دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 19 - حديث: (إن الله طيب...) (2)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلًا والسنة للعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم، ولقاء يتجدد في أكاديمية زاد ومع مادة الحديث الشريف.

وما زلنا معكم أيها الأحبة مع الحديث السادس عشر، وهذا الحديث تكلمنا عنه في اللقاء الماضي، وكنا قد أشرنا كثيرًا، بل جعلنا الحلقة كاملة عن أهمية الأسماء الحسنى ومكانتها. ما الواجب علينا أمام هذه الأسماء التي أغفلت -ولا حول ولا قوة إلا بالله-؟ وعن أهمية الآثار وربط الناس بربهم، وكيف نتعبد لله سبحانه وتعالى بهذه الأسماء، ونعبد الناس لله بهذه الأسماء، وننشر ثقافة الأسماء الحسنى ومعرفتها والصفات العلا وفضلها وأثرها على المسلم.

أيها الأحبة، لعلنا أيضًا نأخذ بعض اللفتات من هذا الحديث الشريف المبارك، حديث أبي هريرة قال ﷺ: «يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: 51]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟».

إذًا الله طيب سبحانه، ولذلك من آثار اسم الله الطيب أن الإنسان لا يأكل إلا طيبًا ولا يعمل إلا طيبًا، تكون أخلاقه طيبة، تكون أفعاله طيبة، تكون مخرجاته طيبة للناس. تعاملوا مع الناس طيبًا، لماذا؟ لأن الطيب يحب الطيبين سبحانه جل في علاه. «أطب مطعمك تستجب دعوتك»؛ جاء رجل يقول: يا رسول الله، ادع الله أن أكون مستجاب الدعوة، قال: «أطب مطعمك تستجب دعوتك».

قضية سهلة جدًا، لكن الكارثة هنا أن كثيرًا من الناس لا ينتبه لأهمية المطعم، وأن الإنسان يحرص أن يكون مطعمه حلالًا ومشربه حلالًا، «وأن كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به». الحديث الذي رواه أبو بكر عن النبي ﷺ أن أبا بكر أراد أن يزهق روحه عشان تمرة أكلها وهو جاهل بحكمها؛ كان بإمكاني أن أخرجها بالقوة من جسده ومن بطنه، لو لم تخرج إلا بخروج روحي لأخرجتها، لماذا؟ «كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به».

ليت شعري من هذا الذي يعمل في الحرام ثم يريد أن يقبل الله منه! كيف يقبل الله منك وأنت تعمل في حرام وتأكل حرام وتشرب حرام؟ نعم، رحمة الله واسعة، ولكن هناك شروط وآداب، هناك أحكام ينبغي للإنسان أن يراعيها. إنسان يعمل في مكان ربوي، ثم بعد ذلك يريد أن الله يرزقه الخشية والإنابة، لا شك أن رحمة الله واسعة، ولكن: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تمشي على اليبس

تريد الرحمة؟ تريد المغفرة؟ تريد النجاة يا أخي؟ امشي في الطريق الصح. ومن الأمور -شر البرية ما يضحك- كما يقولون، اطلعت على بعض الأخبار في بعض البلاد ما يسمى بموائد الرحمن في رمضان، فوائد الرحمن! هذه موائد للفقراء، إفطار في رمضان للفقراء، طيب ما المشكلة؟ الفنان الفلاني، المغني الفلاني، أكرمكم الله، الراقصة الفلانية، وموائد الرحمن في رمضان! إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، الله ما يقبل إلا الطيب لأنه طيب أو هو الطيب سبحانه، فالإنسان يأخذ المال الحرام المكتسب من أفعال حرام ثم يتصدق بها، صحيح هي بالنسبة للآخرين حلال، لكن هو أو هي، أين عقله؟ أين فهمه؟ أين لبه؟

لذلك نحرص، وأعجبني بعض الآباء؛ علم أن ابنه يعمل في بنك ربوي، ما يدخل بيته، عند الباب يطرق الباب، نسلم عليه: أخرج لي أبناءك وسلم عليهم. أدخل يا أبي؟ قال: لا ما أدخل. أجيب لك كأس ماء؟ قال: لا ما أشرب. استريح؟ قال: لا ما أستريح، بس أريد أن أسلم عليك وعلى أبنائك من عند الباب وأمشي. لماذا؟ لأنه يعرف أن ابنه أجاره وأكله وشربه كله حرام، وبالتالي ما يمكن أن يرضى لنفسه. وكم من إنسان ترك مثل هذه الأماكن المحرمة وفتح الله عز وجل عليه لما ترك هذا الأمر، «ومن ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه».

أعود فأقول، قضية الطيب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، حتى الأنبياء لا يأكلون إلا شيئًا طيبًا، ونحن كذلك لا نأكل إلا كما كان يأكل الأنبياء. أما شبهة أو أمر فيه حرام أو أمر فيه شيء يغضب الله، لا، لا يمكن ولا يجوز لك ذلك. تريد أن الله يقبل فعلك، يقبل عملك، يقبل عبادتك؟ إذن تعال من الطريق الصحيح، تعال من حيث أمرك الله سبحانه وتعالى. لذلك نجد سبحان الله دائمًا يؤكد: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. الإنسان يبتعد عن المحرمات، فهناك أمور محرمة والشيطان يشهيها لك ويزينها في عينيك وفي فكرك، لا، ما دام حرامًا لا يمكن أن أتجرأ أن أقع فيها لأن هذا يغضب الله سبحانه وتعالى.

«أطب مطعمك تستجب دعوتك»، بعض الناس وهذه قضية يغفل عنها كثير من الناس من أسباب عدم إجابة دعوته، اللعب واللف والدوران. اسمحوا لي في هذه الكلمة؛ في الدوام، دوامك أنت من ثمانية إلى اثنين، طيب عنده ساعة يلعب فيها، وساعة يقرأ فيها جرايد، وساعة يقرأ فيها النت، وساعة يفك فيها الواتساب، وساعة يراسل ما أدري وينك يا أخي الكريم! هذا الوقت، أنت أجرت نفسك لصاحب العمل، أما مؤسسة خاصة أو حكومية وغير ذلك، لا يجوز لك أن تفرط في هذا الوقت، لا يجوز لك أن تضيع نصف ساعة أو ربع ساعة أو أكثر أو أقل في غير ما أنت موكل به، وإذا فعلت ذلك كان أجر هذا الوقت الذي ضيعته عمدًا كسبًا محرمًا. فهمت يا عبد الله؟ فهمتِ يا أمة الله؟ انتبهوا، انتبهوا، هذا مزلق يخفى على كثير من الناس.

أنت موظف عندي من ثمانية إلى اثنين خلاص، هذا الوقت ملك لي، أنا تعمل عندي في عملي الذي وكلتك عليه. لف ودوران، وبجيب الأبناء من المدارس، وقبل صلاة الظهر بنص ساعة أخرج ولا أدخل إلا بعد الصلاة بنصف ساعة، وأضيع لي ساعة ونص أو ساعتين في الصلاة. هذا كلام! لا، أجي أفطر آخذ لي نص ساعة أو ساعة إلا ربع عشان الفطور؟ لا، عندنا مع الأسف لف ودوران عجيب، كيف نتملص من أعمالنا؟ احذر يا عبد الله.

فاصل نعود إليكم بعده بإذن الله تعالى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].

من رحمة الله تعالى بعباده أن رخص لهم في المسح على الخفين والجوارب في الوضوء بدلاً من غسل الرجلين؛ وذلك بالمسح مرة واحدة أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى، وأعلى الخف الأيسر باليسرى مفرجاً أصابعه، مبتدئاً من أصابع رجليه إلى بداية ساقيه. يمسح على الخفين معاً، أو يبتدئ الأيمن ثم الأيسر، فالأمر في ذلك واسع، بشرط أن يكون الخف طاهراً من النجاسة، وأن يكون ساتراً للقدم مع الكعبين، وأن يلبسهما على وضوء كامل.

ومدته يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، يبدأ احتسابها من أول مسح بعد انتقاض الوضوء. فلو توضأ لصلاة الفجر مثلاً ولبس الخفين، ثم انتقض وضوءه الساعة التاسعة صباحاً وتوضأ في الساعة الثانية عشرة ومسح على الخفين، فيبدأ احتساب المدة من الساعة الثانية عشرة لا من الساعة التاسعة. ويكون المسح في الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر فيجب فيه الاغتسال الكامل. ومن خلع خفيه أو انتهت مدة المسح فوضوؤه صحيح ما لم ينتقض بناقض آخر، فإن أراد المسح مرة أخرى وجب عليه أن يتوضأ أولاً وضوءاً كاملاً يغسل فيه قدميه، ثم يلبس الخف ويراعي الشروط السابقة.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته أيها الأحبة الأفاضل. ما زلنا مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع هذه الدرة العظيمة والتركيز على أن «الله طيب لا يقبل إلا طيباً». الإنسان ينتبه، ابتعد عن كل ما يبعدك عن الطيب سبحانه، ومن أعظم ما يبعدك عن رب العالمين الشرك، الشرك أنواعه؛ ابتعد عن الشرك، ذلك الأكبر والشرك الأصغر، وعن النفاق، وعن كل ما يغضب الله سبحانه وتعالى.

يا إخواني وأخواتي الكريمات، هناك ذنوب ما في إنسان منا معصوم، لابد أن نذنب. «لو لم تذنبوا لخشيت أن يذهب الله بكم ويأتي بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم». إذاً هذه قضية مسلمة، وربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. قضية الذنب هذه لا شك فيها ستقع ستقع، لكن أولاً لا تتعمد، الأمر الثاني: ابتعد عن الذنوب التي قد تكون مخرجة من الملة، أعظمها الشرك بالله، النفاق الاعتقادي، الشرك الأكبر، الشرك الأصغر، النفاق الأصغر، كل ما يغضب الله سبحانه وتعالى ابتعد عنه، لا تتعمد المعصية، هذا أمر أول.

الأمر الآخر، احترز من الشرك؛ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، ومال الظالمين من أنصار. «يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة». احذر، تسلم، احذر من قضية أن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.

ثم بعد ذلك لا تمتنع عن الطيبات، هذه قضية ثانية؛ يجيني واحد يقول لي: معقولة في ناس يمتنع عن الطيبات؟ أقول: معقولة نعم، بل من الصحابة رضوان الله عليهم من فعل ذلك، وغضب النبي صلى الله عليه وسلم. غضب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الفعل؛ جاء ثلاثة نفر إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنهم تقالوها، قالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والله قد رفعه وأعد له مكانة في الجنة، ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

تلك الأعمال ليست فقط من باب التعبد لله، ولكن يمكن نحن أن نفعل أكثر منها، انظروا المدخل الشيطاني رضي الله عنهم وأرضاهم، وهذا اجتهاد خاطئ. هذا حدث من شباب الصحابة رضوان الله عليهم، النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع بهذا غضب وجمع الناس ثم قال: «ما بال أحدكم يقول كذا وكذا وكذا؟»؛ كيف تظن أنك ستكون أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أما أنا فإني أنام وأرقد، وواحد يقول: «أما أنا فأقوم الليل ولا أنام»، والثاني قال: «أنا لا أتزوج النساء»، الثالث قال: «أنا أصوم ولا أفطر»، يريدون أن يأتوا بشيء ما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما سمع النبي بهذا قال: «ما بال إخوان يقولون كذا وكذا وكذا؟ أما إني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».

انتبه، انتبه، احذر أن تخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أنك تظن أنك ستأتي بأمر ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، والله خبنا وخسرنا إذا كنا بهذا، الله المستعان. أنا لما أريد أن أصفها لكن أخاف، عبد الله ذو الخويصرة لما جاء للنبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا محمد اتق الله واعدل»، يقول: من لم يعدل إن لم أعدل من يعدل؟ «تبت وخسرت»، وفي رواية «خبت وخسرت»، «من يعدل إن لم أعدل؟ أيأمنني من في السماء ولا تأمنونني؟». قام خالد، قام عمر، قام علي، كل واحد سل سيفه: «مرني أن اقتله يا رسول الله»، قال: «لا لا لا».

مضى الرجل، نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج من ضئضئ هذا أقوام من ضئضئ»، أي من شاكلته من أشباهه. والذي جعلني أتودد في ذكره بذكر سوء أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم الإنسان يحضر، الصحابة لهم مقام حتى لو أخطأوا لهم مقام، ما ندري من المنافق منهم من غير المنافق، يعني المنافقين قلة، قيل ما يتجاوزون تسع أنفار وسبع أنفار، لكن نحذر لأن الإنسان لابد أن يتأدب مع صحابة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يظهر الأمر.

ما ظهر لنا أمر منهم فنترضى عنهم كلهم، رضي الله عنهم وأرضاهم. الشاهد يخرج من قول النبي ﷺ: «من ظن بصلاتهم شيئا من الاستحقار، أو قراءتهم شيئا من الاستحقار، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، لأن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد.

الشاهد الخير كل الخير والطيب كل الطيب بموافقة النبي ﷺ ومشابهة النبي ﷺ في أفعاله التي أمرنا أن نقتدي به فيها. إذا قضية أنه بعض الناس قد يحرم بعض الطيبات، لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].

إذًا هذه قضية أخرى أحبتي في الله؛ في الحديث اتفقنا أن الصدقة لا تقبل إلا من مال طيب، وهذا أمر مهم جدا، لكن الآن عندنا موضوع مهم جدا وهو الدعاء. الحديث ماذا يقول؟ ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر؛ انظر، رجل يطيل السفر، طبعاً السفر أحبتي في الله المسافر دعاؤه مستجاب، وأخبر النبي ﷺ أن من الثلاثة الذين يستجاب لهم، قال: «والمسافر حتى يرجع». إذًا المسافر دعاؤه مستجاب، هذه أول صفة: يطيل السفر.

أشعث أغبر؛ أشعث أغبر فيه المسكنة، تظهر عليه المسكنة وآثار المسكنة لله. «رب أشعث أغبر ذو طمرين مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره». إذًا هذه الصفة ثانية مستوجبة لقبول الدعاء. «يا ربي، يا ربي»، هنا يستغيث بالله ويسأل الله عز وجل ويلح باسم الرب، الربوبية؛ لأن الرب هو الذي سبحانه وتعالى يستجيب الدعاء، فهو يتوسل إلى الله عز وجل بأسمائه وصفاته وربوبيته.

إذًا هذا أمر ثالث يستوجب إجابة الدعاء، لكن ما المشكلة؟ قال: «ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام». وفي الحديث أيضاً قال: «يمد يديه إلى السماء»، هذا أيضاً أمر رابع؛ يمد يديه إلى السماء، والنبي ﷺ ماذا يقول؟ «إن الله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً».

إذًا عندنا أربعة أو خمسة أمور مستوجبة لقبول الدعاء، لكن المشكلة في موانع وصوارف تمنع إجابة الدعاء، هذه المشكلة والحمد لله كلها مبينة لنا إخواني وأخواتي، مبينة لنا في كتاب الله وسنة نبي الله ﷺ. «ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها، إن السفينة لا تمشي على اليبس».

نعود إليكم بإذن الله تعالى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين. هل كرم المرأة أحد مثلما كرمها الإسلام؟ فالنساء شقائق الرجال، وإنما خصت المرأة ببعض الأحكام كإعفائها من الجمع والجماعات مراعاة لأنوثتها لا تحقيراً لها. فللمرأة حقها في التعليم، وقد خصص النبي ﷺ درساً لتعليم النساء، ولا يمنعها الحياء من طلب العلم.

قالت عائشة رضي الله عنها: «نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين». والتعليم حق للمرأة على أبيها وزوجها، عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]، قال: «علموهم وأدبوهم». وتعلم المرأة زوجها إن كانت أعلم منه؛ قال النبي ﷺ لأبي رافع حين علمته زوجته بعض الأحكام: «يا أبا رافع، إنها لم تأمرك إلا بخير».

والتاريخ الإسلامي زاخر بالنساء العالمات المعلمات، كعائشة أم المؤمنين؛ قال عطاء بن أبي رباح: «كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأياً في العامة». ومنهن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وحفصة بنت سيرين البصرية، وفاطمة بنت عباس البغدادية. فتعلمي واعملي وأبشري؛ قال تعالى: ﴿الصَّالِحَاتُ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ يُطِيعُ اللَّهَ وَيُطِيعْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [النساء: 34]، والآية الأخرى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. ما زلنا أيها الأحبة في هذا الحديث العظيم وحديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: «يا رب، يا ربي»، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟

أحبتي في الله، لا شك أن الدعاء من أعظم العبادات، وفي حديث النبي ﷺ: «الدعاء هو العبادة». وربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]، فسمى الله الدعاء عبادة. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. إذا دعا فليستجبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون.

وردت نصوص كثيرة في الدعاء وفضله، والدعاء هو العبادة. ورد حديث: «الدعاء مخ العبادة»، وأفضل عبادة الدعاء؛ لأن الدعاء هو عبودية لله عز وجل، وإظهار العبودية الكاملة. أنت لما تدعو الله فأنت اعترفت بأن الله ربك وخالقك ومولاك، والدعاء مظهر من مظاهر الألوهية التي يتعبد الإنسان بها لربه. أنت حينما تقول "يا رب" فأنت آمنت بأن الرب سبحانه هو إلهك وخالقك ومولاك، لذلك الله سبحانه وتعالى هو الذي يتولى أمور العباد. العبد حينما يظهر المسكنة والافتقار لله والدعاء لله، فهذا يعني أنني يا ربي أنا أعبدك، أنا عبد من عبيدك.

ولذلك هذا الدعاء لا يصرف لغير الله، ومن صرف الدعاء لغير الله فقد أشرك والعياذ بالله. النبي ﷺ يقول: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». لا يصرف الدعاء لغير الله أبداً؛ لا لنبي ولا لملك ولا لقبر ولا لضريح ولا لولي ولا لأحد من المخلوقات أبداً، الدعاء عبادة محضة لله عز وجل، لا تصرف لغيره.

مع الأسف بليت الأمة بجموع من القبور والأضرحة انتشرت في العالم الإسلامي، وتعبد من دون الله. والله رأيت بعيني من وقف عند القبور مع مجموعة كبيرة من المخرفين أمثاله، وهم يستغيثون بالقبور وبالأموات في القبور: "من لنا إذا تركتمونا؟ من يجيب دعاءنا؟ من يغيثنا؟". ثم ينظر في المخرفين الذين حوله والجهلة الذين حوله ويقول لهم: «حققوا لا إله إلا الله»، تحققوا لا إله إلا الله! أين لا إله إلا الله وأنت جالس تكفر بلا إله إلا الله؟ تدعو الأموات والأضرحة من دون الله ثم تقول: «حققوا لا إله إلا الله»! أين التحقيق؟ لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله.

وإذا كان الله هو المعبود الحق، فوجب أن يوجه الدعاء للمعبود الحق، وفي كتابه الكريم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. الله سبحانه وتعالى يقول: ادعوني أستجب لكم، وبعد ذلك يقول: «أنتم وهابية»! أنتم تكفرون الناس! الناس من يتجرأ أن يكفر الناس إلا بدليله؟ الكفر والتكفير هذا حكم شرعي ثابت، ما يمكن يقول لك ما في تكفير، لا، التكفير موجود بشروطه وموانعه.

ما بقى كل إنسان له حق أنه يكفر على كيفه، لكن هذا حكم شرعي. من فعل ذلك فقد كذا، أما بعض الناس يقولون شرك شرك شرك وأنتم تكفرون الناس! لا يا أخي الكريم، هذا دين الله، ما هو بحق لفلان ولا فلان ولا لي. هذا دين الله الذي نتعبد لله به، ويقوم على كتاب الله وسنة رسول الله، ما أحد يجتهد من نفسه.

لكن قل لي بربك، لما تدعو ميت؟ تدعو إنسان في قبره ما تعرفه؟ تدعو رسول الله ﷺ تستغيث به؟ من أين لك هذا؟ من أين لك تدعو رسول الله؟ يا أخي والرسول ﷺ حي بين الصحابة ما يتجرأون أن يدعوه. لما قال واحد من الصحابة: «ما شاء الله وشئت يا رسول الله»، قال: «سألتني بالله؟». ثبت أن الصحابة، ما أحد أحب رسول الله مثلهم، لم يفعلوا شيئًا من هذه الأمور الخرافات التي الآن انتشرت بين الناس، إلا من رحم الله.

أنتم تكفرون الناس؟ أنتم وين تكفرون الناس؟ هذا دين الله. إنسان فعل أمرًا كفريًا، لا يكفر طبعًا، أنا لما أقول إنزال الحكم هذا ما هو لك وله ولي، لكن هذه مسألة علمية والعياذ بالله. إنسان يتعمد يسب الرب أو يسب القرآن أو يدعس القرآن، إيش تقول له؟ يكره هذا الفعل، ما كان ينبغي لك، هذا دين الله، ما فيه مساومة. ولذلك أنا الإنسان أقول: ما يتجرأ الإنسان على التكفير، ولكن الإنسان إذا فعل أمرًا كفريًا إيش نقول بعد ذلك؟ لا والله التكفير حكم التكفير هذا لا، أنا أقول التكفير ما هو سهل، لكن الحكم غير والتنزيل غير.

لكن لما نجد مجموعة من عند القبور، أحاطوا بالقبور يتمسحون بها ويدعونهم ويبكون عندهم، إيش يقولون؟ الفعل هذا مكروه؟ لا والله كفر، هذا والله كفر؛ استغاثة بالأموات ودعاء للأضرحة من دون الله، لأن الدعاء عبادة محضة لله، لا تجوز أن تصرف لغير الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله.

لذلك ما أوتيت الأمة إلا من جهلها، ما أوتيت الأمة إلا من عدم تجريد التوحيد لله سبحانه وتعالى، ثم يأتي بعض الناس العاطفيين ويتباكون، لازم تجمع الناس صح، ولكن على العقيدة الصحيحة، على المعتقد الصحيح، على التوحيد. الدعاء عبادة لا تكون إلا لله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]. الدعاء لله عز وجل عبادة عظيمة، لكن يهمنا في الحديث هنا أحبتي في الله أن الإنسان إذا دعا الله ويريد أن يستجيب الله له، يا أخي ابعد هذه الموانع، موانع إجابة الدعاء، ابعدها.

النبي ﷺ يقول: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء». سمعتم أحبتي في الله؟ «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء»، ثم يصرف لغيره؟ لا ما يصرف لغيره. الله يحب من عبده أن يسأله، إن الله يحب الملحين في الدعاء، إن الله يغضب من العبد الذي لا يسأله. وليش ما تسأل الله عز وجل؟ الله يحب من عباده أن يسألوه لأنه يحب أن يعطيهم، وأن يكرمهم، وأن يحقق دعاءهم. الله سبحانه وتعالى في كل ليلة ينزل إلى السماء الدنيا نزولًا يليق به فيقول: «أنا الملك، من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟».

لابد إذا أردنا أن يستجيب الله دعاءنا أن نبعد هذه الصوارف عن إجابة الدعاء، مثل إيش؟ قال: مطعمه حرام، مشربه حرام، بلمسه حرام، غذي بالحرام، أنى يستجاب له؟ لذلك إذا أردت أن يستجيب الله دعاءك يا أمة الله، عليك أن تبتعد عن كل ما يغضب الله. الطعام حلال، الشراب حلال، الملبس حلال، في كل ما يتغذى به الإنسان حلال، أطب مطعمك تستجب دعوتك، هكذا يقول ﷺ: «أطب مطعمك».

ما الذي يمنع الله أن يجيب دعاء عبده له؟ ما الذي يمنع؟ فإذا كان الله عز وجل يحب أن يعطي، يحب أن يتفضل، لكن تعال من الطريق الصحيح، من الطريق السليم. واعلم أن الله عز وجل سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين، سبحانه الكريم، ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: 3].

لذلك أحبتي في الله: الدعاء، الدعاء، الدعاء من أعظم العبادات. وتذكروا قول النبي ﷺ: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء». بمعنى اصرف دعاءك لله؛ استقبل القبلة، أنت متوضئ، منكسر، توسل إلى الله بأسمائه وصفاته، ألح في الدعاء، علق قلبك بالله، حسن ظنك بالله، ستجد أن الله سبحانه وتعالى لن يردك خائبًا، لماذا؟ لأنه أكرم الأكرمين.

أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.