دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 3 - حديث: (إن الدين يسر...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلًا يأتيك ميسورًا بأي مكان، والسنة بالعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعًا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كل داء، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم.

مع الحديث الثاني في هذه الأكاديمية المباركة وفي هذه المادة المباركة، الحديث الشريف، حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الدين يسر، إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» رواه البخاري. وفي لفظ له: «والقصد القصد تبلغ».

الحديث من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه؛ حافظ الإسلام عبد الرحمن بن صخر الدوسي، لزم النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له بقوة الحفظ، وكان أكثر الناس رواية عنه صلى الله عليه وسلم، مع أنه أسلم عام خيبر السنة السابعة، لكنه أكثر الناس حفظًا.

أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه، عبد الرحمن بن صخر الدوسي، كان واليًا على البحرين إلى الأحساء، وولي المدينة سنوات في خلافة بني أمية، توفي سنة تسع وخمسين.

نقف وقفات سريعة مع معاني الكلمات وشرح المفردات: الدين أي دين الإسلام الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: ﴿وَلَن يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ﴾ أي غلبه الدين، وعجز ذلك المشاد عن مقاومة الدين لكثرة طرقه فيغلبه ويرده إلى الاعتدال. قوله: ﴿فَسَدِّدُوا﴾ أي الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط أو تفريط. وقوله: ﴿وَقَارِبُوا﴾ أي إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاجتهدوا أن تقتربوا منه. وقوله: ﴿وَأَبْشِرُوا﴾ أي بالثواب على العمل الدائم وإن قل. وقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ أي على مداومة العبادة بإيقاعها في أوقات النشاط؛ كأول النهار وبعد الزوال وآخر الليل.

قوله: ﴿الْغَدْوَةَ﴾ السير أول النهار، ﴿وَالرَّوْحَةَ﴾ من الرواح وهو السير في النصف الثاني من النهار أو آخر النهار، ﴿وَالدُّلْجَةَ﴾ السير آخر الليل. وأنشد علي بن أبي طالب قوله: اصبر على السير والادلاج في السحر .. وفي الرواح على الحاجات والبكر

قال: ﴿وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ﴾ أي الزموا الوسط المعتدل في الأمور، وكرر القصد للتوكيد. ﴿تَبْلُغْ﴾ أي تبلغ مقصدكم وبغيتكم.

أقول أيها الأحبة، هذا الحديث الجامع من الأوامر الجميلة العظيمة الكريمة التي تعين على إدراك المسلم حاجته، كيف لا وهو من الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. ولذلك كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الدين يسر». أحبتي في الله، هذه قاعدة مطلقة؛ دين الإسلام دين يسر ما فيه مشقة.

يجيني واحد يقول: يا أخي والله أصلي في الظهر وفي العصر وفي المغرب وفي العشاء وأتوضأ لكل صلاة! يا حبيبي، المشقة مشقتان: مشقة محتملة ومشقة غير محتملة. بلا شك كونك تحف الجنة بالمكاره، يعني لازم تصبر؛ لأن الجنة حفت بالمكاره والنار حفت بالشهوات، فلازم تصبر عن الشهوات لأنها طريق إلى النار.

فإذاً هناك مشقة محتملة، وفي مشقة غير محتملة. وترى كونك تصلي وتقرأ القرآن وتتصدق هذه مشقة، لكنها مشقة محتملة، لها عاقبة الخير ولها ثمرة عظيمة عند رب العالمين. وهذه التكاليف الشرعية تكاليف لكنها ليست شاقة، تكاليف كما قال ابن تيمية رحمه الله فيها خير لك وسعادة لك في الدارين، في الدنيا وفي الآخرة.

بعض الناس يحب أن يتفلت، يا أخي الدين يسر، لماذا تشددون على الناس؟ الصلاة في المسجد، يا أخي اجمع صلاتين مع بعض! وقف قل لا إله إلا الله، وين رايح أنت؟ الدين ليس على كيفك وعلى كيفي، بل حتى الدين أيها الأحبة ليس على مراد النبي صلى الله عليه وسلم البشري، إنما الدين مراد الله عز وجل أولًا وآخرًا.

النبي صلى الله عليه وسلم لا يحلل من تلقاء نفسه ولا يحرم من تلقاء نفسه، إنما النبي صلى الله عليه وسلم يبلغنا شرع الله. ولذلك لما حرم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه المغافير أو العسل، عاتبه الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التحريم: 1]. فإذاً الشرع ليس لك ولا لي ولا للبشر؛ الشرع والدين لله سبحانه وتعالى.

رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغ، لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، دين الله. فما في داعي أن يأتي إنسان متفلق متحذلق يحاول يفلسف الدين على كيفه. ما أكثر من سمعنا ورأينا مع الأسف يخضع الدين لعقله ولتفكيره ولاجتهاداته البشرية القاصرة.

الدين يسر بمعناه في الشرع، إذاً المشقة مشقتان: مشقة محتملة نتحملها؛ تصلي الفجر تترك فراشك وتقوم تتوضأ وتذهب تصلي في المسجد، تصلي الظهر في وقته، العصر في وقته، العشاء في وقته؛ كل صلاة في وقتها هذه مشقة محتملة. أما المشقة غير المحتملة، فالإسلام لا يكلفك بشيء فوق طاقتك أبدًا؛ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾.

الدين يسر، انظر إلى شرائع الإسلام بمنتهى اليسر، هل عندنا من القواعد في الشريعة: المشقة تجلب التيسير؟ الأمر إذا ذاق تسع، لا ضرر ولا ضرار. فنجد أن الإسلام كله كتلة من اليسر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما بعثت حنيفية سمحة».

الإسلام يسر، لا يوجد شيء معقد؛ أنت الآن الصلاة ركن من أركان الإسلام، ولكن إذا كنت مريضًا فصَل جالسًا، وإن كنت لا تستطيع فمضطجعًا. وفي شهر رمضان، إذا كنت مريضًا فأفطر واقضِ بعدين، وإذا كنت مسافرًا والسفر يشق عليك فأفطر وبعدين اقضِ. نجد أن التكاليف والأوامر الشرعية مبناها على اليسر، ولذلك قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه». لا تحاول بأي طريقة من الطرق أن تتحدى الدين، الدين يقوم على اليسر والسهولة. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا». بل لما سمع أن بعض الناس أراد أن يتشدد غضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق».

إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق. الإنسان أيها الأحبة عليه أن يعرف قيمة هذا الدين وعظمة هذا الدين، وأن هذا الدين لا يأمرنا إلا بما ينفعنا، وأن المشقة التي نعانيها إن كانت مشقة محتملة يجب علينا أن نأتي بها، وإن كانت غير محتملة فلا، عندنا رخصة في ذلك يعرفها العلماء الربانيون.

وصلّى الله على محمد. الحمد لله رب العالمين. يلجأ الكثير من الباعة والمنتجين إلى وسائل شتى لجذب المشترين، والتي منها تلك المسابقات التي تجريها بينهم ليحظى الفائز منهم بجوائز عيدية ونقدية، وربما قامت بمنح المشترين كلهم أو بعضهم هدايا وجوائز دون عقد أي في مسابقة، فما حكم الاستفادة من هذه الهدايا؟

الراجح جواز الاستفادة منها بشرطين: الأول أن يكون ثمن البضاعة حقيقيًا بحيث لا يرفع التاجر السعر من أجل الجائزة، فإن رفع السعر من أجل الجائزة فهذا من الميسر وهو لا يجوز. والشرط الثاني ألا يشتري الإنسان سلعة من أجل الجائزة فقط، كأن يشتري حليبًا أو عصيرًا وهو لا يحتاج إليها، لكن ليحصل على الجائزة ثم يريقها ولا يستفيد منها، فهذا من إضاعة المال الذي سيسأل المرء عنه.

فعن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس»، فذكر منها: «وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه»، فإن كان سيستفيد منها فيما بعد باستعمال لها أو تصدق بها فلا بأس.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ما زلنا مع هذا الحديث العظيم، مع هذه التوجيهات الكريمة من الرسول الكريم ﷺ، إن الدين يسر، «ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه».

أيها الأحبة، قبل الفاصل أشرت إلى بعض الذين استشددوا في الدين أيام النبي ﷺ؛ الذي قال: أنا أصوم ولا أفطر، والثاني قال: أنا لا أتزوج النساء، والثالث قال: أنا أقوم الليل ولا أنام، فغضب النبي ﷺ وقال: «أما أنتقاكم لله وأخشاكم له؟ أما إني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».

ديننا الدين يسر، لا تشدد على نفسك يا عبد الله. التشدد كما قلت بمفهومه الشرعي ليس بمفهومه عند بعض الناس التفلت. بعض الناس يحب أن يتفلت من الشريعة، يقول: يا أخي ربي لحيتك، قال: يا أخي الدين في اللحية، لا إله إلا الله! أليست هذه عن رسول الله ﷺ؟ ألم يمر بها رسول الله؟ يقول: يا أخي أنتم متشددون. لا يا أخي، في أشياء فيها تشدد وفي أشياء ما فيها تشدد.

أضرب مثالًا، يجيء واحد يمشي وثوبه يسحب في الأرض شبرًا في الأرض، أقول له: يا أخي اتق الله، ارفع إزارك فوق الكعبين. يا أخي الدين ليس في الثوب، الدين في القلب. أليس هذا من الدين؟ بلى من الدين. وهكذا يا فلان غض بصرك عن الحرام، يقول: يا أخي الإيمان في القلب. نعم، ولكن نظر الحرائر النساء الأجنبيات محرم. إذًا ليس المفهوم التشدد ما يفهمه بعض العوام والجهلة.

إنما التشدد المقبول هو أن تقوم بأوامر الدين؛ المشقة المحتملة هذه نقوم بها، تستطيع، تحتاج مجاهدة، جاهد نفسك على الصلاة، على الصيام، على الزكاة، على فعل الخيرات وترك المنكرات، لابد من المجاهدة، «حفت النار بالشهوات والجنة بالمكاره».

التشدد الذي ينهى عنه النبي ﷺ أن تأتي بشيء ما أمرك به النبي ﷺ؛ لما رأى حبلًا بين ساريتين في المسجد قال: «ما هذا الحبل؟»، قالوا: إنه لزينب رضي الله عنها، تصلي فإذا فترت تعلقت فيه، قال: «حلّوه، وليصل أحدكم نشاطه، فإذا نعس يرقد». وكما قال ﷺ حين رأى رجلًا كبيرًا جالسًا في الشمس: «أجلسه في الظل»، نذر أن يصوم الدهر وأن لا يستظل، قال: «إن الله غني عن تعذيب هذا لنفسه، فليستظل». إذًا القضية ليست قضية تشدد في غير مكانها.

والله الذي لا إله إلا هو، لن نعبد الله أعظم من رسول الله ﷺ وهو الذي قال هذا الكلام. وبعدين ترى أحبتي في الله، بعض الناس إذا تشدد في أمر هذا التشدد قد -والعياذ بالله- يجعله ينتكس؛ لأنه الخير كل الخير فيما جاء به النبي ﷺ.

والخوارج كيف خرجوا؟ إلا لأنهم تشددوا؛ لما يأتي إلى رسول الله ينصح رسول الله: يا محمد اتق الله واعدل، اتق الله واعدل، قال: خبت وخسرت -وفي رواية خبت وخسرت- من يعدل إلا معدود. كل هذا من التشدد، والنبي ﷺ يقول: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمي». لأن أدركتم لاقتلنهم، قتل أحدٌ تشدد، تقرحت جباههم وأياديهم وركبهم من كثرة الصلاة والسجود، لكن تشدد في غير مكانه، وقاتلوا المسلمين، وتقاتلوا مع علي رضي الله عنه وأرضاه في معركة النهروان، وصار الذي صار في القصة المشهورة، كل هذا من التشدد.

لأن الدين يسر، «ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه». هذا دين الله، هذا شرع الله، الله عز وجل هو الذي أمر بهذا الدين، أمر بهذه الشريعة، أمر بهذا فأحله وبهذا فحرمه، «بعثت بالحنيفية السمحة».

ديننا يقوم على اليسر. المشقة قاعدة شرعية أصولية تجلب التيسير، الأمر إذا ضاق لا ضرر ولا ضرار. أما يأتي إنسان فيتشدد في أمور والله قد ينقلب، رأيت وسمعت من فعلاً من تشدد فترك الدين بالكلية. الدين سهل هين لين، حبيبي للنفوس، قريب من النفوس، متعة وسعادة وطمأنينة ولذة وانشراح. هذا الدين ما كان فيه شيء من المشقة غير المحتملة، المشقة المنفرة أبدًا.

بعض الناس يقول: الدين يا أخي... والله الذي لا إله إلا هو ما رزقنا الله هذا الدين إلا ليسعدنا، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. يا عبد الله، دين الله إنما جاءنا ليسعدنا، إنما جاء ليفرحنا، إنما جاء ليبسطنا، إنما جاء لنحيا حياة كريمة. والذي لا إله إلا هو، ما كان الدين يوم فيه تعنت ولا مشقة غير محتملة، لا والله، سعادة ما بعدها سعادة، طمأنينة ما بعدها طمأنينة، لكن من يفهم هذا.

لا تأتي الإنسان مريضًا وتسأله مثلاً عن أمر يخالف حاله، أو إنسانًا أعمى وتقول له كيف الشمس؟ ما يشوفها، كيف القمر ما يراها، ما يراه. وبالتالي أحبتي في الله نحن نأخذ أحكامنا من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فسددوا»، يعني الزموا الصواب وابتعدوا عن الخطأ، قال: «وقاربوا»، يعني حاول تصل إلى الأكمل من العمل، والأفضل من العمل. يعني النبي صلى الله عليه وسلم لن نكون مثله، لكن نتشبه به؛ ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. النبي صلى الله عليه وسلم هو قدوتنا، هل يمكن أن نكون مثله؟ مستحيل والله مستحيل، لكن نتشبه به صلى الله عليه وسلم، نقتدي به صلى الله عليه وسلم، نأتشي به صلى الله عليه وسلم. ولدك قال: إيش؟ «فسددوا وقاربوا»، حاول، حاول اجعل لك هدفًا عاليًا.

شاب من السلف يقول لوالده: يا أبتِ أتمنى أن أكون مثلك، قال: إنك لن تكون مثلي، قال: لماذا؟ قال: أنا كنت أريد أن أكون مثل عمر بن الخطاب فرأيتني على حالي، وأنت إذا أردت أن تكون مثلي فلن تصل إلى حالي. بمعنى أن كل إنسان يظهر له قدوة عالية، هذه القدوة العالية حاول أن تصل إليها، إذا ما وصلت إليها ستكون قريبًا منها.

ومن الأمثال الجميلة يقولون: الذي يريد أن يصل إلى القمر ولا يصل، أين سيكون؟ سيكون بين النجوم. دلالة على أن الإنسان دائماً يرتقي في أهدافه ويرتقي فيما يريد: «وقاربوا»، حاول أن تقترب من هدي رسولك صلى الله عليه وسلم، من سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، من فعل نبيك صلى الله عليه وسلم، من عمل نبيك صلى الله عليه وسلم. إن لم تصل له فسيكون قربًا منه في كل الأعمال.

ثم بعد ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وأبشروا»، الله أكبر! أنت إذا سددت وقاربت فابشر، لكل مجتهد نصيب. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. ما دام أنت بذلت الأسباب، ثق تمامًا أن الله عز وجل سيثمن هذه الأسباب وسيعطيك أكثر مما تظن؛ لأنك بذلت.

فرق بين الذي يبذل السبب ويجد ويجتهد، وبين إنسان خامل كسلان نائم. ولذلك يقول: «سددوا وقاربوا»، إذا فعلت قال: «فابشروا». ما دام أنت بذلت، فابشر، أنت تتعامل مع الكريم سبحانه، مع ملك الملوك سبحانه، مع الغني سبحانه جل في علاه.

فأصلًا أيها الأحبة، ثم نعود إليكم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. «من صمت نجا»، كف عليك هذا، «فليقل خيرًا أو ليصمت». توجيهات نبوية كريمة بحفظ اللسان وإمساكه عن الشر والأذى؛ فالمسلم الحق من سلم المسلمون من لسانه ويده. لذا فإن من كمل عقله أمسك لسانه إلا من خير.

فاللسان كالنفس، إن لم تشغله بالحق انشغل بالباطل. فمن إشغاله بالحق أن يكون في الذكر والدعاء، وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحليم العلم، والدعوة إلى الله تعالى، وإلا فسينشغل بالغيبة والنميمة والكذب، وقول الزور، ونشر الباطل، والقول على الله بغير علم، ولك الانشغالين جزاء.

قال عليه الصلاة والسلام: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم». فكل ما خرج منه يُرصد، يُكتب ويُجمع ويُحفظ لينشر يوم الدين؛ فإما خيرًا يجازى عليه أجرًا وثوابًا، وإما شرًا يجازى عليه إثمًا وعذابًا. قال تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

فالمسلم العاقل أشد ما يكون حذرًا من زلات لسانه، فإنه مما يورث الندامة يوم القيامة. فما أعظم الحسرات حين يرى الإنسان حسناته وقد ذهبت إلى ميزان غيره! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار».

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أقول أيها الأحبة، ما زلنا مع هذه التحفة النبوية: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه». «سددوا وقاربوا وأبشروا». أبشروا بالأجر، أبشروا بالخير، أبشروا بتسديد الله لكم، أبشروا بتوفيق الله لكم.

ما دام أنت أردت الخير وأردت الصلاح والفلاح والنجاح، وثقت تمامًا أنك بذلت السبب، فإن الله لن يخيب ظنك. توكلت على الله سيكفيك الله، استعنت بالله سيعينك الله، لذت بالله سيحميك الله. وأبشروا، من الذي يقول أبشروا هو النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم.

أبشروا أيها الأحبة، هذا يعطينا دلالة مهمة جدًا وهي الأخذ بالأسباب؛ خذ السبب واجعل النتيجة لله سبحانه. في تجارة، في زراعة، في زواج، في أمر من أمور الدنيا، في أمر من أمور الآخرة؛ خذ السبب واترك الباقي على الله سبحانه وتعالى. المزارع يحرس الأرض، يبذرها، يسمدها، يضع فيها الماء ويتركها، هذا سبب، لكن من الذي يخرجها وينبتها ويكبرها ويثمرها؟ الله سبحانه وتعالى. أنت كذلك خذ السبب في كل أمورك وثق بالله وتوكل على الله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].

هذا يعلمني يا إخواني التوحيد الذي نعيشه هنا؛ نعتقد أن الله معنا، أن الله ربنا، أن الله إلهنا، أن الله معيننا، أن الله مسددنا، أن الله معنا في كل أمورنا صغيرة وكبيرة. لا نتكل على أسبابنا المادية وننسى المسبب، وهو الله، ننسى القادر وهو الله، ننسى الذي أمره كما يقولون بين الكاف والنون، إذا أراد شيئًا يقول: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117].

سددوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من هذه الأسباب؛ استعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة. الغدوة: أول النهار، والروحة: آخر النهار، وشيء من الدلجة: وقت السحر. طبعًا هذه الأوقات الثلاثة من الأوقات المباركة، خاصة الفجر، وبالتالي أمور الدنيا تقضى في مثل هذه الأمور وأمور الآخرة كذلك. الصباح، أذكار المساء، خروج أول النهار، العودة آخر النهار. وكما قال صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتعود بطانًا». وشيء من الدلجة يا إخواني في فترة المساء.

إخواني، المساء كنز كثير من الناس يغفل عنه، المساء خاصة وقت السحر، الثلث الأخير من الليل حينما يكون التنزل الإلهي. كما جاء في الحديث يقول النبي ﷺ: «إن الله ينزل في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا يقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ من ذا الذي يقرضني فأخلفه؟».

هذا الوقت مهم، أنت حينما تتعرض لله في مثل هذه الأوقات العظيمة وتستعين بالله وتدعوه وتمرغ جبينك في الأرض، وتبكي له وتتباكى له وتسأله العون والمدد والتوفيق والسداد والإعانة، يردك الله. يردك الله، والله بتروح عند كريم من كرماء الدنيا ما يردك، والله ما يردك، يردك رب العالمين، أيردك أكرم الأكرمين؟ أنت في فقر إليه، أنت في عوز تحتاج إلى قوته وإلى غناه وإلى قدرته وإلى فضله ومنه وجوده وعطائه وتوفيقه.

مع الأسف الثلث الأخير عندنا في الليل إلا عند من رحم، النبي ﷺ يقول: «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تذكر الله في تلك الساعة فكن»؛ حديث صحيح. بالتالي أيها الأحبة، الإنسان دائما يأخذ أموره بالمبادرة، إياك والكسل، إياك والتثاقل، إياك والعجز، دائما خذ أمورك بالمبادرة، بادر قبل أن تباغت. بادر في كل عباداتك في كل أعمالك، سواء الدينية أو الدنيوية، دائما المبادر بإذن الله ناجح بخلاف المتأخر المتكاسل المتنام، لا المبادر دائم.

بعض الناس مثلا موعد الساعة عشرة، من تسعة ونص وهو قريب الموعد؛ ليش؟ حريص مبادر. بعض الناس قد يأتيك الساعة عشرة إلا أربع ويحدث له ظرف وزحمة سيارات وما يوصل إلا عشرة ونص، إذا المبادرة دائما مهمة جدا في كل الأعمال، خاصة أعمال الدين. النبي ﷺ قال: «بادروا بالأعمال»، لماذا؟ حتى لا تأتيك الصوارف والشواغل، ويتعجل أحدكم الحج والعمرة فقد يعرض العارض ويمرض المريض وتظل الدابة.

المبادرة مهمة أيها الأحبة، ولكن انتبه لقضية القصد، القصد تبلغوا، لا تكون عجل، لا تكون مستعجل، لا تحمل نفسك فوق ما لا تحتمل، ترى المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهر أبقى. المنبت هو الذي يحاول أن يجمع أكثر ما يمكن، لكن في النهاية لا أرضاً قطع ولا ظهر أبقى. والنبي ﷺ في أحاديث كثيرة: «يسروا ولا تعسروا». الله عز وجل يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].

وبالتالي أحبتي في الله، الشريعة الإسلامية تقوم على التيسير، وكما قلت وأؤكد أن هذا التيسير ليس مظنة التفلت، لا، وإنما المشقة غير المحتملة التي لا يقدر عليها الإنسان هذا يعذر فيها، لكن ما يقدر عليها لا يعذر. بعض الناس يقول: يا أخي أنا ابتلي بالتدخين مثلاً، قال: والله يا شيخ إذا تركت التدخين أدوخ وأصدع، لا يا أخي دوخ واصدع شوي وبعدين إن شاء الله تسلم. وبالتالي يلعب الإنسان بالخمر، قال: والله أنا ما أستطيع إذا تركت، أخلاقي معليش، لا هذا حرام نتركه فترة من الزمن وتتعود.

لذلك كما قلت في أول الكلام أيها الأحبة، المشقة المعتادة لا بأس فيها، أما المشقة التي تعود بالضرر على الشخص، هذه التي فيها العذر، وفيها ترك العمل بما يقوم مقامه: «صلِّ قائماً، إن لم تستطع فقاعداً، إن لم تستطع فعلى جنب». وكما قال ﷺ، تجد في حياة النبي ﷺ تطبيق جميل جداً: «ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن فيه إثم».

هذا تطبيق عظيم جداً، لذلك لن نكون أحرص على الدين من الرسول ﷺ. تقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها إن النبي ﷺ قال: «يا أيها الناس، عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام عليه وإن قل». وتقول عائشة رضي الله عنها: «كان آل محمد ﷺ إذا عملوا عملاً أثبتوه». المداومة، لا تحمل نفسك ما لا تحتمل يا عبد الله، مطلب مهم، التوسط مطلب مهم، لا تذهب إلى اليمين فتغلو، ولا تذهب إلى أقصى اليمين فتغلو، ولا تذهب إلى أقصى الشمال فتجفو، وخير الأمور أوسطها.

وهذا الدين يسر، ما في شدة، ما في مشقة، «بعثت بالحنيفية السمحة». لذلك إذا كان هناك تنفير من الدين فهو بفهمنا نحن، نحن نفور من الدين بفهمنا نحن، أما الإسلام لا، والله لين وصدق وسعادة. كما قال ابن تيمية رحمه الله: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة»، قالوا ما هي؟ قال: جنة الإيمان، جنة السعادة، لذة وطمأنينة، لكن يا ليت قوم يعلمون.

نكتفي بهذا أيها الأحبة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجعلنا جميعاً مفاتيح للخير مغاليق للشر. صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله رب العالمين، يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً.