دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 23 - حديث: (لا يتمنين أحدكم الموت...) (1)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع، متطلع لزيادة الإيمان، وتريد سهلا يأتيك ميسورا بأي مكان، زاد والسنة بالعلم كالأزهار في البستان. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعا علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء.

حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم، ولقاء يتجدد في هذه الأكاديمية الطيبة المباركة، أكاديمية زاد، ومع مادة الحديث الشريف. ومعنا اليوم الحديث العشرون، وهو آخر حديث معنا في هذه السلسلة المباركة، سيستمر معنا على مدى حلقتين اثنتين.

حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي». متفق عليه.

أما راوي الحديث فهو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدمه إلى أن قبض عليه الصلاة والسلام، ثم رحل إلى دمشق ومنها إلى البصرة، فمات بها، وهو آخر من مات في البصرة من الصحابة رضي الله عنه وأرضاه سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، رضي الله عن أنس وعن الصحابة أجمعين.

أما شرح المفردات ومعاني الكلمات: فقوله «لا يتمنين أحدكم الموت» هذا نهي عن تمني الموت بالضر، ينزل بالعبد من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو نحو ذلك من مشاق الدنيا. مع الأسف يكثر عند أناس. وقوله «لا بد فاعلا» أي متمنيا للموت، يعني إذا كان لا بد أن يفعل، أي أن يدعو بالموت فليقل كذا وكذا.

أيها الأحبة، هذا الحديث فيه فوائد كثيرة. أولا: الموت ليس النهاية؛ الموت قد تكون النهاية نهاية مرحلة، لكنه بداية مرحلة أخرى. الموت نهاية الحياة الدنيا، لكنه بداية مرحلة ثانية، ما المرحلة؟ البرزخ، ثم المرحلة الدار الآخرة. ولذلك الموت عند بعض الناس يشكل رعبا حقيقيا، إذا جلست في مجلس وذكرت الموت، بعض الناس يقطب جبينه ويغضب: «يا شيخ خلونا نستمتع بمجالسنا، يا شيخ وين تفر؟».

الموت حقيقة: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26]، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]. لماذا تتعامى؟ حقيقة النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿قُلْ إِنَّكُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [الجاثية: 23]. الموت لا وارد أن يبقي ولا ولدا، هذا الطريق إلى أن لا ترى أحدا. كان النبي صلى الله عليه وسلم ولم يخلد لأمته، لو خلد الله خلقا قبله خالدا. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أكثروا من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات». لماذا؟ حتى الإنسان لا يغفل في هذه الدنيا ويضيع في وهادها وفي طرقاتها وينسى الدار الآخرة.

أنا حينما أقول اذكر الموت، هذا هو الذكر الإيجابي، والذكر السلبي هو أنه يجعل الموت خلاص، فيتقوقع في زاوية من الزوايا أو في مسجد من المساجد ويترك الدنيا ويترك العمل ويترك الإنفاق على نفسه وأهله، هذا ذكر سلبي. ذكر الموت الإيجابي هو الذي يجعلك تعمل للدنيا وتعمل للآخرة، وكما قال ابن عمر: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا». ذكر الموت الذي يجعلك تتحفز بكل فرصة تقتنصها، إما للدنيا أو للآخرة، يجعلك إنسانا إيجابيا في حياتك مع ربك مع الناس. ذكر الموت يجعلك لا تغفل عن لقاء الله، لا تغفل عن أهمية الوقت واغتنام الوقت، يجعلك دائما متوقدا، دائما محفزا لكل ما ينفعك في دنياك وأخراك.

فإذا بعض الناس لما نقول الموت يأخذ جانبا مقتطعاً من الموضوع، لا، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة». فإذا الإنسان تذكر الآخرة جد واجتهد وعمل وسابق وبذل وتحمل. أحكي لبعض الناس يا إخواني لا دنيا ولا آخرة، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة، هذا مسكين كيف يعيش؟

ولذلك حينما نذكر الموت إنما نريد الذكر الإيجابي الذي يحفزك للتوبة، ويحفزك للعمل، أن تعمر أوقاتك بما يرضي الله سبحانه وتعالى، وأن تعمل في نفع الآخرين ونفع الناس ونفع نفسك وأهلك، هذا هو الأمر المطالب من ذكر الموت. لكن بعض الناس الموت رعب، رعب، رعب. ثم ماذا؟ الموت قضية لازمة، والله سنموت كلنا، مات الكبار، مات العلماء، مات الأمراء، مات الملوك، مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات الأنبياء كلهم وسيموت الخلق كلهم، بني آدم سيموتون كلهم، الجن سيموتون كلهم، الملائكة سيموتون كلهم، الله عز وجل هو الحي الذي لا يموت، حتى ملك الموت سيموت، قضية يقينية.

لكن اسمعوا وانتبهوا، الموت ليس النهاية، الموت هو البداية لما بعده. وجاء في الحديث -وإن كان في مقال-: «ما من ميت يموت إلا ندم»، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «إن كان محسنا ندم أنه لم يستزد، وإن كان مسيئا ندم أنه لم يستعتب». أو كما قال صلى الله عليه وسلم: فكل ميت سيندم كم مرة عليه من الأوقات ضيعها؟ ما اغتنمها، ما وفق إلى أن يعمل فيها عملا صالحا، كيف يلقى الله سبحانه وتعالى؟

إذا الموت ينبغي أن يكون عنصرا مشرقا في حياتنا، تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه». لن تلقى الله عز وجل إلا بعد موتك، هل تشتاق إلى لقاء الله؟ إذا وطن نفسك. ثم اعلم أن الموت قضية لازمة، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، وبالتالي لا بد أن يذوقه كل حي، كل حي من الخلق سيذوق الموت، وبالتالي هذه قضية لا بد أن توطن نفسك عليها، لا تتعامى عنها، هذه قضية محتمة، سنموت كلنا.

يأتي جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وأن عزه استغناؤه عن الناس». لكن أول قضية في الحديث: «يا محمد عش ما شئت فإنك ميت»، إذا قضية لازمة، وكما قلت وأؤكد، الموت ليست النهاية، إنما الموت بداية مرحلة كبيرة نهايتها الجنة إن شاء الله نصل.

ثم نعود إليكم، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

يقتل كل عام ستة ملايين شخص تقريبًا؛ منهم أكثر من خمسة ملايين ممن يتعاطون، أو سبق لهم، وأكثر من ستمائة ألف شخص ممن يتعرضون له بشكل غير مباشر. إنه التدخين، مدمر الصحة وقاتل الملايين. ووفقًا لما جاء في تقارير منظمة الصحة العالمية، فإن شخصًا واحدًا يقضي نحبه من جراء التدخين كل ست ثوانٍ تقريبًا، مما يمثل عشر وفيات البالغين.

ونظرًا للسنوات العديدة التي تفصل بين بدء الناس في تعاطي التدخين وبدء معاناتهم الصحية منه، فإن العالم قد بدأ يشهد زيادة الأمراض والوفيات ذات الصلة بالتدخين؛ ففي مقابل مائة مليون وفاة في القرن العشرين قد سببها تعاطي التدخين، قد تبلغ الوفيات في القرن الحادي والعشرين نحو مليار وفاة متى استمر تعاطيه بتلك الصورة المتزايدة.

هذا وقد أثبتت التجارب والأبحاث العلمية الحديثة خطر التدخين المميت على جسم الإنسان بأجهزته المختلفة، حيث يصاب المدخن بأمراض خطيرة منها: سرطان الرئة، ضعف الأعصاب، جلطات القلب وموت الفجأة، التهاب الشريان التاجي المغذي للقلب، الذبحة الصدرية، سرطان المريء، سرطان المثانة والكلى. وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43].

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وسيد الناس أجمعين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أشرت إشارة إلى الموت، وهو قضية لازمة محتمة، لكن الله سبحانه وتعالى جعل لنا في أيدينا أسبابًا يمكن أن نأخذها أو أن نسلكها، مثل ماذا؟ أسباب حسن الخاتمة وأسباب سوء الخاتمة. أحبتي في الله، «من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه»، ولذلك حسن الخاتمة مظهر من مظاهر الخاتمة الطيبة، وهناك أسباب لحسن الخاتمة، وحسن الخاتمة إن شاء الله دليل على حسن المآل بإذن الله تعالى.

طبعًا نحن أهل السنة والجماعة عندنا قاعدة: لا نحكم لأحد بجنة ولا بنار إلا من جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار، ونحن لا نتكلم على الله بالغيب. لكن المحسن نرجو له الجنة، والمسيء نخاف عليه من النار؛ هذه قاعدة عند أهل السنة والجماعة. مهما كان صلاح الإنسان لا نثبت له جنة إلا نقول نرجو له الجنة، ومهما كان فساد المؤمن أو المسلم، مهما كان فسادنا، نقول نخشى عليه من النار، لكن لا نثبت لأحد إلا ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتًا شهد الله وشهد رسوله صلى الله عليه وسلم على أنه من كذا أو من كذا.

لكن في هذا العصر، كما قلت، هناك أسباب إن شاء الله من سلكها كانت خاتمته حسنة. من أسباب حسن الخاتمة: الصدق مع الله سبحانه وتعالى، أن يكون الإنسان صادقًا مع ربه في قوله، وفي فعله، وفي اعتقاده، وفي مشاعره، وفي توبته، وفي صدقته، وفي صلاته، وفي كل شيء. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. اصدق مع الله في كل صغيرة وكبيرة في حياتك. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء ولو على فراشه». سنحتاج إذا تبنا أن نكون صادقين في التوبة، وإذا دعونا أن نكون صادقين في الدعوة، وإذا عبدنا الله أن نكون صادقين في العبودية، وإذا تصدقنا، وإذا والينا أو عادينا أن نكون صادقين؛ هذا مطلب مهم جدًا وسبب من أسباب حسن الخاتمة.

من أسباب حسن الخاتمة أيضًا: تجديد التوبة. دائمًا يتوب، وهذا ما كان يفعله رسولنا صلى الله عليه وسلم المعصوم الذي هو أعظم الخلق صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يقول: «أيها الناس، توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من سبعين مرة» أو من مئة مرة. كان يُعد له في المجلس الواحد: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور»، وكان يتوب في اليوم مئة مرة ويستغفر مئة مرة؛ لماذا؟ ليعلم أمته لذلك. الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ۖ وَعَسَى اللَّهُ أَن يُغْفِرَ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۚ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التحريم: 8]. ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. المسلم دائمًا يتوب ويستغفر لأنه يعلم أنه مسيء وأنه مقصر.

من أسباب حسن الخاتمة أيضًا: المسارعة إلى الأعمال الصالحة؛ ما يسمع بعمل صالح إلا وهو ينطلق إليه. إذا أذن المؤذن كان أول الناس للمسجد، إذا جاء وقت الصيام فهو من الصائمين، إذا جاء وقت القيام فهو من القائمين، إذا جاء وقت الصدقة فهو من المتصدقين، إذا جاء وقت قراءة القرآن فهو من الذين يقرأون القرآن. هكذا تجد المؤمن -سبحان الله- الذي إن شاء الله نرجو له حسن الخاتمة سباقًا؛ ما يسمع بباب من أبواب الخير: كفالة يتيم، صدقة على أرامل، أعمال صالحة، صلة رحم، إلا وهو يسابق. لماذا؟ لأنه يعرف أن هذا الوقت إذا لم يغتنم إياه سيذهب عليه، فهو يرضي الله سبحانه وتعالى. وكما قال الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

السبب الثالث من أسباب حسن الخاتمة: كثرة الذكر، وكثرة الدعاء، وكثرة الصدقة وهكذا. ومن أسباب حسن الخاتمة أيضًا: تذكر الآخرة والاستعداد لها؛ دائمًا يفكر في اليوم الآخر، دائمًا يفكر في لقاء الله، دائمًا يفكر في القبر، يفكر في الحياة البرزخية، يفكر في الجنة ونعيمها، ويفكر في النار وجحيمها. هذا التفكير يجعله محركًا له للأعمال الصالحة، فتجده دائمًا يغتنم أوقاته. ومن أسباب حسن الخاتمة أيضًا: اتباع السنة في قوله، وفي فعله، وفي عمله، وفي عبادته؛ دائمًا يتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في كل شأن من شؤونه. هذه خمسة أسباب، أظنها لو كل إنسان حافظ عليها، فبإذن الله مع الدعاء والرجاء في الله وحسن الظن بالله، ستكون خاتمته حسنة بإذن الله سبحانه وتعالى.

تعالوا بنا الآن إلى الجهة المقابلة: أسباب سوء الخاتمة. هي خمسة أيضًا كما قلت، وهو أمر اجتهادي. من أسباب سوء الخاتمة أيها الأحبة أولًا: الرياء والسمعة وحب الثناء؛ دائمًا يسعى إلى أن الناس يعرفونه، وأن الناس يثنون عليه، وأن الناس يمدحونه. يا أخي، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى، رأى الله به، ومن سمع، سمع الله به». من أعظم شروط قبول الأعمال الإخلاص والمتابعة؛ الإخلاص لله، أن يكون عندك خالص لله، لا من أجل الناس حتى تمدح أو يثنى عليك أو تذكر في الجرائد والوسائل الإعلامية. لا، ولذلك الذي يتتبع...

أحكام الناس وثناء الناس، الله عز وجل يكله إليهم. ومن أسباب سوء الخاتمة حب الثناء والمراء والذكر بين الناس، وما يعمل لله، يعمل للناس والعياذ بالله. وربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ﴾ [القصص: 88].

اجعل عملك لله سبحانه وتعالى؛ والله لو ذمك الناس كلهم ومدحك الله، والله لن تخسر شيئًا. والله لو مدحك الناس كلهم وذمك الله، والله لم تفز بشيء؛ إذا اجعل عملك لله خالصًا. إذن قلنا: المراء والسمعة وحب الثناء هذا من أسباب سوء الخاتمة.

كذلك من أسباب سوء الخاتمة حب الدنيا والانغماس فيها؛ يعمل للدنيا ليله ونهاره، جهده كله للدنيا، وين الآخرة؟ وين عمل الآخرة؟ ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [القصص: 77]. وين العمل لله سبحانه وتعالى؟

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يبغض كل جعظري جواظ سخاب بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة». فحب الدنيا والانغماس فيها يكلك الله إليها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالما أو متعلما».

إن مثل الدنيا في الآخرة كمثل أن يضع أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بماذا يرجع. دنيا اسمها دنيا، هي الدنيا، تقول بملئ فيها؛ حذاري حذاري من بطش وفتك، فلا يغرنكم مني ابتسام، فقولي مضحك والفعل مبكي. ما أخذ غيرنا، نأخذها نحن، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. وبالتالي أيها الأحبة نحذر نحذر من الدنيا، فالدنيا من أسباب سوء الخاتمة.

أيضا من أسباب سوء الخاتمة التسويف في التوبة؛ بكرة أتوب، بعده أتوب، إن شاء الله إذا تزوجت أتوب، إن شاء الله إذا جاء رمضان أتوب، إذا جاء الحج أتوب، وسوف وسوف وسوف، تأتيه الموت وهو في "سوف". وفي مراسيم الحسن البصري: "أنذرتكم سوفا، بادر بالاعمال لا تؤخر شيء"، خاصة التوبة؛ جدد التوبة دائما في حياتك.

أيضا رابعا من أسباب سوء الخاتمة الغفلة عن ذكر الله؛ ذكر الله بالقول أو ذكر الله بالفعل. وذكر الله يا إخواني من أعظم العبادات، بعض الناس أبدا ذكر الله آخر ما يفكر فيه، لا، انتبه دائما اذكر الله؛ «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكره في ملأ ذكرته في ملأ خير منه».

أخيرا من أسباب سوء الخاتمة والعياذ بالله: الأمن من مكر الله. بعض الناس إذا صلى وصام ظن أنه من أهل الفردوس الأعلى، لا يا أخي انتبه، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. وبالتالي هذه خمسة أسباب من أسباب سوء الخاتمة، نسأل الله عز وجل أن يحفظنا وإياكم من سوء الخاتمة.

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ونعود بعد الفاصل بإذن الله تعالى.

الذهب والفضة قديما كانا أثمان السلع في عملية البيع والشراء، ويقع فيها الربا؛ فمن باع عملة ذهبية بعملة ذهبية، وفضية بمثلها حرمت الزيادة ولزم القبض الفوري. ثم صارت العملات الورقية هي المتداولة في البيع والشراء، ولذا يقع فيها الربا كما يقع في الذهب والفضة وتعتبر كل عملة جنسا مستقلا.

فإذا بادلنا عملة بمثلها، كصرف مئة ريال بورقتين من فئة الخمسين، وجب القبض الفوري للبدلين وحرمت الزيادة. فمن صرف أو فك مئة ريال مثلا فأخذ ثمانين وأبقى عشرين فيما بعد، فقد وقع في الربا. ومن باع عملة بغيرها كالريال بالدولار وجب القبض الفوري للعملتين وحرم التأجيل، فلا يجوز بيع العملات بالدين أو التقسيط، ولكن لا يشترط التماثل، فيجوز فيها الزيادة.

ولا بأس ببيع العملة الورقية القديمة التي ألغيت التعامل بها ولم تعد متداولة بأكثر من قيمتها، لأنها لم تعد نقدا فهي سلعة من السلع. ويجوز تحويل عملة دولة كالريال ليتم تسلمها في دولة أخرى بعملة الأخرى كالدولار بشرط التقابض الفوري، ويحصل ذلك بقبض المال أو الشيك أو ورقة الحوالة. فتعلم أحكام الصرف يقي المسلم بإذن الله من الوقوع في كبيرة الربا. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: 276].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وما زلنا مع بعض اللفتات الإيمانية في هذا الحديث الكريم الشريف.

ذكرت قبل الفاصل خمسة أسباب لحسن الخاتمة وخمسة أسباب لسوء الخاتمة، لا مانع أنني أعيدها وأؤكد عليها. أما أسباب حسن الخاتمة: أولا الصدق مع الله سبحانه وتعالى، ثانيا تجديد التوبة، ثالثا المسارعة للأعمال الصالحة، رابعا تذكر الآخرة والاستعداد إليها، خامسا اتباع السنة. هذه من أعظم أسباب حسن الخاتمة مع الاستعانة بالله والدعاء.

أما أسباب سوء الخاتمة: أولا المراء والسمعة وحب الثناء، ثانيا التسويف في التوبة، ثالثا حب الدنيا والانغماس فيها، رابعا الغفلة عن ذكر الله، خامسا الأمن من مكر الله. إذا هذه خمسة أسباب لسوء الخاتمة، يرعاك الله ويرعاكم الله.

القضية حاصلة، الموت حاصل، طال الزمان أو قصر، أنت لك مدة. "يا ابن آدم إنما أنت أيام، كلما مضى يومك مضى بعضك، وإذا مضى بعضك مضى كلك". قضية مسلمة، الموت أبدا قضية يقينية.

يقولون مر رجل على مقبرة فوجد فيها حجرا كبيرا، انقلب هذا الحجر فوجد فيه بعض الأبيات؛ ماذا وجد؟ وجد هذا الرجل عدة أبيات منقوشة على هذا الصخر: أغرى جهول أمله .. يموت منجى أجله ومن دنى من حتفه .. لم تغن عنه حيله وكيف يبقى آخر ما .. راح منه أوله والمرء لا يصحب في القبر إلا عمله

كيف يبقى آخر ما راح منه أوله؟ لا مستحيل أبدا. يا من بدنياه اشتغل وغره طول الأمل، الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل.

يقال إن رجلا نام بجانب مقبرة ورأى في المنام أن أهل المقابر خرجوا عليه في المنام، يقولون: «يا هذا استيقظ، ما أشد ما أنتم فيه من غفلة أهل الدنيا، وما أشد ما نحن فيه من ندامة أهل القبور، إنكم تعملون ولا تعلمون، ونحن نعلم ولا نعمل، ووالله إن تسبيحة أو تسبيحتان أو ركعة أو ركعتان أحب إلينا من الدنيا وما فيها». من المتكلم؟ أهل القبور.

ولذلك أحبتي في الله على الإنسان أن يعمر وقته، أن يعمر حياته؛ الموت سيأتي، والله ستموت، لتموتن ما عمر نوح. يعني لو كان نوح عليه السلام عاش أكثر من ألف سنة. اتق الله، وصف لنا الدنيا يا نوح عليه السلام، قال: «كأنها دار لها بابان، دخلت من واحد وخرجت من الآخر».

إذا هذه قضية لازمة محتمة، الموت. أعود إلى الحديث: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه»، قضية التمني ترى لها في الإسلام مكانة.

ما هي مكانة التمني أحبتي في الله؟ يقول صلى الله عليه وسلم: «إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما هو يدعو ربه». سمعتم؟ «إذا تمنى أحدكم فليكثر، إنما هو يدعو ربه»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

مريت الآن على مسجد كبير، ما شاء الله تبارك الله، وله منافع كثيرة وله أوقاف كثيرة، تمنيت أن لك مثله، تفعل مثل ذلك، لك ما تمنيت بإذن الله. انتبه من الأماني السلبية، وأكثر من الأماني الإيجابية، أكثر من التمني في الخير.

النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول؟ «إنما الدنيا لأربعة نفر»، إنما الدنيا هي أربعة نفر. من هم يا رسول الله؟ قال: «رجل آتاه الله مالًا وعلمًا، فهو يعرف لله فيه حقًا، وللقريب فيه، وللرحم فيه حقًا، ويستعمله فيما يرضي الله». معنا الحديث؛ قال: فهذا في أعلى المنازل، علم ومال.

ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا، انظروا التمني، فيقول: لو أن لي مثل فلان من المال لفعلت مثله. قال صلى الله عليه وسلم: «فهما في الأجر سواء». أرأيتم النية يا أحبابي؟ الرجل الثاني ما فعل شيء لكن كان عنده نية صادقة: لو عندي مال مثل فلان لفعلت مثله، قال: «هما في الأجر سواء». إذًا يا عبد الله، دائمًا تمنَّ الخير، تمنَّ الخير، وإنما الأعمال بالنيات.

الثالث رجل آتاه الله مالًا ولم يؤته علمًا، فهو لا يعرف لله فيه حقًا، للرحم فيه حقًا، ولا للناس فيه حقًا، يخبط فيه. قال: فهو في أسوأ المنازل والعياذ بالله، عنده لكن ما عنده علم، يخبط فيه خبط عشواء وهو في أسوأ المنازل.

الرابع الكارثة، قال: «ورجل لم يؤته الله لا مالًا ولا علمًا، فيقول لو أن لي مثل فلان من المال لفعلت مثله»، قال: «فهما في الوزر سواء». سمعتم أيها الأحبة؟ هل فعل؟ هل سافر؟ هل زنى؟ هل شرب الخمر مثل الثالث؟ لا، لكن يقول: لو عندي مثله لفعلت مثله، تمنى نية سيئة، قال: «فهما في الوزر سواء».

هذا الحديث ما الذي نستفيد منه أيها الأحبة؟ دائمًا تمنَّ الخير، تمنَّ الخير؛ ليت عندي مال فأبني مدارس، وأبني أوقافًا، وأبني مساجد، وأكفل الأرامل، وأعطي المحتاجين، وأنفق في سبيل الله، وأطبع الكتب، وأتصدق على الفقراء. دائمًا تمنَّ هذا، تمنَّ، يعني اجعل دائمًا أمانيك إيجابية. تمر على عمارة كبيرة جدًا، ليت عندي مال فأصنع مثلها وأوقفها لله، وأعطيها أرحامي وأعطيها الناس، ليس عندي مال فأتصدق به. دائمًا تمنَّ الخير، تمنَّ الخير يا عبد الله، إنما الأعمال بالنيات.

ولذلك أيها الأحبة، نحذر، نحذر من الأماني السلبية عند الشباب. يمكن ثورة الشباب ثورة الشهوة، يتمنى أن عنده مال فيسافر ويفعل الفاحشة، ويشرب الخمر، ويرقص، ويتعاطى المحرمات، وهو جالس في بيته على سريره، وقد امتلأ ميزانه بجبال من السيئات وهو لا يدري، وهو لا يدري، يقول: لو عندي بس مال، أفعل وأسوي الحرام وأفعل الحرام. مسكين، عنده صدق في أمانيه.

انتبهوا أيها الأحبة، قضية النيات هذه من أعظم أبواب التجارة مع الله سبحانه وتعالى. دائمًا حسن نيتك، حسن أمانيك. إذا تمنيت تمنَّ أمورًا عظيمة، وكما ذكرت لكم الحديث: «إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما هو يدعو ربه». تمنَّ الخير دائمًا يا عبد الله، لا تتمنَّ الشر. تمنَّ الخير فإن الله عز وجل يعطيك ويمن عليك، ويعطيك على قدر أمانيك، وأما إذا كانت الأخرى فلا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

انتبهوا أيها الأحبة، ترى الشيطان يأتي ويوسوس: لأفعلن، ولأفعلن، ولأسافرن، ولأشربن، ولأفعلن، وهو جالس في بيته ما تحرك، يقوم عليه جبال من السيئات. الآخر عكسه تمامًا، يتمنى الخير، يتمنى العلم، يتمنى الدعوة، يتمنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يتمنى نفع المسلمين، يتمنى إغاثة الملهوفين، يتمنى، ويكتب له ملايين الحسنات وجبال الحسنات وهو لم يفعل شيء.

إذًا حتى أمانيك انتبه لها، انتبه لها يا عبد الله، فأنت عبد لله لست عبدًا لغيره. نتوقف هنا ونكمل إن شاء الله في اللقاء القادم بإذن الله تعالى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد...