يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد السنة للعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم، بأسمائه وصفاته، أن يرزقنا جميعًا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كل داء، ولقاءً يتجدد مع هذه الأكاديمية المباركة، أكاديمية زاد، ومع مادة الحديث الشريف.
اليوم أيها الأحبة معنى الحديث الخامس عشر، وهذا الحديث حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وهو حديث كبير وفيه من المعاني الشيء الوفير والكثير، يقول صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات، «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه». رواه مسلم.
الله أكبر! كم في هذا الحديث من المعاني العظيمة، ومن التوجيهات السديدة. لا نستبق الحديث، دعونا نقف مع معنى الكلمات وشرح المفردات. يقول قوله: «لا تحاسدوا»، الحسد هو تمني زوال النعمة عن المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، وهو محرم من كبائر الذنوب.
قال: «ولا تناجشوا»، أي لا ينجش بعضكم على بعض، وهو نوع من الغش والخديعة في المعاملات، ويدخل في النكاح كذلك. قال أهل اللغة: نجس الرجل ينجش نجساً إذا زاد في سلعة أكثر من ثمنها، وليس قصده من يشتريها بل ليغري غيره فيوقعه فيه، أي في البيع.
قال قوله: «ولا تباغضوا»، أي لا يبغض بعضكم بعضًا، فلا تسعوا في أسباب البغضاء، وإذا وقع في قلوبكم بغض لإخوانكم فعلى إزالته من القلوب. قوله: «ولا تدابروا»، يحتمل معنيين؛ الأول في الظهور بأن يولي بعضكم ظهر بعض، أو المعنى الثاني: لا تدابروا في الرأي بأن يتجه بعضكم ناحية والبعض ناحية أخرى.
قوله: «ولا يبع بعضكم على بيع بعض»، وهذا يحرم بعد تمام الصفقة، كأن يرى أحدهم شخصًا باع له سلعة بعشرة، فيأتي إلى المشتري ويقول: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك خيرًا منها بعشرة، فهذا بيع على بيع أخيه وهو حرام.
وقوله: «وكونوا عباد الله إخوانًا»، هذا هو المقصد الرئيس، أي صيروا مثل الإخوة، ومعلوم أن الإخوة يحب كل واحد منهم لأخيه ما يحب لنفسه. وقوله «عباد الله» أي جملة اعتراضية المقصود منها الحث على هذه الأخوة.
قوله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم»، أي مثل أخيه في الولاء والمحبة والنصح وغير ذلك. «لا يظلمه»، أي لا يظلمه في ماله ولا في عرضه ولا في أهله، بل يعدل معه ويكون خليفته في ماله وأهله وعرضه.
قوله: «ولا يخذله»، أي لا يهضم حقه في موضع كان يجب أن ينتصر له فيه. قال العلماء: الخذلان ترك الإعانة والنصرة، ولازمه أنه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه وجبت إعانته إذا أمكنه ذلك.
قوله: «ولا يحقره»، أي لا يستصغره ويستقله ويرى نفسه أكبر منه وأن أخاه لا يساوي شيئًا، هذه كارثة أيضًا. قول النبي صلى الله عليه وسلم: «التقوى ها هنا» وأشار إلى صدره، أي تقوى الله عز وجل أساسها في القلب، والأعمال الظاهرة دليل على ما يقع في القلب من عظمة الله وخشيته ومراقبته، لكن لا يكفي الاقتصار على اللسان والجوارح دون القلب، سنتكلم عن هذا كثيرًا إن شاء الله.
قوله: «ويشير إلى صدره ثلاث مرات»، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا؛ تأكيدًا لقوله صلى الله عليه وسلم، ولكون القلب هو الذي عليه مدار العمل والقبول. قوله: «بحسب امرئ من الشر»، أي بحسب بمعنى كافٍ، والمعنى يكفي الإنسان من الإثم أن يحقر أخاه المسلم، والعياذ بالله.
أخيرًا قوله: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه»، فلا يجوز انتهاك دم المسلم أو ماله أو عرضه وسمعته، فكل المسلم على المسلم حرام.
أيها الأحبة الأفاضل، ونحن مع هذا الحديث العظيم وما فيه من التوجيهات الكريمة، انظروا كيف يسعى الإسلام وكيف يسعى النبي صلى الله عليه وسلم إلى لحمة المجتمع وترابط المجتمع الواحد المسلم. يا إخواني، النبي صلى الله عليه وسلم يضرب أمثلة كثيرة للمسلمين في توادهم وتراحمهم، كقوله: «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، و«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا».
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على تماسك المجتمع المسلم، وهذا هو الصح وهذا الأصل، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه كل المجتمعات المسلمة؛ أن تكون على قلب واحد ويكون أمرها واحدًا. التفرق والاختلاف كارثة ومصيبة، يؤدي إلى زعزعة الأمن، ويؤدي إلى فقد المال وفقد العرض وفقد النفس وتخلخل المجتمع وخسارة الناس. لكن المجتمع لما يكون واحدًا وهذه الصفات منطبقة فيه، خلاص، يعني أنا أتعامل مع أخي المسلم كأنه أخي، أحب له ما أحب لنفسي وأكره له ما أكره لنفسي، هذا هو المسلم وهذا هو المجتمع المسلم الحقيقي.
يا أحبتي في الله، ضرب مجتمع الصحابة أروع الأمثلة في هذا الأمر، أخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، كل رجل من المهاجرين أخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين رجل من الأنصار، فكان مجتمعًا ما عرف التاريخ مثله، والذي لا إله إلا هو لن يعرف التاريخ مثله إلى قيام الساعة إن شاء الله، مجتمع رباه النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
أخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سعد بن الربيع وسعد بن معاذ؛ سعد بن معاذ تاجر ترك أمواله في مكة وهاجر، وسعد بن الربيع تاجر من تجار المدينة. شوفوا الأخوة أين بلغت! سعد بن الربيع يقول لسعد بن معاذ: «يا سعد، إن لي بستانًا، انظر أيهما أحب إليك فخذه»، نصف المال تمامًا! بل الذي بعدها يقول: «إن لي زوجتان، انظر أيهما أحب إليك أطلقها فتعتد فتتزوجها»، سمعنا بمثل هذا؟ فيقول سعد بن معاذ: «بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق».
هذه الأخوة التي ما سمع التاريخ بمثلها ولن يسمع، لماذا أسسها النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهو الذي يرشدنا إلى هذا الكلام. فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى، وصلى الله على محمد.
ما أوثق العلاقة بين العلم والعمل؛ العلم شجرة والعمل ثمرة، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. قال النبي ﷺ: «القرآن حجة لك أو عليك»، أي تنتفع به إن تلوته وعملت به، وإلا فهو حجة عليك. وإنما يراد العلم لأجل العمل.
قال أبو الدرداء: «لا تكونوا بالعلم عالما حتى تكون به عاملا». وقد ذم الله تعالى من لا يعملون بالعلم فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. وقال ﷺ: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه».
والعلم النافع يورث خشية الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. قال ابن مسعود: «ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية»، والخشية تنير العقل، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا ۚ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]؛ أي اتقوا والله وسيلة إلى حصول العلم.
فمن صدق العلم بالعمل كان قدوة للمتعلمين، ومن خالف فعله قوله كان من الممقوتين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
ما زلنا أيها الأحبة مع هذه التوجيهات النبوية العظيمة الكريمة التي تحافظ على المجتمع، وتماسك المجتمع، وترابط المجتمع، وقوة المجتمع. كما قلت قبل الفاصل أيها الأحبة، النبي ﷺ أسس مجتمعًا ما عرف التاريخ ولن يعرف التاريخ مثله أبدًا؛ أخوة، أخوة الدين أعظم من أخوة النسب، فكيف إذا اجتمع الدين والنسب؟ يا سلام، نور على نور.
تعالوا بنا نسمع هذه التوجيهات. أول توجيه وجهنا إياه ﷺ قال: «لا تحاسدوا». الحسد كارثة، الحسد من الذنوب العظيمة؛ والحسد هو تمني زوال النعمة عن المحسود. وفرق بين الحسد والغبطة؛ الغبطة أن أرى عندك نعمة فأتمنى مثلها ولا أتمنى زوال نعمتك عندك، عندك بيت، عندك ولد صالح، بنت صالحة، وظيفة طيبة، أتمنى مثلها لكن لا أتمنى زوال النعمة عنك، يا ليتني مثل فلان، ما في مشكلة.
لكن الحسد في البداية لا يكون إلا في القلوب المريضة والنفوس الدنيئة. لماذا الدنيئة؟ لأن الرزاق هو الله عز وجل، الله رزق زيدًا مالًا، فيجيء عمرو يقول: ليش فلان عنده مال؟ بأي حق؟ هو ما يستاهل أصلاً! سبحان الله، فهم يقسمون رحمة ربك؛ لذلك الحاسد اعتراضه على رب العالمين، وبالتالي اعتراض على الله، وهذه كارثة: ليش فلان يأخذ وأنا لا آخذ؟ ليش فلان عنده وأنا ما عندي؟
هذه من صفات اليهود. النبي ﷺ لما جاء المدينة عرفه أحبار يهود، قالوا: «أهو؟» كما يقول أحدهم للآخر، قال: «نعم». قال: «ما تقول؟» قالوا: «العداء حين نموت»، كانوا يتمنون ويظنون أن النبي آخر الأمة يكون من اليهود. والله عز وجل اختار محمد بن عبد الله ﷺ من أمة العرب، لكن الله عز وجل أقام عليهم الحجة، وبعض أحبار بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وزيد بن سعادة وغيرهم أسلموا، وحسن إسلامهم وكانوا من علية الصحابة رضي الله عنهم جميعًا، ما الذي منعهم؟ الحسد.
نأتي إلى قريش، أبو جهل ألم يكن يعرف أن رسول الله ﷺ نبي؟ بلى، يعلم ذلك يقينًا. ما الذي منعه؟ الحسد. تنافسنا بنو هاشم في كذا فنافسونا، ونفسناهم في كذا فنافسونا، ثم يقولون: منا نبي وليس منكم نبي، أدى به ذلك إلى أنه يعلي العداء للنبي ﷺ إلى أن قتل إلى جهنم وبئس المصير.
والحسد كارثة، اعتراض على الله، أو تمني زوال النعمة عن أخيك المسلم. سبحان الله حتى الحاسد لا تستقيم حياته، المحسود يعيش في نعمة والحاسد يعيش في نقمة، لا يلتذ بنوم ولا بطعام ولا براحة ولا بشيء. لماذا؟ الحسد يعمل في قلبك كما تعمل النار. هكذا كانوا بنو إسرائيل، ولذلك كما يقولون في الأمثال: "قاتل الله الحسد، ما أعدله! بدأ بصاحبه فقتله". المثل له قصة والوقت لا يتسع، لكن الخاسر الأول والأخير في الحسد هو الحاسد، والمحسود لن يضره شيء.
المحسود لا شيء، لكن الحاسد يعيش على جمر، على ألم: لماذا عنده؟ لماذا هذا عنده؟ المسلم يرضى، وبالعكس إذا رأى نعمة عند فلان يدعو له بالبركة: "اللهم بارك له فيها"، هذا هو الصح. حتى القلب لا يتحمل، لأنك إن لم ترضَ حينما ترى الناس عندهم نعم وأنت ما عندك شيء ستكون حاسدًا، وتكون ظلمات بعضها فوق بعض. لكن رأيت فلانًا عنده نعمة، تقول: بارك الله له فيه، الحمد لله الذي رزقه، الله يبارك له؛ بالتالي أنت نفسك تطمئن وتكون عرضة بإذن الله تعالى أن يرزقك أحسن مما عند فلان، فحينما تدعو لفلان يقول لك الملك: «آمين ولك بمثل».
بالتالي الإنسان تستقر حياته، تستقيم حياته، يعيش هانئًا سعيدًا ما عنده أمراض القلب هذه. ما الحسد؟ هو هذه الكارثة الكبيرة، والعياذ بالله، تجعل الإنسان يعيش في كمد وفي غم وفي هم، يحمل بنفسه ما لا تحتمل؛ هذه أرزاق من الله مقدرة من رب العالمين. مسكين والله مسكين الحاسد، يعيش حياة الهم والغم. الحمد لله الذي عافانا، ونسأل الله أن يحفظنا وإياكم من الحسد ومن شوائبه ومن وسائسه، إنه على كل شيء قدير، نسأل الله أن يقنعنا بما رزقنا.
أما الأمر الثاني، قال: «ولا تناجشوا». ما النجش؟ إذا أتيت عند هذه السلعة في السوق وهي معروضة للبيع، فيأتي إنسان يريد أن يشتريها، مسكين محتاج لها، أنا وصاحب السلعة أو اثنان أو ثلاثة جالسين، بكم نحطها؟ بخمسة ريال، فأقول: بستة، أو سبعة، وهذا يريدها بثمانية، فأبدأ أنا أزيد وفلان يزيد حتى نرفع من سعر السلعة حتى يشتريها الثاني بسعر أعلى، هذا هو النجش.
ومع الأسف أكثر الأسواق التي فيها مزايدات أغلبها من النجش، والعيال هذا المسكين الذي يريد هذه السلعة يزايد عليه من قبل أشخاص من أصحاب السلعة أو من الدلال حتى يأخذها بالسعر الأعلى. هذا فيه ظلم، الإسلام يقول: «لا ضرر ولا ضرار»، لذلك قال: «ولا تناجشوا»؛ فيها احتيال وكذب وتدليس، والكسب من هذا كسب محرم. انتبه يا أيها الدلال، انتبهي أيتها المناجشة، هذا الكسب كسب حرام والفعل فعل حرام، والعياذ بالله.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَبَاغَضُوا﴾. الوصية الثالثة: لا تباغضوا. البغض، هل يليق أن يقع بين المسلم والمسلم؟ "أبغضني، أبغضك"؟ لا يا أخي، عندنا في الإسلام مبدأ الحب في الله، والحب عكس البغض؛ أنا أبغض في الله وأحب في الله.
كيف أبغض في الله؟ أنا أبغض صاحب المعصية ليس لذاته، أبغض فيه معصيته، لكن لا يزال عنده حب كمسلم. أبغض السارق، أبغض المنافق، أبغض المرتشي؛ أنت تبغضه لا لذاته، إنه مسلم، لا تبغضه لأنه عنده مشكلة، لكن لا يزال المسلم -أيها الأحبة- كائناً من كان، مسلماً أو مسلمة، نقول مسلم، ما هو يدعي الإسلام، مسلم له حق الولاء مني؛ يجب علي أن أحب كل مسلم حقيقي، ما هو مسلم مدعي. وأنا أبغض في كل كافر.
وين نظر الإسلام هذا يا إخواني؟ الحب في الله والبغض في الله. وصاحب المعصية إن أبغضته لا لذاته وإنما لمعصيته، وصاحب الطاعة فإنني أحبه في الله، وأحب عمله وأحب أخلاقه وأحبه هو بذاته. نحن أمرنا بهذا الحب في الله والبغض في الله، وهو من أوثق عرى الإيمان. نكتفي بهذا ثم نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
من المؤسف أن يفتخر الشباب باللغات الأعجمية ويلون ألسنتهم بها دون حاجة، حتى أصبح بعضهم يكتب العربية بحروف أجنبية، وكأنه قد غاب عنهم أن اللسان العربي هو شعار الإسلام وأهله. قال تعالى: ﴿فَاللُّغَاتُ﴾ -إشارة لتميز الأمم بلغاتها- من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون. لذا كره السلف التكلم بغير العربية إلا لحاجة، إذ هي من شعائر الإسلام وحفظها من تمام حفظه.
فينبغي للمسلم أن يعتني باللغة العربية، وأن يكون حريصاً على دراسة المهم من قواعدها واحتساب الثواب في ذلك، إذ هي مفتاح الفهم للقرآن والسنة. وينبغي اجتناب اللحن -الخطأ- فيها قدر المستطاع؛ عن نافع قال: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. وكذلك مطالعة كتب الأدب في التراث العربي، لا سيما الكتب التي يذكر فيها الشعر والنثر؛ فذلك مما يقيم اللسان ويزيد الحصيلة اللغوية لدى القارئ. والالتزام بها في المكاتبات والحوارات والشعارات في مواقع التواصل وغيرها، والالتزام بالتحدث بها مع الكبار والصغار ولو لفترة وجيزة كل يوم، وتعليم الأبناء قواعدها وتربيتهم على حبها وإتقانها منذ الصغر؛ إذ هي لغة القرآن الذي وصفه الله بقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 44].
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وقائد الغر المحجلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
ما زلنا أيها الأحبة مع هذا الحديث العظيم، وما زلنا مع قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تباغضوا». كما قلت، الإسلام دين المحبة، والحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، والمجتمع المسلم يقوم على المحبة؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاث من كن فيه فقد وجد بهن حلاوة الإيمان».
حديث أنس في الصحيح: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»، هذه الأولى، والثانية: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله»، الثالثة: «وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار».
قضية الحب في الله مطلب، وكم تؤجر عليها يا عبد الله! وكم تؤجرين عليها يا أمة الله! الحب في الله قضية مهمة جداً، بل الله سبحانه وتعالى يقول: «وجبت محبتي للمتحابين فيَّ»، وفي رواية: «إن للمتحابين فيَّ منابر من نور يغبطهم عليها الأنبياء والشهداء والصديقون».
يأتي مسلم يبدأ يبغض إخوانه؛ طب ليش يا أخي الكريم؟ إن كان هناك أسباب شرعية لا بأس، إنسان مرتكب للذنوب وللمعاصي ومجاهر، يمكن لأن البغض أيها الأحبة يمكن أن يكون للدين ويمكن أن يكون للدنيا. إنسان رأيته يبغض مثلاً إنساناً لدينه فيه شيء من الانفلات، فأنت ممكن تبغضه، وكذلك للدنيا يمكن أن تبغض، لكن بحدود. قد يقع بيني وبين أخي المسلم مشكلة، وقد أبغضه نفسياً، لكن هذا البغض ينبغي أن يكون وقت الزعل فقط، ثم لابد أن ترجع الأمور إلى نصابها. لا يحل لي أن أبغض أخي المسلم؛ وقت المشكلة يمكن النفس البشرية ضعيفة، لكن بمجرد أن تهدأ خلاص، كل الذي في قلبك ينبغي أن يزول.
أنت مسلم قدوتكم محمد صلى الله عليه وسلم، وبالتالي احرص دائماً ألا تبغض أي مسلم. هذا من حق المسلم علي؛ من حق المسلم علي ألا أبغضه، بل أحبه وأتقرب إلى الله بحبه. «إنما المؤمنون إخوة»، انتبهوا لكلامي؛ ليس مدعي الإسلام، أنا أقول المسلم الحقيقي يظاهره الإسلام، ما عنده مخالفات والعياذ بالله. طبعاً ما أمرنا أن ننقب في قلوب الناس، ولكن الظاهر، وكل مسلم عليك أن تحبه، ما يسمى بمبدأ الولاء والبراء؛ أن توالي أهل الإسلام، وأن تتبرأ من أهل الكفر والطغيان والشرك والعياذ بالله.
إذاً هذا توجيه نبوي: «ولا تباغضوا»، يعني أحبوا بعضكم بعضاً. اجعلوا روح الحب تظهر في المجتمع، اجعلوا روح الحب تظهر في البيت، اجعلوا روح الحب تظهر في المسجد، اجعلوا روح الحب تظهر بينكم كمسلمين، وهذا الذي كان عليه الصحابة والسلف الصالح. إظهار المحبة؛ هذا أخوك المسلم، المسلم عليك أن تحبه وأن لا تبغضه، وإن حدثت البغضاء لأمر فهو بحد ذاته، لكن لا يستمر. إن حدث بينك وبين أخيك المسلم عتاب أو شيء، فدعه في وقت المشكلة فقط، بعد ذلك نقي قلبك، لا تحمل شيئاً في قلبك تجاه أخيك المسلم، ولا تحملي شيئاً يا أمة الله في قلبك على أختك المسلمة، كونوا عباد الله إخواناً.
التوجيه الرابع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تدابروا». ومعنى «لا تدابروا» كما ذكر هنا الشارح: ألا تعطي ظهرك ويعطيك ظهره، وهي دلالة على البغض بيني وبينك والهجران والقطيعة. بعض الناس إذا رأى فلاناً أعطاه ظهره ومشى، وهذا أعطاه ظهره ومشى، مسلم وأنا مسلم، أنت مسلمة وفلانة مسلمة؛ التدابر لا يليق بالمسلمين. إن كان في قلبي شيء عليك أو في قلبك شيء علي يا أخي، واجهني، نتعاتب قليلاً ويزول الخلاف وتهدأ النفوس؛ إن كنت أنا مخطئاً اعتذرت منك، وإن كنت أنت مخطئاً تعتذر مني، ومن الذي لا يخطئ يا إخواني؟ لكن بعض الناس يبدأ يحمل النفوس، وبعض الأوقات تكون هناك...
أمور ليست في الواقع، أمور يحملها الشيطان في قلوب البعض، فلما يتبين له، وإذا بالرجال في جهة وأنت في جهة، وبالتالي كم من المشاكل التي حدثت ليس لها أصل؟ إنما الشيطان هو الذي يحاول أن يجعلها تكبر وتكبر.
لا ننسى قول النبي ﷺ؛ معنى الحديث أن الشيطان عجز أن يُعبد في جزيرة العرب، لكن لم يعجز عن التحريش بينهم، عمله -أو كما قال صلى الله عليه وسلم-: «كيف يوغر الصدور». الشيطان يئس أن يُعبد في جزيرة العرب، ولكن عمله الأساسي الآن كيف يوغر الصدور؟ يقطع الروابط الاجتماعية، يجعل الناس يتقاطعون ويتهاجرون.
ولذلك شوفوا الحديث؛ ذكره النبي ﷺ أن الشيطان يبعث سراياه، فإذا جاؤوا قال: «أنت وش سويت؟»، قال: ما زلت أبو فلان حتى زنى، قال: «يوشك أن يتوب». ما زلت وفلان، يجيك واحد ثاني من أعوانه حتى قتل، قال: «وش كان يتوب؟»، قال: فلان، قال: ما زلت أبو فلان حتى فرقت بينه وبين زوجته، قال: «إيوه، تعال»، وياخذ التاج ويحطه على رأس هذا الذي هو تابع له، قال: «أنت، أنت، إيوه أنت الرجال، أنت المبدع، أنت اللي فعلاً سويت شيء ما يتسوى، طلق زوجته». إيش معنى طلق زوجته؟ يعني حدثت مشاكل وقطيعة وهجران وشيء لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
إذن حينما نستشعر هذا، نترفع عن سفاسف الأمور، نترفع عن الأمور اليسيرة؛ حتى يظل المجتمع متماسكًا، سواء مجتمع الأسرة أو مجتمع الأمة. مهم جدًا: ﴿لَا تَدَابَرُوا﴾، ومن التدابر أيضًا التدبر في الفكر: «أنا رأيي كذا، وأنت رأيك كذا، كيفك تقبلني ولا مع السلامة، اضرب براسك الحائط». لا، ما ينبغي هذا، هذا عكس الألفة والمحبة، وعرض الرأي بشكل سليم وعرض الفكرة بشكل مبسط: «هذا رأيي إن قبلته جزاك الله خير، ما قبلته إذاً». الرأي عند بعض الناس: «ما أريكم إلا ما أرى»، مثل الشيطان، لا يا أخي، نزل فرعون والعياذ بالله. وبالتالي نحرص أيها الأحبة على عدم التدابر أو أسباب التدابر؛ لأن الشيطان كما قلت يوغر الصدور حتى تأتي القطيعة، والعياذ بالله.
ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «ولا يبع بعضكم على بيع بعض». أيضًا من أسباب الفرقة في المجتمع إغارة الصدور؛ أجي أشتري سلعة ويجي فلان يدفع أكثر مني حتى يأخذها. يا أخي خلاص ما دام اشتريت هذه السلعة، الزم حدك لا تقترب، والله فلان أعطاك عشرة أنا أعطيك خمسة عشر، يعني كارثة تؤدي إلى تنازع المجتمع وتقاطع المجتمع.
أذكر في مرة من المرات في أحد المناطق، جاء رجل أتى بشاحنة كبيرة جداً فيها نوع من أنواع الفاكهة ونزل السوق، طبعًا الهوامير ما يبغون يدخلوا السوق، فجاب فاكهة الموز، الكرتون ذيك الأيام ستين ريال سبعين ريال، إيش يسوون حتى يضربونه؟ التجار الكبار جابوا من نفس البضاعة وباعوه بخمسة عشر ريال الكرتون، الرجل رأس ماله خمسين يبغى يبيعها بستين ريال، ضرب! هل هذه من أخلاق المسلمين؟ هذه من أخلاق اليهود. النبي ﷺ يقول: «ولا يبع بعضكم على بيع بعض». كل هذا محاولة للمجتمع المسلم تكاتف المجتمع المسلم، حب المجتمع المسلم؛ يجي الشيطان يوغر الصدور: «ولا يبع بعضكم على بيع بعض».
ثم ختم النبي ﷺ هذا التوجيه: «وكونوا عباد الله إخوانًا»، يا عباد الله ربكم واحد، دينكم واحد، كونوا إخوانًا، يعني تحب لي ما أحب لك، وهكذا مع كل مسلم. ما أعظمها! ما أعظمها لما كانت منتشرة في المجتمعات الإسلامية، وكم عندي من القصص في هذا الباب في التاريخ يشهد، لكن لما جاءت قضية «الأنا وحقي ومالي» -أوتيت على علم من عندي كما يقولون- بدت البغضاء تنتشر والحسد والقطيعة والتدابر، وهذا الذي حذر منه النبي ﷺ.
نكتفي بهذا من هذا القدر من الحديث، ثم نكمل إن شاء الله في اللقاء القادم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر. اللهم اغفر لآبائنا وارحم أمهاتنا، وأصلح نياتنا وذرياتنا، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً.
د. موفق كدسة الغامدي