دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 12 - حديث: (لا تغضب...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علمٍ نافعٍ، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً، والسنة للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. لقاء يتجدد في أكاديمية زاد في هذا البرنامج، ومع مادة الحديث الشريف، ومع كلام سيد البشرية وخير البرية صلى الله عليه وسلم. اليوم معنا الحديث الحادي عشر، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني. فردد مراراً، قال: «لا تغضب». رواه البخاري.

شرح المفردات: قوله: يا رسول الله أوصني، الوصية هي العهد إلى شخص بأمر مهم. وقوله: «لا تغضب»، الغضب حالة نفسية تبعث على هياج الإنسان وثورته قولاً أو عملاً، وهو مفتاح الشرور ورأس الآثام. ومراراً، أي كرر الرجل طلب الوصية عدة مرات، والنبي صلى الله عليه وسلم يوصيه بنفس الوصية وهي عدم الغضب.

لا تغضب، أحبتي في الله، الغضب كارثة بكل ما تعنيه الكلمة. وقبل أن نبحر في هذا الموضوع دعونا نقسم الغضب، الغضب ينقسم قسمين: غضب محمود وغضب مذموم. الغضب المحمود هو الغضب الذي يكون عند انتهاك حرمات الله سبحانه وتعالى، ولذلك روي عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: من رأى حرمات الله تنتهك فلم يغضب فهو حمار. إنسان يرى حرمات الله تنتهك، وشريعة الله تنتهك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر انتهك، والحلال انتهك والحرام ينتهك، ثم لا يغضب؟ قال: فهو حمار؛ ما عنده إحساس. دين الله ينتهك، الشعائر تنتهك، دماء المسلمين تنتهك، أعراض المسلمين تنتهك ولا يغضب، قال: فهو حمار. وهذا الغضب المحمود، أن يغضب الإنسان إذا رأى حرمات الله تنتهك.

نأتي إلى الغضب المذموم، وهو حديثنا اليوم. حديثنا اليوم عن قضية الغضب المذموم، والذي مع الأسف يقع فيه كثير من الناس، أستطيع أن أقول كل الناس؛ كل الناس يغضب، لكن من يستطيع أن يكظم غيظه ويكف غضبه؟ هنا المحك الرئيسي. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله أوصني، قال: «لا تغضب»، قال: زدني، قال: «لا تغضب»، قال: زدني، قال: «لا تغضب ولك الجنة». حديث صحيح.

إذاً الموضوع ما هو سهل أيها الأحبة، ولذلك الشيطان حريص على استغضاب الإنسان وإثارة غضبه. الإنسان ينبغي أن ينتبه. انظروا الوصية على صغرها، رجل يقول أوصني قال لا تغضب. طيب لما جاء معاذ رضي الله عنه وأرضاه قال يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أدخلني الله به الجنة وباعدني عن النار؟ قال له: «قد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً». ثم قال: «ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟».

أخبر معاذاً بصفحة ونصف وصية، وهذا الرجل جاء قال له كلمة واحدة: «لا تغضب». لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، والنبي أعطي المعرفة بالناس؛ معاذ عالم والعالم يحتاج وصية تتلاءم مع علمه، لكن هذا الرجل جاء قال أوصني والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، لعل هذا الرجل كان غضوباً فالنبي قال لا تغضب. إذاً النبي صلى الله عليه وسلم كان يفصل لكل إنسان ما يحتاجه.

الغضب مرض خطير جداً، مرض اجتماعي يترتب عليه أمور كثيرة، قد يترتب على الغضب دخول النار، قد يترتب على الغضب الردة من الدين. كم من إنسان غضب يا إخواني وأخواتي وسب الله، وسب الملة، وسب القرآن، وسب الشرع؟ كارثة. قد الإنسان يغضب ويدمر بيته، كم من إنسان غضب فطلق زوجته وشتت أطفاله وضيع بناته وعرضه بسبب غضب غير محمود. كم إنسان غضب وقتل، وهذه كثيرة، وكم زرنا السجون ورأينا فيها من حكم عليهم بالإعدام لأسباب تافهة بعد ما وقع الفأس في الرأس.

نازع في موقف سيارة لأجل كلمة عارضة، لأجل إشارة غير مقصودة، لأجل كذا، لأجل كذا، قتل! إزهاق أنفس، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً». مع الأسف علاقات قطعت، أرحام قطعت، أموال ضيعت، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول؟ «ليس الشديد بالصّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». هنا المحك الرئيسي. القضية ما هي قضية أني أضرب فلاناً وألطش فلاناً وأنتقم من فلان وأمسح بكرامة الأرض فلاناً، لا؛ القضية من هذا الذي يستطيع أن يكظم ويكف غضبه؟ ولذلك في حديث صحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن كف غضبه ستر الله عورته».

تريد أن تعرفني على حقيقتي أو أعرفك على حقيقتك أو تعرف إنساناً على حقيقته؟ انظر إلي في موقفين: الموقف الأول في بيتي، التعامل مع أسرتي، تظهر صورتي الحقيقية. وانظر إلي حين أغضب أو انظر إليك حين تغضب؛ ستظهر صورتك الحقيقية، لأني أقدر أن أتصنع، أظهر بمظهر المشيخة وطلبة العلم وما شاء الله الداعية، أقدر أتصنع، لكن متى تظهر الصورة الحقيقية؟ إذا غضبت أنت أو غضبت أنا، هنا ستظهر الصورة الحقيقية والمعدن الحقيقي للشخص. لماذا؟ لأنه يصبح الذي يقوده الشيطان، أيضاً معدنه الذي هو على حقيقته. بعض الناس إذا غضب سب ولعن وشتم ولطم وضرب، بعض الناس إذا غضب قال: سامحك الله، غفر الله لك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. إذاً الغضب يظهر حقيقة الإنسان، معدن الإنسان، هل هو فعلاً كما هو في الظاهر وإلا يتصنع؟ فاصل أيها الأحبة ثم نعود إليكم بإذن الله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

«لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه». توجيه نبوي لعلاج أخطر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في واقعنا المعاصر وهي البطالة. وترجع أسبابها إلى احتقار بعض المهن أو رفضها بحجة عدم المناسبة، اعتماد بعض الشباب على الوالدين، المعدلات المنخفضة للنمو الاقتصادي، التقدم التكنولوجي والاستغناء عن العمالة، ضعف نظم التعليم والتدريب. وتكمن خطورة تلك الظاهرة في آثارها والتي منها الإصابة بالإحباط وعدم الثقة مما يولد اكتئاباً وقلقاً وشعوراً بالفشل، التوجه للجريمة والانحراف كالمخدرات والسرقة والتطرف، إهدار الطاقات الإنتاجية، الفراغ القاتل الذي يؤدي إلى عواقب لا تحمد نتائجها.

ويتوقف علاج تلك الظاهرة على تنشئة الشباب على حب العمل وإيجابية، تقديم القدوة الجادة الناجحة، توفير فرص العمل المناسبة، تقديم الدورات التدريبية المؤهلة للمشاركة في سوق العمل، الإقراض الحسن للمشاريع الصغيرة والأعمال الفردية وإنظار المعسرين منهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داوود عليه السلام كان يأكل من عمل يده».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد. الغضب، قال الإمام أحمد رحمه الله: من استُغضب فلم يغضب فهو حمار. الغضب المحمود حينما يرى انتهاك حرمات الله. أقول أيها الأحبة، هذا المرض الخطير ينبغي أن ننتبه من تداعياته ومن آثاره. ذكر ابن الجوزي رحمه الله في كتابه تلبيس إبليس أن الشيطان خرج لموسى عليه السلام قال: يا موسى، أنا خلق من خلق الله أذنبت وأنت كليم الله، هل تشفع لي عند ربي؟ الشيطان يا إخوان يبغى يتوب. فقال موسى عليه السلام: أفعل. فأوحى الله إلى موسى: إن قبلت شفاعتك فمره فليسجد لآدم في قبره. وقال موسى: يا إبليس إن الله قبل شفاعتي وقال: اسجد لآدم في قبره وهو يشفع لك ويغفر لك. الشيطان تعاظم في نفسه، قال: ما سجدت له حياً، أسجد له ميتاً؟ يعني هو مصر.

فقال إبليس: يا موسى إن لك علي حقاً بما شفعت لي عند ربي، الآن الشيطان إبليس يريد أن يرد الجميل لموسى، إن لك علي حقاً بما شفعت لي عند ربي، اذكرني في ثلاث لا تهلك فيهن أبداً؛ اذكرني حين تغضب فإني وحي في قلبك، وعيني في عينك، وأجري منك مجرى الدم. الله أكبر! انظر: اذكرني حين تغضب فإني وحي في قلبك، وعيني في عينك، وأجري منك مجرى الدم. والنبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول؟ «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». لذلك الذي يغضب أول ما تراه تنتفخ أوداجه، تظهر عروقه، ويبدأ يجد حرارة في جسمه، وبدأ يتخبط، الشيطان يقوده.

لذلك كانت أول وصية، الوصية الثانية قال: وإياك أن تجالس امرأة لست لها بمحرم، فإني رسولك إليها ورسولها إليك. هذه قضية أيضاً خطيرة، النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول؟ «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما». قال الحسن البصري: ولو كان يعلمها القرآن. الثالثة قال: واذكرني حين تلقى العدو فإني لا أزال أذكر الرجل أهله وماله حتى يفر، والعياذ بالله موبقة من الموبقات.

الشاهد من هذا الأثر أحبتي في الله أنه قال: اذكرني حين تغضب، فإني وحي في قلبك، وعيني في عينك، وأجري منك مجرى الدم. والإنسان إذا غضب أيها الأحبة فعلاً يصبح يتصرف تصرفات ويقول كلمات، يقول: أنا قلت هذا؟ لذلك قال الفقهاء إن الإنسان الذي يغضب طلاقه لا يقع. طيب ما في في الدنيا يا أحبتي في الله واحد بيطلقه وهو يضحك؟ صح ولا لا؟ لكن قالوا: ما مقياس الغضب؟ قالوا: مقياس الغضب أنه لا يدري ماذا يقول، فعلاً بعض الناس إذا غضب ما يدري ماذا يقول، هذا هو الذي لا يقع غضبه؛ خرجت عن طوري، صرت أتكلم بكلام ما أدري يا شيخ أنا وش هو الكلام، وربما طلق، هذا الذي إذا غضب وقع منه الطلاق بهذا الشكل، فطلاقه لا يقع.

لكن الغضب العادي، الغضب المعروف، هذا الطلاق فيه يقع، لأنه يدري ويعرف ماذا يقول؛ لا نذكر الله، لا إله إلا الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلانة طالق، هو عارف الكلام الذي يقوله. لذلك طلاق الغضبان الذي لا يعي ماذا يقول، أعود فأقول كما قال صلى الله عليه وسلم: «من كف غضبه ستر الله عورته». نحن مستورون بماذا يا أحبتي في الله؟ بالهدوء، بالحلم.

ولذلك لا تحاول أن توقع نفسك في مثل الأمور التي تزيد انفعالاتك. يجي واحد يقول لي: يا أخي يا شيخ أنا والله إنسان غضوب، كذا أنا مشكلتي أني غضوب، كذا حياتي دائماً أنا مغضوب. نقول: لا يا حبيبي، الحلم ضد الغضب، الحلم خلق يمكن اكتسابه، ترك الغضب خلق يمكن تركه. ما الدليل؟ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم». قد أكون غضوباً، لكن لما أضبط نفسي مرة، ثنتين، ثلاث، أربع، أنتبه لنفسي وأعاقب نفسي، أكون وقافاً مع نفسي، سيجيء اليوم الذي أضبط فيه غضبي، لأنه خلق مكتسب. «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم»، صحيح أنا غضوب، لكن بالممارسة والضبط، مرة ثنتين ثلاث، سيأتي اليوم الذي تكون فيه في قمة الحلم.

لذلك أحبتي في الله أن نحرص على اكتساب الحلم. كان هناك رجل يهودي وأراد أن يتثبت من صدق النبي صلى الله عليه وسلم، كان من صفات النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة أن حلمه يسبق غضبه. احتاج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مال، استدنا من هذا اليهودي إلى أجل معلوم، قبل الأجل جاء هذا اليهودي للنبي صلى الله عليه وسلم ودخل المسجد وبدأ يرفع صوته على رسول الله: أنتم يا بني عبد المطلب، أنت يا محمد ردد لي مالي، أنتم قوم مطل، وبدأ يرفع صوته على النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد. طبعاً عمر حاضر، عمر رضي الله عنه وأرضاه أمسك اليهودي من تلابيبه وكاد أن يبطش به، وقال صلى الله عليه وسلم: «مهلاً يا عمر! إنني وإياه في حاجة إلى غير هذا، أن تأمره بحسن الاقتضاء، وأن تأمرني بحسن القضاء». أعطوه ماله وزيدوه عليه مخافة جراء مخافة عمر له. يعني أعطوه فلوسه وزيادة لخاطره، لأن عمر أفزعه. ماذا قال اليهودي؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك يا محمد رسول الله، والله ما أنا بحاجة للمال، ولكني قرأت في التوراة أن حلمك يسبق غضبك فأردت أن أتثبت. ذاك هو زيد بن سعنة رضي الله عنه وأرضاه، دخل المسجد يهودياً وخرج صحابياً جليلاً رضي الله عنه وأرضاه.

أن حلمك يسبق غضبك، هذا الذي نريده، أن الإنسان يضبط نفسه. أنت لو جعلت نفسك عرضة لكل واحد يلعب بأعصابك ويستغضبك ما ستعيش، لن تستقيم حياتك، لكن هناك الشيء وهو الترفع. لذلك بعض الناس في العرب كان يضرب بهم المثل في الحلم، مثل قيس بن عامر وبعض العرب.

كنا نتحدث عن معن بن زائدة، هؤلاء كان يضرب بهم المثل في الحلم، حتى أن بعضهم أعطى أعرابياً مائة ناقة فقط لكي يغضبه. ومعن بن زائدة دخلوا بقصة مشهورة جداً، وأخذ يهجوه بشعر، ومعن بن زائدة يرد عليه بألطف الكلام؛ حتى إن تلك الأبيات تقول: فجد لي يا ابن ناقصة بمالي، فإني قد عزمت على المسير. يا ابن ناقصة؛ هو يقصد معن بن زائدة. فأعطاه. الشاهد أنه لما عجز مدحه، فقال: أعطيناك على ذمنا، ونعطيك على مدحنا. فخرج الرجل يبكي من هذا الرجل ويقول: لعمرك ما الرزية فقد مال، ولا فرس يموت ولا بعير، ولكن الرزية فقد حر. بموته خلق كثير، رحمه الله.

فعلاً كان هناك في العرب حلماء. من يستطيع أن يغضبه له كذا وكذا، وما يستطيعون، لماذا؟ واكتسبوا في التاريخ شهرة، فعلاً هذه مكارم أخلاق لا ينالها إلا علية القوم، وأعلاهم في ذلك الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

من المؤسف أن يفتخر الشباب باللغات الأعجمية، ويلون ألسنتهم بها دون حاجة، حتى أصبح بعضهم يكتب العربية بحروف أجنبية، وكأنه قد غاب عنهم أن اللسان العربي هو شعار الإسلام وأهله. قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42].

فاللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون؛ لذا كره السلف التكلم بغير العربية إلا لحاجة، إذ هي من شعائر الإسلام، وحفظها من تمام حفظه. فينبغي للمسلم أن يعتني باللغة العربية، وأن يكون حريصاً على دراسة المهم من قواعدها واحتساب الثواب في ذلك، إذ هي مفتاح الفهم للقرآن والسنة. اجتناب اللحن والخطأ فيها قدر المستطاع؛ عن نافع قال: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. مطالعة كتب الأدب في التراث العربي، لا سيما الكتب التي يذكر فيها الشعر والنثر، فذلك مما يقيم اللسان ويزيد الحصيلة اللغوية لدى القارئ. الالتزام بها في المكاتبات والحوارات والشعارات في مواقع التواصل وغيرها، الالتزام بالتحدث بها مع الكبار والصغار ولو لفترة وجيزة كل يوم. تعليم الأبناء قواعدها وتربيتهم على حبها وإتقانها منذ الصغر، إذ هي لغة القرآن.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا مع هذه الوصية العظيمة: «لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب، ولك الجنة». نعم؛ لأن الغضب طريق إلى النار، والحلم طريق إلى الجنة. انظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، انظروا سبحان الله، ما كان يغضب صلى الله عليه وسلم إلا إذا انتهكت حرمات الله فقط.

على ما أوذي يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». ويأتيه الانتقام كما جاء لما ذهب إلى الطائف وردوا عليه بذلك الرد المؤلم وضربوه بالحجارة، وأهل مكة كانوا يتصيدون يريدون قتله، فيرسل الله عز وجل له جبريل ويقول: هذا ملك الجبال يسلم عليك، ويقرئك السلام، فمره فليطبق عليهم الأخشبين. في قمة الألم النفسي والحزن ومع ذلك يقول: «لا، لعله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله».

انظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، تجد أن غضب النبي صلى الله عليه وسلم ما كان إلا لوجه الله سبحانه وتعالى. لما قال: «إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا»، قال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى رؤي الغضب في وجهه، ولِمَ غضب هنا؟ ما غضب لنفسه، هو غضب من أجل الأمة، قال: «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم، فإن مهلك من كان قبلكم كثرة اختلافهم مع أنبيائهم». الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم ما يغضب إلا لله عز وجل.

أما الأمور الشخصية، فأنس يقول: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل عليه بردة نجرانية غليظة، فجاء أعرابي فجذبه منها، يقول: حتى أثرت في صفحة النبي صلى الله عليه وسلم. الرجل الأول في الأمة، أفضل الخلق يفعل به هكذا! يأتي هذا الأعرابي الجلف فيسحبه ويجذبه جذبة أثرت في صفحته، فيلتفت: يا محمد، مر لي من مال الله فإنك لا تعطيني لا من مالك ولا من مال أبيك ولا من مال أمك. انظروا كيف الغلظة في الطلب، فيعطيه النبي صلى الله عليه وسلم ويتبسم ويضحك. هذا قدوتنا صلى الله عليه وسلم. «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق». هكذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم.

لذلك أحبتي في الله، نريد أن يكون لنا أثر في المجتمع، الأثر في من حولنا، لا تكن غضوباً، كن حليماً. الغضوب كل واحد ينفر منه: هذا فلان، وخر عنه. ليش؟ غضوب. طيب ما في إنسان ما يغضب، نكون واقعيين، ما في إنسان ما يغضب، لكن كيف نعالج الغضب؟ وأعجبتني حكمة جميلة يقولون: انظروا إلى رجال الإطفاء والدفاع المدني. لا تطفئ النار بالنار! هل رأيتم رجال الدفاع المدني يطفئون النار بالنار؟ مستحيل، النار بالماء. فلما يجيك إنسان غضوب وأنت كمان تغضب أكثر وأكثر، فنار هنا ونار هنا، أصبحت نارين، أصبحت القضية كبيرة.

وبالتالي حتى في معاملتك مع أهلك في البيت، فرضنا أن الزوج غضب في غير محله، الزوجة ما تواجه الغضب بغضب، تسكت شوية حتى العكس، الزوجة غضبت غضب ليس له مكان والزوج موجود، لا يجيك يقول لك: أنا أحط وجهك في التراب وأمسح بكرامتك. لا يا أخي، امرأة ضعيفة، دعها بعد شوية سترجع لك، وبالتالي الغضب متى ما استطعنا أن نتعامل مع الغضب استقامت الحياة.

وكما جعل صلى الله عليه وسلم الغضب جمرة تتوقد في قلب ابن آدم، «الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من النار، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ». إذاً والله يا أحبتي نخسر أشياء كثيرة؛ إما مالية، وإما اجتماعية، وإما نفسية بقضية الغضب. لا تغضب، لا تغضب، ترفق، صدقني ستكسب.

أحد المشايخ يقول: حدث بيني وبين رجل في السيارة كأني سقطت عليه كذا وأنا ما كنت أقصد، فبدأ يتكلم من نافذة السيارة ويسب، ووقف وجنبي، يقول فوقفت وهو يريد أن يتخاصم وأنا ساكت كذا، والرجل يزبد ويرعد ويتكلم، يقول فلما انتهى من ثورته وهدأ شوي قلت: أسأل الله أن يجعلك من أهل الجنة. يقول نظر الرجل في كذا قال: أنت من أي كوكب يا أخي؟ أنا من كوكب روضة، أبشرك! يقول فرجع الرجل يعتذر، يقول والله عزمني على بيته، إلا آجي أتغدى معاه وأتعشى، يقول أصيب بحرج كبير: أنا أسبك الآن وكذا وتقول لي اللهم إني أسألك أن تكون من أهل الجنة!

يا أحبتي في الله، هذا علاج رباني. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34-35]. ترى نحتاج صبراً؛ واحد يجي يتكلم عليك، الله يسامحك، الله يغفر لك، الله يتجاوز عنك، سامحك الله، عفا الله عنك. يجيك الشيطان يؤزك داخلياً: أنت ضعيف، أنت كذا، أنت كذا. خليه يقول، الله يقول: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. لا تواجه النار بالنار أبداً مع أي إنسان كان، لأنك متى ما واجهت النار بالنار كلكم خسرتم. لكن تواجه السيئة بالحسنة، سينقلب الذي أمامك ولياً حميماً، ولو كان عدوك.

فكيف بأخيك، قريبك، بزوجتك، بجارك، بأخوك المسلم؟ تكون أعظم من ذلك، لكن ماذا تحتاج؟ ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. هذا اللي نحتاجه أيها الأحبة.

علاج الغضب: نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأعراف: 200]. تحاول أول شيء ألا تغضب. طيب، الغضب وصل، إذا كنت واقفاً اجلس، إذا كنت جالساً اضطجع على الأرض؛ لأنك خلقت من الأرض. طيب ما زلت غضبان؟ يا أخي قم توضأ وصل لك ركعتين، صدقني يذهب الغضب عنك. طيب كنت بتتكلم؟ اسكت؛ لأن الكلام يجر بعضه بعضاً، وهو مدعاة للشر والفساد. ولا حول ولا قوة إلا بالله، ما كان غضبت فيه اخرج منه، صدقني اخرج، لا تجلس. تخاصمت مع زوجتك وهذا الكلام زاد، اخرج بس ربع ساعة نصف ساعة ورجعت الدنيا انتهت، خلاص، ذهب الشيطان.

لذلك أيها الأحبة نحتاج تفعيل وتطبيق. حدثني أحد الإخوة يقول: كان هناك خصام في الطريق، شاب صغير مع رجل كبير، يقول رأى أخاً باكستانياً طويلاً وعريضاً ما شاء الله، وهذا الشاب الصغير يبغى يضرب الباكستاني، ونحن نفرق: يا ولد، تعوذ بالله من الشيطان، اجلس. يقول باكستاني طول وعرض وزند، يقول ما شاء الله تبارك الله، يقول فجأة وإذا بالأخ الباكستاني نام على الأرض، يقول أنا قلت عسى ما خلاف، صديق ايش فيه مشكلة؟ سلامات، لحظة شوي شوي، الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هو يقول باللهجة حقته: إذا إنسان زعلان لازم ينام. شوفوا كيف التطبيق! يقول والله بكيت، والله دمعت عيني لما قالها هذا الباكستاني هذا الكلام، أنه فعلاً إذا غضب أحدكم فليجلس، فإن ذهب عنه وإلا فليضطجع.

إذاً أحبتي في الله، ما نحتاج تنظيراً، نحتاج تفعيل وتطبيقاً في حياتنا. قدر ما حاول الشيطان أن يغضبك، تعوذ بالله من الشيطان، وتذكر أن الغضب النتيجة النهائية له خسارة، تخسر من مالك، من صحتك. يا إخوان بعض الناس تجيه جلطة، السبب الغضب، يغضب ويرتفع الضغط. تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ﴾. تذكر أن الغضب من الشيطان، وأن الشيطان خلق من النار، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ، الغضب جمرة تتوقد في قلب ابن آدم.

ولما جاءت هذه النصيحة إلا من الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، يا أخي احرص على حياتك وعلى مجتمعك وعلى بيئتك، لا تغضب. واحد تكلم عليك، زاد ونقص، سامحك الله، غفر الله لك، الله يغفر لي ولك، أنا غلطان، أنا آسف. تذكر أن من العرب من كان يعطى مئة ناقة من أجل إغضاب فلان أو فلان، وما يقدر، هذا لفضل الحلم ومكانة الحلم. أيها الأحبة الوقت انتهى، أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يجعلنا جميعاً مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يجعلنا ميسرين ولا يجعلنا معسرين، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.