يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً، والسنة للعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء.
حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. لقاء يتجدد أحبتي في الله في قناة زاد، هذه القناة المباركة، وفي هذه الأكاديمية المباركة، ومع هذه المادة المباركة أيضاً، الحديث الشريف كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم. ومع الحديث العاشر، حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والجلوس في الطرقات أو بالطرقات». فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بد، لابد أن نجلس فيها يا رسول الله، وين نجلس؟ إذا ما جلسنا في هذه الطرقات أتحدث فيها. فقال: «إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه». قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». متفق عليه.
شرح الكلمات والمفردات أيها الأحبة، قال: «إياكم» أي أحذركم. «ما لنا من مجالسنا بد» أي غنى عنها يا رسول الله. المجلس هو الجلوس في تلك المجالس. وقوله: «حقه» أي ما يليق بها من آداب. وقوله: «غض البصر» أي خفض النظر عمن يمر في الطريق من النساء. وقوله: «كف الأذى» أي عدم التعرض لأحد بقول أو فعل يتأذى به. هذه هي معاني المفردات أحبتي في الله.
النبي صلى الله عليه وسلم حرصاً على المجتمع المسلم أن يسوده المحبة والوئام والإخاء وعدم العداوات وعدم المشاكل وعدم الوقوع فيما حرم الله. يقول الصحابة: «إياكم والجلوس بالطرقات»، الطرقات لم توضع للجلوس، إن الطرقات وضعت لاستخدام، تذهب وتأتي الذهاب والمجيء. الصحابة يا أحبتي في الله لم يكونوا كحالتنا الآن؛ الآن بعض الناس تحصل عنده غرفة أو شقة، أربع غرف، خمس غرف، فيلا دورين، هذه مجالس رجال، هذه مجالس نساء، هذا مقلط، هذا صالة، عندك فناء حوش كبير جداً تستطيع أن تستقبل فيه الناس. كانت بيوتهم صغيرة، هذا إذا كان عنده بيت، وإلا كانوا في منى للصفة يجلسون في مؤخرة المسجد.
لكن أيها الأحبة كيف يلتقون؟ أين يجلسون؟ الأصل أنهم في زمانهم في الطرقات، إنسان قدام بيته إذا كان عنده بيت أجلس أمامه، والسنة ذكرت الكثير، النبي صلى الله عليه وسلم كان يمر فيجد أم هانئ رضي الله عنها جالسة أمام بيتها. الشاهد أن الناس ما عندهم وسع في داخل بيوتهم يا إخواني، غرفة عائشة رضي الله عنها وأرضاها لو قلت لك أنها أقل من مترين في مترين ما أبالغ، مترين في مترين؟ نعم. تقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها: كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يسجد غمزني في قدمي فأضمهما حتى يسجد مكان رجولي، يعني لا تظن أن بيت النبي صلى الله عليه وسلم غرفة ما شاء الله خمسة في سبعة ولا خمسة في ستة ولا عدة غرف، لا غرفة واحدة، هذا بيت عائشة وبيت أمهات المؤمنين كذلك. نحمد الله عز وجل على هذه النعم التي نحن نرفل فيها، الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن هذا حرصاً عليهم وحرصاً على المجتمع، وحرصاً على ألا يعصى الله سبحانه وتعالى.
قالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، وين نجلس يا رسول الله؟ نبغى نتحدث، نخرج خارج المدينة. انظروا أيها الأحبة إلى رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى لطف النبي وإلى رفق النبي، ما قال لهم: خلاص، هذا كلام، هذا شرع الله ما أحد يخالفني أبداً، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة قال: «إذا أبيتم إلا المجلس» يعني إذا ما عندكم خلاص لازم تجلسون، قال: «فأعطوا الطريق حقه». الطريق له حق، تريدون أن تجلسوا الطريق له حق، لابد أن تعرفوا حق الطريق. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ خلاص عندنا الآن نحن ما دمت قلت أنه فيه حق، خلاص نحن نلتزم بهذا الحق. قال صلى الله عليه وسلم: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
من الدين يا أحبتي في الله، هذا الدين كله في أشياء متعلقة بالطريق، وفي أشياء جامعة زي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا الدين كله يا أيها الأحبة ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. فإذاً النبي صلى الله عليه وسلم بين أن هناك حقوقاً للطريق لابد أن ينتبه لها المسلم، ألا وهي كما سمعنا. أول واحد غض البصر، غض البصر أقول أيها الأحبة غض البصر ينبغي للإنسان أن يغض بصره، سواء كان في الطريق أو في غير الطريق. لماذا يا أخي؟ غض البصر من أهم القضايا في حياة الإنسان، من الكوارث والعياذ بالله أن يطلق الإنسان بصره. هذا البصر نعمة، أعطاك الله هذه النعمة، حافظ عليها. كيف أحافظ عليها؟ كيف أؤدي شكرها؟ أن تستخدمها فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، أن تستخدمها في مرضاة الله، فيما لا يغضب الله عليك أبداً، لأن البصر هذا كارثة.
بعض الناس يا إخواني يطلق بصره فيما حرم الله، ينظر في النساء، في المردان، في أمور ما تجوز. يمكن في السابق كانت القضية قضية الطريق وأم الطريق، لكن الآن نقول أيها الأحبة مصائب البصر الآن أصبحت قريبة، القنوات الفضائية وما فيها من نساء كاسيات عاريات، مواقع الإنترنت، الجوالات وما فيها، مواقع التواصل الاجتماعي، فضلاً عن الأسواق وما فيها من تبرج وسفور، الطرقات وما فيها من تبرج وسفور. ولذلك أحبتي في الله البصر كارثة إطلاقه، روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس» فيه مقال لكن ليس موضوعاً، إنما فيه ضعف، النظرة سهم مسموم من سهام إبليس يستفز، يرتكز في القلب. لذلك الله سبحانه وتعالى ماذا يقول؟ ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾ [النور: 30]. ما قال لك يغض بصره من أبصارهم، أمشي مفتح لكن لا تتبع عورات الناس والنساء ما حرم الله سبحانه وتعالى. قضية مهمة جداً أيها الأحبة، فاصل ثم نعود إليكم بإذنه تعالى وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
الاستخارة هي طلب الاختيار من الله تعالى عند الإقدام على الأمور المهمة التي لا يدري الإنسان وجه الخير فيها، أما ما كان معروفاً خيره أو شره كالعبادات وصنائع المعروف والمعاصي والمنكرات فلا تشرع فيه الاستخارة. والحكمة من الاستخارة التسليم لأمر الله والالتجاء إليه سبحانه للجمع بين خيري الدنيا والآخرة، ولا شيء أنفع لذلك من الصلاة والدعاء لما فيهما من تعظيم الله والثناء عليه والافتقار إليه.
أما كيفيتها فقد ثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسمي حاجته- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسمي حاجته- شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني».
وعلى المستخير ألا يتعجل الإجابة، ويجوز له أن يكرر الاستخارة بالصلاة والدعاء، ومن علامات القبول في الاستخارة انشراح الصدر وتيسير الأمر، ولا يشترط أن يرى رؤيا. وأما علامة عدم القبول فأن يصرف الإنسان عن الشيء ولا ييسر له، فلا يبقى قلبه بعد صرف الأمر عنه معلقاً به، قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، أحبتي في الله ما زال كلامنا متصلاً مع أول قضية من القضايا التي نبه عليها المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهي غض البصر. غض البصر، ولذلك الإنسان يتقي الله عز وجل، كل الحوادث مبدأها من النظر، ومعظم النار من مستصغر الشرر. كم نظرة فعلت في قلب صاحبها فعل السهام بلا قوس ولا وتر. ويقول غيره: رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه، ولا عن بعضه أنت صابر. لذلك أحبتي في الله من الأمراض الخطيرة التي قد تفتك بإيمان الإنسان وتفتك بقلب الإنسان، المداومة في النظر وإطلاق النظر فيما حرم الله سبحانه وتعالى. وربما لما نقرأ بعض قصص العشاق في التاريخ القضية كلها نظرة تعلق بها، فأصبح مجنون ليلى، وأصبح كذا، وأصبح كذا. التاريخ يروي قصصهم. طيب ماذا الإنسان يفعل الآن في زمن أصبح السفور والتبرج بل وأصبح ربما يخرج من النساء أكثر مما يخرج في بيت زوجها في بعض المواقع والعياذ بالله وبعض القنوات والعياذ بالله؟ الإنسان ينبغي أن يحافظ على نفسه، بمعنى أنك لابد أن تغض بصرك لأن الإنسان إذا أطلق بصره أيها الأحبة يوشك والعياذ بالله أن يقع في محرم الله. ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30]، أنت إذا غضضت بصرك ستحفظ فرجك، مفهوم المخالفة إذا أطلقت بصرك لن تحفظ على فرجك يا عبد الله. ولذلك نحرص أيها الأحبة، نحرص على غض البصر؛ أولاً استشعار أن الله ينظر إليك، وأنك تنظر فيما حرم الله وهذا لا يجوز. وأيضاً تتذكر أنه كما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل، وإذا نظرت في أعراض الناس سيسلط الله من ينظر في عرضك. التاريخ يشهد، وهكذا النصوص، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]؟ كما تدين تدان.
لذلك أحبتي في الله بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم أول قضية، غض البصر، انتبه إطلاق البصر كارثة، يؤدي بالإنسان إلى أمور لا تحمد عقباها. وسبحان الله بمجرد أن ينظر الإنسان فيما حرم الله يجد أثر ذلك في قلبه مباشرة، ألم القلب، اهتزاز القلب، القلب يرتج، تكثر نبضاته لأنه رأى أمراً محرماً، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا وإياكم. إذاً غض البصر أول قضية بدأ بها النبي صلى الله عليه وسلم. ومن شكر الله عز وجل على نعمه أن تستخدم نعمه فيما يرضي الله سبحانه وتعالى. أنت الآن أعطاك الله هذا البصر تنظر فيه وتستخدمه في حياتك وفي أمورك وفي قضاء حوائجك، وتستخدمه فيما حرم الله، والله ليس هذا من البر ولا من الإنصاف ولا من العدل ولا حتى من الخلق، أن يحسن الله إليك فتسيء إليه. لو أحسن إليك بشر لاستحييت منه طول عمرك، فكيف بالذي خلقك وأوجد سمعك وبصرك؟ ولذلك يا عبد الله على الإنسان أن يتقي الله عز وجل في هذا البصر. وكثير مرت علي قصص يا إخواني وأخواتي وأبنائي وبناتي ممن انتكس وترك دينه، ترك التزامه بسبب النظر، وذكر ابن القيم رحمه الله عدة قصص في هذا الباب. لكن أقول الإنسان يحذر ويتقي الله سبحانه وتعالى، فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس والعياذ بالله. يقول صلى الله عليه وسلم: «يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإن الأولى لك والثانية عليك». الأولى لك والثانية عليك. هذي أول قضية.
القضية الثانية أيها الأحبة قال: «وكف الأذى». من حقوق الطريق علينا كف الأذى بجميع أنواعه. الأذى بالكلام، السباب والشتام والغيبة والنميمة وإطلاق اللسان ورفع الصوت، حتى رفع الصوت هذا يتأذى منه الناس، السخرية، النظر في بيوت الآخرين دون إذنهم، محاولة التلصص على الناس وسماع كلامهم وما يدور في بيوتهم. بمعنى أن الإنسان ينبغي أن يكف أذاه بكل أنواعه، لا تشِر، لا تستهزئ، لا تسخر، لا تتكلم، لا تلعن، لا تأخذ حقوق الناس، لا تؤذي الناس، لا تضرب الناس، لا تشتم الناس. ننتبه، كف أذاك عن الناس تماماً. بعض الناس والله يا إخوان يمشي في طريق فيرى سين من الناس فيمشي في طريق آخر، لماذا؟ عرف ذلك بأذيته للخلق. أكرمكم الله بالحيوان، أكرمكم الله اللي ما عنده عقل، وكل من مر بجانبه حاول أن يؤذيه، بالضبط مثله مثل ذاك الحيوان، أكرمكم الله والملائكة لا، يا إخواني من حق الطريق علينا أن نكف أذانا. قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]. لا، الإسلام ينهاك أن تكف أذاك سواء كنت في الطريق أو في غير الطريق، لكن في الطريق أولى، لأن الناس يذهبون ويأتون ويمشون، إذاً وجود الناس شيء طبيعي، الإنسان يتقي الله سبحانه وتعالى ويترفع عن أذية الخلق، لا تؤذي الناس، تذكر أن امرأة دخلت النار في هرة.
وإذا قلنا تكف أذاك، فإذا استطعت أن تنفع الناس فهذا حسن، وفعلاً يا أحبتي في الله، كم من إنسان في الطريق يحتاج إرشاداً، يحتاج إنساناً يعينه، يحمل عنه، يأخذ بيده، يوصله إلى مكان ربما يجهله. هذا فيه من الأجور ما الله به عليم، فوجود الإنسان في الطريق المقصود أن تكف أذاك، وأيضاً أن لا تمنع نداك، بمعنى أن تحسن للناس ما استطعت، إنسان ضائع أو تائه أو سائل أو محتاج أن تقف معه أو كذا، لا تتردد؛ أنت في مجتمع واحد، أنت في سفينة واحدة، فلا شك أن كف الأذى مطلب، وكذلك مساعدة الناس والإحسان إلى الناس مطلب أيضاً.
قال صلى الله عليه وسلم: «أربعون خصلة، أعلاها منيحة العنز، ما من مسلم يعمل بواحدة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله الجنة». منيحة العنز، قالوا: إما أن تشتري عنزاً وتهديها لأناس يستفيدون منها، وإما أن تعطيهم ما في ضرعها من لبن، هذا أعلاها. قال راوي الحديث: فعددنا، فلم نجد أكثر من عشرة أو خمس عشرة خصلة، ذكرنا منها رد السلام، تشميت العاطس، إرشاد الضال، أمور بسيطة جداً، لكن انظروا ما يترتب عليها، ما من مؤمن يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله الجنة.
إذاً الإسلام يأمرنا أن نكون فاعلين في المجتمع فعلاً إيجابياً، ننفع إخواننا، نصلح، نهدي، نعين، نأخذ بيد من يريد ذلك. أما بعض الناس وقضية الأذى، لا، المجتمع المسلم ليس هكذا، المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، هذا أمر مهم جداً. ولذلك الإنسان ينبغي فعلاً أن يكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر كما قال صلى الله عليه وسلم. نكتفي بهذا أيها الأحبة، ثم نواصل إن شاء الله بعد هذا التوقف وهذا الفاصل، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
هل كان أجدادنا يتخيلون أن يرسلوا رسالة من المشرق إلى المغرب في لمح البصر؟ هل كان أسلافنا يتصورون أن يلتقوا بالعلماء في أقصى الأرض دون أن يرحلوا إليهم؟ إنها التقنية الحديثة، فاستخدامها في طلب العلم له ميزات، منها سرعة ويسر الوصول إلى المعلومة، وضخامة المعلومات وتنوعها، والتواصل مع العلماء حيثما كانوا، ومن ميزاتها الكبيرة تيسير طلب العلم على المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة. فلا غنى لطالب العلم عن الحاسوب بما عليه من مكتبات ضخمة، حيث يمكنه البحث في ألوف الكتب في ثوان معدودة، لكن عليه الحذر من التصحيف والتحريف. ولا غنى له عن استخدام الإنترنت في أبحاثه، لكن عليه أن يوثق المعلومات من المصادر المتخصصة ولا يكتفي بالمنتديات ونحوها.
والتعليم عن بعد من خلال الإنترنت يسر طلب العلم للمشغولين بالوظائف والأعمال الخاصة، والأجهزة اللوحية بتطبيقاتها وبرامجها سهلت التعلم حيث إنها في كف طالب العلم حيثما حل وارتحل، وكذلك الفضائيات لا سيما العلمية المتخصصة سهلت طلب العلم في البيوت، فهي من أنسب الوسائل التعليمية للنساء، فلتستفد بميزات التقنية ولتحذر من شرها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يُعطه، ومن يتق الشر يُوقه».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد؛ سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا مع هذه الدرر النبوية والإشارات العظيمة من النبي صلى الله عليه وسلم وحقوق الطريق، غض البصر وكف الأذى. بالمناسبة، لا أنسى قضية أن الإنسان ينبغي أن يحرص ألا يؤذي الطريق، قضية الناس هذه، قضية أنك لا تؤذيهم، وكذلك الطريق. بعض الناس يرمي مخلفاته في الطريق، ما عنده من زوائد في البيت يرميها في الطريق يؤذي الناس، لا يا أخي، انتبه، انتبه، المسلم يا إخواني ينبغي أن يتقي الله في كل أموره. ومن شعب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق. نذكر ونحرص على قضية أن الإنسان قدر ما يستطيع أن يزيل الأذى، قدر ما يستطيع ألا يكون سبباً في أذية الخلق وفي أذية الناس، هذه كارثة لا بد للإنسان أن ينتبه منها. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم امرأة تصوم النهار وتقوم الليل لكنها تؤذي جيرانها، فماذا قال؟ قال: «هي في النار»، والعياذ بالله.
نحرص أيها الأحبة أيضاً من الحقوق التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ورد السلام». بالمناسبة أيها الأحبة السلام سنة ورده واجب، السلام سنة ورده واجب. وبالمناسبة أيضاً السلام ليس أمراً يسيراً في الإسلام، فبعض الناس يقسم الدين، يقول لك هذا لب وهذا قشر، لا؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]. خذوا الدين كافة. السلام من الأمور المهمة جداً، بل من أعظم الأمور التي اهتم بها الإسلام. قال صلى الله عليه وسلم: «لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».
إذاً الجنة يترتب عليها أو مرتب عليها أن الإنسان يكون مؤمناً، الإيمان يأتي بعده المحبة، وقبل ذلك السلام. أيها الناس، أفشوا السلام، أطعموا الطعام، صلوا الأرحام، صلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام، هكذا يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عبد الله بن سلام رضي الله عنه وأرضاه. إذاً السلام أيها الأحبة، انتبهوا، ترى من أمورنا المهمة في الإسلام، ولذلك دخولك بيتك وأنت تسلم على أهلك يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك. من علامات يوم القيامة أيها الأحبة قضية أن يسلم الإنسان على من يعرف، وهذا غلط؛ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف». مع الأسف أيها الأحبة، مع الأسف بلينا في هذا الزمان بقلة السلام، يا أخي تمر على واحد أو اثنين أو ثلاثة من الذي يسلم؟ قلة. أنا تكلمت عندي في الجامعة، نمر بيننا في القاعات، بين الفصول، بين المباني، إذا لم تسلم على الطالب والطالب ما يسلم عليك إلا من يعرفك؛ لماذا هذا مجتمع جامعي؟ طيب كارثة، لو كان حتى هذا في المسجد، وهذا في الطريق، وهذا في السوق، أن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف.
الجنة اسمها دار السلام، والله سبحانه وتعالى هو السلام، وفي الحرم المكي باب السلام، السلام مطلب مهم جداً في حياتنا. قال صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم ست؛ إذا لقيته فسلم عليه». أول واحدة، حقي عليك أن تسلم علي، حقك علي أن أسلم عليك، «إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبع جنازته». هذه حقوق بعضنا على بعض أيها الأحبة. لكن ننتبه، لا يجيئني واحد كلما رأى امرأة قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، انتبهوا، السلام إذا كان في فتنة لا، ما تسلم، قد يجر فتنة. المسلمة تسلم على المسلمة لا بأس، إنسان مر على مجموعة من النساء تؤمن الفتنة، السلام عليكن مثلاً، لكن نحذر من بعض المزالق الشيطانية. فإذاً السلام من الأمور المهمة في حياة الأمة، وكما سمعنا «لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا»، «أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بثلاثين حسنة، انتبهوا، فيها خير عظيم جداً من الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86].
بعد ذلك أيها الأحبة، ننتقل إلى آخر حق من حقوق الطريق، ألا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومر معنا كثيراً هذا الموضوع. إذا أنت أردت أن تجلس في الطريق، أن تكون آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، كل ما هو معروف تأتيه قدر ما تستطيع، كل ما هو منكر تبتعد عنه بالكلية، هذا من حق الطريق علينا وعليكم. أما إنسان يجلس في الطريق ويتصيد الحرمات والمحرمات والشبهات، ويؤذي فلاناً وفلانة، وينظر فيما حرم الله، لا، لا يا أخي الكريم، لا أبداً. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقع على عاتق كل مسلم ومسلمة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
قضية أيها الأحبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليست لي أو لك اختيار فيها أصلاً، يجب عليّ أو عليك أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر حسب هذه المراتب الثلاثة. منكر تستطيع أن تغيره بيدك فتغيره، رأيت أمامك إنساناً يكاد أن يهلك أو إنساناً يكاد أن يقتل وأنت تستطيع أن تمنع ذلك، أو يكاد أن يسرق وأنت تستطيع أن تمنع ذلك، يجب عليك وجوباً أن تنصر هذا المسلم، أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. رأيت أمامكم منكراً لا تستطيع أن تغيره بيدك، لكن على الأقل تذكر، يا فلان اتق الله، يا فلان خاف من الله. إذاً يجب عليك. المرتبة الثالثة، والله لا تستطيع لا بيدك ولا بقولك، المرحلة الثالثة على قلبك، إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله، حسبنا الله ونعم الوكيل. لكن أن يصل الإنسان في التبلد في الإحساس إلى المستوى حتى أنه بالقلب لا يتأثر، هذه كارثة، والله كارثة أن ترى منكراً أمامك لا يتحرك فيه كيدك بالمعروف ولا لسانك بالمعروف ولا حتى قلبك، إذاً أين إيمانك؟ أين إيمانك؟ لذلك أيها الأحبة الإيمان لا بد أن يفعل في القلوب، مع الأسف استمراء الذنوب والمعاصي والمحرمات كارثة، لا معنى لذلك أن الإيمان ضعيف، يحتاج إلى إيقاده من جديد، تفعيله من جديد، حتى القلب ما ينكر، أين تذهب من الله سبحانه وتعالى؟
إذاً أحبتي في الله، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا جمع لك الدين كله في حق الطريق، قدرت تنفع إخوانك انفعهم، في مضرة لا تضرهم، في خير ساعد على هذا الخير، في أمر محرم حاول أن تزيل هذا الأمر المحرم، لا تقل لي هذا ليس من اختصاصي، لا، هذا اختصاص كل مسلم ومسلمة، لأن الله عز وجل في هذا الدين ميز هذه الأمة بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبداً ما لك حجة يا عبد الله، وما لك حجة يا أمة الله. الإنسان أقلها بقلبه، أما أن يصل الإنسان إلى مستوى حتى في القلب ما ينكر كارثة. إذاً هذه حقوق الطريق علينا أحبتي في الله: غض البصر، كف الأذى، رد السلام، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا إذا أردت أن تجلس، لا بد من هذه الأمور. وبالمناسبة هذه الأمور ليست فقط في الطرقات، بل في الطرقات وفي غير الطرقات، لأنك أنت مسلم وأنت من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فينبغي عليك أن تتأسى به في كل صغيرة وفي كل كبيرة.
نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يجعلنا جميعاً مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يجعلنا ميسرين ولا يجعلنا معسرين، وأن يجعلنا مبشرين ولا يجعلنا منفرين. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي