والسنة للعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حيّاكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم، ولقاء يتجدد في هذه القناة المباركة وفي هذه الأكاديمية المباركة، أكاديمية زاد، ومع مادة الحديث الشريف، ومع كلام سيد البشرية. اليوم معنا الحديث الثالث عشر، حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً؛ فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا». هذه الثلاث التي يرضاها الله، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. رواه مسلم.
نقف مع معاني الكلمات؛ قوله: «قيل وقال» أي: الاشتغال بما لا يعني من أقاويل الناس. وقوله: «إضاعة المال» أي: بإنفاقه في المعاصي أو الإسراف فيه في المباحات. وقوله: «أن تعتصموا بحبل الله» أي: بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، كان كتاباً أو سنةً عنه عليه الصلاة والسلام. أيها الأحبة الأفاضل، حديث جامع مانع فيه من الفوائد الشيء الكثير، ونحتاج إلى لقاءات كثيرة حوله، ولكن كما يقولون: يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
أولاً: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً»، وفي هذا أيها الأحبة إثبات صفة الرضا لله سبحانه وتعالى. وإن الله عز وجل يرضى، وإن الله عز وجل يغضب، وإن الله سبحانه وتعالى يكره، وهذه صفات كما هو منهج أهل السنة والجماعة صفات تليق به سبحانه جل في علاه، ليست كصفات الخلق. لا، الله عز وجل له صفات تليق به؛ له وجه يليق به، له عين تليق به، له يد تليق به، له أصابع تليق به، له قدم تليق به سبحانه. طبعاً نحن كمسلمين كأهل السنة والجماعة لا ندخل في الكيفية لكن نؤمن بها كما جاءت.
بالنسبة لصفات الله مثلاً، نقول: إن الله عز وجل من صفاته أنه يرضى، ومن صفاته سبحانه وتعالى أنه يكره، لكن دائماً الصفات التي فيها نقص ما تطلق على الله؛ مثلاً: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: 30]. ما نقول الله ماكر حاشاه سبحانه، ولكن نقول الله يمكر بالظالمين، يمكر بالكافرين، يمكر بالمجرمين، وتطلق على الله مضافة. ويكره لكم ثلاثاً؛ الله سبحانه وتعالى يكره الشيء الذي لا يرضاه، كلها تليق به سبحانه جل في علاه. إذاً هذا في باب الصفات؛ أننا نثبت لله عز وجل صفات تليق به، تليق بالإله سبحانه جل في علاه، طبعاً بدون تكييف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل.
نأتي الآن إلى هذه الأمور الثلاثة التي يرضاها الله عز وجل والأمور التي يكرهها الله سبحانه وتعالى، قال: «فيرضى لكم»، يعني يأمركم، إذا الله سبحانه وتعالى رضي عن شيء يعني ندبنا إليه وأمرنا به. قال: «أن تعبدوه»، أول قضية عندنا في الحديث عبادة الله سبحانه وتعالى، ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]. أمر الله وشرع الله أن لا نعبد إلا الله، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: 36]. تجد أن الأمر بالعبادة في آيات كثيرة، لما حدث اللقاء بين الله سبحانه وتعالى وبين موسى بن عمران في طور سيناء، قال الله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. إذاً أمرنا الله عز وجل أن نعبده سبحانه وتعالى، ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58].
الأصل من خلقي وخلقك وخلق الإنس والجن العبادة، الأمة المكلفة الإنس والجن، الإنس مكلفون بالعبادة والجن كذلك مكلفون بالعبادة. طيب الملائكة؟ هذا سؤال مهم، هل الملائكة مكلفة بالعبادة؟ لا، الملائكة ليست مكلفة بالعبادة؛ الملائكة مجبولة على العبادة، الملائكة خلقها الله جبلت على العبادة وهم يعبدون الله، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]. فليسوا مكلفين، المكلف أنا وأنت والبشر والجن، نحن أهل التكليف، أما الملائكة ليست مكلفة أبداً إنما هي مجبولة على العبادة، هذه معلومة مهمة.
العبادة كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال والاعتقاد؛ قول وفعل واعتقاد، مثل الإيمان. إذاً العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. الأقوال مثل ذكر الله سبحانه وتعالى، قراءة القرآن، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، الإصلاح بين الناس، هذه كلها من الأقوال. وعندك أقوال ظاهرة وأقوال باطنة، أقوال تظهر للناس وأقوال بينك وبين نفسك.
والأفعال كذلك، في أفعال ظاهرة وفي أفعال باطنة؛ الأفعال الظاهرة كالحج والعمرة والصلاة والزكاة والجهاد في سبيل الله، وصلة الأرحام، هذه كلها أفعال ظاهرة. أفعال باطنة: وممكن أفعال القلوب كذلك، الخوف، الرجاء، والتقوى، والإنابة، والافتقار، والانكسار، والتذلل وأشياء كثيرة. فإذاً العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، كل ما يحبه الله ويرضاه يسمى عبادة، أقوال وأفعال ظاهرة وباطنة.
فإذاً أنت وأنا ونحن جميعاً كلنا أمرنا بالعبادة، وما خلقت الجن والإنس تأكيد ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. قضية الرزق والعمل والسعي في الأرض هذه كلها من الأسباب الأخرى، ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾، إذاً نحن أمرنا بالعبادة، إذا جاءت العبادة جاء الخير يسعى خلف العبادة.
منذ أن فارقت النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يزال يذكرها بأرق الكلمات وأطيب العبارات وفاءً لها واعترافاً بجميلها، حتى قال لإحدى زوجاته حين غارت منها: «إني قد رزقت حبها». إنها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية رضي الله عنها، الزوجة الوفية والمؤمنة الصابرة التقية، أولى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأم جميع أولاده سوى إبراهيم. ولدت بمكة سنة ثمان وستين قبل الهجرة، وكانت من أعرق بيوتات قريش نسباً وحسباً وشرفاً؛ ولذا نشأت على الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، فكانت عفيفة رصينة ذات عقل وحزم.
وحين سمعت بخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم رغبت في أن تجعله يعمل في تجارتها فعمل فيها، فربحت أضعاف ما كانت تربح مع غيره، فوسّطت من عرض عليه الزواج منها فوافق عليه الصلاة والسلام وتزوجها. كانت رضي الله عنها تعد للنبي صلى الله عليه وسلم الزاد الذي يكفي حينما كان يتعبد في غار حراء، وقد هرع إليها بعدما فاجأه الوحي وهو في الغار فطمأنته بقولها: "كلا والله، ما يخزيك الله أبداً"، فكانت أول من أسلم من الناس قاطبة، وواست بنفسها ومالها.
ظلت مع النبي صلى الله عليه وسلم وفية، صابرة على أذى قريش حتى وقع حصار قريش على بني هاشم وبني المطلب في شعب أبي طالب، فالتحقت بزوجها في الشعب وعانت معه في سبيل الله ما عاناه بنو هاشم من جوع ومرض مدة ثلاث سنوات. وتوفيت رضي الله عنها قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنوات، فذهبت وبقي أثرها. من فضائلها ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه طعام أو إناء فيه شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا أيها الأحبة مع هذه الدرة العظيمة من النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً». فيرضى لكم إيش؟ أن تعبدوه، ما زلنا في العبادة، وأن الإنسان ينبغي أن يجعل حياته كلها لله عبادة.
طيب، هنا سؤال مهم جداً قضية قد يغفل عنها الناس: كيف أجعل عاداتي عبادات؟ كيف أحول العادة إلى عبادة؟ يمكن نعم يمكن، متى؟ إذا احتسبت، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «وفي بضع أحدكم صدقة». قالوا: أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر».
أنت حينما تحتسب كل أعمالك لله عز وجل تصبح عبادة؛ إنسان ينام، ليش تنام؟ قال: والله تعبان. جزاك الله خيراً. طيب فلان ليش تنام؟ قال: والله أنا ودي أكون مرتاحاً عشان أقوم آخر الليل أصلي ركعتين، وأروح المسجد وأصلي الفجر في المسجد. شوفوا هذا الثاني نومه عبادة لأنه ابتغى به وجه الله سبحانه وتعالى.
عملك؛ واحد يعمل لأجل المال، واحد يعمل لأجل أن يكف نفسه عن الناس ويحفظ أهله ويتصدق وينفق وكذا وكذا، فرق؛ هذا الثاني له أجر في عمله، والأول ما له أجر لأنه فقط من أجل المال. مجرد الطعام والشراب؛ تأكل الطعام بنية التقوي للعبادة لك فيه أجر. المال الذي تنفقه على أهلك؛ إذا أنفقت وأنت تحتسب أن هذا لوجه الله، وأن هذا صدقة عليهم، وأن هذا من أجل الواجب لهم، وأن هذا لله عز وجل، يصبح كل أموالك صدقة في موازين حسناتك. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك».
إذاً نستطيع أن نغير عاداتنا لتصبح عبادات، هنا الذكاء وهنا الفطنة، وقبل ذلك هو توفيق الله سبحانه وتعالى للعبد. أنت بتعيش وبتشتغل وبتعمل وبتنام وبتأكل؛ استصحب النية منذ أن تصبح، استشعر أنك ستساعد الناس وستقف مع الناس إن جاءك ما جاءك، خلاص النية مبيتة عندك. لذلك النية هذه والتعامل معها هذه تخصص الأذكياء والصالحين من أمة محمد، وهذا كما قلت توفيق من الله سبحانه وتعالى.
إذاً «تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً». قد الإنسان يعبد الله، قد يعبد الله لكن يشرك، هذه كارثة، كارثة. الله سبحانه وتعالى ايش يقول في محكم التنزيل في سورة يوسف؟ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]. هذه كارثة كبرى أيها الأحبة؛ الشرك، إن الشرك لظلم عظيم. أخطر قضية في حياة الأمة أخطر قضية الشرك، لذلك الله عز وجل لما أرسل الأنبياء والرسل لماذا؟ لإنقاذ الناس من الشرك إلى التوحيد. ولذلك الذنب الذي لا يغفره الله أبداً، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48]. نعم، الذنب الذي لا يغفر الشرك؛ كل الذنوب الكبائر والصغائر تحت المشيئة إلا الشرك، يعني من مات مشركاً دخل النار، هو الواحد قول واحد. يا أخي يمكن في استثناء؟ ما في استثناء يا أخي، أنت تملك رحمة الله؟ لا، أنا ما أملك رحمة الله، أنا أقول ماذا قال الله: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72].
أحبتي في الله، الشرك خطر، خطر جداً. بعض الناس يتحصن من الذنوب، يتحصن من الأمراض، يتحصن من العدوى، يتحصن من أمراض الدنيا، يا أخي تحصن، تحصن من الشرك، تعلم، حصن أهلك من الشرك، نفسك بيتك مجتمعك يا إخواني كارثة. إنسان لو مرض بأي عدوى بأي مرض يا إخوان يرجى له الجنة والخير والمغفرة، لكن لو أصيب الإنسان في دينه في توحيده كارثة.
بعض الناس يقول لك: أنتم تشددتم عن الناس. الشرك كارثة، اقرأ القرآن: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31]. مرتين في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. لماذا الله سبحانه وتعالى يقول: "يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة". هنا الخطورة؛ الخطورة أن الإنسان يكون على الشرك وهو ما يدري.
ابتليت الأمة مع الأسف بالأضرحة والمزارات والقبور تُدعى من دون الله وتُعبد من دون الله، وإذا قلنا اتقوا الله قالوا: أنتم كذا مشددون! يا إخواني، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله».
كارثة الشرك مهلكة، فمن مات مشركًا دخل النار، هذا حكم الله. ولذلك لا بد للإنسان أن ينتبه حتى لا يدركنا الوقت، فعندنا مسائل كثيرة في الحديث، لكن يكفي أننا أشرنا إليه وهو موضوع خطير جدًا.
هذه القضية الثانية، القضية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. أمة الإسلام كالجسد الواحد، «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». هذا المجتمع واحد، الله يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. الفرقة منبوذة عندنا في الإسلام وممنوعة، الاعتصام والاجتماع والالتفاف والألفة والمحبة، هذا ديننا، أما قضية الافتراق والتفرق فلا، أبداً.
ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول في آيات كثيرة: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾، ويقول الله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. أمة الإسلام أمة الترابط، أمة اللحمة الواحدة، أما قضية الاختلاف والافتراق فليس في ديننا. ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «من كان على ما كنت عليه أنا وأصحابي». قضية مهمة جدًا، لذلك الفرقة إذا دبت في الأمة تخلخلت وضعفت وأصبحت عرضة لأعدائها.
متى ما اجتمعت أعداء الإسلام يعرفون أن المسلمين إذا اجتمعوا وتكاتفوا وتآلفوا لن يغلبوا أبدًا ولن يهزموا أبدًا، ولذلك دائمًا نجد أعداء الإسلام يوجدون الخلافات والفرقة بين المسلمين. أكبر شاهد على ذلك اقرأ تاريخ الأندلس؛ الإسلام مكث في الأندلس قرابة ثمانمائة سنة يحكم بقوة، وصلت جيوش المسلمين إلى أوروبا وإلى أبواب روما وإلى فرنسا وغير ذلك، لكنهم لما تفرقوا ودب الخلاف بينهم ضعفوا وضعفوا حتى استؤصلوا من الأندلس تمامًا، وسبيت الحرائر العربيات المسلمات، في يوم واحد مئة ألف حرة عربية تسبى، وانتهى تاريخ الإسلام في الأندلس. لماذا؟ التفرق.
في غزوة أحد لما اختلف الصحابة، اختلف الرماة على الجبل وخالفوا أميرهم ابن جبير رضي الله عنه وأرضاه، ما النتيجة؟ قتل سبعون من الصحابة، وكاد صلى الله عليه وسلم أن يقتل، كسرت رباعيته وشج رأسه وسال دمه، نكب المسلمون نكبة عظيمة جدًا في مخالفة واحدة، فكيف لما الأمة تختلف وتتنازع والإخوة اللون واحد والدم واحد والدين واحد واللغة واحدة والمنطقة واحدة ونأكل بعضنا بعضًا؟ كيف تقوم لنا قائمة؟ بص هذه الآية وهذا الشطر فقط: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، لو طبقه المسلمون لحكموا الدنيا ونشرنا الدين وبلغنا الكتاب والسنة، لكن الفرقة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
للسفر فوائد عديدة وآثار حميدة، وقديماً قال الشافعي رحمه الله: تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفرج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد
وينبغي للمسافر أن يحرص قبل سفره على أمور، منها: صلاح النية بالسفر بأن يكون لطاعة أو أمر مباح، وأن يستخير ويستشير، والتوبة وقضاء الدين، والتحلل ممن أساء إليهم، وألا ينسى نفقة أهله، وليختر الرفقة الصالحة في السفر، وأن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه. ويستحب السفر يوم الخميس إن تيسر له وأن يبكر في الخروج؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يخرج يوم الخميس، وقد دعا لأمته بالبركة في بكورها.
ويبتدئ بدعاء السفر عند ركوبه وسيلة سفره من سيارة وطائرة وغيرها؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبّر ثلاثًا ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطوِ عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل».
كما يستحب له السرى وهو سير المسافر آخر الليل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل». وينبغي أن يكون الذكر صاحباً له وأنيسًا، والدعاء قرينًا له وسميرًا؛ فهو مظنة الإجابة. وإذا أشرف على قرية أو بلدة دعا قائلاً: «اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها». وإن نزل منزلاً دعا وقال: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.
وينبغي للمسافر أن يحرص على الأذان والإقامة، والإتيان برخص السفر كقصر الصلاة الرباعية ركعتين، وكذا الجمع إذا كان سائراً، فإن كان نازلاً في مكان فالأفضل الصلاة على وقتها قصراً، ويجوز له الجمع. ويستحب له ألا يطيل في السفر، وأن يعجل إلى أهله إذا ما قضى حاجته، فإن عاد من سفره ودنا من بلدته قال: «آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ومع الأمور الثلاثة التي كرهها الله لنا ويكرهها لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. هذه أمور ثلاثة حذرنا منها النبي صلى الله عليه وسلم، هذا شرع الله سبحانه وتعالى. والله عز وجل يكره لنا، وكلمة كره يعني حرم علينا قيل وقال. القيل والقال هذه شهوة الفم، يسمونها شهوة الفم؛ الغيبة والنميمة والسب والشتم واللعن والبهتان كارثة. بعض الناس القضية عنده المسلمة: فلان إيش قال؟ وفلان وش قال؟ وش قالوا فلان؟ وش قالوا كذا؟ وتتبع الأقوال. لماذا؟ هل هذا يعنيك؟ أليس من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه؟ لا، بعض الناس همه فقط كيف يتتبع أقوال الناس، تجسس وتحسس وتلصص، لماذا؟ من حسن إسلامي تركه ما لا يعنيه.
فلان قال وفلانة قالت، والصحيفة الفلانية قالت، والقناة الفلانية قالت، والموقع الفلاني قال. وش يعني؟ أنا أضيع وقتي في أمور ما لها طائل؟ وبالتالي الذي يتتبع القيل والقال يتعب، الذي يتتبع القيل والقال يمرض، يقع في ذنوب ومعاصي ويقع في شيء يغضب الله سبحانه وتعالى. لو لم يكن فيها إلا الغيبة، هل الغيبة قليلة؟ والله ما هي قليلة. لو لم يكن فيها إلا النميمة، النميمة كارثة: «لا يدخل الجنة نمام». لو لم يكن فيها إلا تتبع أخبار الناس وسفه الناس وضياع الوقت وأمراض القلب. لذلك فعلاً: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
بعض الناس تجده وقته كله مع الصحافة والإعلام والقنوات والمواقع؛ هذا الموقع إيش قال؟ المكان الفلاني إيش قال؟ والقضية الفلانية. يا أخي، إذا أنت على رأس القرار لك، لكن بعض الناس تضييع وقت على أمور قد تضره أكثر مما تنفعه. يعني حتى ضياع الوقت تتبع أخبار مثل هذه الأمور ما له داعي أصلاً. يا أخي وقتك غالي، وقتك لا يقدر بثمن، أنك عرفت أن فلان قال وفلان؛ ثم ماذا؟ ماذا ستفعل؟ لا شيء. لذلك أيها الأحبة، بدأ بها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن القيل والقال يؤدي إلى المرض النفسي، مرض القلوب، الشحناء، البغضاء، التدابر. هب أنني قلت كلمة في ساعة غضب لا أقصدها، وجاك واحد وقال لك والله فلان قال كذا، تؤدي بعد ذلك إلى كثير من الضغينة والعداء والقطيعة والشحناء ومرض القلب، طيب ليش؟
جاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز قال: إن فلانًا يقول فيك كذا وكذا وكذا. قال: ما وجد الشيطان أسفّ منك حتى تبلغني هذا الكلام؟ يقول: وين عقلك أنت؟ يعني الشيطان قدر عليك أنك.. طب أنا ما سمعت فلان لما قال هذا الكلام، الشيطان يتسلط عليك حتى تبلغني هذا الكلام. لذلك أيها الأحبة الإنسان ينتبه للسان وسقطات اللسان، ثم كذلك استميح لأخيك العذر، أعذر أخاك، فرضا بلغك عن إنسان يعز عليك قال فيك كلمة، لأنها سقطت لسان لعله ما أرادها، لعل الناقل وشى به، لعل الأشياء كثيرة. كما قالوا: تسعة أعشار العقل في التغافل. فإذاً القيل والقال هو من إشغال الأمور في أمور لا فائدة فيها، وقد تؤدي إلى فساد في الأرض، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قيل وقال، وكثرة السؤال. كثرة السؤال إما أن الإنسان يسأل الناس أموالهم وهذه كارثة بغير وجه حق ولا حاجة، وإما سؤال العلماء في بعض الأوقات: افرض يا شيخ أنه صار كذا، وافرض أنه صار كذا، وندخل في الفرضيات. جاء رجل إلى الإمام أحمد رحمه الله قال: يا إمام هل يجوز الوضوء بماء الباقلاء أو البازلاء؟ قال: يا بني، هل تعرف أركان الصلاة وواجبات الصلاة؟ قال: لا. قال: تعلمها فهو أنفع لك. لأن بعض الناس يمتحن الشيخ أو العالم، يأتيه بأسئلة ليست لها وجود: يا شيخ افرض كذا وافرض كذا، ودخلنا في الفرضيات وأصبحت المسائل كلها فرضية، هذا من التنطع. بعضهم يقول إن أحدهم سئل أحد العلماء عن مسألة قال: وقعت؟ قال: لا. قال: دعها حتى تقع ثم تعال فاسأل. تنطع في السؤال ما له داعي، خاصة السؤال في مسائل يندر وقوعها أو قد يستحيل وقوعها. والنبي صلى الله عليه وسلم أعطانا منهجًا في السؤال لما قال: «يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا». قالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ حتى ظهر الغضب عليه، قال: «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة اختلافهم على أنبيائهم». لذلك الصحابة كانوا يخشون أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، هذا من أدبهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
كثرة السؤال أيضًا كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان، وإضاعة الوقت فيما لا فائدة فيه. بعض الناس يسأل في أشياء لا تعنيه، يا أخي خلك في الشيء الذي يعنيك، هذا أفود لك ولدينك ويقربك من الله سبحانه وتعالى. طبعًا بالنسبة للأسئلة التي فيها فائدة وفيها طلب علم هذا الإنسان بالعكس مأجور على ذلك، وابن عباس رضي الله عنه وأرضاه ذكر أن من أسباب نبوغه في العلم: لسانًا سؤولاً وقلبًا عقولًا. لسان يسأل وقلب يعقل، وكان من أسباب نبوغ ابن عباس بعد توفيق الله سبحانه وتعالى، هذا مهم جداً؛ الإنسان يسأل ليتعلم، لا يسأل مثلاً ليسكت خصمه. بعض الناس يبغى يسأل حتى يبين أنك أنت ما أنت عالم ولا أنت جاهل أو كذا أو كذا، اتق الله سبحانه وتعالى واجعل كلامه لوجه الله، سؤاله لوجه الله، لا أريد فيها تنطعًا ولا استصغارًا ولا احتقارًا ولا غير ذلك.
القضية الأخيرة التي يكرهها الله سبحانه وتعالى إضاعة المال. طيب ليش إضاعة المال؟ الله سبحانه وتعالى ماذا يقول: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33]، إذاً المال الذي عندك وعندي وعند كل إنسان هو ليس لي ولا لك، الأموال هي لله سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى ينقلها من شخص إلى آخر، والقرآن يشهد: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. ولذلك لا يجوز لك أن تفعل في مالك ما يسخط الله عز وجل، ما يغضب الله سبحانه وتعالى. بعض الناس عنده أموال فيستخدمها فيما يغضب الله عز وجل، أو في الإسراف في المباحات؛ حتى الإسراف لا! مع الأسف الآن ابتلينا بالسناب شات وبالأشياء هذه، وأصبح الواحد إذا ورث مالاً أو متاعًا كيف يبدع في الإسراف والإنفاق وفي كسر قلوب الفقراء وفي كسر قلوب الشباب. أقول أيها الأحبة، الإنسان يتقي الله سبحانه وتعالى، الإنسان يتقي الله سبحانه وتعالى في هذا ولا يكسر قلوب الناس.
هذا المال أنت ستسأل عنه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه». انتبه ستسأل عن كل صغيرة وكبيرة، الآن الواحد فينا يأخذ الراتب أول الشهر، تجي نصف الشهر وين الراتب؟ قال: والله ما أدري. لا تدري يوم القيامة، يوم القيامة سيسألك الله عز وجل عن كل صغيرة وعن كل كبيرة. ولذلك أيها الأحبة، الإنسان إذا أعطاه الله المال اجعله فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، المطعم الحلال لا بأس، الملبس الحلال لا بأس، المركب الحلال، البيت الحلال، لكن لا إسراف ولا مخيلة كما قال صلى الله عليه وسلم. فضلًا عن أن الإنسان يستخدمه في الحرام، هذه كارثة، هذه كارثة، وهذا من أسباب سحب المال من الإنسان. شكر الله في المال أن تنفقه فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، فإذا أنفقت فيما يسخط الله كان ذلك سبباً في أن يسحب المال منك.
نكتفي بهذا، وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي