دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 1 - حديث: (الدين النصيحة...) (1)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً، والسنة بالعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ولقاء يتجدد في هذه الأكاديمية المباركة، أكاديمية زاد؛ نتزود بهذا العلم وبهذه اللقاءات وبهذه الأطروحات إلى أن نلقى الله سبحانه وتعالى؛ علماً ينفعنا، وعلماً يرفعنا، وعلماً نسترضي به ربنا سبحانه وتعالى، ونكون من الدعاة، ونكون من المعلمين، ونكون من الموجهين، ونكون من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. ومن دل على خير فله أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة.

المستوى الرابع في هذه المادة المباركة، مادة الحديث الشريف، ونبدأ هذه المادة أيها الأحبة بحديث عظيم جداً، ألا وهو حديث تميم الداري رضي الله عنه وأرضاه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة». وجاء في بعض الروايات كررها ثلاث مرات: «الدين النصيحة، الدين النصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم». رواه مسلم. حديث عظيم جداً، جاء عن بعض العلماء أن هذا الحديث ربع الإسلام.

أما راوي الحديث فهو تميم بن أوس بن خارجة الداري، وكان نصرانياً وأسلم سنة تسع من الهجرة في وفد من قومه بني الدار من لخم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وله في الإسلام مناقب عديدة، اشتهر بعبادته وقراءته للقرآن، روي أنه كان يختم القرآن في سبع، مات بالشام سنة أربعين من الهجرة، وقبر في بيت جبريل في فلسطين.

قبل أن نشرع في حديثنا عن هذا الحديث، نقرأ أيها الأحبة معاني الكلمات وشرح المفردات. قال: النصيحة، النصيحة في اللغة اسم مصدر من الفعل نصح، فيقال نصحه نصحاً ونصوحاً ونصيحة، ويقال الشيء خلص، والناصح هو الخالص من العسل وغيره، وكل شيء خلص فقد نصح؛ فشبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل مما يشوبه؛ فالنصح في اللغة تخليص الشيء من شوائب الفساد.

والنصيحة اصطلاحاً: كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير وإرادته فعلاً، فهو من وجيز الأسماء ومختصر الكلام. هذه المفردات، أما بالنسبة للحديث؛ فالحديث أيها الأحبة يتكلم عن قضية مهمة جداً عندنا في الإسلام، ألا وهي قضية التناصح. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم شمل الدين كله فقال: «الدين النصيحة». إذا عندك دين وتخاف على دينك وتريد أن يثبت دينك فالزم النصيحة.

والتناصح مبدأ مهم جداً؛ لأن الناس أيها الأحبة يطرأ عليهم كثير من الأمراض: الغفلة، الجهل، النسيان، العجلة، أمور كثيرة قد توقع الإنسان في الغلط، ونحن كمسلمين أمرنا أن نتناصح، وهذا حق عليك وحقي علي. قال صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، كن ناصحاً لا تكن خائناً، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبع جنازته»، كما قال صلى الله عليه وسلم.

ولذلك حق المسلم على المسلم التناصح، وهنا النبي صلى الله عليه وسلم شمل الدين كله في هذا الخير العظيم. النصيحة قد يخفى علي شيء أشده مثلاً، أو أنسى، أو أغفل، أو أجهل، لذلك يا عبد الله انصحني وأنا أنصحك، ونحن نتناصح فيما بيننا حتى يكون إن شاء الله مستقرنا الجنة. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أيها الناس أشيروا علي». يطلب المشورة والنصح من الآخرين، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعلمنا هذا المبدأ العظيم الذي ينبغي أن ننتبه له.

إذاً هذا إرشاد للأمة، الدين النصيحة، المسلم ينبغي أن يكون ناصحاً، وأيضاً صادقاً في نصيحته. ولا بد أيها الأحبة أن نتعلم آداب النصيحة، وكما قال الشافعي رحمه الله: تعمدني بنصحك في انفرادي ... وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع ... من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت أمري ... فلا تجزع إذا لم تعط طاعة

فالمسلم ينصح ولكن نصيحة صادقة، نصيحة خالصة، نصيحة يريد بها وجه الله. المؤمنون نصحة والمنافقون فضحة، لذلك أيها الأحبة النصيحة لها آداب ينبغي أن نعرفها، أن يكون الإنسان مراده وجه الله سبحانه وتعالى، ليست قضية التندر أو الفضيحة أو التشهير بين الناس، إنما نريد بها وجه الله سبحانه وتعالى والدار الآخرة. والنصيحة لا تكون كذلك إلا عن علم، ما يأتي جاهل فينصح عالماً؛ أنا لا أقول هذا مستحيل، لكن أقول الأصل في النصيحة أن تكون من إنسان متعلم عنده علم شرعي، يعرف الصح من الخطأ والحلال من الحرام، والأفضل من الذي هو أفضل منه وهكذا، حتى الإنسان يتبين له ذلك.

أحبتي في الله، قال لمن أوقع النبي أو قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: أولاً لله. كيف ننصح لله؟ من النصيحة لله سبحانه وتعالى أحبتي في الله تعظيمه وخشيته ورجائه ومحبته؛ تعظيمه، نعظم الله سبحانه وتعالى سواء في نفوسنا، أو نعظم الله عند الآخرين، نعلمهم كيف يعظمون الله عز وجل ويوقرونه سبحانه ويسبحونه وينزهونه ويقدسونه، أيضاً أن نخشى الله في أنفسنا وأن نعلم الناس كيف يخشون الله عز وجل الخشية، كذلك تعليم الناس كيف يحبون الله عز وجل، المحبة من الأمور العظيمة التي ينبغي أن يعرفها المسلم وأن تتحقق في قلبه، وأن تتحقق في لسانه، وأن تتحقق في جوارحه؛ إذا جاءت المحبة أيها الأحبة جاء كل خير يسعى خلفها، جاء الخوف من الله سبحانه وتعالى، جاء الرجاء لما عند الله سبحانه وتعالى، جاءت الجوارح تسعى إلى تطبيق هذه المحبة في حياة الفرد.

إذاً من النصيحة لله عز وجل أن نعظم الله عز وجل، أن نخشاه سبحانه وتعالى كما ينبغي، أن نحبه سبحانه وتعالى كما ينبغي، أن نرجوه، أن نخاف منه. كذلك من النصيحة لله عز وجل إخلاص النية في عبادته، أن تكون أعمالنا لله خالصة، لا رياء ولا سمعة ولا حب الإطراء ولا حب الظهور، ولا حب الثناء من الناس. ومن رأى رأى الله به، ومن سمع الله به، وكما قال الله عز وجل: ﴿أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ﴾. فأصل أيها الأحبة ثم نعود إليكم، وصلى الله على محمد.

يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم، فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم. لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم، قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا.

وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة وطلبت العلم عشرين سنة. وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديماً يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم. قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن مساوئ الأخلاق.

ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء، لا للكتب فحسب؛ وذلك حتى يتأكدوا من تخلقه بأخلاق العلماء، وتحليه بآدابهم، ويظهر عليه سمت العلم وأدبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه. ومما يدلك على منزلة الأدب والأخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والأدب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالأخلاق والأدب فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

نعود مرة أخرى مع هذا الحديث. من النصيحة لله أيها الأحبة تنزيهه عن جميع النقائص والعيوب، أن ننزه الله عز وجل عما لا يليق به عز وجل. هناك من زعم أن له زوجة، وأن له ولداً، وأن له نداً، وأن له شريكاً، وأن له صاحبة، يعقل مع إله إله بهذه المواصفات؟ ليس إلهاً، إله بهذه المواصفات والنقائص ليس إلهاً أبداً؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. ولذلك من النصح لله أن ننزه الله عز وجل عما لا يليق به عز وجل، ليس كمثله شيء، هو إله ليس مخلوقاً، وبالتالي كل ما يأتي في الأذهان للمخلوق ينزه الله سبحانه وتعالى عنه من صفات المخلوق الضعيفة، فهذا من النصح لله سبحانه جل في علاه.

إثبات أسمائه وصفاته على الوجه اللائق به، قبل ذلك أن نتعرف على الله عز وجل، أن نعرف الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا؛ هذا حقه علينا أيها الأحبة، نعبد إلهاً لا نعرفه؟ لا نعرف أسماءه ولا نعرف صفاته ولا نعرف أفعاله ولا نعرف أقواله؟ كيف تكون هذه عبادة؟ هذا تقصير في جانب الله عز وجل. فإذاً من حق الله علينا ومن النصح لله أن نعرف أسماءه الحسنى، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحدة، من أحصاها دخل الجنة». من حفظها دخل الجنة، فإذا عرفناها وحفظناها أيضاً أثبتناها على الوجه الذي يليق به سبحانه وتعالى. الله له صفات تليق به، كما أن المخلوق له صفات تليق به، الله عز وجل له وجه لكن وجه الله كما ينبغي لله، ليس كوجه المخلوق، الله له عين، له عينان ليست كعين البشر المخلوق، له يد، له أصابع، له قدم، لكن هذه الصفات تليق به سبحانه، وكما قال عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

فنحن حينما نثبت أسماء الله نعرف معانيها، ونثبت صفات الله نعرف معانيها، أما كنهها ما يمكن، ما يمكن أبداً للمخلوق أن يعرف كنه الصفات، إنما نحن نؤمن بها ونؤمن بمعانيها، أما كنهها لا يمكن للمخلوق أن يعيها أو أن يعرفها أبداً، هذا خالق، هذا الملك، هذا ملك الملوك سبحانه جل في علاه. ومن النصيحة لله سبحانه وتعالى توحيده في أفعاله وأفعال الخلق، وبالتأله له وعدم الإشراك به، هذا هو الدين، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].

ولذلك من النصيحة لله أن نوحد الله سبحانه وتعالى، سواء في أفعاله هو أو في أفعالنا نحن. وتوحيد الربوبية: إفراد الله بأفعاله، الخالق هو الله، والملك هو الله، والمدبر هو الله، والذي يرزق ويحيي ويميت ويرفع ويخفض ويبسط ويقبض هو الله سبحانه وتعالى، فلا تصرف هذه الصفات وأمثالها الثابتة في الكتاب والسنة إلى غير الله عز وجل، إفراد الله بأفعاله، هذه صفات الربوبية لا تصرف لغيره. ولذلك الذي ادعى الربوبية قال: أنا أحيي وأميت، النمرود بن كنعان على عهد إبراهيم، فإبراهيم عليه السلام لم يطل معه الجدال، قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 258]. الشاهد هذه الصفات مهما زعمها الزاعمون أو ادعاها المدعون هي حق ثابت لله عز وجل، فهذا هو من النصح لله سبحانه جل في علاه.

كذلك توحيد الألوهية: إفراد الله بأفعال العباد، وبالتالي لا يعبد إلا الله، ما يدعى إلا الله، لا يسأل إلا الله، لا يتوكل إلا على الله، لا يستغاث إلا بالله، كل ما تريده اصرفه لله سبحانه وتعالى. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعبد الله بن عباس: «يا غلام، إني أعلمك كلمات»، أول شيء قال: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». لذلك أيها الأحبة نبتعد عن كل ما سوى الله، هل ندعو رسول الله؟ لا، نستغيث برسول الله؟ لا، نستغيث بالأولياء والصالحين؟ لا، نستعيذ بالقبب والأضرحة والأموات؟ لا، الصحابة لما جاءوا يشتكون إلى رسول الله عن أحد المنافقين بأن نستغيث برسول الله، قال: «إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله».

بس هو الله، هذا فقط، هذه أفعال الله، ما هي أفعال المخلوق؛ النافع، الضار، الرافع، الخافض، الباسط، القابض، هو الله سبحانه وتعالى. ولذلك العباد لا بد أن يفوضوا أعمالهم ونياتهم لله سبحانه وتعالى، بحق التوحيد أن نثبت هذا لله سبحانه جل في علاه، إذاً توحيد الله بأفعاله، وتوحيد الله بأفعال الخلق، والتأله لله سبحانه جل في علاه، هذه من الأمور التي ينبغي للإنسان أن يصرفها لله. فاصل أيها الأحبة ثم نعود إليكم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله رب العالمين.

هل تشعر بالقلق حيال تصفح أولادك لشبكة الإنترنت؟ وإبحارهم عبر وسائل الاتصال الحديثة؟ هل ينتابك الخوف من أن تتصيدهم الشياطين الإلكترونية، فتنحرف بهم عن النهج القويم والطريق المستقيم؟ هل لا زلت حائراً بين منعهم من ذلك أو السماح لهم به؟ إن كنت كذلك فكن مطمئناً، كل ما عليك هو الالتزام ببعض النصائح التربوية والقوانين الإلكترونية التي تجعلك مطمئناً لتصفح أولادك لشبكة الإنترنت.

لا تمنع أولادك من تصفح الإنترنت ولكن كن واضحاً معهم بوضع قوانين في التعامل معه. لا تسمح لهم بتصفح الشبكة ليلاً، واحرص على أن تقطع الاتصال بالشبكة وقت النوم. احرص على تفعيل برامج الأمان في أجهزة الاتصال، كي لا يقع أبناؤك فريسة للمواقع المخلة بالآداب أو المواقع المدمرة للفكر والاعتقاد. صادق أبناءك على شبكة التواصل الاجتماعي، وتابع حواراتهم ومشاركاتهم مع أصدقائهم.

تحدث مع أبنائك حول سلبيات الإنترنت، وما قد يُرتكب فيه من جرائم إلكترونية وأخلاقية. ألا يصدقوا كل ما يقرؤونه عبر الإنترنت، وأن يتثبتوا منه إن أمكنهم ذلك؛ فعلى صفحات الشبكة الكثير من المعلومات والأخبار غير الصادقة. ألا يستجيبوا لمن يطلب منهم الصداقة عبر شبكات التواصل الاجتماعي إلا إذا كانوا يعرفونه جيداً. ألا يقوموا بنشر أو إفشاء أي معلومات تخصهم أو تخص عائلتهم، كأسمائهم الكاملة أو أرقام هواتفهم أو حساباتهم البنكية أو غير ذلك من معلومات قد يقع الضرر بانتشارها.

ألا ينقروا أي رابط إلكتروني غير مألوف قد يجدونه في حسابهم أو بريدهم الإلكتروني، خاصة إذا كان المرسل مجهولاً. ألا يمارسوا عبر الشبكة بيعاً أو شراءً إلا بعد إبلاغ الوالدين بهذا القرار. ألا يخرجوا للقاء أحد من أصدقاء الإنترنت خارج المنزل إلا بموافقتكم أو صحبتكم. حفظ الله أبناءنا وجنبهم كل سوء ومكروه.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: نواصل ما بدأناه أيها الأحبة مع هذا الحديث الجامع العظيم، وكنا قد توقفنا عند الفائدة التي تقول: توحيده سبحانه وتعالى في أفعاله وأفعال الخلق بالتأله له وعدم الإشراك. وقلنا إنه يجب علينا إفراد الله بأفعاله، هذا من النصح لله عز وجل، وكذلك إفراد الله بأفعال العباد، وكل العبادات تُصرف لله سبحانه وتعالى لا لغيره، وألا نشرك به أبداً سبحانه جل في علاه، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. الشرك الذي يموت عليه صاحبه والعياذ بالله يذهب مباشرة إلى نار جهنم، بإجماع؛ لماذا؟ لأنه نص أنه: «من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار». وكل الذنوب تحت المشيئة إلا الشرك، وبذلك من النصح لله عز وجل توحيده سبحانه وعدم الإشراك به، كما قال الله عز وجل: «يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة».

ومن النصح لله سبحانه وتعالى تحكيم شرعه والقيام بطاعته واجتناب معصيته. ومن النصح لله أن نحكم شرعه، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45]، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]. الله سبحانه وتعالى حينما أنزل علينا هذا القرآن وهذا الدين وهذه الشريعة لنحكمها في حياتنا، ولذلك ابتغاء منهج غير المنهج الرباني لا يجوز، وابتغاء شريعة غير الشريعة الربانية الإسلامية لا يجوز.

هناك من ينادي مع الأسف بالعلمنة؛ بعض الناس يقول: دولة علمانية، أي دولة علمانية؟ العلمانية هي صفة متصلة بالكفر، العلمانية والكفر شيء واحد إذا جينا في باب الدين، العلمانية والكفر وجهان لعملة واحدة. فلا يجيء إنسان يقول لك مثلاً: شريعة إسلامية علمانية؛ ما تجي هذه أصلاً، هذا تناقض. العلمانية هي فصل الدين عن الحياة، «دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر»، الدين في المسجد والحياة لا؛ أبداً! الله سبحانه وتعالى أنزل هذا القرآن وما فيه من الشرع ليحكم بين الناس، أما قضية أنه خلاص دولة علمانية، دولة مدنية، كلام فاضٍ. نحن كمسلمين أمرنا أن نحكم الكتاب والسنة، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7].

ولذلك نسمع وسنسمع دعوات: دولة مدنية علمانية، أي مدنية علمانية! ولذلك من النصح لله أن نحكم شرع الله سبحانه وتعالى، ومن الله عز وجل ثلاثة في ثلاث آيات كما سمعنا، الذي لا يحكم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال: ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وتحققت فيه ثلاث صفات كاملة. لذلك تحكيم شرع الله مطلب عظيم جداً، هذا من النصح لله سبحانه وتعالى، قضية دولة علمانية كلام فاضٍ لا يقبل أبداً بأي حال من الأحوال.

نحن نقول دولة إسلامية، وإذا قلنا إسلامية قولا وفعلاً واعتقاداً وعملاً؛ دولة إسلامية بمعنى تطبيق شرع الله، الحلال حلال والحرام حرام. في بعض الناس قد يأخذ بعض الكلمات ويلبسها، يقول لك: السينما إسلامية، يا سلام! سينما إسلامية تجي كذا؟ لكن يريدون بعض الأوقات أن يضعوا غطاء حتى يقبله الناس، يقبل الكلام الذي يريدونه. نقول: لا، الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله، وبيننا وبينكم كتاب الله وسنة نبي الله صلى الله عليه وسلم. هذه قضية مهمة جداً، هذا من نصح الله أن نحكم شرع الله سبحانه وتعالى في كل صغيرة وكبيرة، رضي من رضي وغضب من غضب وأبى من أبى، هذا لا يهم.

المهم أن نرضي رب العالمين سبحانه جل في علاه، والخير كل الخير اتباع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مهما كتب الكاتبون ومهما أرجف المنافقون، لا؛ ديننا هو الذي يحكمنا. أما أحكام وضعية وأحكام بشرية، هذا لا نقبلها أبداً؛ من صنع البشر لا نقبله أبداً. فإذن من النصح لله تحكيم شرع الله سبحانه وتعالى، والقيام بطاعة الله عز وجل، واجتناب معصيته. نعم أيها الأحبة، من النصح لله سبحانه وتعالى أن نطيع الله عز وجل فيما أمر، وأن نطيعه كذلك فيما نهى؛ الحلال نعمله والحرام نجتنبه، هذا ديننا إن كنا نزعم أننا مسلمون.

فإذن إسلامنا يدعونا إلى تحكيم كتاب الله وسنة نبي الله صلى الله عليه وسلم، فعل الحلال واجتناب الحرام، هذه من أبسط الحقوق لله سبحانه وتعالى. كذلك الحب فيه والبغض فيه، هذا أيضاً من الحقوق الواجبة لله سبحانه وتعالى، وهي من أوثق عرى الإيمان، وكما قال الله سبحانه وتعالى: «حقت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتناصحين فيّ، والمتباذلين فيّ». وفي حديث آخر: «ثلاث من كن فيه فقد وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله كما يكره أن يقذف في النار».

إذن حتى الحب في الله والبغض في الله من الأمور التي هي من حقوق الله ومن نصيحة لله سبحانه وتعالى، كما قالها العلماء هو مبدأ الولاء والبراء، أن توالي أهل الإيمان وأن تتبرأ من أهل الشرك والأوثان.

ننتقل الآن إلى الحق الثاني أو النصيحة الثانية لمن يا رسول الله؟ قال: «للكتابه». الله أكبر! النصيحة لكتاب الله سبحانه وتعالى؛ الإيمان بأنه كلام الله حقيقة ليس مخلوقاً، نزل به جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم. نعم، من النصح لكتاب الله أن نؤمن أن كلام الله هو الذي تكلم به وأوحى به إلى جبريل، وجبريل بلغه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في اللوح المحفوظ، من اللوح المحفوظ إلى جبريل، ومن جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ولا أريد أن أخوض في التفاصيل الأخرى، هل هو كلام نفسي ولا كلام... كما بعض الفرق؛ نقول لا، كلام الله منزل ليس مخلوقاً، انتهينا، هذا هو منهج أهل السنة والجماعة.

ومن النصيحة لكتاب الله سبحانه وتعالى تعظيمه وتلاوته حق تلاوته. أولاً: أن نعظم القرآن أيها الأحبة، ولذلك إذا سمعت القرآن تسكت، ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]. هذا من تعظيمه، ومن تعظيمه أن نرفعه في مكان يليق به، لا نجعله عرضة للأطفال يلعبون به أو الغبار يقع عليه، لا، هذا ما ينبغي؛ كلام الله ينبغي أن نحترمه.

وكذلك تلاوته حق تلاوته، أن من حقوق القرآن علينا أن نقرأ القرآن وأن نحفظ من القرآن. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب». البيت الخرب والعياذ بالله ما فيه إلا كل شر. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه»، وأحاديث كثيرة جداً، القرآن شافع مشفّع وماحل مصدّق؛ من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار. لذلك من حق القرآن علينا أن نقرأه وأن نحفظ منه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن لله أهلين من الناس»، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته».

أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، ولذلك من النصيحة أن نعظم القرآن، وأن نقرأ القرآن، وأن نحفظ من القرآن، والأحاديث والنصوص في هذا كثيرة جداً. وكذلك من النصيحة لكتاب الله التصديق بأخباره؛ كيف لا نصدق وهو منزل من عند الله سبحانه وتعالى؟ وربنا سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظه، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. فكل ما جاء في كتاب الله صدق، والله عز وجل كما قال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: 87].

نصدق بأخباره الماضية أو التي ستأتي بإذن الله سبحانه وتعالى. كذلك من حق القرآن علينا الوقوف عند أحكامه؛ الحلال نحل، الحرام نحرم، ولا نأتي كما بعض الناس يقول: يا أخي هذه كتب صفراء، وهذا أمر كان لجيل سابق وكان للصحابة؛ لا يا حبيبي، القرآن للأمة إلى قيام الساعة. ولذلك الله تكفل بهذا القرآن وبحفظه، والحلال حلال منذ النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، والحرام حرام منذ النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة. نتشدق ونتفيهق ونقول هذه أجيال سابقة وقرون ماضية! لا يا حبيبي، الذي أنزل القرآن هو رب العالمين الذي يعلم كل شيء، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾، انتهينا خلاص، الحلال حلال إلى قيام الساعة، والحرام حرام إلى قيام الساعة؛ لأن هذا هو شرع رب العالمين سبحانه جل في علاه.

مهما حاول بعض الناس أو بعض السلاطين أو بعض الأمراء أو بعض الملوك أن يحلوا حراماً أو يحرموا حلالاً أو أن يجبروا من يفتي بهذا، الحمد لله القرآن عندنا وديننا من ألف وأربعمئة سنة وزيادة ثابت. عقيدة رسول الله هي عقيدتي، الذي أحله رسول الله أنا أحله، الذي حرمه رسول الله أنا أحرمه؛ لأن الله حفظ القرآن والقرآن سيحفظ الشرع والدين. ومن النصيحة لكتاب الله سبحانه وتعالى الإيمان بمتشابهه والعمل بمحكمه؛ يا إخواني بلسان عربي مبين، ولذلك تجد أن القرآن وأحكامه واضحة جداً، إن كان هناك غموض، غموض من جهة العلم فقط، أما العلماء فيعرفون القرآن، وما في القرآن شيء غامض أبداً.

حتى الحروف المقطعة هذه ما هي غامضة، إنما هي تحدٍّ، ولذلك نجد أن كل المفسرين أو أغلب المفسرين من السلف أن هذه الحروف إنما هي تحدٍّ للأمة العربية، أن هذا القرآن بهذه الحروف، أعطوني قرآناً مثل هذا ما يستطيعون. تعلُّمه وتعليمه من حق القرآن علينا أن نعلم ونتعلم، «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، وصيانته عن تحريف المبتدعين وغلو الغالين؛ لا، القرآن محفوظ بأمر الله سبحانه جل في علاه.

هذه من النصيحة لكتاب الله سبحانه وتعالى، نتوقف أيها الأحبة عند هذا القدر، ونكمل إن شاء الله في اللقاء القادم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله رب العالمين.