والسنة بالعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. ولقاء يتجدد في هذه القناة المباركة وفي هذه الأكاديمية المميزة مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، مادة الحديث الشريف. واليوم أيها الأحبة، مع معنى الحديث رقم التاسعة عشرة، ومع حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عُذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض». متفق عليه، رواه البخاري ومسلم.
وقفة سريعة: ما معاني المفردات وشرح الكلمات؟ قوله: «في هرة» أي بسببها ومنها. وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنعام: 14]. وقوله في الحديث: «خشاش» أي هوام الأرض وحشراتها.
أيها الأحبة الأفاضل، هذا الحديث فيه دروس كثيرة، ولا أظن أن هذه الحلقة ستفي بهذه الدروس، لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله. ونبدأ أولًا في قضية حسن الخلق. الإسلام أمرنا بالأخلاق الحسنة؛ ما من خلق حسن إلا والإسلام حثنا عليه ودلنا إليه، ولا خلق سيء إلا والإسلام حذرنا منه وأبعدنا عنه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]. شملت كل الأخلاق الحسنة وغير الحسنة.
ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول؟ «إنما بعثت متممًا لمكارم الأخلاق». فينبغي للمسلم والمسلمة أن يحسنوا أخلاقهم: أولًا مع رب العالمين، فقد تكلمنا عن هذا مرارًا وتكرارًا. ثانيًا مع رسوله الكريم الأمين النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أشرنا إلى هذا كثيرًا. ثالثًا مع الآخرين: «عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به». رابعًا مع النفس، والنفس لها أخلاق ينبغي للإنسان أن يضبط وأن يؤطر نفسه عليها.
الآخرون، أو الآخرون يدخل في ذلك الإنس وغير الإنس، حتى العجماوات والبهائم؛ وجب علينا أن نحسن أخلاقنا معهم، لأننا يمكن من هذا الطريق من أخلاقنا مع هذه البهائم أن ندخل الجنة، أو -عياذًا بالله- أن تكون سببًا في دخولنا النار. هذه العجماوات وهذه البهائم التي لا تنطق، التي خلقها الله لنا لنكيفها مع حياتنا ما استطعنا، قد تكون سببًا في دخولك الجنة وقد تكون سببًا في دخولك النار، والعياذ بالله. هذه حيوانات.
نعم، هذا الحديث الذي هو أمامنا الآن، وفي رواية أخرى: «دخلت امرأة النار في هرة» أي بسبب هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض. ظلمها لهذه البهيمة، لهذا الحيوان، لهذه العجماء كان سببًا -والعياذ بالله- في دخولها النار لتتعذب وتتنقى بقدر جرمها. القضية ما هي سهلة، فكيف بظلم بني آدم؟ هذا باب آخر لا أريد أن أطرق إليه الآن، لكن يهمني الآن قضية الرفق بالحيوان ومكانته في الشريعة الإسلامية.
إذا هذه بهيمة أو عجماء كانت سببًا في دخول امرأة إلى النار. انظر إلى الجهة الأخرى المقابلة؛ امرأة بغي من بغايا بني إسرائيل -بغٍ والعياذ بالله- كلب يأكل الثرى من شدة العطش، وإذا بها تنزل إلى بئر، والبئر في ذاك الزمان ليس أذكى البئر في هذا الزمان، حتى البئر في هذا الزمان مخيفة فكيف في ذاك الزمان؟ ولذلك تنزل هذه المرأة البغي من بني إسرائيل إلى أسفل البئر مظنة الهلكة والموت المحقق، وتملأ خفها ماء، ثم تمسكه بفمها، ثم تصعد وتصعد وتصعد حتى نجاها الله من البئر. هذا الكلب نجس، فشكر الله لها وغفر لها وأدخلها الجنة.
سمعنا أيها الأحبة؛ إذاً قضية حتى هذه العجماوات ينبغي أن نتقي الله عز وجل فيها، نتقي الله سبحانه وتعالى فيها، قد تكون سببًا لدخولك الجنة وقد تكون سببًا لدخولك النار. ثم قضية: «تذكر الراحمون يرحمهم الرحمن»، «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». ارحم هذه العجماء، ارحم هذه البهيمة، ارحم هذا الحيوان الذي ملكك الله إياه والذي هو تحت تصرفك، «كما تدين تدان».
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ لذلك أهمية الإحسان للخلق؛ الإنسان يحسن، ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. هكذا يقول ربنا سبحانه جل في علاه. أحسن مع نفسك، أحسن مع الناس من حولك، أحسن مع أقاربك ووالديك وأهل بيتك وذويك، أحسن إلى هذه العجماوات.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وفي كل كبد رطب صدقة». يعني تطعم هذه الحيوانات وهذه الطيور وهذه العجماوات لك فيها صدقة يا عبد الله ويا أمة الله. لا يضيع عند الله شيء مهما صغر. أسر كثيراً ببعض الناس حينما يذهبون إلى بعض المناطق التي فيها الطيور والحمام، وينظرون صدقتهم عليهم في كل يوم. والله كأني أنظر الآن إلى بعض المناظر والحمام والطيور على رؤوس العماير، ينتظرون فلانًا من الناس الذي عودهم أن يطعمهم بعد الإشراق، فتراها واقفة على البيوت وعلى الجدران وعلى أعمدة الإنارة تنتظر هذا الرجل الذي عودهم في كل يوم على الإطعام والصدقة. مئات من الطيور، كم له من الأجر!
وليست هذه قصة واحدة بل قصص كثيرة؛ وكثيرًا ما تمشي في الطرقات فترى الناس قد وضعوا الطعام والماء لهذه الطيور، بعض الأوقات تكون في الخطوط السريعة بين المدن وترى بعض الناس قد وضعوا أواني فيها ماء وحبوب لهذه الطيور. هذا هو الاستشعار، «وفي كل كبد رطب صدقة». المسلم كالغيث، كالمطر، أينما وقع نفع.
ولذلك هذا هو الدين العظيم، هذا ديننا الذي يأمرنا أن نحسن للعجماوات، وأن نحسن حتى للكافر، وحتى والكافر وهو كافر تحسن إليه. هذا ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؛ كفر عليه جارك الكافر تحسن إليه. النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أنه كان له جار يهودي وكان يزوره صلى الله عليه وسلم، وثبت أنه تعامل معهم معاملات حسنة عظيمة جدًا وهم كفار يهود. مع ذلك ديننا يأمرنا بمحاسن الأخلاق أن نرتقي بأخلاقنا وتعاملنا، وما نتكلم به وما نذر وما ندع وما نفعل، كل ذلك من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. إمام عادل وخليفة زاهد من أشهر الخلفاء الأمويين وأشبه الناس سيرة بالخلفاء الراشدين، قال:
«ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من هذا الفتى؟» من هذا الفتى؟ إنه أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز بن مروان القرشي الأموي، وأمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. ولد سنة إحدى وستين للهجرة بالمدينة، ونشأ فيها عند أخواله فتأثر بهم وبمجتمع الصحابة رضي الله عنهم، وحفظ القرآن وهو صغير.
في سنة سبع وثمانين للهجرة ولاه الوليد بن عبدالملك إمارة المدينة ديناً، ثم ضم إليه ولاية الطائف سنة إحدى وتسعين للهجرة، ليصير والياً على الحجاز كلها. وقد كان في هذه المدة من أحسن الناس معاشرة وأعدلهم سيرة؛ كان إذا وقع له أمر مشكل جمع فقهاء المدينة عليه، وقد عين عشرة منهم، كان لا يقطع أمراً دونهم أو من حضر منهم.
لما تولى سليمان بن عبدالملك الخلافة قربه وجعله وزيراً له. وفي سنة تسع وتسعين للهجرة كتب سليمان بن عبدالملك قبل وفاته كتاباً يستخلف فيه عمر من بعده. صعد عمر المنبر بعد توليه الخلافة فقال: «أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم». فأجاب الناس قائلين: «قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك ولي أمرنا باليمن والبركة».
اجتهد رحمه الله في فترة ولايته، وكانت سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، فعزل الولاة الظالمين، ورد المظالم، وانتصر للمظلومين، ونشر العدل بين المسلمين، فضلاً عن نشر العلم وعمله بالشورى وأمره بتدوين الحديث النبوي. وفي الخامس والعشرين من رجب عام مائة وواحد للهجرة توفي عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى، وجزاه عن عدله وفعاله الحسنة خير الجزاء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وما زلنا مع هذا الحديث وبعض الإطلالات وبعض الإشراقات على بعض الفوائد المستنبطة من هذا الحديث. تكلمنا وأشرنا إلى أهمية حسن الخلق، وأنت يا مسلم وأنت يا مؤمنة مطالبون بحسن الخلق، وإنه من أعظم أسباب دخول الجنة، وإن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم. وأكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق.
هذه قضية أولى، والقضية الثانية قضية الإحسان إلى الخلق. الإنسان مطالب بأن يكون من المحسنين؛ ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. الإحسان مع الله سبحانه وتعالى، والإحسان مع رسول الله ﷺ بالاتباع؛ إحسان مع الله بالعبودية والتوحيد وتفويض الأمر إلى الله سبحانه وتعالى والاستعانة بالله، وكل العبادات تصرف لله وحده فقط.
الإحسان إلى النبي ﷺ بالاتباع، اتباع النبي ﷺ والتأسي به. الإحسان إلى القرآن بالقراءة والحفظ والتطبيق والعمل. الإحسان إلى الناس أعلى درجات المعاملة في الحسن، وخاصة الوالدين. ثم الوالدان، ثم من هم تحت يديك أيضاً، الإحسان إلى العجماوات والحيوانات، وإن نحن كمسلمين يجب علينا أن نحسن إليهم، هذا من ديننا، ليس من نافلة القول أو من نافلة الفعل.
الآن في الغرب والشرق يتشدقون بجمعيات حقوق الحيوان، أي حقوق حيوان؟ أنتم عرفتم حقوق الإنسان حتى تعرفوا حقوق الحيوان. لا أنسى ذلك البيت الذي يقول: ذبح كلب في غابة جريمة لا تغتفر، وذبح شعب مسلم مسألة فيها نظر. عندهم موازين منكوسة ومعكوسة ومتخلفة؛ قد تقوم قائمة المجتمع عندهم لأن كلباً قد دُعس أو هرة قد سقطت من عمارة، ولكن قد يقتل الإنسان أو تُغتصب الفتاة -أعاذنا الله- ويكثر الفساد في المجتمع وما أحد يتكلم. ربما يقتل الإنسان وهو يمشي ما أحد ينظر إليه، ربما تُغتصب الفتاة على قارعة الطريق ما أحد ينقذها، ثم نأتي إلى قضية الحيوانات!
إن الطيور على أشكالها تقع. نحن نقول أمة الإسلام ديننا أمرنا بالإحسان إلى الحيوان والإحسان إلى الإنسان. الظلم ربنا سبحانه وتعالى لا يرضاه أبداً: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا». فلا تظلم إنساناً ولا تظلم حيواناً، وحتى لا تظلم نفسك؛ فالظلم ظلمات يوم القيامة كما يقول النبي ﷺ. وبالتالي هذه المرأة لما ظلمت هذه الهرة كانت سبباً في دخولها إلى النار والعياذ بالله.
إذاً الإنسان ينبغي أن يتقي الله سبحانه وتعالى في كل صغيرة وكبيرة، أن يتقي الله في أعماله، يتقي الله في تصرفاته حتى في هذه الحيوانات. انتبه، النبي ﷺ له شأن عظيم جداً في التعامل مع البهائم والعجماوات والحيوانات. رأى النبي ﷺ حماراً وسم في وجهه حتى لا يختلط بغيره، ماذا قال ﷺ؟ قال: «لعن الله من فعل هذا». انظروا يا إخواني إلى الرحمة المهداة، نبينا ﷺ الرحمة، ومع ذلك يلعن؛ لا يلعن إلا من يستحق اللعنة. ولما سمع رجلاً يلعن الديك قال: «لا تلعنه فإنه يوقظ للصلاة».
ولما رأى امرأة كانت معه في سفر وكان معها ناقة، فكأنها تعنتت عليها قليلاً فلعنت المرأة هذه الناقة، قال: «خذوا ما عليها واتركوها فإنه لا يرافقني ملعون». وكأني أراها بين الناس تمشي لا يقترب منها أحد. انتبهوا، حتى اللعن لا تلعن هذه العجماء، فكيف تؤذيها؟ وكيف تتخذها غرضاً؟
بعض الناس يريد أن يتعلم الصيد، فيأتي بدجاجة أو بحمامة يربطها في حبل ثم يبدأ يتدرب عليها، هذا لا يجوز، والنبي ﷺ لعن من فعل ذلك؛ أن يتخذها غرضاً، أو أن تقتل صبراً؛ تضعها في مكان وتبدأ تطلق عليها حتى تتعلم الصيد. يا أخي اذهب إلى البوادي وصد ما شئت، ثم إياك أن تصيد شيئاً لا تأكله. انتبه، هذه الطيور تسبح الله، هذه العجماوات تسبح الله. إياك أن تقتل شيئاً بغير حاجة، يأتي يوم القيامة يحاجيك عند رب العالمين: «هذا لما فعل بي كذا وكذا»، ولو كان عصفوراً صغيراً.
يا إخواني، الدين دين رحمة ودين إحسان. نعم تحتاجه ستأكله، افعل ما شئت وصد كيفما شئت، لكن لا تتخذها غرضاً تمثل بها. هناك بعض الأمور وهي التمثيل بالحيوان؛ تقطع أجزاءً منه وتفعل كذا، والنبي ﷺ لعن ذلك؛ كما يقول ابن عمر: «لعن رسول الله ﷺ من مثل بالحيوان»، تقطع من هنا جزءاً ومن هنا جزءاً.
هذا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية، لذلك نحذر من هذه العجماوات التي خلقها هو سبحانه وتعالى، والله هو الذي ضبط تعاملاتنا مع هذه الحيوانات؛ إن أحسنت إليها كانت سبباً في دخولك الجنة، وإن أسأت إليها قد تكون سبباً -والعياذ بالله- في دخولك النار.
إذا كانت هذه عجماوات، فكيف ببني آدم؟ ولذلك نأخذ من هذه الدروس أننا نحذر من الظلم، فالظلم ظلمات يوم القيامة، ولو كان على عجماء وبهيمة، فكيف على الإنسان! امرأة تدخل النار بسبب هرة، فكيف لو أنك أذيت مسلما معصوم الدم من أهل الصلوات، ومن أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله، من أهل العقيدة السليمة، كيف تلقى الله سبحانه وتعالى؟
وهذه امرأة تدخل الجنة لأنها أحسنت إلى كلب نجس، فكيف الذي يحسن إلى من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ وكيف من يحسن إلى البشر سواء كان مسلما أو كافرا؟ الله كرم بني آدم، حتى حينما تحسن إلى كافر فإن لك أجرا عند رب العالمين.
فإنا نؤمر بالإحسان وبعدم الظلم، سواء كان ذلك مع بهيمة الأنعام، أو مع العجماوات والحيوانات، أو حتى مع بني آدم، ونسأل الله أن يجعلنا جميعا مفاتيح للخير مغاليق للشر. «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، وفي كل كبد رطبة صدقة. هذا يعطينا مجالا كبيرا جدا لكسب الحسنات وتتبعها، ومحاولة الظفر بأكبر قدر من الحسنات، حتى الإنسان يأتي يوم القيامة عنده جبال من الحسنات.
أيضا من هذا الحديث جواز اقتناء الحيوانات الأليفة، جواز اقتناء الحيوانات الأليفة كالطيور بأشكالها وأنواعها، والهرر بقططها بأشكالها وأنواعها، والأغنام وغير ذلك، بشرط الإحسان إليها. ولذلك يقول أنس: كان لي أخ اسمه عمير، أو يكنى بأبي عمير، وكان له عصفور صغير يلعب به ويتسلى به فمات هذا العصفور، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» كأنه يداعبه صلى الله عليه وسلم ليطيب نفسه على فقده لهذا الطائر.
لكن نحذر من ماذا؟ نحذر من الكلب إلا لسبب، كلب صيد أو كلب حراسة، غير ذلك ما يجوز. مع الأسف تهاون الناس في اقتناء الكلاب -أكرمكم الله والملائكة- ومن اقتنى كلبا بغير الأسباب السابقة ينقص من أجره في كل يوم قيراطان من الأجر، والقيراط كجبل أحد، من يملك هذا؟ مع الأسف تفنن الناس في هذا الباب.
نكمل بعد الفاصل إن شاء الله، صلى الله على محمد والحمد لله رب العالمين. بعد فتح مكة ودخول الحجاز كلها في الإسلام، خشي الروم من هذه القوة المتنامية، فجهزوا جيشا للقضاء عليها وعسكروا به في البلقاء. ووصلت الأخبار للنبي صلى الله عليه وسلم فقرر الخروج إليهم، رغم قسوة الظروف من قوة العدو وحرارة الصيف وضيق الحال.
هنا سارع المسلمون بأموالهم وأنفسهم وخيلهم وعتادهم لتجهيز الجيش، وتحرك النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ثلاثون ألف مقاتل إلى تبوك في رجب سنة تسع للهجرة. واعتذر كثير من المنافقين عن الخروج، وقد عانى الجيش الإسلامي في مسيره من شدة الحر وقلة الزاد حتى سمي بجيش العسرة.
فأجرى الله المعجزات على يد نبيه صلى الله عليه وسلم مثل تكثير الطعام واجتماع السحب ونزول المطر ببركة دعائه. ومر الجيش على ديار ثمود فأمرهم عليه الصلاة والسلام ألا يشربوا أو يتوضأوا من مائها، وأكملوا مسيرتهم إلى تبوك. واقترب موعد اللقاء، وسمع الروم بوصول الجيش الإسلامي إلى تبوك فسيطر عليهم الرعب ولم يجرؤوا على التقدم، وخافوا وتفرقوا في البلاد، فكفى الله نبيه والمؤمنين شر قتالهم.
ورجع النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة بعد أن غاب عنها خمسين يوما، منها عشرون يوما قضاها في تبوك نفسها. هكذا كانت غزوة تبوك حربا دون قتال، كانت حربا نفسية كشفت المنافقين وأرعبتهم وأظهرت نفاقهم، وأنزل الله فيها قرآنا يحكي قصتها وحال المنافقين معها، يقول الله تعالى: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ...﴾ [التوبة: 117].
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. قبل الفاصل أيها الأحبة كنا توقفنا عند قضية مهمة جدا، ألا وهي اقتناء الكلاب -أكرمكم الله والملائكة- هل يجوز اقتناء الكلاب؟ يجوز في حالتين: إذا كان كلب صيد أو حراسة فقط.
أما ما يفعل الآن مع الأسف في كثير من البيوت وينفق عليها المبالغ الطائلة، وتطلب وتشترى السلالات النادرة كما يزعمون، في النهاية هو كلب -أكرمكم الله- كما مر معنا في الحديث، غير كلب صيد أو ماشية ينقص من أجره في كل يوم قيراطان من الأجر، والقيراط كجبل أحد. من عنده كل يوم ينقص الحسنات وتوضع السيئات!
ومع الأسف اقتنى -أكرمكم الله- الكلاب بأنواعها وسلالاتها، بالأمس القريب إحدى الصحف تصوّر طفلا ومعه حيوانه الأليف، كلب -أكرمكم الله- يحملونه. كم كلمة نجس الكلب! نجس حتى لو كان من أعظم السلالات. أين العقول؟ وأصبحنا فعلا نغاير الغرب، أي نتشبه بهم، على ماذا؟ أخذوا منهم الشيء الجيد، ما شاء الله تجد الواحد مع كلب يتمشى به على شاطئ البحر، أين عقلك؟ أين دينك؟ أين فهمك؟ الإسلام ما حرم شيئا إلا وفيه مفسدة عظيمة، وقضية التعنت على البشر، من حرم هذا هو رب البشر لأنه أعلم بخلقه وأعلم بما ينفع وما يضر.
لذلك الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، ولا تشترى الكلاب -أكرمكم الله- بأغلى الأثمان، لا وله طبيبه الخاص وله عيادته الخاصة، وأبناء المسلمين يموتون من الفقر والجوع، وجزاه الله خيرا يدفع الآلاف المؤلفة عشان كلب أو كلبة، أين العقول؟ أين العقول؟
إذا عندك حاجة إما حراسة أو ماشية أو صيد، لا بأس وتحسن إليها، مع ذلك أصبح شيئا من الترف والبرستيج العصري أن يكون عندي في البيت كم كلب وكم قطة، هذه القطة مسموح بها لا بأس، لكن الكلاب ليش؟ لا سلالات نادرة ولا شيء. ولا أنسى أحد الأقرباء يحدثني عن امرأة أتت بثلاثة كلاب معها في طائرة، ولأنه عدم وجود الشهادة الصحية رفض المطار أن يدخلها البلد، فاضطرت -جزاها الله خيرا رحمة بكلابها الثلاثة- أن تستأجر لهم مقاعد، كانت تريد طائرة خاصة.
استحت شوية أرسلتهم إلى بلد قريب جدا، واستُقبل هناك على شرف الثلاثة الكلاب هؤلاء، وفد كبير المستوى يستقبل هذه الكلاب الثلاثة؛ تخلف ما بعده حمق ما بعده حمق. الله المستعان! إذا وصل الترف إلى هذا المستوى، كيف نلقى الله سبحانه وتعالى؟ وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال؟ ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ * لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [المرسلات: 30-32]. إنهم كانوا قبل ذلك مترفين، هذا الترف هو الكارثة، وكانوا يصرون على الحنث العظيم.
الله عز وجل قدم الترف على الشرك؛ لأن الترف يجر الشرك، يجر أمور يندى لها الجبين. مع الأسف أصبح الواحد يتصور مع كلبه، أول واحدة تتصور مع كلبها أو كلبتها وشيء جميل، "البرستيج" هذا أصبح منتشرًا والسناب ما شاء الله ينشر. وقف يا أخي، أنت مسلم، أنت مسلمة، انتبهوا! هذه قضية ينبغي أن ينتبه لها الإنسان. فالكلاب لا تُقتنى إلا لأسباب بينها الشارع الكريم، غير ذلك لا. والله يا شيخ قيمته خمسين ألف دولار، ستين ألف، والله لو كان مئة ألف دولار، لو كان مليون دولار ما يجوز إذا لم يكن لحاجة.
انتبهوا، أيضًا مما نستفيد من هذا الحديث أيضًا، هناك مسابقات تعقد في بعض الأماكن "تحريش"، يقول لك مصارعة الديكة، مصارعة الجمال، مصارعة الثيران. لماذا لا يجوز هذا التحريش بينها؟ من أجل المسابقات ومن أجل حتى بعض الأوقات يدخل فيها الحرام، والعياذ بالله، شيء من أنواع الميسر وغير ذلك. تحديات هذا كله ما يجوز؛ التحريش بين الحيوانات وتقتل بعضها البعض وتؤذي بعضها البعض من أجل البشر يستمتعون ويضحكون، وهناك نوع من التحديات والمبالغ المالية. نحن أمة الإسلام نرتقي فوق، لا ننحدر تحت، لا حول ولا قوة إلا بالله.
كذلك ينبغي أن ننتبه إلى قضية أخرى، قضية إيش؟ بعض الناس يقول لك يا أخي هذا من صغائر الأمور. يا أخي انظر إلى من تعصي، لا تنظر إلى صغر المعصية؛ المعصية انظر إلى من تعصي. النبي ﷺ يقول: «إياكم ومحقرات الذنوب»، «إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإنها تجتمع على الرجل حتى والعياذ بالله تهلكه». وكما أخبر النبي ﷺ أن مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا في وادي، أرادوا أن ينضجوا طعامهم، فآخذ هذا يأتي بعود، وهذا يأتي بعود، وهذا يأتي بعود، جمعوها فأنضجوا طعامهم. الإنسان كل شوية يأتي بذنب هنا وذنب هنا وذنب، وتجتمع على صاحبها حتى توبقه والعياذ بالله تدخله النار.
الإنسان يا إخواني لا يقلل من قضية الذنوب، يقول: يا أخي هذه صغيرة، هذه من اللمم، هذه ما تدري ما يقع في قلبك حينما تأتي بهذه الذنوب. هذه المرأة البغي من بني إسرائيل لما وقع في قلبها الرحمة والشفقة على هذا الكلب، حتى بلغ بها أنها خاطرت بنفسها. تعرفون، بغي من بني إسرائيل لما وقع في قلبها الشفقة والرحمة، الله عز وجل شكر لها ذلك. صدقوني، لم يصل الأمر أنه قضية بس نسقي كلب، لا، رحمة في قلبها، شفقة؛ تقول: لقد بلغ بهذا الكلب ما بلغ بي من العطش. لذلك كان الجزاء من جنس العمل.
وهذه المرأة التي دخلت النار في هرة، يعني هرة الآن قضية سهلة جدًا، اذبحوا وافعلوا بها قطعوها، ما يجوز هذا، الإسلام دين الرحمة، دين الإحسان، دين الأخلاق. حتى هذه العجماوات ما يجوز أن نتعدى عليها أو أن نظلمها أو أن نعذبها. بعض الناس عنده في قيادة السيارة ما تخصصه أنه كلما رأى قطة جنب الطريق دعسها، أيش هذا الكلام؟ أين الرحمة؟ أين؟ بعض الناس يرى الطيور بجانب الطرقات وهي تلقط الحب، أذية فقط محاولة إذاعة بالسيارة، وين أخلاقنا؟ أين أخلاقنا؟
أحد الإخوة يقول ذهبت إلى بريطانيا، فجلست في حديقة عامة، فجأة وإذا بالحمام يقع فوق رأسي وعلى يدي، ووضع له الحبوب ويأتي شيء طبيعي، أولئك ما يؤذون هذه الطيور. نحن أذية، تقترب من الطائرة خمسين مئة متر يشرد. لماذا تعود الأذية؟ وليس على إطلاقه، لكن يا إخواني هذه حتى هذه العجماء وهذه الطيور تعرف من يحسن إليها ومن يسيء إليها، خلقها الله هكذا، تعرف وتميز بين من يحسن إليها ومن لا يحسن إليها.
ولذلك ينبغي أن نحرص أيها الأحبة في تعاملاتنا أن نرتقي بتعاملنا مع كل شيء، كما نرتقي بتعاملنا مع الإنسان نرتقي بتعاملنا مع الحيوان، ونتذكر: «في كل كبد رطب صدقة»، كل كبد صغيرة كانت أو كبيرة. أبو ذر، لماذا قيل كان يكنى بأبي ذر؟ كان حتى النمل في الطريق ينتبه له حتى لا يضع قدمه عليه، فُكني بأبي ذر رضي الله عنه وأرضاه. لذلك قضية حقوق الحيوان هذه عرفها الإسلام قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة وجاء بها الإسلام.
بعضهم الآن يتشدق الغرب بالحيوان، نريد منكم فقط أحسنوا إلى الإنسان، أحسنوا إلى الإنسان قبل أن تحسنوا إلى الحيوان. مع الأسف جمعيات كبيرة جدًا عن الحيوان، طيب والبشر المظلومون، البشر المهضومون، ما أين حقوقهم؟ انتكاس الفطرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
نقول اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام، ونعمة الهداية، ونعمة التوفيق، ونعمة القرآن، هذه من أكبر النعم التي يحمد الإنسان ربه عليها. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم اغفر لآبائنا وارحم أمهاتنا وأصلح نياتنا وذرياتنا، اشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلًا يأتيك ميسورًا، بأي مكان.
د. موفق كدسة الغامدي