يا راغبات في كل علم نافع، متطلعة لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً يأتيك ميسوراً بأي مكان، والسنة للعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. حيا الله أهل العلم وأهل السنة، طلاب الحديث.
نواصل ما بدأناه في اللقاء الماضي مع الحديث الأول، حديث تميم الداري رضي الله عنه وأرضاه الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم».
كنا قد أشرنا إشارات في اللقاء الماضي عن الحق الذي لله سبحانه وتعالى، والحق الذي للقرآن الكريم، نكمل اليوم ونتكلم عن الحق الثالث ألا وهو: «ولرسوله» صلى الله عليه وسلم. من النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً: إذا سمعنا اسمه أو ذكره أن نصلي عليه، وأن نحث الناس: صلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول عليه الصلاة والسلام: «أبخل الناس من ذكرت عنده ولم يصل علي». أبخل الناس يذكر رسول الله عندك ولا تصلي عليه؛ فمن النصيحة لرسول الله أن نثير هذا بين الناس، وأن نحث الناس على كثرة الصلاة والسلام على رسول الله كما جاء في النصوص.
ومن النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان به والتصديق لأخباره، أن تؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا ركن من أركان الدين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ومن النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤمن بالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو حبيب رب العالمين وخليل رب العالمين، وهو أفضل الخلق على الإطلاق، أفضل الأنبياء والرسل هو محمد صلى الله عليه وسلم.
ولذلك، أن نؤمن به، وأن نؤمن بأخباره وأقواله وأفعاله التي جاءت، سواء كانت الأخبار ما أخبر به صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كما الله سبحانه وتعالى شهد أنه: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4]. هو معصوم صلى الله عليه وسلم في تبليغ دينه، وفي تبليغ شرع الله سبحانه وتعالى، في الحلال وفي الحرام: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. هكذا يقول الله سبحانه وتعالى.
كذلك من النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة أوامره واجتناب نواهيه، أن تطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله». هكذا يقول صلى الله عليه وسلم. وطاعة الله للنبي صلى الله عليه وسلم مربوطة بطاعة الله سبحانه وتعالى؛ إن أطعت رسول الله فقد أطعت الله، إن عصيت رسول الله فقد عصيت الله تعالى، ولذلك كما سمعنا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. هو يتكلم بأمر الله، بشرع الله، وبتسديد الله سبحانه وتعالى في هذا الدين.
يأتيني واحد يقول: هذا أمر كان في الحقبات الماضية والقرون الخالية، ونحن الآن في القرن الواحد والعشرين، أو في القرن السادس عشر الهجري. لا يا حبيبي، دين الله ثابت إلى قيام الساعة. التحريف الذي عند اليهود والنصارى ليس عندنا؛ لأن أولئك كانوا لهم حقبة زمانية، ولهم أحوال ولهم ظروف خاصة بهم. أما نحن أمة الإسلام إلى قيام الساعة، إن الدين عند الله الإسلام. وترى كذلك أحبتي في الله، ترى اليهود والنصارى دينهم الإسلام لكنهم حرفوه، فأصبح عندنا يهودية ونصرانية محرفة، لكن الله عز وجل تكفل بحفظ القرآن، والقرآن سيحفظ هذا الدين إلى قيام الساعة. ذلك الذي كان ديناً في عهد رسول الله هو دين في عهدنا، والذي كان عقيدة في عهد رسول الله هو عقيدة في زماننا إلى قيام الساعة لن تتغير أبداً؛ لأن الله حفظ القرآن والقرآن سيحفظ الدين، وبالتالي: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
فإذاً، طاعة أوامره واجتناب نواهيه؛ الصحابة رضوان الله عليهم ضربوا أروع الأمثلة في هذا الباب. والله ما يمكن أن يأتي جيل كجيل الصحابة في اتباع أمر النبي صلى الله عليه وسلم واجتناب نهي النبي صلى الله عليه وسلم. فبالتالي عندما تقرأ عن الصحابة كيف كان الواحد فيهم يخالف هواه، يخالف شهوته، يخالف لذته مقابل أن يطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصغيرة والكبيرة. وكما قلت، أعظم شيء في التاريخ هو جيل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ونحن مأمورون أن نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة.
كذلك من النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم توقيره وتعظيمه. نوقر رسول الله، نعظم رسول الله؛ نوقره ونعظمه بكثرة الصلاة عليه، نوقره ونعظمه بطاعته صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة، نوقره ونعظمه أن نثني عليه بما هو أهله. لذلك عندما تقرأ حتى احترام سنة النبي صلى الله عليه وسلم، الصحابة كانوا إذا طرقوا باب النبي صلى الله عليه وسلم يطرقونه بأظافرهم احتراماً له صلى الله عليه وسلم.
بل كان الصحابة حتى بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم يحترمونه وهو في قبره. عمر رضي الله عنه وأرضاه كان في المسجد، فسمع رجلين ارتفع صوتهما في المسجد، فقال لأحدهما: من أي البلاد أنت؟ قال: من الطائف. قال: والله لو كنت من أهل هذه البلاد لأوجعتك ضرباً. أما تعرف أن حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ميتاً كحرمته حياً؟ انظر حتى رفع الصوت، وهذا من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره.
الصحابة كما قلت لكم ما كان الواحد فيهم يرفع طرفه في وجه النبي صلى الله عليه وسلم. عمرو بن العاص رضي الله عنه لما جاءته سكرات الموت وبكى، قيل له: ما الذي يبكيك؟ فقال: «والله ما ملأت عيني من رسول الله صلى الله عليه وسلم». انظروا، هذا عمرو بن العاص! والله لو سئلت أن أصف ما استطعت تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقير النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إن الواحد لا يستطيع أن يملأ عينه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن النصيحة برسول الله صلى الله عليه وسلم الذب عن سنته. مع الأسف في الأمة من يشكك في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو يشكك في تطبيقها.
هناك من ينتسب للإسلام ويقول لك: يا أخي أخبار الآحاد لا نأخذ بها في العقائد، إنما نأخذ بها في العبادات. هذا كلام فاضي، وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا. ما دام الحديث قد صح، فهو على العين والرأس. هذا حديث غريب، ولو لم يروه إلا صحابي واحد فنحن نأخذ سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما دامت قد صحت وثبتت.
قضية أخبار الآحاد وما أخبار أحدنا لا نلتفت له أبداً، إنما هذه عند أهل البدع ليدافعوا بها عن معتقداتهم الفاشلة والمحرفة، أما نحن أمة الإسلام أهل السنة والجماعة فإننا نأخذ بالحديث متى ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كذلك من النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الرد على كل من أساء إليه وأذاه، بمعنى أن بعض الناس -والعياذ بالله- قد يكون مسلماً وقد يكون غير مسلم يتعدى على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يتكلم فيه، وكما سمعنا في السنوات الماضية من الرسومات والاستهزاء برسول الله. نحن ندافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقوالنا، وأفعالنا، وحتى بأجسادنا وقلوبنا وأموالنا. نقف بكل ما من قوة الله سبحانه وتعالى، فإن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً.
حق النبي أن نذب عنه، حتى عن عرضه الشريف؛ عائشة رضي الله عنها، حفصة رضي الله عنها، أمهات المؤمنين، هذا عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسكت على من يتكلم في عرض رسول الله؟ والله ما نسكت، إن الدفاع عن عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم والدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واجب، كيف يرضى الواحد فينا هذا لنفسه؟ ما يرضاه لرسوله صلى الله عليه وسلم يجب أن يرضاه.
من حق رسول الله صلى الله عليه وسلم النصيحة له، وتقديم محبته على محبة النفس والولد والناس أجمعين، واعتقاد أنه سيد الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين، وعدم الغلو فيه صلى الله عليه وسلم. هذه بعض النصيحة للنبي صلى الله عليه وسلم.
فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى، وصلى الله على محمد والحمد لله رب العالمين. من المؤسف أن يفخر الشباب باللغات الأعجمية ويلون ألسنتهم بها دون حاجة، حتى أصبح بعضهم يكتب العربية بحروف أجنبية وكأنه قد غاب عنهم أن اللسان العربي هو شعار الإسلام وأهله. قال تعالى: ﴿... لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 73]. فاللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، لذا كره السلف التكلم بغير العربية إلا لحاجة، إذ هي من شعائر الإسلام وحفظها من تمام حفظه.
فينبغي للمسلم أن يعتني باللغة العربية، وأن يكون حريصاً على دراسة المهم من قواعدها واحتساب الثواب في ذلك؛ إذ هي مفتاح الفهم للقرآن والسنة. ويجب اجتناب اللحن والخطأ فيها قدر المستطاع، فقد روي عن نافع قال: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. كما ينبغي مطالعة كتب الأدب في التراث العربي، لا سيما الكتب التي يذكر فيها الشعر والنثر، فذلك مما يقيم اللسان ويزيد الحصيلة اللغوية لدى القارئ، والالتزام بها في المكاتبات والحوارات والشعارات في مواقع التواصل وغيرها، والالتزام بالتحدث بها مع الكبار والصغار ولو لفترة وجيزة كل يوم، وتعليم الأبناء قواعدها وتربيتهم على حبها وإتقانها منذ الصغر؛ إذ هي لغة القرآن الذي وصفه الله بقوله: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]، ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يس: 5].
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وما زلنا مع هذه التحفة النبوية ومع هذا الحديث العظيم. وكنا تكلمنا عن النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تقديم محبته على محبة النفس والولد والناس أجمعين.
لذلك لما قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، والله إنك لأحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: «لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك». قال: والذي لا إله إلا هو، إنك الآن أحب إلي من نفسي. قال: «الآن يا عمر؟». هكذا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده والناس أجمعين».
لذلك رسول الله ﷺ مقدم، ومن كنا فيه فقد ولد به حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. محبة الله أولاً، ثم محبة رسول الله ثانياً، ثم أحبب من شئت بعد ذلك؛ زوجة، ولد، مال، منصب، متاع. لا يقدم أحد على محبة الله ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتقاد أنه سيد الخلق وخاتم الأنبياء. نعم، النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء، «لا نبي بعدي»، هكذا يقول صلى الله عليه وسلم.
كذلك عدم إطرائه والغلو فيه، وعدم رفعه عن المنزلة التي يستحقها. مع الأسف بعض الناس غلا في رسول الله غلواً عظيماً، يدعوه من دون الله، يستغيث به من دون الله، يُدعى من دون الله. يا أخي، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا بشر، نبي. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله».
بنيت الأمة، وهناك أفراد في الأمة -مع الأسف لا أقول كثر- لكن هناك شريحة لا يسكت عنها، مثل دعاء رسول الله والاستغاثة به. والله كنت في مجلس من المجالس، وإذا برجل يقول: ذهبت إلى المدينة حتى أدعو رسول الله، قال: والله دعوت رسول الله ليفرج عني. أعوذ بالله! أي شرك هذا؟ وأي كفر هذا؟ أي شرك وأي كفر تدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يا أخي، أي مخلوق لا يدعى! النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله».
رسول الله الآن في قبره، ميت، يعيش حياة برزخية، لكنه ميت، ذلك لا ينفع ولا يضر. ليس هذا قدحاً أو تقليلاً من رسول الله، لا حاشا وكلا، لكن هذا بيان الدين الحق. لذلك الله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. هذه من النصيحة للنبي صلى الله عليه وسلم.
ننتقل إلى الحق الرابع؛ لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين، حتى أئمة المسلمين لهم حق النصيحة، وهو الإمام، نعم وهو إمام، هذا حقه الذي أوجبه النبي صلى الله عليه وسلم.
كيف ننصح أئمة المسلمين؟ أولا: السمع والطاعة لهم، «من أطاعني فقد أطاع الأمير، من أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني في غير معصية الله». ولذلك السمع والطاعة هذا منهج ديننا، دين الله عز وجل، به؛ فلا تقول لي والله على حسب ما أرى أنا.
الذي يقرأ التاريخ، لا نتكلم الكتاب والسنة مفروغ منه، قضية مسلمة، لكن بعض الناس عنده غبش. يا أخي اقرأ التاريخ، استقرأ التاريخ المستور أو المنظور وانظر إلى حال من خرج على إمامه، كيف كانت الخاتمة؟ وكيف كانت العاقبة؟ فما دام أنه يقيم شرع الله ويقيم الصلاة بين الناس، لا يجوز الخروج عليه كفرا بواحا والعياذ بالله، وهذا حتى لو رأيت كفرا بواحا فله ضوابط وشروط، من يعرفها أهل الحل والعقد، العلماء الربانيون الناصحون.
قضية مهمة جدا، فمن النصيحة لولاة الأمر أئمة المسلمين: السمع والطاعة لهم في غير معصية الله، ومعاونتهم على الحق وتذكيرهم به. نعينهم، هذا رجل واحد لابد أن يكون له من يعين ومن يقف ومن يسدد ومن يأخذ ومن يذكر، ولذلك تجد أن الأمراء والسلاطين الذين يخافون الله عز وجل عندهم حاشية، والحاشية هذه حاشية صالحة.
لذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله لما ولي الخلافة تقرب من مجلسه، وعطا، وتقرب من الحسن البصري، وتقرب من فلان من علماء الأمة، لماذا؟ حتى يقفوا معه ويعينوه ويذكروه. ولذلك فترة عمر بن عبد العزيز لم تتجاوز سنتين ونصف، لكن يلقب بالخليفة الخامس، لماذا سنتين ونصف؟ ولكن العدل انتشر في شرق الأرض وفي غربها.
إذن هذا من حق الإمام على الناس: إعلامهم بما غفلوا عنه أو لم يبلغهم من حقوق المسلمين، النصح لهم؛ أن تخبرهم، عرفت شيئا أن تبين، أن تبلغ، من حقوق الناس. وهكذا كان العلماء، اقرأ التاريخ، كان العالم يدخل على الإمام يقول هذا صح وهذا غلط وهذا كذا وهذا كذا. طبعا ليس أي إنسان، العلماء الذين لهم مكانة وكان الخلفاء يستقطبونهم ويسألونهم ويتقربون إليهم ويسألونهم النصيحة والدعاء.
ومن النصيحة لهم: إعلامهم بما غفلوا عنه أو لم يبلغهم من حقوق المسلمين، هذا طبيعي جدا أن يكون هناك أمور قد تخفى، يبلغ بها ولي الأمر أو نائب ولي الأمر حتى يتم إصلاح مثل هذه الأمور أو الحقوق المهدرة. ترك الخروج عليهم هذه قضية مهمة جدا، عدم الخروج نكبات عظيمة بليت بها الأمة بأسباب الخروج على ولي الأمر.
كلامي منضبط بالكتاب والسنة، ما دام أن ولي الأمر يقيم الصلاة ولا يمنع شعائر الله الظاهرة ولا يحكم بغير شرع الله تحكيما يقينيا، هذه قضية مهمة جدا. العلماء في مثل هذه الأمور هم النبراس، هم الذين ينبغي فعلا أن تكون لهم الكلمة الفاصلة.
أيها الأحبة، ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى، وصلى الله على محمد والحمد لله رب العالمين. حدث عظيم وقع بعد ستة عشر شهرا من الهجرة، تحديدا في منتصف شهر رجب من السنة الثانية للهجرة، حيث أمر الله تعالى بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فاتخذ أعداء الإسلام من هذا الحدث ذريعة للطعن فيه.
فقال المنافقون: ما لهم كانوا على قبلة زمانا ثم تركوها؟ وقال اليهود: لو ثبت محمد على قبلتنا لاتبعناه، وقال المشركون: رجع إلى قبلتنا ويوشك أن يرجع إلى ديننا. وهنا ظهر تسليم المؤمنين لله تعالى، فالعبرة بطاعته لا بالجهة. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلشَّرْقِ وَالْغَرْبِ أَتَهْدُونَ اللَّهَ وَاللَّهَ مَالِكُ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ﴾ [البقرة: 115]. إن المشرق والمغرب لله، لماذا يعترضون على توليتكم قبلة داخلة تحت ملكه؟
لقد كان هذا امتحانا للناس ليتميز الصادق في إيمانه من الكاذب، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: 143]. وقد سارع الصحابة رضي الله عنهم بالاستجابة، فبعد أن أخبروا بتحويل القبلة استداروا إلى الكعبة مباشرة وهم في الصلاة بعد أن كانت وجوههم إلى الشام.
إن استقبال القبلة هو صورة باهرة لوحدة الأمة وتوحيدها، وفي تحويلها مخالفة لأهل الكتاب وإظهار الاستقلال في الأمة الإسلامية في عقيدتها، وهو مقصد شرعي عظيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وما زلنا مع النصيحة لولاة الأمر وأئمة المسلمين.
ومن النصيحة لولاة الأمر وأئمة المسلمين ترك الخروج عليهم، كما تكلمنا في هذا التاريخ، يشهد أن مآسي وقعت بسبب الخروج على ولاة الأمر وما أعقب ذلك من فساد وإفساد وإزهاق أنفس وذهاب أموال وانتهاك أعراض، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيضا تأليف قلوب المسلمين على طاعتهم، يعني من حق ولاة الأمر ألا نذهب نثير البغضاء والشحناء بين الناس: فلان فعل وفلان لم يفعل، هذه قضايا قد توغل الصدور وتسبب كثيرا من الشحناء والبغضاء، وربما تسبب كثيرا من الخلاف، وربما تقع بسببها غيبة ونميمة، وربما أيضا تقع انتهاكات لحقوق الناس وحقوق ولاة الأمر، وهذا ما ينبغي من النصيحة لأئمة المسلمين.
والدعاء لهم بظهر الغيب، ندعو لهم بظهر الغيب. عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: «لو كان لي دعوة متقبلة لجعله لولي الأمر»، لأن صلاح ولي الأمر صلاح لمن هم تحته، وفساد ولي الأمر فساد من هم تحته. ولذلك أنا أقول ديانة أيها الأحبة ديانة: أن ندعو لولاة أمر المسلمين في كل بلد وفي كل قطر في سجودنا وفي قيامنا بالليل أن يهديهم الله وأن يسددهم الله وأن يرزقهم البطانة الصالحة.
يا أخي صلاحهم صلاح للعباد والبلاد، وفسادهم فساد للعباد والبلاد. أنا لا أخفيكم، الثورات الماضية التي صارت بما يسمونها الربيع العربي، انظروا ماذا خلفت في الأمة في ليبيا وفي تونس وفي مصر وفي سوريا، الذي ينظر حالهم قبل وبعد، ما نقول لا قدر الله سبحانه وتعالى، ولكن نسأل الله أن يصلح العباد والبلاد.
أن ندعو لهم بظهر الغيب، نكون صادقين في هذا، من حقهم علينا، ومن النصح لهم أن ندعو لهم أن الله عز وجل يسددهم ويأخذ بأيديهم، وكذلك الصبر على أذاهم وجورهم.
وما سمي الإنسان إلا لنفسه، ولا القلب إلا لأنه يتقلب. لن يأتينا خلفاء أو أمراء أو ملوك كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز؛ هذا أمر طبيعي جدا، ولا يظن الإنسان بعض الناس أنه إذا كان الخليفة فلا بد أن يكون مثل فلان. لا نتوقع أن يكون السلاطين والأمراء حكام الدول خلفائنا السابقين رضي الله عنهم، لكن اقبل بالشيء الممكن. ولذلك، حتى لو ظلمك وجلد ظهرك وأخذ مالك في سبيل المصلحة العامة، نصبر ونحتسب حتى لا تقع فتنة كبيرة.
انظروا إلى أحوال المسلمين الآن في ليبيا، وأحوالهم في تونس، وأحوالهم في مصر، وأحوالهم في سوريا، وإخواننا في اليمن؛ والله شيء مؤلم، مع الأسف شيء مؤلم. لكن نقول: «اللهم ولي على المؤمنين خيارهم، ولا تولي عليهم شرارهم».
إذاً، حتى لو صار هناك جور، اصبر. أحمد بن حنبل رحمه الله جُلد وسجن وعُذب، ومع ذلك يسامح ويغفر ويدعو لهم. مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، عُذب عذاباً شديداً حتى إنه فُسخ كتفه وفُعل به الأفاعيل، ومع ذلك يصبر ويحتسب. ابن تيمية رحمه الله، على جلالة قدره، يسجن ويموت في السجن، وهو وغيرهم فيهم أسوة أيها الأحبة.
قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لا يغل عليهن صدر مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين». وقال صلى الله عليه وسلم: «عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وإثْرة عليك، اسمع وأطع، وعند الله تجتمع الخصوم».
ننتقل إلى أن الحق الخامس: النصيحة لعامة المسلمين. النصيحة لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم». ومن النصيحة لعامة المسلمين أن يشمل عموم المسلمين؛ الرجال والنساء، والأغنياء والفقراء، والكبار والصغار. عليك وحقك علي أن نتناصح ولا نتفاضح؛ رأيتني على خطأ انصحني، رأيتك على خطأ أنصحك، زلت بي القدم قف معي، زلت بك القدم أقف معك.
لكن بعض الناس -الله المستعان- إذا وقعت منك هفوة أو زلة أو شيء هو لا يستسيغه، جرد عليك سنانه ولسانه وقلمه؛ ما هذه نصيحة؟ هذه فضيحة! بعض الناس يا إخواني يفرح في سقطات الآخرين، يفرح بأخطاء الآخرين. يا أخي، بشر من قال إني معصوم أو أنت معصوم أو أحد معصوم؟ لو كانت هذه بيننا يا إخواني فقه الخلاف وفقه المناصحة مهم جداً.
أحبتي، حتى بعض المجتمعات النخبوية كما يسمونها، أين النصيحة بينهم؟ أين الرفق؟ أين الحب في الله؟ أين الصدق في النصيحة والمعاملة الطيبة؟ يا إخواني، نحن مجتمع مسلم واحد، جسد واحد، إذا قصرت طمئني أنت، إذا نسيت علمني أنت، إذا جهلت نبهني أنت؛ لا تفرح بخطئي، لا تفرح بذللي، لا تفرح بهفوتي، لا تعين الشيطان علي، ولا أعين الشيطان عليك. هذا المجتمع المسلم يجب أن يكون متناصحاً لا متفاضحاً.
إذا رأيت إنساناً على خطأ، انصح بالتي هي أحسن؛ هذه نصيحة مهمة. وانتبهوا يا أيها الأحبة لهذه القضية، بعض الناس يوم القيامة يأتي يشتكيك إلى رب العالمين: «يا ربي، أنا ما لي وماله؟ يقول: يا رب خذ حقي منه، رآني على خطأ وما علمني، رآني على منكر وما نصحني»، فيشتكيك إلى رب العالمين.
ما أنت قائل يا عبد الله، ثق تماماً؛ أنا لي عندك لو وقعت في شيء من منكر أو في خطأ وأنت رأيتني وما نصحتني، والله لأتمسك برقبتك يوم القيامة، قل: «يا رب خذ حقي من فلان، رآني على منكر أو على خطأ وما نصحني». هذه قضية مسلمة؛ من النصيحة لعامة المسلمين أن تحب لهم من الخير ما تحبه لنفسك، وتكره لهم من الشر ما تكرهه لنفسك. حقك علي وحقي عليك: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
لكن بعض الناس لا يريد لنفسه كل خير وما يريده للناس! لا يا أخي الكريم، إيمانك يمنعك من هذا، لا تكن أنانياً، لا تقل نفسي نفسي، الباقي بكيفهم؛ لا، إن من النصيحة أن تنصح لي كما تنصح نفسك، وأحب لي كما تحب لنفسك، وتكره لي كما تكره لنفسك.
أيها الأحبة، وكذلك من النصيحة لعامة المسلمين بذل الإحسان إليهم، وكف الأذى عنهم، والسعي فيما يعود نفعه عليهم. هكذا المسلم، المسلم مفتاح للخير مغلاق للشر. وأحب الناس إلى الله كما جاء في الحديث: يا رسول الله، من أحب الأعمال إلى الله؟ ومن أحب الناس إلى الله؟ قال: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس». وأحب الأعمال إلى الله: «سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تسد عنه جوعاً، أو تقضي عنه ديناً» إلى آخر ذلك.
كذلك من حقهم علينا تعليمهم؛ أن تُعلم، أعطاك الله علماً يا أخي، والدال على الخير كفاعله. هذا المجتمع المسلم أيها الأحبة مجتمع إيجابي، ليس سلبياً، دائماً يبادر بالخير ويبتعد عن الشر، دائماً يعلم، دائماً يسدي النصيحة، دائماً مفتاح للخير مغلاق للشر.
هذا كما قلت في أول كلامي، الحديث -أو كما قال بعض أهل العلم- هذا ربع الإسلام: «الدين النصيحة». النصيحة لمن يا رسول الله؟ لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم. حديث شامل جامع مانع، ليتنا نطبقه في حياتنا.
نكتفي بهذا، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجعلنا جميعاً مفاتيح للخير مغاليق للشر، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً يأتيك ميسوراً، بأي مكان زاد.
د. موفق كدسة الغامدي