يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلًا يأتيك ميسورًا بأي مكان، والسنة بالعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعًا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء. حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم، ولقاء متجدد مع أكاديمية زاد ومع مادة الحديث الشريف.
نستعين بالله في لقائنا اليوم مع الحديث السادس عشر، حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: 51]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟» رواه مسلم.
حديث من الأحاديث العظيمة التي فيها من الفوائد ما الله به عليم. قبل أن نشرع في حديثنا وشرحنا لهذا الحديث، تعالوا بنا نستمع ونقرأ الجلسة سويًا.
شرح المفردات ومعالي الكلمات: قوله: «إن الله تعالى طيب»، أي منزه عن النقائص، لا يعتريه الخبث بأي حال من الأحوال، فهو عز وجل طيب في ذاته، وطيب في أسمائه، وطيب في صفاته، وطيب في أحكامه، وطيب في أفعاله، وطيب في كل ما يصدر منه سبحانه. وقوله: «لا يقبل إلا طيبًا»، فهو سبحانه وتعالى لا يقبل إلا الطيب من الأقوال والأفعال والأموال، وكل رديء فهو مردود من عند الله سبحانه وتعالى على صاحبه.
قوله: «ثم ذكر الرجل»، هذه الجملة من كلام الراوي. وقوله: «أشعث أغبر»، أشعث أي ثائر الشعر غير ممشوط، أغبر أي من التراب، أي أنه لا يهتم بنفسه. «يمد يديه إلى السماء»، ومد اليدين إلى السماء من أسباب إجابة الدعاء، كما جاء في الحديث أن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا، أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الشيخ الألباني رحمه الله.
قوله: «يا رب، يا رب»، هذا نداء بتكرار ذكر الربوبية لأن ذلك وسيلة لإجابة الدعاء؛ لأن إجابة الدعاء من مقتضيات الربوبية. وقوله: «ومطعمه حرام ومشربه حرام»، أي طعامه الذي يأكله حرام، وشرابه الذي يشربه حرام. وقوله: «وغذي بالحرام»، بعضهم يقرأها «وغُذي»، أي تغذى جسده بالحرام. وقوله: «فأنى»، اسم استفهام والمراد به الاستبعاد، أي يبعد أن يستجاب لهذا مع أن أسباب الإجابة موجودة؛ كإطالة السفر، والتبذل في اللباس والهيئة، ومد يديه إلى السماء، والإلحاح على الله بتكرار ذكر الربوبية.
انتهينا أحبتي في الله من معاني الكلمات وشرح المفردات. وهذا الحديث أيها الأحبة، كما قلت في بداية كلامي، انطوى على معاني كثيرة وفوائد عظيمة، ولعلي أن أجتزء بعض الفوائد، وأقف مع أعظم هذه الفوائد. يا ترى ما هي أعظم هذه الفوائد من هذا الحديث؟ «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا». من أسماء الله سبحانه وتعالى الطيب، ونحن حينما قرأنا في شرح المفردات: «أي منزه عن النقائص لا يعتريه الخبث بأي حال من الأحوال»، سبحانه جل في علاه، طيب في ذاته، وطيب في أسمائه، وطيب في صفاته، وطيب في أفعاله، وطيب في كلامه، وطيب في أحكامه، وطيب حتى في أنبيائه، فكل ما يصدر عن الله سبحانه وتعالى طيب.
أحبتي في الله، قبل أن نشرع في هذا الأمر، لعلي أن ألفت الانتباه إلى أهمية معرفة الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته. لا يعرف الله من لا يعرف أسماءه وصفاته؛ خذوها قاعدة. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم حفزنا إلى أن نعرف الله وأن نعرف أسماءه وصفاته، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة».
كيف النبي صلى الله عليه وسلم يحفز الأمة إلى أن نتعرف على أسماء الله؟ ربطها بالجنة. ولذلك كما قال بعض السلف: «من كان بالله أعرف كان له أخوف». وربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]؛ لأنهم أعرف الناس بأسمائه وصفاته. كلما زادت المعرفة زادت المحبة، وكلما زادت المحبة زاد التعلق بالله سبحانه وتعالى والمسارعة إليه والانطلاق إليه وحفظ أمره وحدوده وأحكامه، ولذلك الانطلاقة تكون على قدر المحبة.
البخاري رحمه الله بوب في صحيحه: «باب العلم قبل القول والعمل». «اعلم فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك». لماذا يتجرأ الإنسان منا على المعصية؟ لماذا يتجرأ على أن يقع فيما حرم الله؟ لماذا يتجرأ على مبارزة الله بالذنوب والمعاصي؟ لأنه نسي الله، لأنه غفل عن الله، لأنه انشغل بدنياه عن أخراه، وبالتالي أصبح الله عز وجل في نظره أهون الناظرين إليه. هذا يسرق، هذا يرتشي، هذا يشرب الخمر، هذا ربما يقتل، هذا ربما يزني، هذا ربما يفعل الفواحش؛ لماذا؟ لأنه نسي الله، ما عرف الله عز وجل، لو عرف الله حق المعرفة لما تجرأ على أن يخالفه.
ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى. حدث عظيم وقع بعد ستة عشر شهرًا من الهجرة، تحديدًا في منتصف شهر رجب من السنة الثانية للهجرة، حيث أمر الله تعالى بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فاتخذ أعداء الإسلام من هذا الحدث ذريعة للطعن فيه؛ فقال المنافقون: ما لهم كانوا على قبلة زمانًا ثم تركوها؟ وقال اليهود: لو ثبت محمد على قبلتنا لاتبعناه، وقال المشركون: رجع إلى قبلتنا ويوشك أن يرجع إلى ديننا.
وهنا ظهر تسليم المؤمنين لله تعالى، فالعبرة بطاعته لا بالجهة؛ قال تعالى: ﴿قُل لِّلشرقِ وَالْمَغْرِبِ أَتَهْدُونَ ۖ أَمْ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 115]، إن المشرق والمغرب لله، فلماذا يعترضون على توليتكم قبلة داخلة تحت ملكه؟ لقد كان هذا امتحانًا للناس ليتميز الصادق في إيمانه من الكاذب؛ قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. وقد سارع الصحابة رضي الله عنهم بالاستجابة، فبعد أن أخبروا بتحويل القبلة استداروا إلى الكعبة مباشرة وهم في الصلاة، بعد أن كانت وجوههم إلى الشام.
إن استقبال القبلة هو صورة باهرة لوحدة الأمة وتوحيدها، وفي تحويلها مخالفة لأهل الكتاب وإظهار لاستقلال الأمة الإسلامية في عقيدتها، وهو مقصد شرعي عظيم. قال تعالى: ﴿أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وقائد الغر المحجلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
أيها الأحبة، إن آخر كلامي معكم: من عرف الله حق المعرفة لما تجرأ على الله أن يخالفه، لا تحدث الغفلة ولا تحدث المعصية ولا تحدث مخالفة أمر الله إلا إذا نسي الإنسان ربه. ولذلك على الإنسان دائمًا أن يتزود من معرفة الله سبحانه وتعالى.
قد يسأل سائل ويقول: هل في مسلم ما يعرف الله؟ قناعتي الشخصية أن أغلب المسلمين لا يعرفون الله حق المعرفة، معرفة مجتزئة، معرفة من جهة دون أخرى، معرفة لا تليق بالله. بعضنا إذا أراد أن يشتري مثلاً هاتفًا جوالًا أو جهازًا يبحث ويقرأ ويسأل هنا وهنا حتى يصل، ثم إذا اشترى هذا الجهاز يكون أدرى الناس بجميع المواصفات.
لكن لو سألنا بعض الناس عن الله عز وجل، وأنا لما أتكلم أتكلم من واقع عشته كثيرًا، كنت أسأل في المساجد أو في بعض الجامعات أو في بعض المعاهد أو بعض اللقاءات التربوية والدعوية عن من هو الله، تأتيني إجابات لا تليق بالله سبحانه وتعالى، إجابات ينبغي أن الإنسان يبتعد عنها لأنها ما تليق، إجابات مجتزأة من جهة دون أخرى، فما عندك إجابة جامعة مانعة مع أن الإجابة سهلة جدًا.
من هو الله؟ إذا عرفنا الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا عرفنا الله، وكلما ازداد الإنسان معرفة كلما ازداد خشية، وكلما تقرب الإنسان إلى ربه بمعرفته كلما تقرب إلى الله بحبه والمسارعة إليه. من عرف الله أحبه ومن أحبه أقبل عليه؛ لذلك هذا العلم من أشرف العلوم، بل هو أشرف العلوم على الإطلاق.
علم الأسماء والصفات هو أعظم علم على الإطلاق؛ قال أهل العلم: "شرف العلم من شرف المعلوم". هل هناك معلوم أعظم من الله عز وجل؟ لا، ما فيه أعظم المعلومات من معرفة الله رب الأرض والسماوات، لذلك الإنسان لو أفنى حياته كلها في معرفة أسماء الله وصفاته لكان من أعظم الرابحين والكاسبين والفائزين.
هذه المعرفة لها آثار عميقة جدًا، يقول صلى الله عليه وسلم: «إني أعلمكم بالله وأشدهكم له خشية». كلما عرف الإنسان الله وعلم من هو الله زادت الخشية. لذلك كانت هذه الدعوة لي ولكم أن نتعرف على الله، أن نجعل من أوقاتنا ومن برامجنا وقتًا أن نتعرف على الله، نأخذ بعض الكتب في أسماء الله الحسنى نقرأها ونفهمها.
الدعاة والخطباء والأئمة، أين أنتم من هذا العلم؟ لماذا عندما أسأل بعض الناس: متى حضرت آخر خطبة عن الأسماء الحسنى؟ يقول: ما أدري والله، من فترة طويلة جدًا. لماذا الخطباء والدعاة والأئمة قصروا في هذا الجانب؟ أين سلاسل المحاضرات في أسماء الله الحسنى؟ المواعظ، الكلمات، الندوات، الدورات العلمية؟ يا إخواني هذا هو الأساس، هذا هو الأصل، أن يعرف الناس الله عز وجل حق المعرفة.
انصرفنا إلى العلوم الأخرى؛ أبواب الفقه والمعاملات وأبواب العقوبات، عظيمة أنا لا أخالف في هذا، لكن الأعظم علم الأسماء الحسنى والصفات العلى؛ لأن هذا العلم سيقودك إلى باقي العلوم. الأصل في كل العبادات والمعاملات تعبيد الناس لله سبحانه جل في علاه، ولذلك كلما كان الإنسان بربه أعلم وأعرف، كلما كان له أخوف منطلق، ودائمًا يراقب الله في السر والعلن، في الليل والنهار، في القليل والكثير، في الخلوة والجلوة.
يقول عبد الله بن مبارك كلمة جميلة: خرج الناس من الدنيا وما عرفوا أطيب ما فيها، قالوا: ما أطيب ما فيها؟ قال: معرفة الله. معرفة الله أطيب ما في الدنيا، أن تعرف الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته. كلما استشعر الإنسان هذه المعلومات -ولن يحيط بالله علمًا لا شك في ذلك- لكن كلما زاد علمه بالله زاد تعلقه بالله، وزادت خشيته، وزادت مسكنته، وزادت مراقبته، وزاد إقباله وحبه وخدمته لهذا الدين.
هذا الذي نريده، لا نريد معرفة نظرية جدلية؛ ربما بعض الناس لو تصدى لتدريس الأسماء والصفات بدأ يخوض في الجدليات: قالت الأشاعرة وقالت المعتزلة وقالت الماتريدية، وقال أهل الكلام وقال أهل المنطق وقالت الفلاسفة. هذا ما يهمني، أنا لطلاب العلم المختصين؛ من أراد أن يتصدر لتعليم الناس هذا العلم عليه أن يقربه لهم، يخبرهم ويقربه لهم ويعلمهم كيف يتعبدون لله بهذه الأسماء.
كل اسم من الأسماء الحسنى مدرسة في ذاته، وأنا والله ما أبالغ. كنت قد جلست مع بعض طلبة العلم قلت لهم: أنتم ألفتم في أشياء كثيرة، أين أسماء الله الحسنى من جهدكم ومن تأليفكم؟ قالوا: ما عاد في ناس كتبوا. قلت: من الذين كتبوا؟ تفسير القرآن الكريم لا ينتهي إلى قيام الساعة، والأسماء الحسنى ليست من القرآن الكريم؟ بلى، وبالتالي كما أن القرآن لا ينتهي تفسيره، كذلك الأسماء الحسنى والصفات العلى لا ينتهي تفسيرها.
أنا لا أريد الاسم لغة واصطلاحًا بكلمة موجزة، أنا أريد الاسم إذا تصدى أهل العلم لشرحه أن يتصدوا إلى آثاره: كيف نتعبد لله سبحانه وتعالى بهذا الاسم؟ أثر هذا الاسم على العبد، على الأمة، على المجتمع، على الناس. كل اسم من الأسماء مدرسة في ذاته، بس من يتصدر لهذا المشروع؟ من يتصدر لبيان الأسماء الحسنى؟ لأن أثرها عظيم على الفرد وعلى المسلم.
«إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا»، كلمة اسم الله الطيب لك أن تتخيل كم فيها من الفوائد والآثار. نقول إن الله سبحانه وتعالى طيب في ذاته، فذاته سبحانه طيبة، بمعنى لا فيها نقص ولا خلل ولا حيف ولا سوء، جميع صفاتها طيبة، ذات الله طيبة سبحانه جل في علاه. لما نتكلم عن الله سبحانه وتعالى نذكر مثلًا مقولة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم». انظروا إلى عظمة هذه الذات، عظمة هذه الذات طيبة بكل ما تعنيه الكلمة، فالله سبحانه وتعالى طيب في ذاته وطيب في أسمائه.
أسماء الله عز وجل بلغت الكمال المطلق في كل اسم منها. ولله الأسماء الحسنى، كذلك في الصفات؛ صفات الله بلغت الكمال المطلق في كل صفة من الصفات. أفعال الله، كلمات الله سبحانه وتعالى، القرآن الكريم؛ كمال مطلق لا نقص فيه ولا عوج.
نعود إليكم بإذن الله، وصلى الله على محمد والحمد لله رب العالمين. ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوتهما لبره أو أدبه أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟
لنستمع إلى هذه القصة التي جرت لصحابي جليل، النعمان بن بشير رضي الله عنه، يقول: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، فوهمها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: «يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟» قال: نعم. فقال: «أكلهم وهبت لهم مثل هذا؟» قال: لا. قال: «فلا تشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جور».
في هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته، وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والأنثى؛ وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره؛ لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد قضية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم.
ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك، كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى، ويعطيها لمن يستحقها؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا أحبتي في الله مع أعظم العلوم على الإطلاق: علم الأسماء الحسنى والصفات العلى. وهذا الذي أريد من الجميع أن يجعل لهذا العلم مكانة في حياته؛ قراءةً، تدبرًا، تعبدًا، نشرًا، وخدمة. اجعل لهذا العلم أثرًا؛ لأن هذا العلم سينسحب على باقي العلوم فيؤثر فيها تأثيرًا إيجابيًا.
أبناؤنا المربون، المعلمون والمعلمات، لمَ لا نجعل هناك مسابقات في المدارس لطلابنا، ولو كانت مسابقات يسيرة في الحصص عن حفظ أسماء الله الحسنى؟ «من حفظها دخل الجنة، من أحصاها دخل الجنة». لما الطالب يعرف أسماء الله سبحانه وتعالى ويحفظها، هذا أعده كنزًا عظيمًا جدًا. من الناس يحفظ أسماء الله الحسنى قلة في المجتمع، حتى في الدعاء.
أذكر مرة جلست مع مجموعة كبيرة من حفاظ القرآن الكريم، لو سألتم عن أسماء الله الحسنى؛ جاءني أظن أربعة وعشرين أو خمسة وعشرين اسمًا فقط، لم يتجاوزها وهو حافظ للقرآن. مع أن تسعة وتسعين أو ثمانية وتسعين في المئة من الأسماء الحسنى موجودة في القرآن الكريم.
وأسماء الله سبحانه وتعالى مرتبطة، فكل اسم له صفة؛ يعني عندك: الرب، الله، الرحمن، الرحيم، الكريم، العظيم، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الحي، القيوم، الصمد، الواسع، الكبير، القريب، الرقيب. الله سبحانه وتعالى منتشر في القرآن الكريم: العليم، العالم، العلام، علام الغيوب، سبحانه، القادر، القدير، المقتدر، كل هذه الأسماء وغيرها. القرآن لما لا نجعل من مثل هذه الأسماء مسابقات في المدارس، في المكاتب التعاونية والدعوية، وفي الجمعيات الخيرية؟ نتبنى مثل هذه الأمور لنربط الناس برب الناس سبحانه جل في علاه.
الإنسان إذا خاف الله عز وجل لم يعد يهتم بغيره، يراقب الله في السر والعلن في كل أحواله، هذا الذي نريده. «أين الله؟» هذا سؤال مهم جدًا. النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة».
نحتاج أن نؤصل هذا العلم وأن نقرب هذا العلم، لا نريد أمرًا تنظيريًا، بل نريد أمرًا عمليًا تقريبيًا لهذا العلم من نفوس الناس. لذلك الداعية الذي دائمًا يربط الناس برب الناس سبحان الله! كم له من أثر، وكم له من حب من الناس وإقبال عليه؛ لأنه يربطهم بربهم سبحانه وتعالى، يقودهم إلى الله عز وجل، ويوقظهم من هذه الغفلات.
إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا. الله عز وجل هو الطيب؛ طيب في كل أمر من أموره، في ذاته طيب، وفي أسمائه طيب، وفي صفاته طيب، وفي أفعاله طيب، وفي كلماته طيب، وكل ما يتعلق بالله طيب. أنبياء الله هم صفوة مختارة، «الطيبون للطيبات، الطيبات للطيبين»، وبالتالي الله سبحانه وتعالى منزه عن النقائص والعيوب، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ سبحانه وتعالى.
الله عز وجل حينما نتطرق إلى هذه الأسماء العظيمة الكريمة، كما قلت لكم، نريد آثارها. وكما أن الله طيب فهو لا يقبل إلا الطيب؛ إياك أن تتقرب إلى الله بغير الطيب فإنه غير مقبول أبدًا. لذلك هذه قضية مهمة جدًا؛ الإنسان إذا أراد أن يتقرب إلى الله بغير الطيب هل يقبلها الله؟ لا يقبلها الله لأنه طيب سبحانه.
قال صلى الله عليه وسلم: «من تصدق بصدقة من كسب طيب...» الشرط طيب، فإن الله يستلمها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه أو قلوصه حتى تصبح مثل الجبل، وفي رواية: «مثل جبل أحد». لكن من ماذا؟ من كسب طيب. لا يقبل الله إلا الطيب لأنه هو الطيب سبحانه.
أبو حنيفة رحمه الله، وسارق يسرق تفاحة ثم يتصدق بها، فناداه: «لماذا فعلت ذلك؟ كيف تسرق وتتصدق؟» قال: «يا إمام، سرقتها فكتبت علي خطيئة، وتصدقت بها فكتبت لي عشر حسنات، واحدة بواحدة وأظفر بتسع حسنات». انظروا إلى المنطق الجميل، انظروا إلى الإقناع! وقال أبو حنيفة رحمه الله: «سرقتها فكتبت عليك خطيئة، وتصدقت بها فلم تقبل منك؛ كيف يقبل الله الحرام؟ أين عقولنا؟».
لذلك أحبتي في الله، على الإنسان أن ينتبه إلى مكسبه، ومطعمه، ومشربه، وملبسه، وحياته؛ عليه أن يبحث عن الحلال.
من يبتعد عن الحرام أن يبتعد عن الشبهات وما فيها زلات، انتبه.
أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه جاءه غلامه بتمر، وكان جائعًا فأكل التمرة، فقال الغلام لأبي بكر: لمَ لم تسألني من أين هذا؟ قال: من أين هذا؟ قلت: كنت قد تكهنت في الجاهلية وأنا لا أحسن الكهانة، يعني حشف وسوق، كلى عن غرر وجهل وكذب، والعياذ بالله، ظلمات فوق بعضها.
فانتفض الصديق: المال حرام دخل جوفه! فأخذ يضع إصبعه في فمه يريد أن يخرج التمرة، حاول حاول ما خرجت، والبطن فاضي، فأخذ يشرب الماء ويشرب الماء ويشرب الماء، يحاول حتى أخرجها، استقاها حتى أخرجها، كاد أن يهلك نفسه، كاد أن يقتل نفسه من شدة الإعياء. فقالوا: يرحمك الله كدت أن تهلك نفسك! قال: والله لو لم تخرج إلا بخروج روحي لأخرجتها. سمعت خليلي ﷺ يقول: «كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به». لا إله إلا الله، كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به.
أين نحن من هذا الحديث يا عباد الله؟ بعض الناس يذهب ويعمل في بنوك ربوية، في شركات محرمة، في أماكن مشبوهة، يتاجر فيما حرم الله، ثم بعد ذلك يقول: يا رب كيف؟ يا رب! دي عايز تبارز الله؟ أنت الآن جالس تأكل حرام وتشرب حرام وتعيش الحرام. هذا الذي يعمل في بنك ربوي، والعياذ بالله، كيف يريد من الله سبحانه وتعالى أن يقبل منه وهو يعمل في مكان يحاربه الله ورسوله: ﴿فَإِذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279].
ثم يأتي يتصدق، تتصدق بإيش؟ بمال حرام زي هذا الذي، أو مثل هذا الذي يبيع ويشتري في المخدرات ولا في المسكرات ولا في المحرمات، ثم يأتي يكفل يتيمًا في مسجد، وين رايح؟ وقف يا أخي، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا. انتبه، القضية ليست قضية كثرة، القضية قضية كيف؟ هل هذه طيبة ولا ما هي طيبة؟
سبق درهم مائة ألف درهم، هكذا يقول ﷺ، مائة ألف درهم؛ ليش؟ درهم حلال، درهم من حاجة يخرجها الإنسان فيقبلها الله عز وجل، تمرة واحدة من كسب طيب أعظم من أحد في الميزان. إذا تذكر يا عبد الله أن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، لا يقبل إلا طيبًا، الحرام المغصوب المسروق الله ما يقبله، لا تتعب نفسك، لذلك الإنسان أيها الأحبة يسعى دائمًا إلى الحلال، إلى ما يرضي الرحمن سبحانه جل في علاه، ومهما كان قليلاً فإن الله عز وجل كريم، وهو شكور وهو حميد، شكور سبحانه يعطي الكثير على القليل، يعطي الكثير على القليل.
ما انتهينا، لكن إن شاء الله نكمل في اللقاء القادم. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه وصفاته أن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة، وأن يرزقنا حبه وحب من يحبه وحب العمل الذي يقربنا إلى حبه. اللهم اغفر لآبائنا وارحم أمهاتنا وأصلح نياتنا وذرياتنا، اشف مرضانا ومرضى المسلمين وارحم موتانا وموتى المسلمين، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
يا راغبات في كل علم نافع، متطلعات لزيادة الإيمان، وتريدن سهلاً يأتيك ميسورًا بأي مكان.
د. موفق كدسة الغامدي