يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً والسنة بالعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وقائد الغر المحجلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته. وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعًا علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وشفاءً من كل داء.
مع هذه القناة المباركة قناة زاد، والأكاديمية المباركة أكاديمية زاد، ومع هذه المادة الكريمة العظيمة الجليلة، الحديث الشريف اليوم هو آخر حديث معنا في هذا الفصل بإذن الله تعالى. كنا قد تكلمنا عنه في اللقاء الماضي ونكمل شرحه إن شاء الله، والفوائد المستنبطة منه في هذا اللقاء.
الحديث العشرون، حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال النبي ﷺ: «لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي». متفق عليه.
كنا في اللقاء الماضي أيها الأحبة تكلمنا عن الموت، وعن كيف نتعامل تعاملًا إيجابيًا مع الموت، تكلمنا عن أسباب حسن الخاتمة وأسباب سوء الخاتمة، وتكلمنا عن الأماني والتمني، وأن الإنسان حينما يتمنى فإنما هو يدعو ربه سبحانه جل في علاه.
نكمل بعض الفوائد من هذا الحديث: «لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه». طول العمر وحسن العمر أيها الأحبة، النبي ﷺ يقول: «خيركم من طال عمره وحسن عمله». لأن المؤمن أيها الأحبة لا يستزيد بطول العمر إلا من الأعمال الصالحة، فكلما طال عمر المؤمن كلما تزود من صلوات يصليها، من نوافل يؤديها، من قربات يعملها، من صدقات، من قيام لليل، من صلاة للضحى، من صلة للأرحام، من ذكر وكثرة ذكر، من حج وعمرة، من عبادات كثيرة. فالمؤمن أيها الأحبة لا يستزيد بطول عمره إلا من الصالحات؛ «خيركم من طال عمره وحسن عمله»، ولذلك طول العمر وحسن العمل مطلب.
ولذلك الإنسان ما يتمنى الموت إلا كما أخبر النبي ﷺ أن الإنسان يقول: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي». من حديث أن رجلين أو أخوين أسلما في عهد النبي ﷺ مع بعضهما البعض، وقتل أحدهما شهيدًا في المعركة، وقتل الآخر بعده بسنة على فراشه. انظروا، الأول مات فين؟ في ساحة الوغى، في ساحة الجهاد، قتل شهيدًا. الآخر مات بعده بسنة على فراشه. فرآهما أحد الصحابة -أظن حذيفة بن اليمان أو غيره- رأى في المنام أن الذي مات على فراشه في الجنة أعلى من ذلك الذي مات شهيدًا.
وأخبر النبي ﷺ، وما العجب في ذلك؟ كم صلاة صلاها؟ وكم ذكرًا ذكره؟ وكم شيء من الصالحات فعل؟ وكما قال ﷺ، فإنه ينظر سنة بعده عاشها، لكن انظر ماذا فعل؟ ماذا قدم؟ كم صلاة، وكم ذكر، وكم صيام، وكم قرآن؟ إذاً المؤمن أيها الأحبة طول عمره لا يزيده إلا قربًا من الله، عملًا في الصالحات ومسابقة في القربات.
هذه قضية مهمة، بعض الناس يقول: ودي أموت وأفتك، الفتن كثيرة. جيد، الفتن كثيرة ولكن ماذا تصنع؟ اصبر، لكن لا تحاول، ترى كلما طال عمرك كان أفضل أن تخالط الناس وتصبر على أذاهم، خير من أن لا تخالطهم. الفتن كثيرة، والله لن نفتن كالأنبياء، ولكن نصبر نصبر ولا نتمنى الموت لضر أصابنا. إذا كانت خلاص وصلت القضية إلى الحلقوم، خلاص عندك هدي النبي ﷺ: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي»، فوض أمرك إلى الله.
ولذلك أحبتي في الله، طول العمر للمسلم فيه خير، «خيركم من طال عمره وحسن عمله». كذلك من الأمور المهمة الدعاء، فليقل: ادعُ الله سبحانه وتعالى، فوض أمرك إلى الله. الدعاء يا أحبابي من أعظم العبادات، مع الأسف على ما فيه من أجر ومن عبودية ومن إظهار الافتقار لله سبحانه وتعالى، ومن أن الله عز وجل يحبه.
غفلة! اسأل نفسك، كم ندعو الله في اليوم والليلة؟ أما يقول ﷺ: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء». لماذا لا نفكر في هذا الحديث؟ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. سماه الله عبادة، الدعاء هو العبادة، الدعاء مخ العبادة كما جاء في حديث ضعيف. إذاً الدعاء من العبادات العظيمة، وهو مظهر من أعظم مظاهر العبودية لله سبحانه وتعالى. إن الله يغضب من العبد الذي لا يسأله، إن الله يحب الملحين في الدعاء. هذه قضية مهمة جدًا لابد أن ننتبه لها.
أمر آخر وفائدة أخرى: دائمًا لا تركن إلى نظرك وإلى فكرك وإلى اختيارك، فوض الأمر لله. ترى أنا ضعيف وأنت ضعيف، مهما بلغنا من العلم ومهما بلغنا من الحنكة ومهما بلغنا من التجارب نظل ضعفاء. طيب إيش نسوي؟ الأمر لله عز وجل، فوض أمرك للخالق، لا تختار أنت دائمًا، اجعل الله عز وجل هو الذي يختار لك.
كيف يا أخي؟ النبي ﷺ علمنا دعاء الاستخارة، يقول جابر: «كان صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن». يعني لا تركن إلى اختيارك، قد تختار الأمر الذي فيه مضرة لك وأنت ما تدري، ظاهره لك لكنه في المآل عليك. ولذلك النبي ﷺ يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويذكر حاجته- خير لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري، وعاجله وآجله، فقدره لي ويسره لي وبارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري، وعاجله وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، ثم اقض لي الخير حيث ما كان ثم رضني به».
أنت الآن فوضت أمرك إلى الله، هذا دعاء الاستخارة، ينبغي لكل عاقل أن يحفظه، وينبغي لكل عاقل إذا أراد أمرًا ما عرف المصلحة الظاهرة فيه أن...
يصلي ركعتين لله ثم يدعو بهذا الدعاء، يا أخي فوض الأمر لله. ثم هناك مسألة مهمة؛ بعض الناس يقول: يا أخي نفسي ما انشرحت، نفسي صدت، ترى هذا ليس من لوازم الاستخارة. إذا أمر فيه زواج، فيه تجارة، ما تدري وش الأصلح لك؛ صلي الاستخارة الآن. محتار لو ظهر لك أمر فيه سوء صحيح، لكن أمر ما تدري أيش عاقبته، لكن تقول نفسي أنا قابضة، نفسك ليست ضابطة. ركعتين هذا الدعاء، ولا يمنع أنك تكرر مرتين، ثلاث، أربع، قدر ما تستطيع، لا بأس في ذلك، ثم اعزم؛ إن كان لك فيه خير يمضيه الله لك، وإن كان لك فيه شر سيصرفه الله عنك.
جاني أحد الإخوة يقول: أختي بلغت أربعين سنة ما تزوجت، كل ما جاءها خطاب قالت ما أبغى، أنا استخرت الله فجلست معها وقلت: يا بنتي كيف؟ أيش الوضع؟ قالت: أنا استخير الله ونفسي مقبوضة. قلت: غلط، غلط؛ بعض النساء قد يكون عندها صدة من الزواج نفسيًا. رجل نرضى دينه وخلقه، خلاص استخيري الله سبحانه وتعالى وأقدمي، أقدمي؛ إن كان لك فيه خير سيتيسر، وإن كان فيه شر سيصرف. والله لو كان ليلة الدخلة، فوض الأمر للخالق سبحانه الحكيم العليم.
فاصِل ونعود إليكم بإذن الله تعالى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. القوة، الحماس، الإرادة، الوقت؛ أهم ما يميز مرحلة الشباب، وتلك الصفات مجتمعة تشكل منها طاقة هائلة، إما أن تستثمر في البناء والتقدم، وإما أن تكون معولًا للهدم والتأخر. وحتى لا تتحول القوة والحماس إلى طيش وتهور واندفاع، أو تتحول الإرادة والوقت إلى انهزام نفسي وفراغ قاتل؛ فلا بد من صيانة هذه الطاقة الشبابية من آفات العصر.
فكثيرة هي المشكلات التي ربما عصفت بشباب اليوم: اهتمام بمظاهر جوفاء، حب للظهور والشهرة، علاقات محرمة، لهو وتضييع للأوقات، إهدار للطاقة في متابعة الشاشات ومواقع التواصل، أصدقاء السوء، ارتياد أماكن المحرمات، المخدرات والمسكرات، الخوض في الفتن، اعتناق الأفكار المنحرفة، التأثر بالشبهات العقدية، البطالة وانعدام المسؤولية. فما الحل؟ الحل الأمثل لتلك المشكلات يتمثل في منهج إسلامي مدروس محاط بالحكمة والتعقل، تستثمر فيه هذه الطاقات الشبابية بما يعود بالمصلحة على الفرد والمجتمع. وأهم دعائم هذا المنهج: التربية الإيمانية، البيئة الصالحة، القدوات المميزة؛ فلا بد من توافر التطبيق الواقعي المشاهد للمناهج والأفكار، ودعم الجوانب الإيجابية كتنمية المواهب ورعاية الملكات، وشحذ الأفكار بإقامة الدورات العلمية والورش العملية. وليتذكر فرسان تلك المرحلة قول رسول الله ﷺ: «وعن شبابه فيما أبلاه».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا مع هذا الحديث المبارك، وكنت قد تكلمت قبل الفاصل في دعاء الاستخارة وأهمية أن نفوض الأمر لله سبحانه وتعالى. فوض أمرك لله وستعلم ستعلمين يا أمة الله متى ما فوضنا أمرنا إلى الله؛ فإن الله عز وجل سيختار لنا الخيرة التي تعيننا في دنيانا وأخرانا. لا تركن إلى حولك وإلى طولك وإلى ثقافتك وإلى قراءتك وإلى خبرتك، هذا مطلب، لكن بعد ذا كله استخر الله سبحانه وتعالى وفوض الأمر لله عز وجل، كما هنا في الحديث: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي».
إذًا تفويض الأمر لله سبحانه وتعالى؛ فالله سبحانه وتعالى هو الحكيم، وهو العليم، وهو الخبير، وهو البصير سبحانه جل في علاه، وهو الرحيم وهو اللطيف بعباده سبحانه. من القضايا المهمة أيضًا التي نخرج بها من هذا الحديث الشريف الرضا بالقضاء والقدر وأهميته في حياة المسلم؛ النبي ﷺ يقول: «وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس».
بعض الناس يتسخط، الفتن كثيرة والمعاصي كثيرة، والتمرد على الدين كبير. طيب يا أخي، أنت ماذا فعلت؟ الذي عليك وطبّق الذي عليك، فوض الأمر لله عز وجل. يأتي الفتن كثيرة، التفلت من الدين كثير، لا.. ما هو الذي في يدك فقط؟ اسأل نفسك ما هو الذي في يدي؟ ابذل الذي عليك، ثم بعد ذلك ارضى بقضاء الله وقدره.
هذه قضية مهمة، بعض الناس يا إخواني قد يقنط من رحمة الله، ييأس من روح الله، بعض الناس يصيبه الهم والغم لما يرى الانفلات الأخلاقي والسلوكي والديني. يا أخي، حتى لا تودي نفسك ولا يدخل لك الشيطان من مداخل خفية؛ قدر الله وما شاء فعل. والنبي ﷺ يقول: «وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس»، ده كورنيش أغنى الناس؛ الرضا بالقضاء والقدر.
الرضا بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، والله نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى أن الله عز وجل أعطانا هذا الركن، الإيمان بالقضاء والقدر. واعلم أن ﴿مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ﴾. رفعت الأقلام وجفت الصحف، الله أكبر! كم تنزل هذه الكلمات على قلب المؤمنين؟ رضا بقضاء الله وقدره، رضا بقضاء الله وقدره، خلاص يقع علي ما قدر الله سبحانه وتعالى.
لذلك في الصحيح أن آدم عليه السلام وموسى عليه السلام التقيا، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده؟ قال: نعم. قال: خيبتنا أو أخرجتنا من الجنة؟ وقال آدم عليه السلام: أنت موسى بن عمران كليم الله الذي كلمك الله واصطفاك بكلامه؟ قال: نعم. قال: يا موسى تعتب علي على أمر كتبه الله عليه قبل أن نخلق بكذا وكذا من السنين؟ وسكت موسى. يقول ﷺ: فحج آدم موسى. يقول لي يا موسى كيف تعترض علي؟ على أمر مكتوب عليه؟ سكت موسى، سكت ما قدر يتكلم، ما قدر يرد عليه. قال النبي ﷺ: «فحج آدم موسى». إذا الغلبة لمن؟ لآدم عليه السلام.
إذًا تذكر القضاء والقدر، وأن الله سبحانه وتعالى كتب كل شيء كما قال ﷺ: «إن الله عز وجل كتب مقادير السماوات والأرض قبل أن يخلقها بخمسين ألف سنة». هذا ليس معناه أن الإنسان يعجز ويركن، لا؛ معناه أنك أرضى بما قدر الله سبحانه وتعالى. يا إخواني، كان أهل الجاهلية قبل الإسلام عندهم الإيمان بالقضاء والقدر؛ العربي تموت ناقته يقول: قضاء وقدر، يموت ولده يقول: قضاء وقدر، يذهب ماله يقول: قضاء وقدر. عنترة بن شداد كان يقول: أين من المنية مهربي .. إن كان ربي في السماء قضاها
فكيف المسلم لما يأتي ويكون هذا ركن من أركان إيمانك؟ وطن نفسك مهما ادلهمت الخطوب وضاقت الطرق وكثر السواد والظلام، وتذكر أن كل شيء بقضاء وقدر، وقل: ﴿لَن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾. ارجع وقل ليس هذا مدعاة للعجز كما يفعل بعض الناس وبعض الفرق؛ فخلاص نحن مسيرون لا، نحن نرضى ونأخذ الأسباب. الأمر بالأخذ بالأسباب، والذي جعل لكم الأرض دولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور. لا تقنط، لا تعجز، الأمر للخالق سبحانه وتعالى. خذ الذي عندك وخذ الذي بيدك ثم توكل على الله واستعن بالله ولا تعجز.
إذن الرضا بالقضاء والقدر وأهميته في حياة المسلم؛ الرضا بالقضاء والقدر يعطيك قوة وثباتًا، ويعطيك شجاعة. ثم قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه يقول: أَيَّوْمًا مِنَ الْمَوْتِ أَفْرَهُ يَوْمَ لَا قَدَرُ ... أَمْ يَوْمَ قَدَرُ يَوْمَ لَا قَدَرُ لَا أَرْهَبُهُ وإذا جاء لا يغني الحذر. إذاً خلاص وطن نفسك على الرضا بالقضاء والقدر، حينئذ ستجد لذة لهذه الحياة، متعة، أنت في كنف الله سبحانه وتعالى.
هذا يقودنا إلى قضية يا إخواني؛ قضية الصبر، وأن المسلم يصبر، وأن المسلم ما دام في هذه الحياة الدنيا عليه أن يتحمل اللأواء والابتلاء. الإمام أحمد رحمه الله يقولون: يا أبا عبد الله متى الراحة؟ قال: عند أول قدم لك في الجنة. فحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ﴿لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 3]. أنت في هذه الدنيا في دار ابتلاء، كيف تتعامل؟ هنا يظهر إيمانك بالصبر؛ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]. يا إخواني، الصبر عاقبته عظيمة، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. إنسان ما عنده صبر كيف يكون عنده إيمان؟ ولذلك الإنسان يصبر ويتصبر ويصابر ويرابط.
أنت في هذه الدنيا عبد لله سبحانه وتعالى، تذكر أن الله لا يقضي قضاء العبد إلا كان خيرًا له، وأنت لا تعلم أين الخيرة. لما تقرأ سورة الكهف: موسى عليه السلام مع الخضر عليه السلام، وأهل السفينة يحملونهم فيأتي الخضر ويخرق السفينة، ويمر موسى عليه السلام مع الخضر على غلام فيقتله، وقد يقتل الغلام، ويمرون على قرية يأبون أن يضيفوهم، ويرى جدارًا يريد أن يسقط فيقيمه؛ كل هذه ظاهرها موسى اعترض عليها، لكن بعدين الخضر أخبره بما علمه الله لماذا فعل ذلك. إذاً الصبر عاقبته خير، الصبر عاقبته الخير، ولذلك الإنسان يتذكر: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وكما قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: «أدركنا خير عيشنا بالصبر».
اصبر يا أخي، تذكر قوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. لا تقل الحسنة بعشر أمثالها في الصبر؛ الحسنة بمئة ضعف، ألف ضعف، بمليون ضعف، بمليار ضعف؛ لا، قال لك الله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، ما يمكن لعقلك أن يتخيل الأجر الذي يناله أهل الصبر.
فصل ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين. من المؤسف أن يفتخر الشباب باللغات الأعجمية ويلونون ألسنتهم بها دون حاجة، حتى أصبح بعضهم يكتب العربية بحروف أجنبية، وكأنه قد غاب عنهم أن اللسان العربي هو شعار الإسلام وأهله. قال تعالى: ﴿فَاللُّغَاتُ﴾ من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون. لذا كره السلف التكلم بغير العربية إلا لحاجة، إذ هي من شعائر الإسلام وحفظها من تمام حفظه.
فينبغي للمسلم أن يعتني باللغة العربية، وأن يكون حريصًا على دراسة المهم من قواعدها واحتساب الثواب في ذلك، إذ هي مفتاح الفهم للقرآن والسنة، واجتناب اللحن الخطأ فيها قدر المستطاع. عن نافع قال: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. ومطالعة كتب الأدب في التراث العربي، لا سيما الكتب التي يذكر فيها الشعر والنثر، فذلك مما يقيم اللسان ويزيد الحصيلة اللغوية لدى القلب. والالتزام بها في المكاتبات والحوارات والشعارات في مواقع التواصل وغيرها، والالتزام بالتحدث بها مع الكبار والصغار ولو لفترة وجيزة كل يوم، وتعليم الأبناء قواعدها وتربيتهم على حبها وإتقانها منذ الصغر، إذ هي لغة القرآن الذي وصفه الله بقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [السجدة: 2-3].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا مع هذا الحديث الشريف المبارك، وكنت قد تكلمت عن الصبر وأهمية الصبر في حياتنا، وأن الإنسان إذا لم يصبر ماذا يفعل؟ يقنط؟ لا والعياذ بالله، ما يقنط، الصبر عاقبته حميدة، ولذلك كل من صبر ظفر بإذن الله تعالى. ويتذكر الإنسان أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد؛ اصبر، اصبر، اصبر، تذكر قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
انظر الأنبياء، هذا يقودنا إلى وقفة مهمة جدًا جدًا جدًا؛ أحكام البلاء. أحكام البلاء، ما فينا واحد إلا يمر به شيء من الفتن، من البلاء، من المرض، من السقم، من الهم، من الغم، من الأمور المكدرة. كيف نتعامل معها؟ أولًا البلاء ينقسم في أحكامه إلى ثلاثة أقسام، تذكروا هذه الأقسام المهمة حتى الصورة تتضح.
نوع من البلاء يكون عذابًا، ينزل البلاء عقابًا وبلاءً والعياذ بالله، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾، فينزل. فقد يكون على قوم والعياذ بالله عذاب يكون عليهم عذاب؛ لماذا؟ لأنهم أهل كفر، أهل عصيان، أهل كبائر، استحقوا هذا العقاب. فالبلاء قد ينزل نوعًا من العقاب والبلاء المعجل في الدنيا عقابًا والعياذ بالله: ﴿وَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾، ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].
النوع الثاني من البلاء تكفير للسيئات؛ قال صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من سيئاته»، «ما يزال البلاء بالعبد المؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة». إذا هذا النوع الثاني من البلاء، ما هو يا إخواني؟ هذا النوع تكفير للسيئات. النوع الأول قلنا إيش؟ عقاب والعياذ بالله.
النوع الثاني لا تكفير للسيئات، والنوع الثالث من البلاء رفعة في الدرجات، ماذا تقول؟ نعم، رفعة في الدرجات. كيف ذلك؟ يقول صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل».
اسمعوا، أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل. يبتلى المرء على قدر دينه، فإن كان في دينه رقة كان البلاء رقيقًا، وإن كان في دينه شدة كان البلاء شديدًا، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «الأنبياء هم أشد الناس بلاء». ليس ذلك على أن الله يعذبهم أو يكفر سيئاتهم، لا، إنما ذلك رفعًا لدرجاتهم. انظروا إلى الأنبياء، انظروا إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الرسول الخاتم، كم ابتلي، كم فعل به؟ شُجّ رأسه، كُسرت رباعيته، أوذي في نفسه، سُقي السم، أوذي في أهله، أوذي في أصحابه، رمي بالحجارة، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذن أعود فأقول: البلاء على ثلاثة أنواع، هذا في القرآن ولا ننزله على الخلق، ما ندري لكن نقول كما هو في النصوص. ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ * الظَّاهِرُ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الشورى: 30-32].
إذن هذه هي أحكام البلاء، فلا نقول -بعض الناس يقول لك- هذا البلاء لأنه... البلاء قد ينزل نفس البلاء يكون لقوم عذابًا، ويكون لقوم تكفيرًا للذنوب والسيئات، ويكون لقوم رفعة في الدرجات. نفس البلاء بحسب حال الإنسان مع ربه سبحانه جل في علاه، هذه قضية مهمة، الإنسان لا يتكبر، ما يدريك؟ البلاء ينزل لحكم الأمة، هذا البلاء بالأمة، هذه الأمة فيها الصالح وفيها الطالح، فيها المحسن وفيها المقصر، ولذلك هذا البلاء لأهل، لقوم يكون بلاء عذابًا محقًا والعياذ بالله، ولقوم يكون تكفيرًا للسيئات، ولقوم يكون رفعًا للدرجات، نفس البلاء واحد، وهذا من عظمة هذا الدين ولله الحمد والمنة.
إذا الحديث يقول: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي». أنت ما تدري الخيرة فين، فوض أمرك إلى الله في كل صغيرة وكبيرة، ارضَ بقضاء الله وقدره، استعن بالله، توكل على الله. ترى بعض الصالحين كان إذا جاءت سكرات الموت يبكي، ليس حزنًا على الدنيا، لا والله، يعلم أن ما عند الله خير وأبقى، ولكن يبكي من الدنيا لأنه فقد العبادة، فقد الذكر، فقد القرب، فات عليه شيء كثير كان يريد أن يفعله، انقطاع الأعمال الصالحة عنه. وفعلًا تحصل الصالحون -سبحان الله- يشتاقون إلى لقاء الله سبحانه وتعالى، وبعضهم يتبسم في سكرات الموت ويفرح لأنه سيلقى الله سبحانه وتعالى.
أيها الأحبة الأفاضل، وها نحن في ختام هذا الفصل في هذه المادة وفي ختام هذا الحديث، عشنا مع بعضنا أربعة فصول مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. أقول: كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينفكان أبدًا، ولذلك نحن ما دمنا في هذه الحياة لا بد أن نعيش مع القرآن والسنة لا ينفكان، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه».
فالسنة شارحة للقرآن مبينة مفصلة، ولذلك أنا أدعو نفسي وإياكم أن نعيش مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعيش مع القرآن، القرآن كلام الله سبحانه جل في علاه، والحديث هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]. ولذلك نحن نتعبد لله سبحانه وتعالى بالقرآن والسنة، بالقرآن والسنة.
لذلك أيها الأحبة الأفاضل، أدعو نفسي وإياكم إلى الاهتمام بالسنة ونشرها وحفظها وإقامة المسابقات عليها، وفهمها واستنباط الفوائد العظيمة منها. السنة يا أحبتي فيها فوائد عظيمة جدًا، وكما أن للتفسير متخصصون في تفسيره، كذلك للسنة متخصصون فيها وشراح لها، وفيها من الفوائد العظيمة والتوجيهات النبوية الكريمة.
لذلك لا نغفل، بعض الناس يقول لك القرآن على عيني وراسي، كلام الله عز وجل والمعجزة الخالدة، لكن كلام الله يأمرك أيضًا بكلام نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. القرآن فيه قواعد وأسس ثابتة، والسنة شارحة مبينة موضحة، وكم هناك من الأجور التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، وكم هناك من الفوائد التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم، وكم هناك من الخير الذي بينه صلى الله عليه وسلم؟ أين نحن منه؟
لذلك أيها الأحبة، أرجو كما نحرص على أن نحفظ أبناءنا القرآن، أن نحرص على أن نحفظ أبناءنا كذلك سنة النبي العدنان. اكتفيت بهذا، وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلًا يأتيك ميسورًا بأي مكان.
د. موفق كدسة الغامدي