هذا الدين له أثر عليك. ما أنا أصلي وأصوم وأقرأ قرآن وأنظر فيما حرم الله وآكل حقوق الناس وأظلم الناس وأتعدى عليهم وأضر بهم! فأين الدين؟ لذلك أحبتي في الله نريد من ديننا أن يكون له أثر على أخلاقنا، على سلوكنا، على تعاملنا. القضية ليست فقط اركع واسجد واقرأ قرآن وقم الليل واذكر الله، ثم ماذا؟ ثم ماذا؟ لا ضرر ولا ضرار قضية جوهرية في حياة كل مسلم ومسلمة.
توقف أيها الأحبة، ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذنه تعالى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين. هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم؛ إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ [التوبة: 71]. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بألا تريد به إلا وجه الله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11]. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف.
قال أبو داوود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين، لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها؛ كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو الجاه والشهرة، أو المراء والجدل؛ فإن ذلك يفسد العمل. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أسأل الله عز وجل أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء. وما زلنا مع الحديث الثامن أيها الأحبة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى: «لا ضرر ولا ضرار».
كما قلت قبل الفاصل أيها الأحبة، ينبغي أن يكون الدين الذي تتمثل به في حياتنا ونطبقه في حياتنا أن يكون له أثر على السلوك، على الأخذ والعطاء، البيع والشراء، على المعاملة، على أثرنا في المجتمع؛ لا ضرر غير مقصود، ولا ضرار مقصود. حتى في أمورك الخاصة، الإسلام ضبطنا أن لا نفعل في أمورنا ما قد يضر بالآخرين بالمجتمع، أبداً. هذا مجتمع واحد متكاتف؛ بالتالي يجي بعض الناس يقول لك: يا أخي هذا مالي، هذا ملكي، أنا أفعل به ما أشاء. لا، معليش، لك أنت حرية، ولكن حريتك منضبطة بالشرع، ولا يجوز لك أن تعمل في مالك أو في ملكك ما يضر بالآخرين، هذا دين الله عز وجل.
لذلك أحبتي في الله، أعود فأقول: إن دين الإنسان، ارتباطه بالله، تطبيقه لأمر الله وشرع الله، لا بد أن يكون له أثر عظيم جداً على السلوك. إنسان يصلي ويصوم ويقرأ القرآن ويعتمر ويحج وهو مثلاً يرتشي، يسرق مثلاً، يشهد زور، يضر بالآخرين، ينظر فيما حرم الله، يتعامل فيما حرم الله؛ انتبه، أين دينك؟ أين تقواك؟ أين خشية الله في قلبك؟ انتبه، لا ضرر ولا ضرار.
دعونا ندخل في بعض الأمور في ثنايا الموضوع، قضية الإضرار بالزوجة مثلاً، وهذا مع الأسف يعني نسمع كثيراً من القضايا: يا أخي زوجتي أفعل بها ما أشاء! يا أخي إن مكنك الله من هذه المرأة يجب عليك أن تعيش معها بالمعروف، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. بعض الناس يظن أن الزوجة إذا تزوجها خلاص أصبحت أمة عنده، أمة تفعل ما يشاء: قومي، اجلسي، اذهبي، تعالي، ما كذا وكذا! ربما يضرب، ثم ربما يسب، ربما يشتم، ربما يلطم؛ أين دين الله عز وجل؟ لا ينبغي أن نحرص أيها الأحبة، حتى في ملكك الذي لك أنت، لا يجوز لك أن تتصرف تصرفاً يضر بالآخرين أبداً، ما يجوز لك ذلك، لا ضرر ولا ضرار، وربما ولي الأمر أو الحاكم والقاضي ربما يجبرك على أمور لتمنعك من إلحاق الضرر بالآخرين، هذا من حقه. إن ديننا يقوم على النفع للناس، عدم إلحاق الضرر بالآخرين.
تعالوا نقرأ بعض ما ذكر الشارع وفقه الله، قال: يدخل في الضرر المحرم التدليس، وهو الغش في المعاملات، العيوب فيها، المكر والخداع، والنجش، وبيع المسلم على بيع أخيه والشراء على شرائه والخطبة على خطبته، كل هذا من إدخال الضرر على الناس، والإسلام ينهى عن ذلك. ويدخل في ذلك مضارة الشريك لشريكه، والجار لجاره بقول أو فعل؛ لا، شريكك ما يجوز لك أن تفعل شيئاً لتضره، وجارك لا يجوز لك أن تفعل شيئاً لتضره، المسلم ليس هكذا.
قال: ويدخل في ذلك إضرار الزوج بزوجته أو الزوجة بزوجها، هذا من الضرر الذي لا يجوز، والمعلم بطلابه، والمدير بموظفيه. انتبه، أنت معلم ينبغي أن تتقي الله في طلابك، أنت مدير ينبغي أن تتقي الله في مرؤوسيك موظفيك الذين هم تحتك، هذه من الأمانة، هذا من الدين، ومن عدم الظلم. ويدخل في ذلك الوقيعة في الناس عند الولاة والأمراء ليغريهم بعقوبة وإلحاق الضرر بهم، هذه كارثة أيضاً. بعض الناس قد يكون قريباً من الأمير أو من ولي الأمر أو من القاضي أو من مسؤول كبير فيبدأ ينتقم من فلان ويقرب فلاناً، لا، ما يجوز هذا.
وهذه قضية لا بد أن يعيها كل مسلم، وأن دوام الحال من المحال، أنه بعض الناس قد يعطيه الله منصباً أو مكانة ثم يضر بالناس؛ انتبه، صدقني كما تدين تدان والجزاء من جنس العمل، ما ينتبه إلا بعد فوات الأمور. كذلك يدخل في ذلك ترويع المسلم ولو على وجه المباح، ترويع المسلم ما يجوز. وبعض الناس الآن مع الأسف بلينا ببعض وسائل التواصل الاجتماعي "السوشيال ميديا" كما يسمونها، وكل واحد يريد أن يكون أكبر متابعين عنده، فيأتي بأفعال أو تصرفات أو مواقف ويصورها وينشرها بين الناس من أجل كسب أكثر عدد من المتابعين، ويدخل في ذلك أذية الناس، ويدخل في ذلك إفزاع الناس وإرعاب الناس، حتى ولو كان على سبيل المزاح، لا يجوز هذا. ترويع المسلم لا يجوز، وكم رأينا وسمعنا من يفعل هذا بالناس ويصورون يقول لك: الكاميرا الخفية، لا موقف طريف كذا، كلام فاضي. المسلم لا بد أن ينتبه لنفسه.
إذن يدخل في ذلك كما قال الشارح: ترويع المسلم ولو على وجه المزاح. مع الأسف، أصبح كثير من شبابنا الآن لدينا في السوشيال ميديا يتصنعون ما عند الغرب ويقلدونه في كل صغيرة وكبيرة من أجل التصوير، ومن أجل "السنابات"، ومن أجل كلام فاضي لا يودي ولا يجيب، ضياع وقت، هدر أموال، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال أيضاً: يدخل في ذلك السخرية من الخلق، والاستهزاء بهم، والوقيعة في أعراضهم، والتحريش بينهم؛ هذا أيضاً كارثة، التحريش بين الأسر، الجيران، بين القبائل، وجود النعرات والعصبيات القبلية والاجتماعية أيضاً كارثة فعلاً، ربما تؤجج النفوس والصدور وتوغر الصدور بأمور تافهة جداً؛ بني فلان وبني فلان، وآل فلان وآل فلان، وتصبح بعد ذلك نوعاً من الحمية والعصبية والقبلية، وربما بعد ذلك يحدث فيها شيء من الأضرار والقتل بعض الأوقات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إذاً هذه كلها أمور ينبغي أن ننتبه لها، ولذلك متى ما وجد مصدر الضرر والإضرار، وجب على ولي الأمر أن يزيله، وجب على المسؤول أن يمنعه، وجب على رب البيت مثلاً -إن كانت القضية في داخل البيوت- أن يزيل هذا الأمر. أحبتي في الله، ديننا دين عظيم. الآن سؤال: انتشار المخدرات بأنواعها وأشكالها، لماذا؟ ولاة الأمور ينبغي أن يقفوا بقوة أمام هذا الموضوع؛ فيه إفساد كبير جداً. ولذلك نحمد الله سبحانه وتعالى عندنا في بلدنا هنا قضية أنه المهرب يحكم عليه بالإعدام، والمروج للمرة الثانية يحكم عليه بالإعدام؛ لماذا؟ لحفظ الناس، لحفظ الضرورات الخمس: حفظ أعراض الناس، عقول الناس، أموال الناس، دين الناس، أنساب الناس، كل هذا من باب الحفظ على المجتمع وعلى ما فيه من ترابط.
إذاً أحبتي في الله، حديث نبينا صلى الله عليه وسلم «لا ضرر ولا ضرار»، كما قلت لكم، من الأحاديث الجامعة المانعة التي يدخل فيها صلاح الفرد والأسرة والمجتمع والأمة. كل مشكلة تقع في المجتمعات الإسلامية صدقوني سببها عدم التحاكم إلى هذا الحديث، لو أن كل مسلم ومسلمة يطبق حديث «لا ضرر ولا ضرار»، والله ما رأينا مشكلة واحدة بين الرجل وأهله، والجار وجاره، والمسلم والمسلم، والمجتمع والمجتمع والأمة، أبداً ما نجد؛ لأنه متى ما وجد الضرر فإن المسلم سيبتعد عنه، خلاص انتهت القضية. وصلنا إلى نهاية لقائنا أيها الأحبة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. هذا وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي