دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 10 - حديث: (البينة على من ادعى...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً والسنة للعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم في لقاء يتجدد مع أكاديمية زاد، هذه الأكاديمية المباركة في هذه القناة المباركة، ومع مادة الحديث الشريف. اليوم أيها الأحبة معنا الحديث التاسع، ألا وهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر». رواه البيهقي بسند حسن، وبعضه في الصحيحين.

نتوقف مع راوي الحديث أيها الأحبة، فهو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، حبر الأمة وترجمان القرآن. أسلم صغيراً ولازم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الخلفاء يجلونه، وكف بصره في آخر حياته، وكان يجلس للعلم؛ فيجعل يوماً للفقه، ويوماً للتفسير، ويوماً للسير والمغازي، ويوماً للشعر، ويوماً لوقائع العرب. توفي بالطائف سنة ثمان وستين من الهجرة.

هذا الرجل أعجوبة، عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه، ويكفيه فخراً أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». وكان ربما نام مع النبي صلى الله عليه وسلم عند خالته زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وحقيقة كان كبار الصحابة يتعلمون منه التفسير والقرآن. توفي بالطائف رضي الله عنه وأرضاه، وهناك مسجد في الطائف كبير مسجد ابن عباس، الصحابي الجليل مدفون بجانب المسجد رضي الله عنه وأرضاه.

وقيل إن سكنه بالطائف كان خوفاً على نفسه من الذنوب والمعاصي في مكة، ترك السكن في مكة خوفاً من الذنوب والمعاصي؛ كان يذهب رحمه الله إلى أن الذنوب تتضاعف مثل ما الحسنات تتضاعف. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25]. قال العلماء: بل الإرادة ولو كان في آخر الدنيا، ولو كان في آخر مكان في الكرة الأرضية وأراد بمكة بالحرم سوءاً، فإن الله سبحانه وتعالى سيذيقه عذاباً أليماً.

نقف مع شرح المفردات؛ قوله: بدعواهم أي بادعائهم الشيء سواء كانت الدعوة بالحق أو بالباطل. وقوله: لادعى رجال، أي رجال لا يخافون الله تعالى، ويدخل في ذلك أيضاً النساء. البينة: كل ما يبين به الحق ويظهر من شهود وقرائن وغيره. قال: واليمين على من أنكر، أي اليمين تجب في جانب من أنكر الدعوة أو دعوى المدعي وهو المدعى عليه.

إذاً النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على ضبط المجتمع وضبط الناس؛ الناس فيهم البر وفيهم الفاجر، المتقي وفيهم الشقي، فيهم الذي يؤمن جانبه والذي لا يؤمن جانبه، هكذا الناس حتى المسلمون، والإيمان يتفاوت، وكلما زاد الإيمان في قلب الإنسان كلما قل شره، ولا يزال الإيمان يزيد ويزيد حتى يصبح كالقرآن يمشي على الأرض، يصل إلى درجة الإيمان ثم درجة الإحسان، لكن يبقى الشر موجوداً؛ ما دام أن الشيطان موجود فالشر سيبقى موجوداً.

ولذلك متى لا يقع شر؟ لا يقع شر إلا في الجنة، أما في الدنيا فما زالت أسباب الشرور موجودة؛ الشيطان من جهة، النفس من جهة، الدنيا من جهة، شياطين الإنس من جهة، تجد أن الشر لا يزال موجوداً في الأرض. نسأل الله أن يحفظنا وإياكم وأن يجعلنا جميعاً مفاتيح للخير مغاليق للشر.

لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على ضبط المجتمع المسلم وضبط كل ما قد يقع، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم أخبر في هذا الحديث: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر». هذه قاعدة شرعية، القضاة من يحكم بين الناس عندهم هذا المبدأ؛ فلان ادعى على فلان فالمدعي عليه جانب اليمين إذا أنكر، لكن المدعي فعليه البينة.

لو جاء إنسان وقال لك: يا أخي هذا عنده بينة وهذا حلف، لا، إذا جاءت البينة حتى لو حلف الآخر ما دام البينة وجدت، فإن القاضي أو الحاكم يحكم لصاحب البينة. فلان له كذا عليه كذا؛ جاء بالبينة حتى لو أن الطرف الآخر أقسم أيماناً مغلظة لا يلتفت لها، إذا جاءت البينة من قبل المدعي. لماذا؟ حتى تنضبط الأمور. بعض الناس يقال للسارق: احلف، قال: جاءك الفرج. إذا كانت هناك بينة لو حلف ألف يمين، وهناك قرينة وهناك بينة ثابتة، فإن القاضي لا يلتفت إلى إيمانه ولا يقيم لها وزناً؛ لأن هناك بينة، وهذه البينة تقدم على اليمين.

لكن إذا لم يكن هناك بينة؛ فلان ادعى أن لي عند فلان كذا، ما بينتك؟ قال: والله ما عندي بينة، أنا أدعي أن لي. يا إخواني الأصل براءة الذمة. نأتي إلى الطرف الثاني، فلان ادعى أن له عندك كذا، عنده دليل؟ قال: ما عنده دليل. أنا ما عندي. طيب تحلف أنه ليس عندك شيء؟ فإذا حلف يميناً أنه ليس للطرف الآخر عندي مال، هنا القاضي يأخذ يمينه ويقبلها.

وبالمناسبة أحبتي في الله قضية اليمين قضية عظيمة جداً، قضية الحلف بالله، مع الأسف كثير من الناس لا يقيم وزناً لكلمة والله للحلف بالله. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 224]. وبعض الناس ربما يحلف اليوم مائة يمين فاجرة كاذبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أين الخوف من الله؟ أين الورع؟ أين التقوى؟ الله المستعان. فاصل ثم نعود إليكم بإذنه تعالى.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، كنا قبل الفاصل قد تكلمنا ووقفنا على قضية اليمين والحلف باليمين، ووقوع الناس مع الأسف في قضية كثرة الأيمان؛ بعض الناس يحلف في اليوم عشرين ثلاثين وربما مئة ومئتين أو أكثر. أين الخوف من الله؟ أين تعظيم الله عز وجل وتعظيم أسمائه وصفاته؟

الله يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾. وبعض الناس ربما يحلف لك أيماناً مغلظة على أن هذه السلعة بكذا أو بكذا، ثم تشتريها منه بأقل من ذلك الثمن بكثير، لماذا؟ أين الخوف من الله سبحانه وتعالى؟ ولذلك أحبتي في الله صحيح أن اليمين قد تنفق السلعة لكنها تمحق البركة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اليمين منفقة للسلعة ممحقة للبركة».

وذكر من الذين لا ينظر الله لهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا يكلمهم ولهم عذاب أليم، ذكر منهم رجل حلف على سلعة أنه أوتي بها كذا وأعطيها بكذا ويبيعها بأقل من سعرها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: «والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». هذه قضية خطيرة ينبغي أن ننتبه لها، ثم نحن في حياتنا أن نتقي الله سبحانه وتعالى ولا نكثر من الأيمان.

وعندنا يمين اللغو: والله لتأكل، والله لتشرب، والله لتجيء، والله لتذهب، هذه ما عليها شيء، والإنسان يحرص ألا يكثر منها. اليمين التي عليها كفارة هي اليمين التي حلف أن لا يفعل شيئاً وفعل، أو يخالف ما حلف عليه، هذه عليها كفارة. لكن عندنا يمين ثالثة لا كفارة لها، ألا وهي اليمين الغموس، أن يحلف الإنسان ليقتطع حق إنسان أو مال إنسان أو شيء من إنسان بغير وجه حق، هذه اليمين لا كفارة لها أبداً، طيب ماذا يصنع الإنسان لو وقع في مثل هذه؟ هذه فقط فيها التوبة، سميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في النار والعياذ بالله، وشؤمها يأتي معجلاً قبل يوم القيامة.

ومن وقع في شيء من هذا عليه المبادرة بالتوبة، التوبة النصوح بشروطها وارجاع الحقوق إلى أهلها، هذه قضية مهمة لا بد أن يعيها المسلم. من بعض الناس -الله المستعان- ما في خوف من الله سبحانه وتعالى، ربما يأخذون أموال الناس بالباطل، حقوق الناس بالباطل، أملاك الناس بالباطل ويحلفون عليها. هذا المسكين، تحلف على ماذا يا أخي؟ الدنيا كلها لا تعدل عند الله جناح بعوضة. يأتي بعض الناس ويحلفون واليمين عندهم أسهل من شرب الماء، لا يا أخي، الإنسان يتقي الله سبحانه وتعالى، سيسألنا الله عن هذه الأيمان عن كثرتها، في حق ولا في باطل.

أعود إلى أصل الحديث؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن هناك أناساً سيأخذون أموال الناس بالأيمان الكاذبة والأيمان الفاجرة وبادعاءات لا حقيقة لها، ولكن هنا ضابط: البينة على المدعي واليمين على من أنكر. ادعيت أن هذا القلم لك، ما هي البينة؟ طيب ما في بينة؟ إذاً نحتكم إلى قضية اليمين؛ لأنه كما قلت لكم قبل ذلك، الأصل براءة الذمة. إذا جاء إنسان ادعى عليك بشيء ليس عليه بينة، فهنا القاضي يقول: اليمين.

وحقيقة أيها الأحبة الذي يقرأ التاريخ ويصبر المجتمعات، يمر عليه كثير من القصص المؤلمة لأناس حلفوا زوراً وكانت النتيجة الوخيمة في نفس اليوم وربما في نفس الأسبوع، ما تتأخر، كيف تحلف يمين غموس يمين كاذبة وأنت تعلم أنها كاذبة ثم تريد أن تسلم أمام رب العالمين؟ وبعض الناس يا إخواني تنقلب حياتهم جحيماً. يذهبون لأهل الحق: خذ حقك، خلاص أنا ما أريده، فيقول: أنا ما أريده، أنا أخذت منك اليمين خلاص. كارثة والله يا أحبتي حينما الإنسان يقتطع أموال الناس وحقوق الناس بأيمان فاجرة كاذبة، يمين غموس؛ أين يذهب من الله سبحانه وتعالى؟ بل كيف تستقيم حياته؟

والله بعضهم فقد أبناءه، فقد بيته، فقد زوجته بسبب هذه الأيمان الكاذبة التي قالها لجشعه لطمعه، ثم كانت عليه وبالاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله. إذاً لا بد من إيجاد البينة، لا بد من إيجاد البينة.

طيب دعونا نوسع النظرة في هذا الحديث قليلاً، هذه قاعدة أيها الأحبة تنطبق على كل شيء: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر. دعونا أيها الأحبة نطبق هذا الحديث في حياتنا، في ديننا، في عقيدتنا؛ الآن لو سألت إنساناً: هل تحب الله عز وجل؟ لماذا سيجيبك؟ ما في مسلم يقول لك: يا أخي أنا أحب الله، كلنا نحب الله يا إخواني، لكن فرق بين الدعوة والحقيقة.

طيب يا فلان، ما هي علامة محبتك لله سبحانه وتعالى؟ سؤال مهم جداً. هل هو كلام؟ محبة الله ليست كلاماً، محبة الله ليست لباساً نلبسه زي وشاح نتوشح به، لا، محبة الله سبحانه وتعالى تطبيق لدينه وشريعته. محبة الله أن نتقي الله سبحانه وتعالى، أن نراقب الله سبحانه وتعالى، أن نقيم شرعه، أن نأتي بأمره، أن نجتنب نهيه. محبة الله سبحانه وتعالى أن نتمثل بالدين في ظاهرنا وفي باطننا، محبة الله أن نعرف الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته وبما يليق به وبما لا يليق به سبحانه وتعالى. محبة الله الصدق، العلاقة بينك وبين الله صدق العبادة، أن تقيم دين الله في نفسك في بيتك في أسرتك في مجتمعك.

محبة الله تعني أنك مع الله عز وجل أربعاً وعشرين ساعة في اليوم والليلة. محبة الله سبحانه وتعالى أن تخدم دين الله سبحانه وتعالى، ومحبة الله أن تقوم على هذا الدين بخدمته كما يريد الله عز وجل.

محبة الله أن تبتعد عن كل ما يغضب الله سبحانه وتعالى، أن تبتعد عن الذنوب وعن المعاصي وعن كل ما لا يليق بك كمسلم، كما قال الأول: تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس شنيعُ لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيعُ

إذاً، محبة الله أيها الأحبة ليست كلاماً، ليست وشاحاً، ليست عبارات رنانة؛ لا، محبة الله تطبيق دين الله، تطبيق دين الله. ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]. أتوقف عند هذا الحد ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله تعالى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

رُوي أن مسروقاً أدانه ديناً ثقيلاً، وكان على أخيه خيثمة دين، فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم؛ إنه الإيثار، أعلى منازل الكرم والسخاء، وأسمى مراتب البذل والعطاء، خلق يبعث على المودة والرحمة ويدل على الصفاء والنقاء. امتدح الله به أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من الأنصار فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].

وللإيثار فوائد عظيمة وثمار جليلة، منها: انتشار التعاون والتعاضد بين المسلمين، جلب البركة ونماء الخير، وتحقيق الكفاية المادية في المجتمع، كمال الإيمان وحسن الإسلام، الوصول إلى محبة الله ورضوانه، حصول الألفة والمحبة بين الناس، البعد عن صفات الشح والأثرة، وهي من علامات الرحمة التي توجب لصاحبها الجنة، ويعتق بها من النار. فهنيئاً لمن تزين بهذا الخلق الكريم، وأصبح ممن قال الله فيهم: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ما زلنا أيها الأحبة مع هذا الحديث العظيم وما فيه من البيان وما فيه من العظمة وما فيه من التوجيه. قبل الفاصل طرحت سؤالاً: من يزعم أنه يحب الله عز وجل، ما هو الدليل؟ كل واحد يدعي أنه يحب الله عز وجل، وتكلمنا أن الدليل هو إقامة دين الله سبحانه وتعالى، ومراقبة الله، ومحبة الله، وخدمة دين الله.

دعونا نسأل سؤالاً ثانياً: هل تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ما في من لا يقول إننا نحب رسول الله، في أحد ما يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ طيب ما الدليل؟ ما الدليل على صدق محبتك لرسولك محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقط ادعاء؟ فقط زعم؟ فقط كلام؟ لا، محبة النبي صلى الله عليه وسلم تعني المتابعة. ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، إذاً أكبر دليل على صدق محبة النبي صلى الله عليه وسلم المتابعة.

قال ابن القيم رحمه الله: لما كثر الزاعمون لمحبة الله ورسوله طالبهم الله بالبينة، فأنزل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، قال: فنقص كثير من الناس. إذاً المحبة اتباع ليست ابتداع؛ المحبة إقامة شعائر الله عز وجل، التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، الاقتداء به في كل صغيرة وكبيرة. المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم أن تتأسى بخلقه، بهديه، بسننه، بعبادته، أن تكون دائماً تطلب أن تتمثل برسولك صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة.

نعم لا يمكن، لكننا أمرنا، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. من كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً؛ هذي المحبة. ذلك لما ننظر في الصحابة الكرام رضوان الله عليهم كيف تابعوا النبي صلى الله عليه وسلم، كيف عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعد النبي صلى الله عليه وسلم كيف كانت حياتهم؟ إذاً الذي يزعم محبة النبي صلى الله عليه وسلم، هذه دعوة نريد التحقيق، كيف تحقق ذلك بالاتباع؟

انظر في الصحابة الكرام؛ إخواني كما يقولون بحر لا ساحل له، كيف كانوا فعلاً يسعون بكل ما أوتوا من قوة لطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، للتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، لسماع خطاب النبي صلى الله عليه وسلم. سبحان الله، سبحان الله، لم يأتِ جيل والذي لا إله إلا هو لن يأتِ جيل مثل الصحابة أبداً، والله لن يأتِ جيل مثل الصحابة أبداً؛ أولاً لأنهم اختيار الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، ثم لوجود النبي صلى الله عليه وسلم بينهم. اختارهم الله لصحبة نبيه، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم بينهم في تربيتهم وتعليمهم وتوجيههم، فكانوا خير جيل بعد الأنبياء والرسل أجمعين.

أحدهم قد يرسله النبي صلى الله عليه وسلم لحتفه، وهو يعلم أنه سيموت ومع ذلك لا يتردد لحظة، ما يتردد لحظة أبداً، يعرف أنه سيموت؟ نعم، ويذهب بكل جسارة وبكل بطولة وبكل ثقة، لماذا؟ لأنهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. في الخندق موقف جميل جداً ومشهور جداً، حينما النبي صلى الله عليه وسلم قال: من يأتيني بخبر قريش؟ ما قام أحد، الوضع كان فعلاً مخيفاً، وقال: من يأتيني بخبر قريش وأضمن له أن يعود سالماً؟ وما قام أحد، وقال: من يأتيني بخبر قريش وأضمن له الجنة وأن يعود سالماً؟ ما قام أحد، القضية فيها خوف شديد، قال: أين حذيفة؟ قام حذيفة يضحك ويقول: يا رسول الله والله لقد علمت أنك تنادي علي، قال: انطلق، ما تردد ما تردد لحظة واحدة فذهب وأتى، كما في القصة المشهورة.

الشاهد أن الصحابة ضربوا أروع الأمثلة في سماع خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وفي متابعة النبي صلى الله عليه وسلم. الخمر لما جاء تحريمه، من كان في فمه شيء من الخمر مجه، ومن كان في يده شيء من الخمر سكبه، ومن كان في بيته شيء من الخمر أساله، انتهينا. أمهات المؤمنين ونساء الصحابة لما جاء الحجاب عمدن إلى مروطهن فاحتجبن بها، ولم ترَ بعد ذلك الواحدة، لم يرَ وجهها بعد ذلك، يعني مباشرة تطبيق تطبيق تطبيق؛ هذا هو الدين، هذا هو الدين الذي نريده أيها الأحبة.

حينما نزعم محبة الله ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك كله ينبغي أن يكون له دليل وبينة. البينة أن نقوم بالدين في أنفسنا، أن نخدم دين الله، أن نتعلم كتاب الله وسنة نبي الله صلى الله عليه وسلم، أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، أن ندعو إلى الله عز وجل على بصيرة وعلى نور، أن نتحمل كل ما قد يحصل لنا، أن نضحي من أجل دين الله بالغالي والنفيس، هذا هو الدين أيها الأحبة، هذا هو المطلب حتى نكون فعلاً خير أمة أخرجت للناس.

فإذاً كل دعوة باطلة حتى يقام عليها بينة، سواء كانت دعوة مادية بين الناس أو دعوة محبة بين الناس وبين بعضهم البعض، فلا بد من دليل على صدق البينة. إذاً أقول: النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالشريعة التي جاءت لحماية الناس، حماية أموالهم، أعراضهم، حقوقهم من التلاعب. ترى بعض الناس يا إخواني قد والعياذ بالله أُتي عقلاً، يعني يمكن الشيطان يكون تلميذ عنده، هذه كارثة.

أذكر قصة أشار إليها الشارح، قصة سليمان عليه السلام مع المرأتين؛ ما قصة هاتين المرأتين؟ امرأتان كان لكل واحدة منهما طفل، فجاء الذئب فعدا على طفل أي واحدة منهن، اختصمت المرأتان: هذا طفلي، هذا طفلي، هذا ولدي، هذا ولدي. طبعاً التي فقدت ولدها تعرف، لكن تريد أن تأخذ هذا الطفل، وذهبتا إلى سليمان عليه السلام هنا قضية القرائن، قال: لمن الطفل؟ هذه تقول هذا ابني، وتقول هذه هذا ابني. سليمان عليه السلام بدأ الآن يفكر كيف يفصل بين هاتين المرأتين، قال: لا بأس، أعطوني السكين. ما تقدر تفعل يا نبي الله ما دام كل واحدة تزعم أنه طفلها، سأقسم بينكم قسمين وكل امرأة تأخذ نصفاً.

طبعاً أم الولد العاطفة الجياشة لا تريد أن ترى ابنها مقتولاً، فقالت: لا يا نبي الله، هو لها، هو طفلها؛ حتى تحافظ على هذا الولد. وقضى سليمان عليه السلام أن هذا الطفل طفل هذه المرأة لأنها خافت عليه، المرأة الثانية سكتت. إذاً هناك قرائن كما قلت يعرفها القضاة في حياتهم. الشاهد أنا أقول: الناس يتلاعبون، هذه المرأة تلاعبت بهذا الطفل تريد أن تأخذه وسكتت لما أراد سليمان أن يقسمه نصفين بالسكين كما أخبر، وسكتت.

فبعض الناس عنده تلاعب يستطيع أن يأكل أموال الناس بالباطل ويأخذها بالباطل ويقيم الحجج ويقيم كذا، لكن أين ستذهب من الله سبحانه وتعالى يا إخواني؟ أمنا عبرة، عبرة في ملوك ماتوا أغنياء، ماتوا عظماء في الدنيا، ماتوا، أخذوا معهم شيئاً؟ أخذوا معهم شيئاً في القبر؟ والله حتى الساعة هذه الساعة إنها تنزع منك، هذه النظارة على وجهك والله تؤخذ منك، لن تلقى الله إلا عارياً كما جئت إلى الدنيا. أين عقولنا؟ فقط نتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حق امرئ مسلم بغير وجه حق فقد حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار». قالوا: يا رسول الله ولو كان شيئاً يسيراً؟ قال: «ولو كان قضيباً من أراك».

من أراك وين تروح؟ مسواك تأخذه بغير وجه حق تقتطعه؟ يقول صلى الله عليه وسلم: «لتؤدن الحقوق يوم القيامة إلى أصحابها، حتى إنه ليقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء»، هذا بين البهائم فكيف بين بني آدم؟ يا إخواني يوم الفصل ماذا سنقول لله عز وجل؟ يوم القيامة بعض الناس يأتي يوم القيامة وحامل بعيراً، وبعضهم حامل بقرة، وبعضهم حامل جبلاً، وبعضهم حامل أرضاً، وين تقدر تحمل هذي كلها؟ تقدر تحملها؟ من اقتطع شبراً بغير وجه حق يوم القيامة من سبع أرضين، من يستطيع أن يحمل؟

أيها الأحبة نقول: نتقي الله عز وجل، نتقي الله عز وجل، إن كان اليوم نستطيع أن نضحك على الناس ونتلاعب بهم، ترى يوم القيامة ما في تلاعب أبداً، تذكر كما تدين تدان. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.