يا راغبا في كل علم نافع، متطلع لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً والسنة للعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم.
لقاء يتجدد في أكاديمية زاد في هذه القناة الطيبة المباركة، وهذا المشروع المبارك، وهذه المادة العظيمة: الحديث الشريف، كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم. حديثنا اليوم الحديث السابع عشر، حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف». متفق عليه.
الراوي هو علي بن أبي طالب الهاشمي، رابع الخلفاء الراشدين بإجماع الأمة، وابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة، ولي الخلافة بعد مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقتل بالكوفة سنة أربعين من الهجرة.
شرح المفردات ومعاني الكلمات: قوله «إنما الطاعة في المعروف»، أي الطاعة للمخلوق في أمر عرف بالشرع بالمعروف، هو ما أقره الشرع ولم يتنافَ معه.
قبل أن نبدأ في حديثنا، إطلالة سريعة على أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، الذي تربى في مدرسة النبوة وفي بيت النبوة، وعلى مرأى من النبي صلى الله عليه وسلم. تربى في بيت أبي طالب، وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم الجميل لعمه، فأخذ عليا رباه في حجره في بيته. وهو أول فدائي في الإسلام؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر جعل عليا ينام في فراشه، ولما دخل الكفار إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم ورأوا فراش النبي قالوا: هذا محمد، فكشفوا وإذا بعلي رضي الله عنه وأرضاه ينام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم، ونجى الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً، ونال علي رضي الله عنه وأرضاه هذا الشرف.
علي بن أبي طالب كما قلت تربى في بيت النبوة، من أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ومكانة علي عند النبي صلى الله عليه وسلم مكانة عظيمة، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكره في أحاديث كثيرة، لكن أشهر ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عليا فيه، ومن مدحه وأثنى عليه لما خرج إلى تبوك رضي الله عنه، فخلف علي وراءه في المدينة، فبدأ المنافقون يتكلمون: رسول الله تركك في المدينة وذهب! فما زالوا به حتى أثقلوا عليه، فخرج ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم. فلما رآه النبي قال: «ما الذي أتى بك يا علي؟» قال: يا رسول الله استثقلتني، وما ذاك، فطيب نفسه النبي صلى الله عليه وسلم وقال كلمة شهد بها التاريخ: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا يوحى إليك».
هنا مكانة عظيمة جداً، قال له: أنت يا علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا يوحى إليك. انتبهوا، النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أن الناس قد يغلون في علي لو سكت، فهذه مكانة عظيمة. ابن عمه وزوج ابنته فاطمة، قطعة من النبي صلى الله عليه وسلم فزوجه قطعة منه، فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، والحسن والحسين سبطيه سيدا شباب الجنة رضي الله عنهما وأرضاهما.
علي بن أبي طالب هو الخليفة الرابع بعد أبي بكر وعمر وعثمان، وكم نافح عن النبي وقاتل عن النبي وجاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكم قدم للإسلام وبذل للإسلام، لكن الفتنة لم يسلم منها رضي الله عنه وأرضاه، وقتل سنة أربعين من الهجرة. تخيلوا علي رضي الله عنه وأرضاه، ولكن أراد الله أن يكرمه كما أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بالجنة، أراد الله عز وجل أن يشرفه بالشهادة التي نالها، نالها عمر ونالها عثمان ونالها علي رضي الله عنه وأرضاه ونالها كثير من الصحابة.
مع أن هناك من غلا فيه، هناك من غلى في علي بن أبي طالب، وهؤلاء الذين كانوا أتباعاً لعبد الله بن السوداء، هذا الرجل الذي ادعى الإسلام وهو يهودي، وأخذ يرجف حتى أوصلوا علياً إلى مقام الألوهية والربوبية مع الأسف. ادعى هذا الخبيث أن علياً حل فيه شيء من الألوهية وضحك على الناس مع الأسف، وهناك جهل اتبعوه. فعلي رضي الله عنه وأرضاه حفر خندقاً وملأه ناراً وقال: «من زعم أني إله حرقته بالنار»، فقالوا إن هذه النار ما هي إلا جنة، ولكن هذا ابتلاء ولا يعذب بالنار إلا رب النار، فتقاذفوا فيها والعياذ بالله كالجنادب والجراد، نعوذ بالله.
الشاهد أن علي رضي الله عنه وأرضاه مر في حياته بتجارب كثيرة، امتحانات كثيرة وفتن عظيمة، ثبت لها ثباتاً كثبات الجبال الرواسي. أبو الحسن يكفي، أبو تراب كما لقبه النبي صلى الله عليه وسلم، وغلا فيه أقوام ولا حول ولا قوة إلا بالله. أما نحن أهل السنة والجماعة، نعترف بأن علي بن أبي طالب هو من الصحابة العظام، وهو رابع صحابي في المنزلة بعد أبي بكر وعمر وعثمان، وله فضله ومكانته، ونشهد بأنه من أهل الجنة رضي الله عنه وأرضاه، لكن لا نفعل مثل أتباع الصفويين هؤلاء والروافض وغيرهم، يزعمون أنه رأس أئمتهم وأنه يعلم الغيب وأنه يتحكم في الخلق ويدخل الجنة من أراد ويخرج من الجنة من أراد ويدخل النار من أراد، وكلام فاضي ما أنزل الله به من سلطان، ليس هذا مكانه. ولكن نحن نشرف بأن نذكر هذا الرجل، نذكر علي، نذكر أبا الحسن رضي الله عنه وأرضاه، زوج البتول، زوج فاطمة، أبو الحسن والحسين رابع الخلفاء الراشدين رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.
وفاصل، ثم نعود إليكم، وصلى الله على محمد والحمد لله رب العالمين. هل تريد أن تكون صلاتك صحيحة مقبولة؟ إذاً لا بد أن تحقق شروط الصلاة التي لا تصح إلا بها، فمنها دخول الوقت، فلا تصح الصلاة قبل دخول وقتها بالإجماع؛ قال تعالى: ﴿كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]. وأوقات الصلاة الخمس معروفة، وهي ثلاثة عند الحاجة إلى الجمع: وقت لصلاتي النهار الظهر والعصر، ووقت لصلاتي الليل المغرب والعشاء، ووقت لصلاة الفجر، قال تعالى: ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]. ومن شروط صحة الصلاة أيضاً ستر العورة، وعورة الرجل...
لما بين السرة والركبة، وعورة المرأة في الصلاة جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين. ومنها الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر؛ قال النبي ﷺ: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ». ومنها طهارة البدن والثوب ومكان الصلاة، ومنها استقبال القبلة؛ قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]. ويسقط استقبال القبلة عند العجز وشدة الخوف، وفي النافلة في السفر. ومنها النية: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، فاحذر من الإخلال بشروط الصلاة كي لا تعرضها للبطلان. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا أيها الأحبة مع هذا الحديث، حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قول النبي ﷺ: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف».
وذكرت قبل الفاصل قول النبي ﷺ: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟»، لعلي أخطأت في اللفظ، ولكن اللفظ الصحيح: «لا نبي بعدي». أكرم النبي ﷺ عليًا بهذا الوصف، لكن بين أنه صحيح أن تكون بمنزلة هارون من موسى مني، ولكن لا نبي بعدي؛ حتى لا يغلو الناس فيه. ومناقبه كثيرة رضي الله عنه وأرضاه، يكفي في خيبر أنه قال: «لأعطين الراية غدًا رجلًا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله»، فظفر بها علي رضي الله عنه وأرضاه.
أعود إلى الحديث: «لا طاعة في معصية الله». انتبهوا، لا طاعة في معصية الله. الله عز وجل أمرنا بالطاعة وأمرنا بلزوم الجماعة، ولكن إذا وصلت القضية إلى أننا نؤمر بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق أبدًا كائنًا من كان. لا يجوز أن نطيع مخلوقًا في معصية الخالق: أميرًا، ملكًا، عالمًا، شيخًا، إمامًا، والدًا، والدة، زوجة، رئيسًا، أو مرؤوسًا؛ لا يجوز أبدًا ما إذا وصلت القضية إلى قضية المعصية، لا وألف لا. هذا دين الله سبحانه وتعالى، لذلك: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
«إنما الطاعة في المعروف»، هنا قضية لا بد أن أشير إليها؛ ولاة أمر المسلمين تجب طاعتهم فيما كرهنا أو لم نكره، في المكاره أو فيما أحببنا، لكن بشرط ألا تكون في معصية الخالق. يعني الآن لو أمرك ولي الأمر أن تعصي الله، لا تطيع، لكن لو أمرك بأمر أنت تكرهه لكن ليس محرمًا، وجب عليك أن تطيع؛ لماذا؟ لأن ولاة الأمر لهم مكانة ولهم أثر على المجتمع. الله سبحانه وتعالى قال في آيات كثيرة في القرآن الكريم على أهمية الطاعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]. لأن طاعة ولاة الأمر في غير معصية الله واجبة.
طيب، أمر إداري أو أمر فيه خلاف؟ لا، تسمع وتطيع. النبي ﷺ يقول: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصِ الأمير فقد عصاني». إذًا الأمير، ولي الأمر، له حق الطاعة في غير معصية الله. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال ﷺ: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» [متفق عليه].
أظن القضية واضحة الآن. المشكلة الآن وفي قديم الزمان هي الخروج على ولاة الأمر، لكن خروج في غير محله، كم حدثت من فتن وكم تنادى الناس إلى الخروج على ولاة الأمر في غير كفر -والعياذ بالله- فكانت النتيجة وخيمة. ولذلك الإنسان يحرص ما دام أن أمامه ولي أمره مسلمًا، أن يطيعه فيما أحب أو كره، وإن أخذ ماله وإن جلد ظهره. بعض الناس يقول لك: يا أخي هذا استنقاع، هذا خنوع! والله ما جاءت الشريعة إلا بما يحفظ المجتمعات، إذا لم يأتِ ولي أمرك كفرًا بواحًا يجب عليك أن تطيعه.
الحمد لله، قد تكون هناك أمور فيها خلاف وأمور فيها مصالح مختلفة، تسمع وتطيع، ومن هنا الضابط: ما لم يأمر بمعصية، ما لم يأتِ كفرًا بواحًا. لكن قضية الخروج الآن، هناك فرق بين السمع والطاعة وبين الخروج على ولاة الأمر. هذه قضية يجب أن يكون الإنسان واقفًا عندها وينتبه. الطاعة الآن، هل لو أمرني بمعصية أقول له لا وأخرج عليه؟ لا، انتبه، حتى لو أمرك بمعصية لا يجوز لك أن تخرج عليه. لكن إذا كان كفرًا بواحًا، وحتى هذا الكفر البواح إذا أتى به يجب عليك أن توازن بين المصالح والمفاسد؛ لأنه قد يكون كفرًا بواحًا ولكن أنت ضعيف، ليس عندك سلاح ولا أنصار، فيترتب هناك أمر أعظم، سيترتب فساد للناس، مثل نهب أموالهم، واستباحة أعراضهم، وسفك دمائهم.
فنفرق بين القضيتين: قضية الخروج على ولاة الأمر، هذه قضية وقر، وقضية السمع والطاعة، هذه قضية أمرك بمعصية، ما تطيع لكن ليس معنى هذا أنه إذا أمرني بمعصية أني أخرج عليه أو أؤلب الناس عليه، لا، لابد أن يكون هناك حكمة في التعامل. الخروج على ولاة الأمر كارثة لها أحكامها، والعلماء تكلموا فيها في "الأحكام السلطانية" وما جاء فيها من أحكام تبين القضايا من أولها إلى آخرها. لذلك مثل هذه الأمور الكبار من يفتي فيها؟ ومن يتكلم فيها ليس العوام، وليس أشباه العوام أو أشباه العلماء، إنما يتكلم فيها أهل الحل والعقد؛ لأنه يترتب عليها مفاسد عظيمة جدًا.
فالآن نحن أمام قضيتين: القضية الأولى، قضية الخروج على ولاة الأمر، هذه قضية خطيرة جدًا جدًا، حتى لو أمرك بمعصية أو بمخالفة لا يجوز لك أن تخرج عليه. طيب، لو أمرك بكفر بواح؟ وصلنا إلى قضية واضحة جدًا: ولي أمر أحد البلاد الإسلامية أمر بكفر بواح، هل يجوز الخروج عليهم؟ هذه قضية، كما قلت لكم، لا يتكلم فيها إلا أهل الحل والعقد؛ لأن لها شروطًا وموانع وأوصافًا، ولها بحث في السلبيات والإيجابيات.
في قوة ولا ما في قوة؟ ماذا سيترتب على ذلك؟ حكمة. اذكر في أيام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أحد الدول العربية رئيسها أتى بكفر بواح، وجاء مجموعة من تلك الدولة إلى الشيخ ابن عثيمين: "نريد أن نخرج عليه يا شيخ". فعل وفعل وفعل، قال: «ما تخرجون عليه». يحاولون يمينًا يحاولون يسارًا، قال الشيخ: «لا». خرجوا من عند الشيخ، وللأسف ركبوا رؤوسهم وفعلوا الأفاعيل، فانقلبت عليهم.
قتل منهم من قتل، ما الفكرة منهم؟ سفك الدماء، استبيحت الأعراض، ذهبت الأموال، سالت الدماء، شوهت صورة الدين. هذه المشكلة حينما يبتعد الناس عن العلماء. لذلك إذا ابتعد الناس عن العلماء الربانيين الذين أجمعت الأمة عليهم، سيتخذون علماء آخرين كما جاء في الحديث: علماء أشباه العلماء، علماء ليسوا بعلماء، وإنما اتخذ الناس علماء ضلال؛ فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. هنا الكارثة.
يقول الحسن البصري رحمه الله: «إذا جاءت الفتنة لم يعرفها إلا العلماء، وإذا أدبرت عرفها كل أحد». الفتن إذا جاءت ما يعرفها إلا العلماء؛ العلماء الحق، العلماء الربانيون، لكن إذا أدبرت عرفها كل أحد.
فاصبر، ثم نعود إليكم بإذن الله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
ربما تحب أحد الأبناء أو البنات أكثر من إخوتهما لبره أو أدبه أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت للصحابي الجليل النعمان بن بشير رضي الله عنه، يقول: «سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، فوَهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي ﷺ، فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي ﷺ فقال له: يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: «أكلهم وهبت لهم مثل هذا؟» قال: لا. قال: «فلا تشهدني، فإني لا أشهد على جور».
في هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته، وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والأنثى؛ وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره، لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فإن حصل مثل هذا التفضيل وجب رد القضية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم.
ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك، كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه، أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى، ويعطيها لمن يستحقها؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. اتقوا الله، إن الله شديد العقاب.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ونعود إلى ما كنا نتكلم فيه، يجب على الناس ألا يبتعدوا عن العلماء. الشيخ ابن باز رحمه الله يقول: «وأولو الأمر هم العلماء وأمراء المسلمين، يطاعون في طاعة الله إذا أمروا بطاعة الله وليس في معصية الله». فالعلماء والأمراء يطاعون في المعروف، وبهذا تستقيم الأمور ويحصل الأمن، وتنفذ الأوامر، وينصف المظلوم، ويردع الظالم. أما إذا لم يطاعوا فسدت الأمور وأكل القوي الضعيف.
إذن القضية واضحة جداً؛ الآن لما قال: «وأولو الأمر هم العلماء وأمراء المسلمين»، لماذا قدم العلماء؟ لأن العلماء هم الأعرف بالحلال والحرام، وإن الأمراء لا بد أن يكونوا مع العلماء؛ لأن الأمير قد لا يكون عالماً بالحلال والحرام مثل العالم، لذلك الأمراء لما يكون عندهم العلماء يفتونهم: هذا صح، وهذا خطأ، وهذا حلال، وهذا حرام. وعلى ضوء هذا العلم يتم اتخاذ القرار وتسييس الناس وإدارة أمورهم.
وبالتالي، لما يكون هناك ترابط بين العلماء والأمراء يكون النفع للناس، لكن المشكلة إذا كان هناك انفكاك بين العلماء والأمراء كانت كارثة، قد تحدث أمور يندى لها الجبين. لكن الذي يهمنا في هذا أن الطاعة لا تكون إلا في الحلال، أما الحرام فلا. لو جاء إنسان، رجل قال لزوجته: اخلعي حجابك، بعض الناس يذهب يدرس في الغرب، فيأتي وقد ذهبت أخلاقه وتغير فكره، فيريد من زوجته أن تكشف وجهها أو تكشف حجابها، نقول: هذا زوجك، هل تطيعينه؟ لا، ما تطيعيه. والدك لو أمرك بمنكر ما تطيعين، وإن جاهداك كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَن تَجْهَدَا فِيَّا﴾ [لقمان: 15]، بل كما قال: ﴿أَن تَشْرَكَ بِي مَا لَمْ تُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكَ عِلْمًا﴾ [لقمان: 13]، فلا تطعهما وهو أبوك أو أمك.
هذه قضية ما فيها مداهنة أبداً، بل مفاصلة؛ حلال حلال، حرام حرام. رئيسك في العمل أمرك بأمر فيه منكر أو محرم، ما تقبل. أميرك أمرك بأمر فيه حرام، ما تقبل. قد تُبتلى، ابتلي واصبر، والنبي ﷺ قال: «وإن أُخذ مالك، وإن جُلد ظهرك»، اصبر، إنك ستبتلى، وستعود إلى الله سبحانه وتعالى، وعند الله تجتمع الخصوم. والدنيا مهما حدث فيها الإنسان يصبر، وقدر الله وما شاء فعل، لكن أن نطيع مخلوقاً في معصية الخالق، لا، هذه قضية مسلمة: لا طاعة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية، وإن كانا فاسقين»، وهذا فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر. أبوك أو أمك مهما كان، أمرك بمنكر أو محرم أو كفر، لا، ما نقبل. مع أن طاعة الوالدين واجبة، لكن في منكر؟ لا، لا نقبل. الزوج طاعته واجبة، لكن في منكر لا. رئيسك طاعته واجبة في عملك، لكن في منكر لا. والإنسان لا بد أن يتقي الله سبحانه وتعالى في مثل هذه القضايا.
انتهينا، الحلال البين والحرام بين، وهذه أمور مجتمعات، هذه حلها أمر آخر. لكن قضية الحديث: «لا طاعة في معصية الله»، إنما الطاعة في المعروف، هذه قاعدة تستمر إلى قيام الساعة: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».
أعود فأكرر: نفرق بين عدم الطاعة والخروج على ولاة الأمر. أما الخروج، حتى لو أمرك بمعصية، لا تخرج؛ لأنه يترتب عليه فساد أمة، فساد مجتمع، فساد دولة، يترتب عليه خوف وجوع وسفك دماء وهلع، هذه كارثة. لكن الطاعة؛ لا نطيع في المعصية، لكن ليس معنى هذا أن أبدأ في الخروج. هذه قضية ينبغي أن ننتبه لها؛ لأن التاريخ يشهد، التاريخ يشهد أنه ما في حركة خروج على ولاة أمر.
قراءة التاريخ ليست كارثة في النهاية مفادها إلى خير، بالعكس، يترتب عليها أشياء كثيرة وترتب عليها سلبيات عظيمة. وكما قلت: الاستمساك بالكتاب والسنة والوقوف مع علماء الأمة، هذا نجاة بعد توفيق الله سبحانه جل في علاه.
أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يجعلنا جميعًا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يجعلنا ميسرين ولا يجعلنا معسرين، وأن يجعلنا مبشرين ولا يجعلنا منفرين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً
د. موفق كدسة الغامدي