يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد السهل والسنة، للعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم، بأسمائه وصفاته، أن يرزقنا جميعًا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كل داء.
مع هذه الأكاديمية المباركة، ومع أكاديمية زاد، ومع مادة الحديث الشريف، كنا في اللقاء الماضي أحبتي في الله توقفنا في الحديث الخامس عشر وتكلمنا في شيء منه، ونكمل حديثنا إن شاء الله في هذه الحلقة استكمالًا للحديث. نقرأ الحديث سويا؛ حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». انتهى الحديث، رواه الإمام مسلم رحمه الله.
كنا قد تكلمنا في اللقاء الماضي أحبتي في الله عن خمس توجيهات: لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض. ثم ختم النبي صلى الله عليه وسلم هذا التوجيه بقوله: «وكونوا عباد الله إخوانًا». القضايا المهمة في التشريع الإسلامي أحبتي في الله، قضية الأخوة المجتمعية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. هكذا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10].
أنا كمسلم، وأنت كمسلم، نحن إخوان في الدين، نحن بيننا رابط الإسلام، رابط الدين، وهذا أعظم رابط؛ لذلك رأينا الصحابة رضوان الله عليهم لما ارتصوا في غزوة بدر، وفي غزوة أحد، وفي غيرها، بعضهم كان يقاتل أباه وأخاه وأبناء عمومته، لماذا؟ لأن أخوة الدين أعظم من كل الروابط. لذلك أحبتي في الله، مجتمع الصحابة الأول حينما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، أخوة ما سمع التاريخ بمثلها أبدًا ولن يسمع.
لذلك النبي ﷺ أكد وقال: «وكونوا عباد الله إخوانًا»، انتبه، أنا أخوك وأنت أخي، وبين أن علاقة يسألني الله سبحانه وتعالى عنها يوم القيامة، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم». يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الرابطة، المسلم أخو المسلم، صحيح ما يكون بيني وبينك نسب، لكن بيني وبينك سبب، ما هو السبب؟ الإسلام؛ أبي الإسلام، لا أب لي سواه، إذا افتخروا بقيس أو تميم، أنا وأنت مسلمون، ديننا واحد، ربنا واحد، كتابنا واحد، رسولنا واحد، قبلتنا واحدة، عقيدتنا واحدة، بالتالي ما الذي يفرق بيني وبينك؟ ذلك سلمان الفارسي أخ لأصهب الرومي، أخ لبلال الحبشي، أخ لعمر العربي رضي الله عنهم جميعًا.
الإسلام هو ديننا يؤلف بيننا، هذه قضية مهمة جدًا؛ المسلم أخو المسلم، إذاً بيني وبينك رابط النسب الإسلامي، وهو السبب الإسلامي: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. المسلم أخو المسلم، إذاً من لوازم هذه الروابط وهذه الرابطة: لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. ثلاثة قضايا مهمة أكد عليها النبي صلى الله عليه وسلم؛ أخوك المسلم لا تظلمه لأنك أخوه في الدين، وكذلك لا تخذله ولا تحقره. هل يمكن أن يحدث هذا بين إخوان الدم الواحد؟ النسب الواحد لا يحدث، وإن حدث فهذا خلل في التربية، خلل في المجتمع، كذلك في الأمة، والمجتمع المسلم له عليه حقوق: لا تظلم أخاك المسلم ولا تخذله ولا تحقره.
نبدأ في التوجيه الأول، قضية عدم الظلم؛ الله سبحانه وتعالى حرم الظلم على نفسه، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40]. ذرة واحدة ما يظلمها الله، فكيف بما هو أقل من ذلك أو أكثر من ذلك؟ الأمر الثاني يا عبادي: «إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا». إذا كان الله لا يرضى الظلم على نفسه، لن يرضاه على عباده، ودعوة المظلوم مستجابة، دعوة المظلوم مستجابة وإن كان كافرًا، كفره عليه، أما الظلم فإن الله لا يقبله، الظلم ظلمات يوم القيامة هكذا يقول صلى الله عليه وسلم.
لذلك أحبتي في الله، الإسلام ينهى عن الظلم صغيرًا أو كبيرًا، ظاهرًا أو باطنًا، لا يجوز لك أن تظلم؛ قال صلى الله عليه وسلم: «لتؤدَّن الحقوق يوم القيامة إلى أصحابها»، حتى إنه ليقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء؛ الله يفصل بين البهائم، الشاة التي في الدنيا كان لها قرون، والأخرى التي بدون قرون، يوم القيامة ينبت لتلك الشاة التي ما عندها قرون قرونًا ويقول: اقتصاص هذا بين العجماوات والبهايم، فكيف بين بني آدم؟ لذلك الظلم ظلمات يوم القيامة، والله سبحانه وتعالى لا يرضى الظلم لعباده في الدنيا.
أول قضية: «لا تظالموا»، والظلم على الأقارب أسوأ؛ ظلم الزوجة، انتبه يا عبد الله، تظلم زوجتك، هي حق الناس برحمتك وبعدلك، وظلم الأولاد، وظلم البنات بالعضل أو غير ذلك وبالانتقاص، وظلم الوالدين كارثة، ومصيبة أن الإنسان يظلم والديه؛ كيف هذا؟ وين الدين؟ وين القرآن؟ وين السنة؟ تظلم والديك! يقول لي: هل يمكن؟ مع الأسف، مع الأسف إذا ضعف الإيمان فانتظر كل الشرور تقع، هناك من يضرب والديه، ومن يتعدى عليهم، ومن يسبهم، ومن يأخذ أموالهم، ومن يرميهم في الشارع وفي دار العجزة، والله يقول سبحانه: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]، لا تقل لهما أوف، إذا كان الظلم ظلمات يوم القيامة، وكما تدين تدان، وربنا سبحانه وتعالى لا يرضى الظلم أبدًا لعباده.
سيرة رعاك الله، ألا تظلم أحدًا؛ امرأة ظلمت هرة دخلت النار، امرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض. الظلم ظلمات يوم القيامة، وبالتالي أحبتي في الله نحرص على عدم الظلم، كما تدين تدان.
فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، والناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. من هنا، حق للمرأة أن تسعى للتفقه في الدين وتعلم الضروري من أحكامه، فتصحح عبادتها وتقوم بمسؤوليتها تجاه زوجها وأولادها وأهل بيتها ومجتمعها، وينبغي للمرأة أن تبدأ بفروض الأعيان؛ فتتعلم الطهارة والصلاة والصيام، وما يخصها من أحكام كالحيض والحمل.
رضاعة وغير ذلك. فإذا أرادت عبادة أو معاملة وجب عليها تعلم أحكامها، كان تريد الحج فتتعلم أحكامه، ويتوفر لها مال فتتعلم كيف تخرج زكاته.
وتاريخ الأمة زاخر بالعالمات الفقيهات، ويأتي على رأسهن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. قال عروة بن الزبير: «ما رأيت أحدا أعلم بشرع ولا فريضة ولا أعلم فقه من عائشة». ومنهن عمارة بنت عبد الرحمن الأنصارية. قال القاسم بن محمد للزهري: «عليك بعمارة بنت عبد الرحمن، فإنها كانت في حجر عائشة». قال: «فأتيتها فوجدتها بحرا لا ينزف».
ومنهن فاطمة بنت علاء الدين السمرقندي، كانت فقيهة عالمة. وقد بلغ من فقهها أن والدها كانت لا تأتيه الفتوى إلا وعرضها عليها وسمع رأيها بها، فكانت الفتوى تخرج وبها توقيعان: توقيعه وتوقيع ابنته. حفظت فاطمة كتاب أبيها المسمى «تحفة الطالب»، والذي شرحه الكاساني في «بدائع الصنائع»، ففرح به علاء الدين وزوجه ابنته فاطمة؛ فقال الفقهاء: «شرح تحفته وزوجه ابنته». وبعد زواجها من الكاساني استمرت الفتوى تخرج من بيت أبيها بتوقيعه وتوقيع ابنته فاطمة، وانضم إلى توقيعهما توقيع ثالث جديد، هو توقيع زوجها الكاتب.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
أسأل الله العظيم بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعا علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء. ما زلنا مع هذا الحديث العظيم، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره».
نهى النبي عن الظلم؛ الظلم باب عظيم جدا، بكلمة، بفعل، بإشارة، بانتقاص، بأخذ مال، سلب حق، هذا كله لا يجوز. ثم قال: «ولا يخذله»؛ عادة الخذلان عندما أكون أنا محتاج في ظرف مالي، ظرف صحي، ظرف أمني، هناك من يريد أن يتعدى علي وأنت تستطيع أن تنصرني أو تقف معي، تخذلني؟ كيف هذا؟ بل إذا كان بينك وبينه كافر، كان بينك وبينه كافر عهود وشروط، ونصرة واحتاجك الكافر فإنك تساعد الكافر، وليس على مسلم، لكن على أن هناك عهود ومواثيق.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بينه وبين اليهود أول ما وصل المدينة هناك ميثاق أن اليهود ينصرونه وأنه ينصرهم». وبالتالي حتى ولو كان كافرا، بينك وبينه عهود ومواثيق، نصرة لا تخذله، طبعا بشروطها المعروفة والمعتبرة شرعا الموافقة للكتاب والسنة حتى لا يتشعب الموضوع. فكيف أخوك المسلم احترق في موضوع، في أمر، في شفاعة، في نصرة، في غوث، ولا تقف معه؟ أين الدين؟ أين الدين؟ لذلك النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يخذل أحدا بينه وبينه عهد وميثاق، ولا يخذله. لا تخذلني يا أخي، أنا لا يجوز لي أن أخذلك وأنت لا يجوز لك أن تخذلني.
هنا لما يكون هذا المجتمع بهذه القوة، هل نخاف من عاديات الزمان أو نخاف من الأمور التي قد تحدث فجأة؟ لا، الحمد لله أنا عندي إخواني، وعندي أقاربي، وعندي أصحابي، إني احتجت معين يحتاج الذي وقفت معهم. هذا المجتمع المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره.
كيف مسلم تحقير أخوك المسلم؟ وترى هذه كلها من الشيطان؛ المظاهر المادية المجتمعية. بعض الناس يا إخواني يعطى مالا أو منصبا فيحتقر من هم دونه. يا أخي اتق الله، انتبه، الذي أعطاك هذا المال أو هذا المنصب أو هذا المركز يمكن أن يسحبوه منك في لحظة، وانتبه يا من أوتي مثل هذه الأماكن أن تكفر بنعمة الله سبحانه وتعالى. لا تحتقر أحدا، أنت ما تعرف هذا الذي تحتقره، «رب أشعث أغبر ذو طمرين مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره».
لأن هذه الموازين الآن في هذا المجتمع، عندنا الاحتقار يكون بسبب المظهر والشكل والوظيفة والحالة الاجتماعية والحالة المالية، هذه تجعل الناس عرضة للسخرية من البعض، ولا يسخر إلا مريض القلب، ضعيف الإيمان، الذي ما عنده مبادئ. وإلا يا إخواني الإسلام ما فيه شيء اسمه احتقار. إذا أردت أن تحتقر أحدا فاحتقر الكافر؛ هذا الذي يحق لك أن تحتقره لأنه يعبد غير الله عز وجل، لأنه مشرك، ومع ذلك احتقاركم له لا يجعلك تظلمه والعياذ بالله، بل بالعكس يجعلك ترحمه، تدعو لهم بالهداية أو تسعى في هدايته.
فنقول أيها الأحبة: ارفعوا أنفسكم عن هذه القضية. أعطاك الله مالا أو منصبا أو جاها أو شهادة أو إرثا أو مكانة اجتماعية، واحتقرت من هم دونك، هذه كارثة، ما هي تليق بالمسلم مع التاريخ المسلم. ولذلك كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، القضية ليست قضية مظاهر، قضية جواهر. قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». البشر العكس؛ ينظر إلى المال والمنصب والجسم والهيئة، هذه كلها ترى ما تقدم ولا تؤخر.
النظرة الصحيحة في تعامل المسلم مع إخوانه ينبغي أن تكون كما جاء في الحديث: ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. مر رجل أمام النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة وكان عليه إشارات الغنى، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما تقولون في هذا؟» قالوا: «يا رسول الله، هذا حري إذا قال أن يسمع، وإذا شفع أن يشفع، وإذا نكح أن يزوج». فسكت صلى الله عليه وسلم. فمر رجل فقير ليس عليه آثار الغنى، قال: «ما تقولون في هذا؟» قالوا: «يا رسول الله، هذا حري إذا قال لا يسمع له، وإذا شفع لا يشفع، وإذا نكح لا يزوج». قال صلى الله عليه وسلم: «هذا الآخر خير عند الله من ملء الأرض من ذلك».
شوف النظرة البشرية القاصرة، قدموا الأول صاحب وجاهة ومال وهيلمان وسلطة، لكن النظرة الحقيقية، هذا خير من ملء الأرض من ذلك. وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه الناس؛ لا نغتر بالمظاهر، لا نحتقر أحدا من المسلمين، لا تحتقر أحدا من المسلمين كائنا من كان، كبيرا أو صغيرا، شريفا أو وضيعا، لا، هذه ليست من صفات الرجال، فظلا تكون من صفات أهل الإيمان.
ثم قال صلى الله عليه وسلم: «التقوى ها هنا» ويشير إلى صدره ثلاثا، «التقوى ها هنا، التقوى ها هنا». هذا جملة بعض الناس يفهمها غلط، يعني يكون مثلا مرتكب لمعصية ظاهرة في منكر ظاهر، تقول له: يا فلان اتق الله، قال: يا شيخ الإيمان في القلب، التقوى في القلب. نعم، التقوى في القلب، لكن ما هو؟ وصدقه العمل.
القلب إذا صلح، صلاحه يظهر على الجوارح، وإذا فسد القلب، فساده يظهر على الجوارح. ولذلك التقوى مقرها القلب، لكن التقوى إذا وصلت إلى القلب فإنها تنتشر في جوارح الإنسان؛ في سمعه، في بصره، في كلامه، في أخذه وعطائه، في ذهابه ومجيئه، في أخلاقه وتعامله. إن التقوى ليست مجرد وجود في القلب فحسب، بل النبي ﷺ يقول: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
هذا القلب وعليه مدار الأمر، فإذا حُشي إيمانا وتقوى، ظهر هذا على سلوك الإنسان، وعلى كلامه، وعلى ردود أفعاله، فيصبح منضبطًا بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ. هنا يشير النبي ﷺ إلى أن التقوى ها هنا، ها هنا، وإذا وصلت التقوى إلى القلب ستظهر على الجوارح.
بعض الناس يفهم فهمًا خاطئًا، ويظن أن التقوى في القلب يعني أن الجوارح تفعل ما تشاء. لا، لا يمكن هذا؛ فالقلب إذا صلح صلح الجسد، وإذا فسد فسد الجسد. لما يكون هناك صلاح في القلب وفساد في الجسد ما يمكن؛ وهذا كلام النبي ﷺ حيث يشير إلى صدره ثلاث مرات، ثم قال: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم».
يقول بعد ذلك: «يحقر أخاه المسلم»، يعني يكفيه من البلاء والإثم والخطيئة والمعصية أن تحتقر أخاك المسلم. كيف تحتقر من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ كيف تحتقر من يسجد لله؟ كيف تحتقر من إذا ذكر الله ذكره الله؟ أين العقول؟ هذا مرض داخلي في النفس؛ احتقار الناس مرض واصل، وسبب احتقار الناس هو الكبر والغطرسة، والنبي ﷺ حذرنا من الكبر فقال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر».
قالوا: يا رسول الله، إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا. قال: «الكبر: بطر الحق، وغمط الناس». الكبر هو رد الحق، وغمط الناس هو احتقار الناس. هذا كبر، ولا يحتقر الناس إلا إنسان متكبر. فإذا بلي أحدنا باحتقار الناس عليه أن يراجع نفسه وقلبه، وأن يعالج نفسه؛ إلى أين أنت ذاهب؟
انتبه، الاحتقار ما يكون إلا من الكبر، تتكبر على ماذا؟ يقول علي بن أبي طالب -وقيل غيره-: «عجبت لمن يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين». تتكبر على ماذا؟ ولما وقف الحسن البصري -رحمه الله- أمام أحد الأمراء الذي مشى في السوق وحاشيته، فتركوه ووقف أمامه، فقال الأمير: أنت لا تعرفني؟ قال الحسن: بلى أعرفك، أولك نطفة نذرة، وآخرك جيفة قذرة، وما بينهما تحمل العذرة. فأطرق الأمير وقال: والله يا أبا سعيد ما عرفني إلا أنت. هذا هو التكبر، أعوذ بالله.
نعود إليكم بإذن الله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. هل كرم المرأة أحد مثلما كرمها الإسلام؟ فالنساء شقائق الرجال، وإنما خصت المرأة ببعض الأحكام كإعفائها من الجمع والجماعات مراعاة لأنوثتها لا تحقيرًا لها. فللمرأة حقها في التعليم، وقد خصص النبي ﷺ درسًا لتعليم النساء، ولا يمنعها الحياء من طلب العلم. قالت عائشة -رضي الله عنها-: «نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين».
والتعليم حق للمرأة على أبيها وزوجها، وعن علي بن أبي طالب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]، قال: «علموهم وأدبوهم». وتتعلم المرأة من زوجها إن كانت أعلم منه. قال النبي ﷺ لأبي رافع حين علمته زوجته بعض الأحكام: «يا أبا رافع، إنها لم تأمرك إلا بخير».
والتاريخ الإسلامي زاخر بالنساء العالمات المعلمات، كعائشة أم المؤمنين، قال عطاء بن أبي رباح: «كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة». ومنهن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وحفصة بنت سيرين البصرية، وفاطمة بنت عباس البغدادية. فتعلمي واعملي وأبشري، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا مع حديث النبي ﷺ يقول عليه الصلاة والسلام: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم». وكما قلت أيها الأحبة، إن احتقار المسلم دلالة على المرض الذي في القلب، ما يسري إنسان إلى أن يحتقر أخاه المسلم إلا إذا كان المعدن تعبانًا، والقلب مريضًا.
القلب مريض بالأمراض والأوبئة المدمرة، وأسوأ مرض يسكن القلب -والعياذ بالله- في التعاملات هو الكبر. الكبر هو بطر الحق وغمط الناس، وغمط الناس هو احتقار الناس. ديننا ليس فيه كبر أبدًا، فمن تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه. وبالتالي، لو كان أحد يحق له أن يتكبر، فقد تكبر رسول الله ﷺ وحاشاه أن يفعل ذلك؛ لأن الكبرياء هي صفة من صفات المولى سبحانه وتعالى، وهي من صفات العز، كما في الحديث القدسي: «العظمة رداؤِي، والكبرياء إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عذبته». ولذلك ما إن إنسان يدعي هذه الخصلة إلا ويذله الله سبحانه، فالمتكبر مصيره الإذلال لأنه ادعى شيئًا لا يليق به ولا يمكن له أبدًا، فالكبرياء حق لله سبحانه جل في علاه.
يقول ﷺ: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم»، ثم قال: «كل المسلم على المسلم حرام»، قل للمسلم: على المسلم حرام دمه وماله وعرضه. انتبه يا أخي، أخوك أيها المسلم، أنا أخوك وأنت أخي، ولذلك انتبه إياك أن تقع في دمي، أو تقع في مالي، أو تقع في عرضي.
لذلك النبي ﷺ في حجة الوداع حينما خطب الناس يقول: «أي شهركم هذا وليس شهرًا حرامًا؟» قالوا: بلى. «أي بلد ليس بلدًا حرامًا؟» قالوا: بلى. «أي يوم ليس يومًا حرامًا؟» قالوا: بلى. قال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا بلغت؟ اللهم فاشهد». سمعتم أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، إذًا لا يجوز لك بأي حال من الأحوال أن تتعدى على دم إنسان.
وبالمناسبة، الكلام عن الدماء أمر مرعب يا إخواني؛ النبي ﷺ يقول: «لا يزال المرء في فسحة من أمره ما لم يصب دمًا حرامًا»، ما لم يزل الإنسان في فسحة من أمره.
ما لم يصب دما حراما؛ هؤلاء الذين يقتلون المسلمين من المسلمين، ويفجرونهم، ويكفرونهم، أي حق؟ بأي حق تتعدى على دماء إخوانك؟ تعظم المصيبة إذا كانت في بيت من بيوت الله، كما يقع من بعض الطوائف التي تدعي الإسلام وتنتمي للإسلام، أي دين هذا؟ أي دين هذا؟
كل النصوص تمنع هذا الفعل؛ النصوص كلها لا تخدمهم، النصوص كلها تمنع إزهاق الأنفس بغير حق. لا يحل دم امرئ مسلم؛ يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والتارك لدينه، المفارق للجماعة». أنا أعرف هذا الذي يزهق نفوس المسلمين ويقتلهم ويفجرهم، بأي حق؟ وأين دليلك؟
المسلم أخو المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه. يا أخي، حتى المال مال أخوك المسلم لا يجوز لك أن تأخذه. يقول صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حق امرئ مسلم بغير حق فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة»، قالوا: يا رسول الله، ولو كان شيئا يسيرا؟ قال: «ولو كان قضيما من أراك».
أين الدم والمال والعرض؟ وش ما المقصود به؟ العرض؛ إما عرضه، زوجته، ابنته، أخته، هذا ما يجوز. لما جاء الشاب قال: يا رسول الله، ائذن لي في الزنا، تناوله الصحابة، قال: «لا، دعوه، تعالوا ادنوا»، جاء قال: ترضاه لأمك؟ قال: لا يا رسول الله، جئت فداءك. قالوا: كذلك الناس لا يرضون، ترضاه لأختك؟ قال: لا يا رسول الله، جعلت فداءك. قالوا: وكذلك الناس لا يرضون، لعمتك؟ لخالتك؟ لزوجتك؟ يقول: لا. قال: وكذلك الناس لا يرضون. ثم وضع يده على صدره ومسحه وقال: «اللهم اهد قلبه وحصن فرجه».
والعرض أيضا أن تقدح في نسبك، ولا في بيئتك الاجتماعية، ولا في قضية العنصرية الموجودة، والقبلية الموجودة كارثة؛ فلان مئة وعشرة، وفلان مئتين وعشرين، فلان نسب وضيع، وفلان نسب رفيع، فلان قبيلي وفلان خظيري، فلان بدوي وفلان حضري. من أين أتينا بها؟ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
وبالتالي الخوض في الأنساب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اثنتان في أمتي هما بهما كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت». تبقى في هذه الأمة مع الأسف: آل فلان والقبيلة الفلانية، والنعرات هذه اتركوها. الإنسان إن كان يفتخر، فليفتخر بانتسابه للإسلام، نفتخر بأنه ثابت على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يفتخر بدينه، أما قضية الأنساب والعنصرية الموجودة، والخوض في الأعراض، وانتقاص الناس واحتقارهم؛ أين ديننا؟
مع الأسف النبي صلى الله عليه وسلم يقول كلام والواقع يختلف. لا أقول بورينا في هذا الموضوع، لكن لا نجعله سيفا قائما مصلتا على الناس: فلان كذا وفلان كذا، وبعدين القضية تصبح بعد فترة فعلا مجتمع متهيج، مجتمع فيه مفاصلة. المجتمع لابد أن يكون مجتمع مترابط، المسلم أخو المسلم، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، لا يظلمه، لا يحقره، لا يخذله. «من الشر أن يحقر أخاه المسلم»، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه.
هل وعينا هذا الكلام؟ لو وعينا هذا الكلام صدقوني المحاكم تقفل، ونقاط الشرطة تقفل، ما نحتاجها. لكن المشكلة لما لا نعي مثل هذه الأوامر تبدأ المشاكل وتبدأ القضايا، تحدث القطيعة والجرائم، شيء نسأل الله العافية والسلامة. يا إخوان، ديننا كامل، المشكلة فينا نحن في تطبيقنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وصلنا إلى نهاية اللقاء، أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعل جميع مفاتيح الخير مغاليق للشر. نسأله أن يصلح مجتمعات المسلمين في كل مكان، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر لآبائنا وارحم أمهاتنا وأصلح نياتنا وذرياتنا، اشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين. اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي