دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 13 - حديث: (من حسن إسلام المرء...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. ولقاء يتجدد في هذه الأكاديمية المباركة وهذه القناة المباركة، أكاديمية زاد، ومع مادة الحديث الشريف. اليوم أيها الأحبة معنا حديث من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». رواه الترمذي وابن ماجه وحسنه الشيخ الألباني رحمة الله عليه.

أما المفردات، فقوله: «ما لا يعنيه»، العناية شدة الاهتمام بالشيء، يقال له: عناه يعنيه إذا اهتم به وطلبه. فما لا يعنيه أي ما لا يهمه. أيها الأحبة الأفاضل، كما نعلم أن نبينا صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، ولذلك هذا الحديث أصل من أصول الآداب والأخلاق التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها. وقد حكى أهل العلم أن جماع آداب الخير تتفرع من أربعة أحاديث في هذه الشريعة المباركة.

الحديث الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». وهنا خطورة الكلمة وعظمة الكلمة التي ينبغي للإنسان أن يحرص عليها، ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]. الحديث الثاني: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». فكل الذنوب والمعاصي والخطايا والمحرمات سببها أن الإنسان لا يطبق هذا الحديث.

الحديث الثالث: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب»؛ لأن الغضب مفتاح لكل الشرور، الغضب مفتاح لكل العداوات بين الناس وفي المجتمع. الحديث الرابع: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وهذا أصل في كل خير بين الناس. إذاً هذه الأحاديث الأربعة أيها الأحبة كما قال أهل العلم هي جماع الآداب في الإسلام وجماع الأخلاق في الإسلام، منها ما هو خاص بالإنسان نفسه أو علاقته بالآخرين أو بأبواب الخير أو بأبواب الشر، نسأل الله أن يحفظنا وإياكم.

اليوم حديثنا أحبتي في الله عن هذا الحديث العظيم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». حقيقة حينما الإنسان يتفكر في هذا الحديث ويمعن النظر فيه، يجد أن كل بلاء يقع للإنسان، كل معصية، كل سيئة، كل خطأ، كل معارضة للإسلام، كل خطيئة يقع فيها الإنسان، سببها ترك هذا الحديث.

النظرة المحرمة الآن تعنيني ولا ما تعنيني؟ لا ما تعنيني، فإذا نظرت نظرة محرمة خالفت هذا الحديث. السماع المحرم، البيع المحرم، الشراء المحرم، الذهاب المحرم، الخلطة المحرمة، يا أحبتي في الله نحن لا نؤتى إلا من تركنا لهذا الحديث. لا يؤتى الواحد فينا في ذنب أو معصية أو صغيرة أو كبيرة أو شبهة أو ظاهر أو باطن مخالف إلا لأننا تركنا حديث رسولنا صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». السرقات التي تحدث؛ لأن الإنسان وقع في شيء لا يعنيه، أخذ مالًا لا يعنيه. الجرائم التي تحدث بسبب أن الإنسان يقع في شيء لا يعنيه. التقاطع والتدابر والخصومات التي تقع في المجتمع سببها أن الإنسان يقع في شيء لا يعنيه.

ولو أن كل إنسان اهتم بما يعنيه واهتم بحاجته واهتم بما يقربه من الله سيفعله، وما يباعده عن الله فيجتنبه، سلم له دينه وسلمت له نفسه وسلمت له أسرته وسلمت له دنياه وسلمت له أخراه. الإنسان ينبغي أن ينتبه من فضول الكلام، فضول النظر، فضول السماع، فضول الخلطة، فضول الأكل، فضول بالناس، هذه كلها قضايا هي التي تجلب لنا هذه المعاصي والذنوب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إذا أحبتي في الله، الإنسان يحرص، نحن كلفنا بأشياء كثيرة جدًا، ديننا ولله الحمد والمنة فيه فرص عظيمة جدًا. لو أن كل واحد منا اهتم بنفسه، نظر فيما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى، نظر في العبادات القولية والفعلية والقلبية؛ فالعبادات القولية أشكال وأنواع وأذكار وقرآن وأمر بمعروف ونهي عن منكر وأشياء كثيرة جدًا لا يمكن للإنسان لو عمر وقته بكل هذه العبادات والقربات أن يستطيع استيفاءها، ولو أن الإنسان عمر وقته بالعبادات الفعلية كالصلاة والزكاة والصلة وزيارة صلة الأرحام والحج والعمرة والنوافل والصيام وقيام الليل ومجالس العلم؛ أشياء كثيرة جدًا ستملأ عليه وقته ولن يستطيع.

الغفلة هي الكارثة، الإنسان لما يغفل عن وقته يغفل عن اغتنام هذه الأوقات بكل ما يقربه إلى الله، هنا الشيطان سيجد له منافذ يمنة ومنافذ يسرة ومن أمامه ومن خلفه ومن فوقه ومن تحته؛ لماذا؟ لأنه عنده فراغ، وكما قال العرب: من الفراغ تكون الصبوة. لو أن كل مسلم ومسلمة قد ملأوا أوقاتهم بكل ما يقربهم من الله سبحانه وتعالى ما وجد الشيطان متسعًا أن يدخل عليهم؛ أوقاتهم معمورة بطاعة الله، بذكر الله، بالمدارسة، بالتعليم، بالتعلم، بالتعبد لله سبحانه وتعالى، بالأمور المباحة التي فيها نفع لنفسه وأسرته ومجتمعه وبيئته، حينئذ الإنسان ما عنده وقت يضيعه في الحرام والكلام الفاضي.

المشكلة عندنا أن الإنسان يعجز أن يعمر وقته بما ينفعه وما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا الإنسان أصبح عنده وقت فراغ هنا يبدأ التسلط من الشيطان، تبدأ فضول الأمور؛ فضول الكلام، فضول النظر، فضول السماع، فضول الفعل، فضول الخلطة، فضول الأكل والشرب وأشياء كثيرة جدًا، وبالتالي النتيجة أنه هو الخاسر. لذلك أحبتي في الله، على الإنسان أن يحرص على أن يعمر وقته حتى لا يصبح هناك مجال للشيطان أن يستزله.

فارق كبير بين من يسافر لنزهة سياحية أو لمشاهدة مباراة، وبين من يسافر لطلب العلم، فالرحلة لطلب العلم موصلة إلى سعادة الأبد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». وبالرحلة يلقى الطالب العلماء وينوع المشايخ ويقارن بين المناهج ويجدد نشاطه ويزيد خبراته. قال الشعبي: لو أن رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ليحفظ كلمة تنفعه، رأيت أن سفره لا يضيع. وهل من شيء أشرف من العلم يرحل في طلبه؟ وقد رحل موسى عليه السلام في ذلك رحلة شاقة، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60]. ورحل الصحابة والعلماء من بعدهم في طلب العلم المسافات حتى سافر بعضهم شهرًا في طلب حديث واحد، وقطع بعضهم في طلبه أكثر من خمسة آلاف كيلو سيرًا على قدميه. فإن عجزت عن الرحلة في طلب العلم، فلا أقل من التعلم عبر الشبكات والشاشات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا والقصد القصد تبلغوا».

ما زلنا متواصلين معكم أيها الأحبة في هذا الحديث العظيم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ما الذي يعني كل مسلم ومسلمة؟ الذي يعني كل مسلم ومسلمة أن يعبد الله سبحانه وتعالى، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. إذًا الذي لا يعنيك هو المحرمات والمكروهات والأمور التي أنت قد نهيت عنها، هذا لا يعنيك يا عبد الله. أنت الذي يعنيك أن تطيع الله سبحانه وتعالى، أن تقيم شرع الله سبحانه وتعالى، أن تقيم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن تكون آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، أن تنشر الخير والصلاح والفلاح بين الناس، أن تحفظ على نفسك حتى تدخل الجنة بإذن الله وتحافظ على من هم تحتك حتى تكون سببًا في دخولهم الجنة، أن تعبد الله عز وجل على نور وعلى بصيرة وعلى علم وعلى تقوى وعلى خير، هذا الذي يعنيك ويعنيني ويعني كل إنسان.

لذلك أيها الأحبة، مع الأسف بعض الناس يترك الأمر الذي كلف به ويذهب إلى الأمر الذي ضمن له. أنا أضرب لك مثالًا: نحن بماذا كلفنا؟ نحن كلفنا بأن نعبد الله سبحانه وتعالى، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، هذا الذي يهمك أنت. طيب الرزق كيف أعيش؟ ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 57-58]. نحن كلفنا بالعبادة، والرزق مضمون، نحن في أرزاقنا مسيرون لسنا بمخيرين، قال صلى الله عليه وسلم: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب».

أنا وكلنا أمرنا ببذل الأسباب في الرزق، لكن نعلم يقينًا أن الرزق نحن فيه مسيرون وأن الرزق يطلبك كما يطلبك الأجل، وهذه قضية مسلمة ما فيها جدال. الناس الآن انشغلوا فيما ضمن لهم، ما الذي ضمن لنا؟ الرزق، وتركوا ما كلفوا به، ما الذي كلفنا به؟ العبادة. وهذا خطأ كبير، وهنا تأتي المشاكل وهنا يأتي النقص وهنا يأتي الخلل. يا أخي، ربك وخالقك قد أمرك بأن تكون عبدًا له، أن تعبد الله عز وجل ولا تشرك به شيئًا، هذه قضية مسلمة يقينية، والرزق سيأتينا شئنا أم أبينا؛ لأن الله تكفل بأرزاقنا، والله عز وجل لا يخلق خلقًا ويضيعه أبدًا، إنما يكون عندنا يقين وصدق توكل، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتعود بطانًا».

إذًا الخلل عندنا في التفكير والتطبيق. «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، المحرمات والذنوب والمعاصي هذه كلها لا تعنينا. لكن انشغلنا بالرزق، صدقوني الرزق لا يعنينا، الرزق بيد الله عز وجل هو المتكفل، هو الرزاق سبحانه وتعالى، لكن نحن أمرنا أن نأخذ بالأسباب، هذا الذي يعنينا أن نأخذ بالسبب، لكن بعض الناس قد يأخذ السبب ولا يرزق، وبعض الناس قد يأخذ شيئًا من السبب ويرزق رزقًا كثيرًا وفيرًا، إذاً هذا الأمر يرجع لله سبحانه وتعالى.

لكن نحن كمسلمين، «ترك ما لا يعنيه» يعني بمفهوم المخالفة: عليك أن تهتم بما يعنيك في ذاتك، أن تقيم دين الله في ذاتك، وتقوى الله في ذاتك، والخوف والرجاء من الله في ذاتك، هذا يعنيك أنت، أن تزكي نفسك، أن تسعى إلى تزكية نفسك بكل ما تستطيع من القراءة والعلم وطلب العلم ومجالسة الصالحين وحفظ القرآن وذكر الله وأشياء كثيرة، هذا يعنيك أنت أن تهتم برأس مالك، ورأس مالك أن تنجو بنفسك بإذنه تعالى من النار.

وأيضًا مما يعنيك أن تهتم بأسرتك، فلا تضيعها، لا تضيع أبناءك ولا بناتك ولا زوجتك؛ لأنك أنت مسؤول، «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، وهذه قضية مهمة جدًا. بعض الناس قد يهتم بنفسه لكن ما يهتم بأسرته، يا أخي أنا وفرت لهم كل شيء وأعطيتهم المال، كل شيء عندهم، غلط! الاهتمام ليس فقط أنني أعطيه المال فقط، أين التربية؟ أين الإصلاح؟ أين المراقبة؟ أين أن تكون قريبًا منهم؟ أين أن تقيم شرع الله فيهم؟ تذهب تصلي وتتركهم نائمون، هذا خطأ.

إذًا هذا يعنيك أنت، ومما يعنيك بر الوالدين، أن تقوم على برهما أحياءً وأمواتًا. ومما يعنيك كذلك أن تكون آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، كيف كل إنسان حر في نفسه؟ لا يا أخي الكريم، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده»، ومنكرًا نكرة تفيد العموم، «فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». إذًا ما ترك لك النبي حجة أن تتفلت، وهذا ليس من التدخل فيما لا يعنيه. بعض الناس يقول: يا أخي هذا ما يعنينا، لا يا أخي الكريم، أقلها أن تنكر بقلبك، فقضية الإنكار دلالة على صحة الإيمان وقوة الإيمان عندك، أن يكون عندك حس إيماني. هذا منكر يا أخي، أقدر أغيره غيرته بيدي، ما أستطيع فبلساني، ما أستطيع على الأقل أتعامل معه تعاملًا إيجابيًا، أنكر بقلبي.

هل نصل إلى التبلد في الإحساس إلى هذا المستوى؟ لا يا أخي الكريم ولا يا أختي الكريمة، وبالمناسبة صاحب المنكر يوم القيامة لن يتركك أبدًا، سيقول: يا رب خذ لي حقي من فلان أو من فلانة، لما يا ربي؟ أنا ما لي صلاح، لا، رآني على منكر ولم ينهني ولم يأمرني! انظروا إلى هذه الدرجة. طيب أنا لماذا أحمل نفسي تبعات يوم القيامة؟ لماذا لا أبادر بالإنكار قدر ما أستطيع وكما قال ابن تيمية رحمه الله.

يكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ولا يكن نهيك عن المنكر بالمنكر. إذاً حتى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا من الأمور الواجبة علينا، ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].

إذاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس كما يدعي بعض الكتاب وبعض العلمانيين والليبراليين وغيرهم أن هذا من التدخل في حريات الآخرين. لا يا أخي الكريم، نحن في سفينة واحدة، إذا غرقت غرقنا كلنا، وإذا نجت نجونا كلنا. لكن هذا من الفهم المغلوط لبعض أولئك الذين عندهم انحراف فكري، انحراف ديني، يريد الحرية المطلقة، يريدون العلمانية المطلقة، يريدون الليبرالية المطلقة. أنا حر أفعل ما أشاء، لا يا أخي الكريم، أنت لك حرية وحريتك هذه لا تضر بالناس ولا بالمجتمع. حرية مقننة كل إنسان عنده حرية، الإسلام جاء بها، ولكن هذه الحرية ينبغي ألا تضر بالآخرين ولا تخالف الدين.

أما الانفلات الأخلاقي والانفلات السلوكي والانفلات الشهواني بداعي أن هذه حرية شخصية، لا يا أخي الكريم. نحن كمجتمع مسلم مضبوطون بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا ما الفائدة من الدين؟ ما الفائدة من القرآن والسنة إذا لم نأتمر بالأمر وننته عما نهينا عنه؟ هذه قضية مهمة جداً. إذاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا مما يعم كل مسلم ومسلمة، وهذه الأمة ميزت بقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يا أخي على الأقل أقل شيء الإنكار القلبي، غير موجود، الكارثة هذه كارثة بكل ما تعنيه الكلمة. فاصل أيها الأحبة ثم نعود إليكم بإذنه تعالى، وصلى الله على محمد والحمد لله رب العالمين.

لا شك أن الرياضة تكسب النشاط والحيوية، وتبني الجسم وتقويه وتحصنه من الإصابة بالأمراض، كما أنها علاج للاضطرابات النفسية والقلق والتوتر، وباب لملء الفراغ في النافع المفيد. وعلى الجانب الأخلاقي فهي تنمي روح التعاون والمنافسة الشريفة واحترام الآخرين. والأصل في الرياضة الإباحة، أما إذا كانت لأهداف وغايات محمودة كتقوية الجسم، وتنشيط النفس للقيام بالواجبات الشرعية أو مجاهدة العدو، فإنها ترتفع من مستوى الإباحة إلى مستوى الاستحباب.

ولأن الإسلام منهج حياة، فقد وضع للرياضة ضوابط تعصمها من الانحراف عن مقاصدها الأصلية، من هذه الضوابط: مراعاة المقصد الحسن عند ممارستها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، وجوب ستر العورات، والبعد عن مواطن إثارة الغرائز، عدم اشتمال الرياضة على خطر محقق أو يغلب على الظن تحققه، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، ألا تلهي عن واجب شرعي كالصلاة والصيام، البعد بها عن المكاسب المحرمة كالقمار والمراهنات، عدم الاختلاط بين الجنسين، ألا يغلب عليها التعصب بأن يبنى عليها ولاء أو براء، عدم إيقاع الأذى المقصود بالمخلوقات كاتخاذ الطيور أهدافاً للتدريب أو تعذيب الحيوانات أو التحريش بينها بقصد اللهو. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته أيها الأحبة. ما زلنا مع هذه الدرة النبوية الشريفة: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

أحبتي في الله، يقول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: خط النبي صلى الله عليه وسلم خطاً مستقيماً، وخط على جانبيه خطوطاً صغيرة، ثم قال: هذا صراط الله المستقيم، مستقيم واضح بين ما فيه عوج، وهذه السبل التي على اليمين واليسار ليس من سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه، ما في سبيل من هذه السبل الصغيرة التي في اليمين والتي في اليسار إلا عليها شيطان يدعو لها. ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153].

ما هي السبل هذه؟ هذا ما لا يعنينا. هذا هو الذي لا يعنينا، السبل هذه هي التي لا تعنينا، الذي يعنينا الصراط المستقيم دين الله عز وجل الكتاب والسنة، أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، هذا هو الذي يعنينا. لكن السبل هذه التي في اليمين وفي اليسار هذه ما تعنينا أبداً وهي كثيرة، الصراط المستقيم واحد لكن هذه السبل كثيرة جداً، وكل سبيل عليه شيطان يدعو له. هذه كارثة.

في حديث آخر، أذكر معنى الحديث لأنه طويل ولا أحفظه وأنا قديم عهد به، أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جانبي الصراط سوران، وفي هذين السورين أبواب، أبواب عليها سطور مسدلة مرخاة. نتصور الآن الحديث، ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جانبيه سوران، وفي هذين السورين وعلى هذه الأبواب سطور مرخاة. طيب في أول الصراط داعٍ يدعو يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا. وفي أعلى الصراط رجل أو منادٍ ينادي، ماذا يقول؟ إذا أراد أحد أن يفتح هذا الستر، أن يزيل هذا الستر المرخى على الباب، يقول: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه.

الصورة واضحة، طبعاً هذا الداعي الذي يدعو هو داعي الإيمان في قلب كل مسلم. وهذا الصراط هو هذه الدنيا، وهذا شرع الله عز وجل، هذه الأبواب التي عليها الستور هي ما لا يعنينا. أنتم لاحظوا اللفظ، إذا أراد الإنسان أن يفتح هذا الباب، أن يرفع الستار، الداعي الذي فوقه يقول: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه. وهذه مشكلتنا في الحياة يا إخواني وأخواتي وأبنائي وبناتي، أن هذه الستور هي مشكلتنا. كل ما حصلنا باباً عليه ستر، فتحنا الباب وأزلنا الستار، وإذا أزلنا الستار رأينا الذي أمامنا فيسحبنا. ترى هذه هي الذنوب والمعاصي، هذه الأبواب هي أبواب الذنوب والمعاصي.

ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه. أنا أجد أبرز مثال أو شاهد على هذا الكلام مواقع الإنترنت والقنوات الفضائية. خلونا في الإنترنت الآن، الجوالات الآن مواقع ملايين المواقع، وبمجرد أن تفتح أي موقع الآن تبدأ عندك الصور تأتيك، وتشوف سبحان الله مواقع روابط وكذا، يعني بمجرد أن تفتح الرابط تأخذ معك خمس، ست دقائق، سبع دقائق، عشر دقائق، وإذا لم تنتبه لنفسك ممكن تأخذ معك سويعات.

فعلاً ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه. ولذلك هذه الآن الأجهزة والجوالات والكمبيوترات فيها خير كثير وفيها شر أكثر، فيها شر أكثر إذا لم يكن عندك وازع الإيمان والمراقبة لله عز وجل والخوف من الديان، كارثة لأنه عندك الآن الشر مفتوح قدامك، فإذا لم يكن عندك الوازع الذي يمنعك. وكم جاءني من الاتصالات ومن الشكاوى ومن الأمور التي يتأسف أصحابها والسبب الجوال والقنوات.

أقول القنوات الآن أصبحت المتابعون لها قلة لأن الآن الكارثة أصبحت في جيب كل واحد فينا، الجوالات في جيب كل واحد فينا، يمكن جوال أو جوالين أو أكثر من ذلك. إذا لم يكن عندك الوازع الديني والخوف من الله قد تهلك في أي لحظة. وكم من إنسان كان على صلاح وكان على خير لكن بسبب هذه الجوالات ضعف إيمانه، قل الوازع، تعود الذنوب والمعاصي، صار يرى ما حرم الله ويسمع ما حرم الله ويشاهد ما حرم الله، لأن الإيمان يضعف يضعف يضعف، فبالتالي يمكن في البداية نظرة سريعة، يمكن في البداية يسمع ثواني قليلة، لكن شيء بسيط بسيط بسيط حتى يستمرئ المنكر.

ولذلك ذنوب الخلوات، ذنوب الخلوات السبب ترك هذا الحديث. الخلوات، الإنسان حينما يكون لوحده يبدأ يفتح الجوال ويدخل على اليوتيوب والواتساب وتويتر وفيسبوك وسناب شات والأشياء هذه كما يسمونها السوشيال ميديا. طيب أنت هذا وقتك لا يقدر بثمن، وقتك غالٍ نفيس، والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع. نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ. لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، وفي رواية عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه. هذا الوقت لا يقدر بثمن، الله عز وجل يقسم بالوقت لماذا؟ لشرفه وقيمته ومكانته، والفجر، والضحى، والعصر، والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، كل هذا نعرف قيمة الوقت. إذا لم نتعرف على هذه القيم، أصبح الواحد منا يهرف بما لا يعرف ويتخبط في أودية الهلاك والانحراف والذنوب والمعاصي. لماذا؟ لأنه لم يطبق حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

نعم، والله هذه الروابط الموجودة الآن وهذه المواقع الموجودة الآن ما تعنينا في شيء، لكن الهوى والشهوة والغفلة، كل هذه تسحب الإنسان حتى تريده المهالك. كم من إنسان يبكي بدل الدمع دماً؟ لماذا؟ الإيمان الذي كان يشعر به ذهب، الخشية التي كان يشعر بها زالت، السكينة التي كان يشعر بها انتهت، البكاء من خشية الله الذي كان يتعاهده جفت العيون. لماذا؟ ﴿وَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: 32].

وبالتالي أحبتي في الله أي قضية نشعر بها تؤلمنا، نشعر بوخزها وبوخز الضمير من أجلها، اعلم أن هناك شيئاً ارتكبته ما كان يعنيك أبداً، ما كان يعنيك أبداً. لذلك أحبتي في الله، الله الله في مراقبة الله، الاهتمام بما يعنينا بما يعنيك في دنياك وأخراك. إن كانت دنياك عمل صالح، عمل مباح، تقوم عليه، تشتغل فيه، تحفظ وجهك ووجه أهلك ونفسك وبيتك، هذا من المباحات الحلال. وكذلك أيضاً تبتعد عما حرم الله.

الله سبحانه وتعالى كل الذنوب والمعاصي من الصغائر لا الكبائر لا الشبهات للشهوات هي ما لا يعنينا، ما لا يعنينا أبداً. وكلما وقعنا فيه خالفنا حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». والله يا أحبتي في الله أرهقتنا الذنوب والمعاصي، أرهقتنا الذنوب والمعاصي، أين تفر؟ حتى والعياذ بالله في الإعلانات، في الطرقات، في كذا، في الصحف، في المجلة، صور النساء الكاسيات العاريات، الموسيقى، حتى في الأخبار، حتى في الأخبار لازم تقرأ امرأة، ايش هذا؟

وبالتالي إذا الإنسان لم ينتبه لنفسه ولم يتق الله سبحانه وتعالى، أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يرزقنا وإياكم في الغيب والشهادة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.