دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 15 - حديث: (أربع من كن فيه...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً يأتيك ميسوراً بأي مكان، والسنة للعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم، ولقاء يتجدد مع هذه الأكاديمية المباركة، أكاديمية زاد، ومع مادة الحديث، ومعنا اليوم الحديث الرابع عشر.

هذا الحديث من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». متفق عليه.

أولاً نقف أيها الأحبة مع راوي الحديث، ألا وهو عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه، عبد الله بن عمر بن الخطاب، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد الخندق وما بعدها، ولم يشهد بدراً ولا أحداً؛ لِمَ؟ لصغره. أفتى الناس ستين سنة، كف بصره في آخر حياته، وكان آخر من توفي بمكة من الصحابة سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مواقف كثيرة، لكن الوقت لا يتسع.

نقف مع معاني الكلمات وشرح المفردات، قوله: «منافقاً خالصاً» أي استجمع صفات النفاق والعياذ بالله. والنفاق لغة مأخوذ من نافق اليربوع، وهو حيوان له جحران، أحدهما النافقاء، وهو موضع يرققه بحيث إذا ضربه أو ضرب رأسه عليه ينشق، وهو يكتمه ويظهر غيره؛ يعني باب طوارئ كما نقول نحن الآن. فإذا أتى الصائد إليه من قبل القاصعة، وهو جحره الظاهر، ضرب النافقاء برأسه فانفتق فخرج. وكما أن اليربوع يكتم النافق ويظهر القاصع، فكذلك المنافق يكتم الكفر ويظهر الإيمان، أو يدخل في الإيمان من باب ويخرج من آخر والعياذ بالله.

والنفاق اصطلاحاً: ستر الكفر وإظهار الإسلام. قال ابن منظور رحمه الله: هو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وهو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفاً. قوله: «خصلة» أي صفة. وقوله: «حتى يدعها» أي يتركها ويخلص نفسه منها. وقوله: «غدر» أي نقض العهد وترك الوفاء بما عاهد عليه. وقوله: «خاصم» أي نازع وجادل. وقوله: «فجر» أي مال عن الحق واحتال في رده.

هذه معاني الكلمات لهذا الحديث المبارك. أيها الأحبة الأفاضل، كلمة النفاق مرعبة، والله إنها مرعبة ومخيفة. النفاق لما تتذكر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145]، يعني هم تحت الكفار في النار والعياذ بالله، تحت الكفار كارثة! والنفاق قد يقع فيه الإنسان وهو لا يشعر. قبل أن نتكلم في تفصيلاته، أولاً دعونا نفرق بين النفاق الاعتقادي والنفاق العملي؛ هذا الذي في الحديث هو نفاق عملي لا يكفر صاحبه به، لا يخرج من الدين حتى لو وقع في هذه الأربعة كلها. لكن النفاق الاعتقادي هو الذي يخرج صاحبه من الملة.

مثل ماذا؟ بغض الإسلام مخرج من الملة، أو بغض شيء من الإسلام، خروج من الملة، ردة والعياذ بالله. إذا بغض الإسلام أو بغض شيئاً من الإسلام، ردة وكفر. أيضاً أمر آخر: بغض النبي صلى الله عليه وسلم، أو بغض شيء جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ردة وخروج من الملة والعياذ بالله.

عرفنا الآن أيها الأحبة، إذا بغض الإسلام أو شيئاً مما جاء به الإسلام، فهذا ردة، وبغض النبي صلى الله عليه وسلم أو بغض شيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا ردة وخروج من الملة. يعني أن تأطر نفسك على الكتاب والسنة، حتى لو ما أعجبك، حتى لو تقول: والله نفسي في شيء، لا لا لا؛ شوف دين الله، شرع الله، حظر ممنوع الاقتراب، ما دخل رأيك أو فكرك. ها والله أنا ماني مقتنع بالكلام هذا، مقتنع ولا منت مقتنع، البعيد في التراب، أنا ماني مقتنع دين الله يا حبيبي! هذا شرع الله، عنك ما اقتنعت أنت وأشكالك.

مع الأسف، بلينا في الأمة الآن في النت وفي مواقع التواصل، وبعض الناس يقول لك: أنا ماني مقتنع بهذا الحكم. من حضرتك حتى ما تقتنع بهذا الحكم؟ فين حضرتك يا بعيد؟ دين الله يمشي على الجميع، الكبير على الصغير، على العالم وعلى الجاهل، على المحب وعلى المبغض، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. لكن بلينا في الأمة بالمتفزلقين، اللي يجيك يتكلم وكأنه، يا حبيبي هذا دين الله، انتبه! والله يا أخي حد الردة أنا ماني مقتنع فيه، حد الخمر أنا ماني، من حضرتك؟ هذا دين الله يمشي على الجميع، ما دام في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، غصباً عنك البعيد نقبل به.

المرأة والحجاب، تقييد المرأة بالحجاب، هذا كان في العصور المتقدمة، سيوقف! هذا دين الله إلى قيام الساعة، دين الله إلى قيام الساعة، أما أنك أنت مقتنع ما أنت مقتنع، هذا لا يقدم ولا يؤخر. ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]. انتبهوا أيها الأحبة، شباب الأمة، شباب الآن مساكين الذين جالسين يتكلمون ويهرفون بما لا يعرفون، ومواقع التواصل منتشر فيها أشياء كثيرة، شباب يقول لك: أنا والله يا أخي يعني الصلوات الخمس هذه يا أخي امتحان وكل شوية أنا أقوم أتوضأ، إيوا تقوم تتوضأ وتصلي، نعم تقوم تتوضأ وتصلي، ورمضان تصوم، والحج تحج، هي حجة الإسلام، أما قضية أني أخضع الدين لفكري من حضرتك؟ ثم نخضع إلى أي فكر يعني؟ والناس يختلفون في عقولهم وفي قدراتهم، ولو جعلنا الدين عرضة للعقول، كل شيء يجي نعقله، يصبح الدين لا دين! وهكذا يريده الآن كثير من أصحاب الفكر المنحرف والعفن، وأصحاب الفكر الضال، وأصحاب الفكر العلماني والليبرالي والحريات المنفتحة، لا وقف انتبه، هذا دين الله عز وجل يمشي على الكبير على الصغير.

فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله، صلى الله على محمد والحمد لله رب العالمين.

من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشاً ضعيفاً، جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها؛ فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة أبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة؛ فبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة. فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم وألا يمنعها الحياء من ذلك؛ فإنه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. نواصل أيها الأحبة ما بدأناه، تكلمنا عن النفاق الاعتقادي أنه مخرج من الملة والعياذ بالله، الإسلام أو بغض شيء مما جاء به الإسلام، بغض النبي صلى الله عليه وسلم أو بغض شيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الاعتقادي كما قلت هذا موجب للردة والعياذ بالله.

طيب نأتي الآن إلى هذا الحديث: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق». لما قال لك منافق خالصاً، كما قلت النفاق إيش؟ النفاق الأصغر ليس الأكبر، النفاق العملي. أولاً قال: «إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». كل واحدة أسوأ من الثانية.

بدأ بماذا النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «إذا اؤتمن خان»، كارثة! جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: «إذا ضيعت الأمانة ننتظر الساعة»، قالوا: ما علاماتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله»، إذا وسد الأمر إلى غير أهله هنا ضياع الأمانة، القيامة. لذلك أيها الأحبة، اهتم الإسلام بقضية الأمانة ونبذ الخيانة. وبالمناسبة كانت هذه عند العرب في الجاهلية، كانت الأمانة عندهم موجودة، وربما بعضهم يضحي بنفسه أو بولده أو بماله لحفظ الأمانة. جاء الإسلام وقرر هذه القضية، كيف المجتمع يمكن يعيش وما فيه أمانة؟ لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». اؤتمنت على شيء يجب عليك أن تؤديه، إن أخذته أخذته بباطل وتأثم، وسيحاسبك الله عز وجل على تضييع الأمانة ونكران الأمانة.

ديننا يا إخوة، أيها الأحبة، الدين الأمانة، لا الاجتماع ما فيه خيانة أبداً، ما فيه خيانة، الأمانة مطلب رهيب جداً، مهم جداً، الأمة حتى تستقيم حياتها، تخيلوا ما فيه أمانة! كيف تستقيم حياتنا؟ من يأمن على ماله؟ من يأمن على بيته؟ من يأمن على حقه؟ من يأمن على ممتلكاته؟ لا لا، الأمانة الأمانة، من صفات المنافقين يخونون الأمانة. تعطيه ألف ريال يرجع لك تسعمائة ريال، لأنه إن رجعها لك، يا أخي والله ما أخذت منك إلا تسعمائة، اتق الله! أنا معطيك ألف، ويحلف لك إيماناً أنا جيد، إذا لم ينكرك بالكلية، وهي من صفات اليهود والعياذ بالله. الأمانة من صفات اليهود، لذلك جاء الإسلام فأمر بالأمانة وحذر من الخيانة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، أمر من الله عز وجل؛ يعني ما هو اجتهاد منك، ولا فضل منك، لا لا، أمر من الله أن تؤدي الأمانة إلى أهلها.

وسبحان الله، كم فيها من الخير، وكم فيها من الأجر، وكم فيها من البركة حينما الإنسان يؤدي هذا الخير إلى أهله؛ يعني تذكرون حديث الثلاثة الذين أطبق عليهم الغار، دخلوا جاء مطر ودخلوا غار، فجاءت الصخرة وأقفلت فم الغار، الأول توسل إلى الله عز وجل ببره بوالديه، والثاني توسل إلى الله عز وجل أنه تعفف عن الحرام بعد أن استطاع أن يقع فيه، والثالث إيش قال؟ قال: اللهم إنه كان لي أجراء، فأخذ كل واحد منهم أجره إلا واحد ذهب وتركه، قيل في بعض الروايات أنها قبضة من أرز أو من حنطة، قال: فأخذت ما له وثمرته، ثمرته له حتى أصبح وادياً من الإبل ووادياً من البقر ووادياً من الغنم. شوف أمانة الرجل أنه نَمّى بهذا المال ثمرته، فلما جاءني يطلب ماله قلت: كل ما ترى مالك، قال: تهزأ بي؟ قال: لا والله، هذا مالك ثمرته لك، قال: فأخذه كله واستاقه أمامه. اللهم إن كنت قد فعلت ابتغاء وجهك فافرج عنا، فتدهدهت الصخرة وخرجوا يمشون. الأمانة، شوفوا الأمانة! هذا قبضة من حبوب ينميها حتى تصبح وادياً ووادي ووادي، ومع ذلك لما جاء قال: هذا كله مالك.

كم نحتاج الأمانة في حياتنا؟ كم نحتاج الأمانة في التعامل؟ الأمانة في البيع والشراء؟ الأمانة في الأخذ والعطاء مهم جداً، لكن مع الأسف أصبحت حقوق الناس عرضة للفهلوة والذكاء. يا أخي تأتي تستلف مني تستدين مني، بعض الناس يظن أن هذا مكسب وربح، ضحكت على فلان وأخذت ماله. ﴿مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ﴾. أتلفه الله! لذلك الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، هذا أمر من الله، يعني هذا حق، لذلك الإنسان ينتبه لهذه القضية.

أيضاً إخواني، قضية الدين، ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]. أمانة الدين، أنا وأنت كمسلمين كمكلفين، كلفنا بهذا الدين، هذا الدين أمانة عندنا، نطبقه في حياتنا وأن نسعى إلى تطبيقه، وبالتالي فيسألنا الله عز وجل عن هذا الدين، ماذا فعلنا فيه؟ هذه من الأمانة التي كلفنا بها.

ومن الأمانة أيضاً أيها الأحبة، أمانة الجوارح، يا أخي العين عندك أمانة من الله تستخدمها فيما يرضي الله، اللسان عندك أمانة من الله نستخدمه فيما يرضي الله، السمع كذلك، الجوارح كذلك، الأقدام، الفرج، الظاهر، الباطن، كل هذه أمانة عندك، أمانة عندك سيسألك الله عنها، نستخدمها في إيش؟ فيما يرضي الله سبحانه وتعالى. إذاً هذه أول قضية حقيقة تحتاج إلى وقفات كثيرة، أن نربي الأمة وأن نربي النشء على قضية إيش؟ الأمانة؛ لأن الأمانة إذا فقدت في الشيء الصغير ستفقد في الشيء الكبير، وإذا الإنسان استمرأ الخيانة في الشيء القليل سيخون في الشيء الكبير، وبالتالي الإنسان ينتبه. حتى أسرتك، بيتك، أبناءك، تربيهم على ماذا؟ على الأمانة. نعم، متى ما شعرت أن هناك تقصيراً تبدأ المؤاخذة وحتى تبدأ كذلك من العقوبة، الإنسان ينتبه، الابن ينتبه، الصغير ينتبه، يكبر فإذا كبر وهو يعرف أن هذا صح وهذا غلط سينتبه بعد ذلك.

إذاً الأمانة تعم جميع وظائف الدين، تعم جميع وظائف الدين، القيام بالواجبات، ترك المحرمات، هذا كله من الأمانة التي كلفنا بها. النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة فاتحاً.

ودعا مفتاح الكعبة من بني شيبة، وفتح الكعبة ودخل، وأراد بعض الصحابة أن يأخذوا المفتاح، قال: لا، المفتاح فيكم، لا يأخذ منكم إلا ظالم، وبقي المفتاح في آل شيبة إلى هذا اليوم.

يوم بر ووفاء، يوم وفاء، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة فاتحًا ومع ذلك ما أخذ مفتاح الكعبة وأعطاه بني هاشم، لا، ظل في أصحاب أو سدنة البيت إلى هذا اليوم، ولا يجرؤ أحد أن يأخذ هذا المفتاح منهم؛ لأن النبي قال: «لا ينزعه منكم إلا ظالم». لا والله ما أبغى أكون ظالم. وبالتالي انظروا أيها الأحبة حفاظ النبي صلى الله عليه وسلم على قضية الأمانة. فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله، وصلى الله على محمد والحمد لله رب العالمين.

أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة، إنها تربية الأهل والأولاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب: أدبوهم وعلموهم. سنعلمهم العقيدة الصحيحة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك». ونعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن. ونعلمهم الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». ونعلمهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سمِّ الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك».

ونعلمهم شيئًا من القرآن بأنفسنا أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج، ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى، قال نافع: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. فاحرص على تعليم أهلك، واعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن، قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا مع هذه الدرة النبوية العظيمة، ومع هذا الحديث العظيم، النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من هذه الخصال الأربع. تكلمنا عن قال: «إذا اؤتمن خان»، هذه ليست من صفات المؤمنين أيها الأحبة. قال: «وإذا حدث كذب». جينا محك مهم جدًا، الإسلام دين الصدق، المؤمن لا يكذب. المؤمن قد يسرق، قد يشرب الخمر، قد والعياذ بالله يقع في الزنا، لكن هل يكذب؟ قال النبي: لا، المؤمن لا يكذب.

الكذب كارثة، العرب وهم عرب في الجاهلية قبل الإسلام، كان الواحد فيهم يكره أن يُذكر أن فلانًا كذب. أبو سفيان رضي الله عنه وأرضاه قبل أن يسلم، لما كان في الشام وهرقل دعا به، أجلسه أمامه وقومه خلفه، قال: إذا كذب أعلموني. فكان يسأله: هل هو كشريف في قومي؟ هل كذا؟ هل كذا؟ ايش يقول أبو سفيان؟ يقول: والله لولا أن العرب، خشيت أن العرب تقول إن أبا سفيان كذب، لكذبت على عدوه اللدود. ومع ذلك خاف أن العرب يقولون إن أبا سفيان كذب. انظروا يا إخواني في الجاهلية، جاء الإسلام وأكد على هذه القضية؛ كيف يستقيم مجتمع أهله يكذبون؟ ما يستقيم. ما تستقيم الحياة في مجتمع الكذب.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا». يا أحبتي ما في كذب أبيض وكذب لون آخر، مع الأسف كذبة بيضاء كذبة أبريل، كلام فاضي. لا، الله سبحانه وتعالى ماذا يقول بعد أن ذكر قصة الثلاثة الذين خلفوا، بعد ما ذكرهم أثنى عليهم وعلى توبتهم؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

كونوا مع الصادقين، الذي أنجاهم بعد توفيق الله لهم الصدق. جاء كل واحد يوم قال: يا رسول الله ما عندي عذر، المخلفون جاء المنافقون جاء كل واحد يعتذر، ويا رسول الله يقبل توبتهم، يقبل كلامهم. جاءت ثلاثة لا؛ كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، قالوا: يا رسول الله ما عندنا عذر، حتى يحكم الله فيكم. أكثر من خمسين يوم، خمسة وخمسين يوم وهم في بلاء شديد حتى ثبتوا، فأنزل الله فيهم إكرامًا لهم ورفعًا لمكانتهم قرآنًا يتلى إلى قيام الساعة: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: 118]. إذا قرأت هذا عرفت كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، ويثني الله عز وجل ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. قد يخطئ، قد تزل به القدم، لكن ما يكذب أبدًا، ما يكذب.

لذلك أحبتي في الله الكذب خطير، ولما الطفل يتربى على الكذب والأسرة تتربى على الكذب، كيف في وجه الناس من الناس وبعضهم على بعض وهم في كذب؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله. لذلك الإنسان ينتبه لهذه القضية، لا تقول لي كذب أبيض ولا كذب أسود ولا كذب أحمر. لا، الكذب. النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة تقول لابنها الصغير: تعال أعطيك، تعال أعطيك. قال: «وكنت معطية؟» قالت: نعم. قال: «لو لم تعطه لكتبت عليك كذبة». كارثة كذبة. أحد رجال الحديث ذهب يطلب حديثًا من رجل وسافر له مسافة بعيدة، فلما وصل إليه رأى دابته قد انفرست منه، فقام فجمع ثوبه، يوهم الدابة أن في الثوب طعام حتى يمسكها. قال له في الثوب طعام؟ قال: لا، ما في، بس حتى أمسكها. وتركهم ومشى، قال: ما تبغى الحديث؟ قال: لا، رجل يكذب على الدابة، لا آمن ويكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أمة الصدق، لذلك أمة الإسلام أهل السنة والجماعة هم الذين عندهم الإسناد، الإسناد يقوم على الصدق، لا يمكن أن يذكر فلان من أهل الحديث أنه كذب كذبة واحدة. لا، ذلك الإسلام أكد على قضية عدم الكذب، وأن الكذب من صفات المنافقين: «وإذا حدث كذب»، أعوذ بالله.

قال: «وإذا عاهد غدر»، كارثة أيضًا. العرب كانوا يترفعون عن قضية الغدر، بل أحدهم يكون خصمه على الأرض مستلقي، وسيف بجانبه ما يعدو عليه فيقتله، يا فلان خذ سيفك فإني قاتلك، هكذا. ما يمكن أن يغدر فيه، لذلك الإسلام نهى عن الغدر. ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]. الإنسان ينتبه في قضية عدم الغدر أو نبذ الشرط، لا، المؤمنون على شروطهم. لذلك قريش لما غدرت ووقفت مع قبيلة ثانية، النبي صلى الله عليه وسلم لم يعذر، وأرسل لهم: أنتم قد نقضتم العهد، ولذلك علينا أن يقع بيننا وبينكم ما حدث بعد ذلك من فتح مكة. اليهود غدروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يبدأهم بالغدر أبدًا، النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يقاتل قومًا ما يأتيهم في المساء في النهار بالغدر عليه الصلاة والسلام. ولذلك من صفات المنافق والعياذ بالله أنه إذا عاهد غدر، أبدًا المسلم ما يغدر، أبدًا ما يغدر، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «لكل غادر لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان»، فضيحة يوم القيامة والعياذ بالله.

والغدر محرم، محرم حتى لو غدر فيك أنت ما تغدر فيه، هذه مبادئ الإسلام، وهذه الأخلاق التي أمرنا أن نطبقها في حياتنا ونتعامل بها، هكذا سادة قادة الأمة الإسلامية في تاريخها، لم يعهد أن أمة الإسلام غدرت. لكن لما تقرأ تاريخ الصليبيين وكيف كانوا يغدرون ويعطون المسلمين الأمان، فإذا أعطوهم نزلوا على حكمهم أبادوهم وقتلوهم وفعلوا بهم الأفاعيل. أما الإسلام فأبدًا، إذا وعد وعد، وإذا عاهد عاهد، ولا يمكن أن ينقض عهده أبدًا؛ لأن الله أمرنا بذلك حتى لو كان هو الذي بدأ، أنت لا، من عصى الله فيك فأطع الله فيه.

ثم نأتي بعد ذلك إلى القضية الرابعة، ألا وهي قضية: «وإذا خاصم فجر». بعض الناس يفجر إما بادعاء ما ليس له وإما أن ينكر شيئًا عليه، أما أن يدعي شيئًا ليس له ويحلف أيمان مغلظة، أو ينكر شيئًا عنده ولا يريد أن يخرجه. القضية الأخرى أيضًا بعض الناس إذا خاصم فجر، بمعنى إذا وقع بينه وبين أخيه سوء فهم يفجر في الخصومة. هذي كارثة يا أخي، أنا أخطأت معك أو ما اختلفت معك، آسف. اختلفت معك، ما في داعي أنك تسفهني وتسبني وتلعنني وتشتم والدِي وتشتم أهلي وقبيلتي وأرضي ووطني، وليش؟ مع الأسف المجتمع فيه كثير من المشاكل، وخاصة لما يجيك الخطأ من إنسان، سمّه الخير في الخصومة، لا يا أخي. بعض الناس: عليه لعنة الله إلى يوم، لا يا أخي، اتق الله. عليه لعنة الله عليه وعلى والديه وعلى... لا يا أخي، أخطأ معاك خلاص، هذا خطأ، ما في داعي أنك في الخصومة تفجر في الخصومة، وربما بعض الناس يحلف أيمان مغلظة على شيء ما هو صحيح، هذا كله من أن الإنسان يفجر في الخصومة والعياذ بالله.

وبعدين أيها الأحبة، نترك حبل الود يرجع مرة ثانية: أحبب حبيبك هونًا ما، لعله أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما، لعله أن يكون حبيبك يومًا ما. وبالتالي المسلم حتى لو حدث بينه وبين أخيه خصام أو خطأ، لا يغدر ولا يحدد، ولا يفجر في الخصومة. خاصة أنا أؤكد إلى قضية المرأة مع زوجها والزوج مع امرأته، بعض الناس مع زوجته سبها ويشتمها ويلطمها ويلعن جدها وأحفادها اللي جابها. ليش؟ زوجتك ما هي عندك أمة، حتى لو كانت أمة عندك ما يجوز تفعل هذا أبدًا، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. إذا هذه صفات وخصال حذرنا منها النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها من صفات المنافقين، وعلى الإنسان أن يتقي الله عز وجل أن يبتعد عنها بالكلية، لا تليق بالمسلم أبدًا ولا بالمسلمة. نكتفي بهذا، وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يجعلنا جميعًا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.