يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً، والسنة بالعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. لقاء يتجدد في مادة الحديث، واللقاء الرابع مع الحديث الثالث، حديث النواس بن سمعان رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس» رواه مسلم. حديث جامع مانع.
قبل أن نبحر معه، تعالوا بنا نقرأ معاني الكلمات وشرح المفردات. فيقول البر: اسم جامع لأنواع الطاعات والأعمال المقربات. هذا البر اسم جامع لكل أنواع الطاعات والقربات. وقوله: حسن الخلق، أي حسن الخلق سواء مع الله أو مع عباد الله. طبعاً حسن الخلق له أشكال وأنواع لا أريد أن أستعجل فيها، لكن دعونا نكمل معاني الكلمات. قوله: ما حاك في نفسك، أي تردد وصرت منه في قلق، تردد، هذا هو الذي يحوك في النفس؛ في شيء في نفسك ما يجعلك ترتاح، هذا هو الذي حاك في النفس.
قال: وكرهت أن يطلع عليه الناس، لأنه محل ذم وعيب؛ فتجدك متردداً فيه وتكره أن يطلع الناس عليك. وهذه الجملة إنما هي لمن كان قلبه صافياً سليماً، وهذا هو الذي يحيك في نفسه ما كان إثماً ويكره أن يطلع عليه الناس. أما المتمردون الخارجون عن طاعة الله الذين قست قلوبهم، فهؤلاء لا يبالون، بل ربما يتبجحون بفعل المنكر والإثم. أيها الأحبة الأفاضل، دعونا مع هذا الحديث نذكر بعض الأمور المتعلقة فيه. أولاً: اهتمام الإسلام بجانب الأخلاق؛ يا إخواني النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما بعثت متمماً لمكارم الأخلاق». ما هناك خلق حسن إلا والإسلام يدعو إليه، وما هناك خلق سيء إلا والإسلام ينهى عنه. ولذلك قال العلماء: كل الأخلاق الحسنة وغير الحسنة تدخل في قول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]. شوفوا هذه الآية التي من ست كلمات، جمعت كل الأخلاق الحسنة فعلاً وكل الأخلاق السيئة تركاً.
أما النصوص التي جاءت في فضل الأخلاق ومكانة الأخلاق فكثيرة. يُسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، اللهم اجعلنا وإياكم من أهلها، فقال صلى الله عليه وسلم: «أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق». طيب يا رسول الله، ما أكثر ما يدخل الناس النار -الله أن يعيذنا وإياكم من شرها-؟ قال: «الأجوفان: الفم والفرج». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». ويقول صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة القائم الصائم». من منا أيها الأحبة يمكن أن يصوم الدهر ولا يفطر، أو يقوم الدهر ولا يفتر؟ لا أحد، لكن أنت بأخلاقك تصل إلى هذه المرتبة.
بل يقول صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً -الجدال-، وزعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، ثم قال: وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». إذاً أيها الأحبة، الأخلاق لها مكانة عظيمة في الشرع، وكل الأوامر الشرعية تلزم جانب الأخلاق الحسنة، وكل المعاصي والذنوب التي نهينا عنها مع الأسف تكون ملتصقة بالأخلاق السيئة. لذلك أحبتي في الله، الأخلاق مطلب؛ تريد أن تنجو في الدنيا وفي الآخرة حسن أخلاقك.
وترى حسن الخلق له لوازم؛ بعض الناس يقول: والله فلان ما شاء الله أخلاقه عالية في التعامل مع الناس، لكن تعال شوف أخلاقه مع الله. أولاً لا بد أيها الأحبة أن نحسن أخلاقنا مع الله قبل الناس. بعض الناس تجده ما شاء الله بشوشاً، كلاماً جميلاً، تعامله راقٍ مع الآخرين، لكنه تارك للصلاة، مرتكب للمحرمات، بعيد عن الأوامر والنواهي؛ أي أخلاق تنفع هذه؟ الآن في اليهود والنصارى بعضهم عندهم أخلاق عالية جداً تنفعه في الدنيا، لكن في الآخرة ما تنفع. نحن أيها الأحبة أخلاقنا أول أخلاق يجب أن نتمثل فيها مع الله سبحانه وتعالى، وأعظم خلق مع الله أن توحد الله عز وجل، أن تعبد الله ولا تعصيه، أن يراك حيث أمرك وأن يفقدك حيث نهاك. هذه الأخلاق، أما أخلاق فقط تعامل بدون ما تطبق شرع الله، ما هي أخلاق هذه، هذا تعامل.
الأخلاق لا بد أن تكون مرتبطة بالدين حتى تؤتي ثمارها. أما إذا كانت غير مرتبطة بالدين فلا، كما قلت لكم من اليهود والنصارى أخلاق عالية وتعامل راقي وصدق في المواعيد وأمانة في العطاء والأخذ، لكن ما تنفع عند رب العالمين؛ الآخرة لا. ولذلك نحن أخلاقنا مربوطة برب العالمين؛ أخلاقنا إذا صلحت صلحت دنيانا وآخرانا. مثال ودليل، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أتدرون من المفلس؟ المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وصدقة، وفي رواية بجبال من الحسنات، فيأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم قذف في النار». سمعتم أيها الأحبة؟ هذا مفلس، مفلس ليش؟ ما في أخلاق؛ يصلي ويصوم ويتصدق ولكن سلوكه مشين مع الناس، ضرب وشتم وقذف وأكل مال وسفك دماء؛ أي أخلاق هذه؟ هل هذه أخلاق خلق المسلم؟ لا، ما هي أخلاق المسلم.
لذلك الإسلام اهتم بجانب الأخلاق أيما اهتمام. ولذلك الله يشهد في كتابه لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. هذا الخلق العظيم يجب علينا أن نتأسى به وأن نهتدي به وأن نقتدي به صلى الله عليه وسلم قدوتنا. لذلك أيها الأحبة نحن نشكو من أزمة في أخلاقنا؛ أقولها وأعترف، أمة الأخلاق تشكو من أزمة في الأخلاق، وأكبر شاهد على كلامي المحاكم وما فيها من قضايا. نعود إليكم بإذنه تعالى، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
قد وصل بي الحال إلى الغفلة عن الطاعة والتكاسل في أدائها، وكأني لا أشتاق إلى جنة ولا أرهب ناراً ولا أخشى أن يتخطفني الموت في أي لحظة، ولا أدري ماذا أفعل. كانت هذه رسالة من شاب أصيب بضعف الإيمان نتيجة تكاسله في طاعة ربه وغفلته عنها. ورأى من نفسه كثرة الوقوع في المعاصي، التدرج إلى معاصٍ جديدة، التهاون في أداء الصلوات والتكاسل عن الطاعات، قلة ذكر الله ودعائه، عدم التأثر بآيات القرآن، عدم ذكر الموت أو التأثر به. كل هذه أعراض لها أسباب منها: التواجد في وسط تكثر فيه الغفلة وارتكاب المعاصي، التسويف وطول الأمل، شدة التعلق بالدنيا والغفلة عن الآخرة وحسابها، الإفراط في المباحات والإكثار من الكماليات والمرفهات.
فمن أراد النجاة والفلاح فلينفض عن نفسه غبار التكاسل والتهاون والتسويف، وليبتعد عن أهل الغفلة والسوء والهوى، وليلتزم طاعة ربه ومرضاته وذكره ودعائه، وليحرص على صحبة صالحة تذكره إذا نسي وتعينه عند الفتور والكسل. فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وما زلنا مع حديث النواس بن سمعان، قال صلى الله عليه وسلم: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس». أحبتي في الله، هذا عمدة في الأخلاق، وأهمية الأخلاق، وكما قلت قبل الفاصل؛ الأخلاق تحدد مسيرك في الدنيا وفي الآخرة. الأخلاق تنقسم إلى أقسام، أول قسم: الأخلاق مع رب العالمين، وأعظمها في نظري الحياء من الله؛ أن الإنسان إذا استحيا من الله عز وجل عمل كل ما يرضي الله سبحانه. الأخلاق مع النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة، لكن في نظري أن أعظم خلق يستحقه النبي صلى الله عليه وسلم المحبة الصادقة، وإذا أحببت رسولك صلى الله عليه وسلم تمثلت بكل أخلاقياته. الأخلاق مع الآخرين، مع الناس، العمدة في هذا: عامل الناس بما تحب أن يعاملوك، كما تدين تدان. الأخلاق مع النفس كثيرة، لكن في نظري وتصوري أن أعظم خلق مع النفس الصدق؛ إذا كنت صادقاً مع نفسك ستصدق مع ربك ومع رسولك ومع الناس بإذن الله. حتى مع العجماوات الحيوانات والبهائم الرحمة والرفق، هكذا دين النبي صلى الله عليه وسلم.
البر حسن الخلق، بمعنى أن حسن الخلق يجمع لك كل أنواع البر. شف البر حسن الخلق، تريد البر حسن أخلاقك؛ إذا حسنت أخلاقك ستقودك بإذن الله تعالى إلى كل أنواع البر، سواء القول، بالفعل، السلوك، المعاملة، في الاعتقاد، في كل شيء. كيف يا إخواني، ما أعظم هذه الكلمات من النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم. البر حسن الخلق، هذه الكلمة تحتاج مجلد بل مجلدات؛ فكل خلق حسن يدعوك إلى البر، الأخلاق الحسنة تأمرك بالبر مع رب العالمين، مع الرسول الكريم، مع الناس أجمعين، مع نفسك أيضاً، كن صادقاً مع نفسك مع كل شيء.
طيب والإثم: ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع الناس عليه. طبعاً الإثم له علامات، العلامة الأولى أنه يصير عندك تردد في نفسك، هذا صح ولا غلط؟ هذا حلال ولا حرام؟ والله يا أخي أنا متشكك؛ آه هذا الموقف، هذه المشاعر، آه بس وقف. إذا كنت صاحب فطرة سليمة وصاحب دين؛ ثق تماماً أن هذا الحس الأخلاقي الذي هو عندك سيمنعك من كثير من الأمور. قد يكون الأمر حلالاً مباحاً لكن أنت بأخلاقياتك تترفع عنه، وهكذا كان ديدن الكثير من السلف كانوا يتركون أشياء كثيرة من الحلال حتى لا يقعوا في المكروه أو في الحرام.
فإذاً من علامات الإثم أنها يحوك في نفسك، هناك تردد في نفسك وفي صدرك، قلبك ما يطمئن أبداً له على الإقدام على فعله، هذا إثم. ومن علامات الإثم أنك ما تريد من الناس أن يروك عليه أو يروه عليك أو أنك تفعله، أيضاً هذا من علامات الإثم: «ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس». أذكر قصة طريفة لأحد المشايخ أنه كان عنده محاضرة فسئل عن التدخين؛ قال حرام، فقام رجل من وسط المسجد: أعطني دليلاً! يقول فاجأته بالآيات والنصوص العامة التي يعني ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] ومن هذه النصوص. قال: لا لا، هذا مو خبيث، هذا عندي من الطيب، أروح له يمين يروح يسار، أروح يسار أروح يمين. يقول يعني رجل كبير في السن وكلامه أنه صادق ما كان يعني إنساناً مجادلاً، قلت له: يا أخي هذا خبيث. قال: من قال لك خبيث؟ أنا الدخان عندي أحسن من أي شيء. رائحة نتنة. قال: مين قال لك أنها رائحة نتنة؟ هذه رائحة جميلة.
يقول فجئت معه في الطريق العقلي، قلت له: يا أخي الكريم، لو دخلت الآن بيتك ورأيت ابنك يأكل قرصاً من الطعام أو خبزاً تغضب ولا ما تغضب؟ قال: لا ما أغضب. قال لي: طيب لو دخلت بيتك الآن وفتحت الباب ولقيت ابنك ماسك سيجارة يشرب تزعل ولا ما تزعل؟ قال له: أزعل. قال له: ليش؟ قال: طيب، قال: خبيث ما هو طيب. بس هذا اللي كنت أريد أن أصل إليه، الرجل ابتسم، يقول أخرج الدخان من جيبه ثم كسره أمامي قال: والله يا شيخ ما عاد أشرب الدخان بعد اليوم. الإنسان فينا قد يعني يمانع، يعني إيش المشكلة؟ لكن لما جاء له المثل على ابنه: تزعل ولا ما تزعل؟ قال له: أزعل. ليش؟ قال: ما هو طيب. ما هو طيب خلاص وقفنا؛ إذا ما هو طيب على الصغير ما هو طيب على الكبير، هذا هو: «وكرهت أن يطلع عليه الناس».
بعض الناس مبتلى بالتدخين، يدخن قدامك الناس كلهم إلا قدام أبوه وقدام إخوانه الكبار، ليش؟ يستحي. خلاص ما دام تستحي إذاً هذا حرام، عرفنا هذا دليل عقلي: «وكرهت أن يطلع عليه الناس». إذاً أحبتي في الله، أحبتي في الله على الإنسان أن ينتبه لهذا الميزان؛ الله عز وجل وضع في كل واحد منا هذا المبدأ، الفطرة، بعضهم يسميه الحس الأخلاقي، الحس الأخلاقي يفرق لك بين الصح والغلط، المقبول وغير المقبول. بعض الناس فعلاً إذا تفعل شيئاً مباحاً ما تضطرب، ما تخاف، ما تتردد. لكن الإنسان حينما يفعل الخطأ، هنا يفعل الخطأ، يبدأ ذلك الشعور الداخلي والحس الأخلاقي، يبدو هناك اضطراب في النفس، عدم تقبل. إذاً أنت الآن تعمل شيئاً غلط، ولذلك هذان ميزانان وضعهما النبي صلى الله عليه وسلم لأصحاب الفطر السليمة.
أصحاب الفطر السليمة، جينا عند تاجر مخدرات قلنا له: إيش رأيك في المخدرات؟ قال لك: والله إيش فيها؟ طيبة، وتدخل لك دخل، وتُروِّق الرأس، وتشعر بانتعاش، يا سلام. هذا لا تأخذ فكره ولا مشاعره؛ لأنها منكوسة، مريض فطرة مريضة. لكن تأتي إلى أصحاب الفطر السليمة، أصحاب العقول النيرة، أصحاب الضمائر الحية، هذا يعرف.
بعض الناس يتصل علي يسألني سؤالاً وأقول له أولاً قبل أن أجيبك: أنت إيش رأيك؟ يا شيخ والله أنا ما اتصلت فيك إلا وأنا نفسي فيها شيء. قلت بس قف، خلاص، هذا ما دام نفسك فيها شيء ففعلاً قف، هذا ما يجوز. يا إخواني، هذا من فضل الله وتوفيقه أن جعل فينا هذه الخصلة، الفطرة السليمة التي تقبل الحق وتنفر من الباطل، هذا من فضل الله سبحانه وتعالى علينا. ذلك الفطرة إذا صحت، صحت أمور كثيرة بعدها، لكن إذا انتكست الفطرة انتكست أمور كثيرة بعدها.
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم جمع البر في كلمتين: «البر حسن الخلق»، والإثم قال: «ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس». إذاً أنت عندك ميزان، وأتمنى أيها الأحبة أن نفعِّل هذا الميزان بكل تجرد، لكن ليس هذا معناه أننا نترك نصوص الكتاب والسنة ونأتي إلى مشاعرنا وما نجده في نفوسنا، لا لا لا. أنت إذا عدمت الدليل، عدمت من يعلمك، من تستشيره، من تستفتيه؛ انظر بعد ذلك إلى نفسك إذا كنت صاحب فطرة سليمة، قلبك كيف؟ هل هو متردد في نفسك، وإلا ما في مشكلة؟ ما في مشكلة اعزم. ابن الحلال بيّن، والحرام بيّن، وأموره أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، هنا إذا ما وجدت من يفتيك، إذاً استخدم فطرتك السليمة. قلبك كيف؟ متردد؟ لا، طيب توكل على الله. أو رأوك عليه ما في مشكلة، خلاص. لكن كما قلت حين عدم وجود من يعلم أو يفتي أو يوجه.
هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: يا ابن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك. ومن أهمية الوقت أقسم الله به في كتابه فقال: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: 1]. وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه». وإذا أراد الله بالعبد خيراً أعانه بالوقت، وإذا أراد به شراً جعل وقته عليه.
وفي سيرة السلف أروع الأمثلة على استغلال الوقت، فقد كان داود الطائي يِسفُّ الفتيت، ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. قال ابن القيم: أعرف من أصابه مرض وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا تعب وضعه. ومن آداب الطالب ألا يسوِّف في تحصيل فائدة؛ لأن للتأخير آفات، ولأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات، فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس». أعود إلى المقطع الأول من الحديث: البر حسن الخلق، حسن الخلق يقود إلى البر، وكل عمل فيه خلق حسن، ثق تماماً أنه يأتيك بالأجر بإذن الله سبحانه وتعالى.
حسن الخلق له أشكال وله صور، من تلك الصور الكلمة الطيبة، تدخل بها السرور على أخيك المسلم. مهم جداً أيها الأحبة أن يكون كلامنا مع بعضنا كلمة طيبة، ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]. ورب كلمة قالت لصاحبها دعني! ما أجمل أيها الأحبة أن نتحلى بالأخلاق الطيبة عامة، وبالكلمة الطيبة خاصة. بعض الكلمات تكون وقود حروب، كم من الأرواح أُزهقت، ومن البيوت تهدمت، ومن الأسر تقطعت وتفرقت، والسبب كلمة. العرب يقولون: رب كلمة قالت لصاحبها دعني، وقد والعياذ بالله الإنسان يخرج من الدين بكلمة، وقد يفسد عليه دنياه وأخراه بكلمة. إذاً الكلمة الطيبة كما قال: «الكلمة الطيبة صدقة».
الشيطان يوغر الصدور، جاء رجل إلى أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه قال: والله لو قلت كلمة لأسمعنَّك مائة كلمة، قال أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه: والله لو قلت مائة كلمة ما تسمع مني كلمة واحدة. هذه الأخلاق، هذه الأخلاق! بعض الناس يظن أن إثبات الشخصية وإثبات المكانة إثبات الكلام، التهديد والإرعاد والسباب، لا يا أخي، لا يا أخي، الكلمة الطيبة صدقة. ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
قولاً سديداً، ترى العداوة ممكن تُستجر بكلمة، وتُطفأ بكلمة، ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34-35]. يا أحبتي في الله الكلمة مهمة جداً، والله أنت تستطيع أن تقول ألف كلمة وأنا أستطيع، لكن من هذا الذي يستطيع أن يوزن الكلام؟ ولذلك يقول أيها الأحبة فلنحذر، نحذر، نحذر من الكلام، وكما قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «وهل يكبُّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟».
يقولون جرح السنان ولا جرح اللسان، وتستطيع أن تكسب عداوة الناس بكلمة، وأن تكسب محبة الناس بكلمة. طب لماذا نكسب عداوة الناس؟ لماذا أنا ما أكون أنا الذي أحتوي الناس؟ وهكذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يا أحبتي، ما أُثر عنه ولا نقلت لنا السير ولا الكتب أنه قال كلمة نابية واحدة، واحدة بس! «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، حتى كلامه مع الكفار، «يا أبا فلان»، «يا عماه»، كلام في تلطف، والله نحن أولى به أيها الأحبة، خاصة معشر الدعاة، خاصة الأئمة والخطباء، خاصة من تصدى لتوجيه الناس. الكلمة تأسر، الكلمة الطيبة تجعل في يدك قيداً يقودني به مع حبي لك وتقديري لك. نفعل هذا القيد أيها الأحبة بجمال الكلمة، بصدق المشاعر، بعدم إثارة العداوات. الكلمة الطيبة تدخل بها السرور على أخيك المسلم.
من الأخلاق مراعاة خواطر الناس، فلا تجرح بقول أو فعل، دائماً مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر. أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وبالتالي حسن الخلق يقول لك خليك دائماً مفتاحاً للخير، لا تتعمد جرح الناس، لا تتعمد إغاظة الناس، بل اكسب الناس. سمعت كلمة من رجل كبير في السن مُجرِّب يقول وهو يتكلم في قضية الناس: ولو أقل إنسان قال حتى أكرمكم الله ولو كان كلباً، كلباً معي ولا كلباً ضدي، يقول حتى أكرمكم الله لو كان كلباً -أكرمكم الله- يكون معك ولا يكون ضدك، فكيف إذا كان بشراً؟ فكيف إذا كان مسلماً؟ فكيف إذا كان قريباً؟ فكيف إذا كان قدوة؟
إذاً أحبتي في الله، المسلم لا يتعمد أذية إخوانه لا بقول ولا بفعل، وإن حدث هذا يعتذر الإنسان، نتأسف يا أخي. النبي صلى الله عليه وسلم مع سواد بن غزير رضي الله عنه في الغزوة لما طعنه بخاصرته بعود قال: «آلمتني يا رسول الله». قال: «خذ القصاص». قال: يا رسول الله، أنت ضربتني على صدري وصدر عاري، ارفع قميصك. انظروا وهو في معركة! فيرفع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه، فيقبل سواد رضي الله عنه وأرضاه، يرمي بنفسه على صدر النبي ويحتضنه ويقبل. لما فعلت ذلك؟ قال يا رسول الله، قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر ما مسَّت يدي وجسمي جلدك. الشاهد أيها الأحبة انظروا كيف النبي يقتص للناس من نفسه.
كيف نحن؟ نحن يا إخواني قد نقع في خطأ، في زلل، في هفوة، لكن لا تتمادى، نتعلم أسلوب يا أحبابي أسلوب الأسف والاعتذار، حتى بعض الناس قد تشوفه إنسان هو المخطئ، صدقني إذا تألفتَ يصبح كالخاتم في إصبعك. يا إخواني هذا مبدأ إلهي رباني، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. بالتالي الأخلاق تحتاج منا شيء من المجاهدة حتى نتغلب على حظوظ النفس، إذا تغلبنا على حظوظ النفس سنكسب الناس الآخرين. كلام الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34]، وكما قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: من عصى الله فيك فأطع الله فيه. هذه أخلاق، كلما ارتقينا بأخلاقنا كلما سمونا بأنفسنا، كلما أحبنا الآخرون بل أحبنا الله رب العالمين سبحانه جل في علاه.
كظم الغيظ وعدم إنفاذ العقوبة عند القدرة، لا تكن إنساناً تريد أن تتشفى من الناس، تنتقم من الناس، لا يا أخي. ما هي هذه الصفات صفات أصحاب الأخلاق العظيمة؟ هذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يدخل مكة فاتحاً ومعه جيش عرمرم عشرة آلاف مقاتل، «اذهبوا فأنتم الطلقاء، اذهبوا فأنتم الطلقاء». هذا رجل يريد أن يقتله، فيقف على رأسه بالسيف، «من يمنعك مني يا محمد؟» فيقول: «الله»، فيسقط السيف، يتناوله صلى الله عليه وسلم: «من يمنعك مني؟» قال يا محمد: كن خير آخذ. فعفا! يا إخواني رسولنا صلى الله عليه وسلم أعطانا قدوات عظيمة جداً في شخصيته صلى الله عليه وسلم.
إذاً كظم الغيظ، فعل به النبي صلى الله عليه وسلم، العفو عند المقدرة، كف الأذى عن الناس، هذه كلها من الأخلاق أيها الأحبة. لما أنزل الله قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، قال صلى الله عليه وسلم: «يا جبريل ماذا أراد الله بهذا؟» قال: إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وأن تعفو عمن ظلمك، وأن تعطي من حرمك. هذه أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم. أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي