يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد.
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الهادي إلى الصراط المستقيم، وصلى الله وسلم على خير البرية ومنجي البشرية، خليل الرحمن والصفوة، محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين. حياكم الله أعزائي المشاهدين والمشاهدات، طلاب وطالبات أكاديمية زاد. الدرس السابع أو الحلقة السابعة بإذن الله من التفسير للمستوى الرابع.
كنا قد وصلنا وإياكم إلى شطر سورة البينة، إلى قوله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 6-8].
هذا الشطر الثاني من سورة البينة سنتكلم وإياكم بإذن الله في تفسيره إجمالًا وتفصيلًا وفوائد بإذن الله تعالى. ابتدأ الله جل جلاله هذا المقطع بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾. فهذا خبر صدق من الله تعالى في مآل الكافرين من أهل الكتاب والمشركين المخالفين لكتاب الله يوم القيامة، في نار جهنم، أي تحيط بهم من كل مكان لأنهم شر الخليقة. وهذا معنى شر البرية، أي شر الخليقة. وسميت جهنم -أجارنا الله وإياكم منها- بذلك لبعد قعرها وسوادها، فهو مأخوذ من الجهمة وهي ظلمة الليل، وقيل إنه اسم أعجمي عربته العرب كسائر بعض الأسماء التي وردت في القرآن.
ثم انتقل الخطاب الآن لأهل الصالحات، لأهل الإيمان والعمل الصالح، فقال الله جل جلاله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾. وهذا خبر عن حال الأبرار الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بأبدانهم، لأنهم خير الخليقة، جعلنا الله وإياكم من هؤلاء. أما جزاؤهم عند ربهم فهو: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، أي ثوابهم عند خالقهم ومالكهم بساتين إقامة وعدل. لأنه قيل إن المراد بعدن أي الإقامة الطيبة، و"عدن" بالمكان هيئة قام بها، فهي جنات إقامة ومكث وخلود أبدي، جعلنا الله وإياكم من أهل الفردوس الأعلى من الجنة.
ثم قال الله عز وجل: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. والمراد بقوله تعالى رضي الله عنهم أي ورضوان الله مقام أعلى من النعيم الذي أوتوه، كما قال الله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: 72]. الرضوان هو أعظم النعيم في الجنة. ثم قال: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ أي هم أهل الإيمان والعمل الصالح، رضوا عن الله ورضوا عنه، أي لما منحهم من الفضل الكبير.
وفي ذلك قصة أو موقف لأبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه في مسجده النبوي، وعن يساره أبو بكر في ثياب أبي بكر، قبض عشر رقع، ثوب مرقع. فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوحى إليه إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: «يا أبا بكر، إن جبريل أتاني الساعة ينشدني: يا أبا بكر، إن الله ينشدك، هل أنت راض عن ربك؟». فاستعبر أبو بكر فبكى رضي الله عنه وهو يقول: «ومالي لا أرضى عن ربي؟ ومالي لا أرضى عن ربي؟».
إذاً وصل الرضا بأبي بكر أن يُسأل الله جل جلاله من فوق سبع سماوات عن رضاه، هل هو راض عن ربه؟ هم -أي الصحابة الكرام رضي الله عنهم- أرضوا الله فأرضاهم، إلى أن سُئل هو عن رضاهم، وهي أعلى المنازل، جعلنا الله وإياكم من أهلها. لكن هذا الرضا كما قال الله عز وجل لأهل الخشية، لذلك قال: ﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾، أي هذا الجزاء: جنات عدن والخلود فيها، حاصل لمن خشي الله واتقاه حق تقواه وعبده كأنه يراه، وقد عُلم أنه لم يره فإنه يراه، وهو من مقامات الإحسان. إذاً الخشية بالغيب والشهادة هي سبب رضوان الله جل جلاله.
وفي هذه الآيات التي سمعتم أيها الإخوة أيها الأخوات فوائد جمة كثيرة جدًا. أول فائدة متعلقة بقوله تعالى: ﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾، هم خير خلق الله عز وجل على الإطلاق، وهم الطبقات التي بينها الله كثيرًا: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]. وهذا أيضًا من تفسير القرآن بالقرآن في بيان أهل الخشية الذين يحبهم الله جل جلاله. فأعلى هذه الطبقات النبوة، ثم الصديقية، وعلى رأس الصديقين أبو بكر رضي الله عنه. ومن الصديقين مريم ابنة عمران وغيرها من الصالحين، وهو أفضل هذه الأمة -أي أبي بكر رضي الله عنه- بعد نبيها صلى الله عليه وسلم بالإجماع، ولا شك في ذلك.
فإن الله عز وجل قال: ﴿أَلَا تَنصُرُونَهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: 40]. الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثاني اثنين أي محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، إذ يقول لصاحبه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]. وكثير من الآيات أشارت إلى أبي بكر الصديق، فهو الوحيد الذي هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد بلغ عمر رضي الله عنه أن أناساً في خلافة عمر كانوا يفضلون عمر على أبي بكر رضي الله عنه، فجمع الصحابة رضي الله عنهم فقال: «ما لي أراكم تفضلون عمر على أبي بكر؟ تفضلون عمر على أبي بكر؟ والذي نفسي بيده، لليلة من ليالي أبي بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تزن عمر والأمة». إنه هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يسبقه تارة ويعقبه تارة، فيسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لماذا تصنع هذا يا أبا بكر؟»، قال: «أتذكر الرصد فأكون أمامك أرصد، ولا ترصد يا رسول الله، وأتذكر الغيلة فأكون وراءك، فأُغتال من ورائك، ولا تُغتال يا رسول الله». فأي حب وأي صديقية وأي صدق كان يفعل أبو بكر رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم!
ثم بعد درجة الصديقين درجة الشهداء، ثم درجة الصالحين، وكلاهما -وكل هذه الطبقات- محمودة، كلها طبقات محمودة، جعلنا الله وإياكم في أعلى مراتبها. ثم من فوائد الآيات استحقاق الكفار من أهل الكتاب والمشركين لوصف شر البرية كما وصف أهل الإيمان والعمل الصالح بخير البرية. وصف هنا الكفار من أهل الكتاب والكفار من المشركين بأنهم شر البرية لأنهم ضلوا بعد تلبسهم بأسباب الهدى.
وروي أن مسروقًا أدى دينًا ثقيلاً، وكان على أخيه خيثمة دين، فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم.
ذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم أنه الإيثار، أعلى منازل الكرم والسخاء، وأسمى مراتب البذل والعطاء. هو خلق يبعث على المودة والرحمة، ويدل على الصفاء والنقاء، امتدح الله به أصحاب نبيه ﷺ من الأنصار فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
للإيثار فوائد عظيمة وثمار جليلة؛ منها: انتشار التعاون والتعاضد بين المسلمين، جلب البركة ونماء الخير، وتحقيق الكفاية المادية في المجتمع، كمال الإيمان وحسن الإسلام، الوصول إلى محبة الله ورضوانه، حصول الألفة والمحبة بين الناس، والبعد عن صفات الشح والأثرة.
ترى من علامات الرحمة التي توجب لصاحبها الجنة، وتُعتق به من النار؛ فهنيئًا لمن تزين بهذا الخلق الكريم وأصبح ممن قال الله فيهم: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
حياكم الله من جديد، وصلنا معكم إلى استحقاق الكفار من أهل الكتاب والمشركين لوصف شر البرية، كما وصف أهل الإيمان والعمل الصالح بخير البرية. وصفوا هؤلاء بشر البرية لأنهم ضلوا بعد تلبسهم بأسباب الهدى؛ فأما أهل الكتاب فإن لديهم كتابًا فيه هدى ونور فعدلوا عنه إلى عبادة الصليب ونحوه، لذلك ضلوا. وأما المشركون فلأنهم كانوا على الحنيفية السمحة ملة إبراهيم، كما كان ورقة بن نوفل وقس بن ساعدة وغيرهم، فدخلوا فيها عبادة غير الله جل جلاله.
يا أيها الإخوة، يا أيتها الأخوات، إن أكمل نعيم على الإطلاق أن الله تعالى يرضى عن عباده المؤمنين فيحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبدًا، وينظرون إلى الله تبارك وتعالى بأعينهم كما يرون القمر ليلة البدر، وهذا أكمل نعيم أهل الجنة، كما قال النبي ﷺ: «لترون الله كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون»، وقيل: لا تضامون في رؤيته. جعلنا الله وإياكم من أهل رؤية النعيم.
ثم إن رضا الله في هذه الصورة ينقسم إلى قسمين: رضا بالله، ورضا عن الله. الرضا بالله أن ترضى به ربًا ومدبرًا ومنعمًا، وأما الرضا عنه أن ترضى بما أنعم الله عليك، وترضى عنه فيما يقدر ويقضي لك. هذا بإجمال حديثنا عن هذه الصورة حيث تكلمنا عن معانيها بإجمال وذكرنا بعض فوائدها، ولا أريد أن أختصر عليكم أو أكتم بعض الفوائد التي جمعتها في تفسير هذه السورة، وهي من أجمل الفوائد.
قوله تعالى: ﴿شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أي شر الخليقة. قال بعض العلماء إن هذا يحتمل أن يكون على التعميم، وقال قوم: أي هم شر البرية الذين كانوا في عصر النبي ﷺ. التعميم يقتضي أن كل من كفر وكذب بالله وكذب برسله فهو داخل في هذا الوصف. وأما التخصيص فقيل: إن المقصود بهم الذين كانوا في عصر النبي ﷺ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي على عالم زمانكم، ولا يبعد أن يكون هذا في كفار الأمم قبل هذا وهو شر منهم، مثل فرعون وعاقر ناقة صالح.
أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾، فكذلك خير البرية إما على التعميم أو خير برية عصرهم. وقال أبو هريرة رضي الله عنه فائدة جميلة: «المؤمن أكرم على الله عز وجل من بعض الملائكة الذين عنده»، ثم قال جل جلاله: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8].
أما جزاؤهم فالمراد به ثوابهم. قوله تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ أي ثوابهم، ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي خالقهم ومالكهم، ﴿جَنَّاتُ﴾ أي بساتين، ﴿عَدْنٍ﴾ إقامة، والمفسرون يقولون: جنات عدن بطنان الجنة، ومعنى بطنان الجنة أي وسطها، تقول عدن أقام، وتقول عدنا أقام، ومعدن الشيء مركزه ومستقره، كما روي عن ورقة بن نوفل في الجنة أي في وسطها. ثم قال تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أبدًا، أي لا يطعنون ولا يموتون أبدًا إلى أبد الآبدين. ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، أي رضوا هم بثوابه عز وجل، ﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ فتناهى عن المعاصي.
فلننظر أيها الإخوة في هذه السورة كيف ابتدأها الله عز وجل: وصف حال المشركين وحال الكفار من أهل الكتاب والكفار من المشركين، وصف مصيرهم ومستقرهم، ثم وصف أهل النعيم، ووصف أهل الكفر بأنهم شر البرية، ووصف أهل الإيمان بأنهم خير البرية، ثم ذكر جزاء كل فرقة: ﴿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ -أجارنا الله وإياكم منها-، ﴿وَأُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ وَمَقَامُهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ثم ذكر الله عز وجل حال الرضا المتبادل بين أولئك الصالحين وبين الله جل جلاله، وهي منزلة عظيمة.
وكنا قد ذكرنا لكم في الدرس السابق كما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن النبي ﷺ قال لأبي بن كعب: «يا أبي بن كعب، إن الله يقرئك السلام»، قال: أبي، الله يقرئني السلام؟ قال: «نعم، إن الله يقرؤك السلام، يسلم عليك وأمرني بأن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ...﴾» إلى آخر السورة. أبي بن كعب رضي الله عنه ينطبق عليه الصدق والصحبة التي كانت في زمان النبي ﷺ، وهكذا سائر الصحابة.
فإن ابن حزم الظاهري يقول: آيتان في كتاب الله دلتا على أن الصحابة بجموعهم من أهل الجنة؛ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101]، قال: أولئك أصحاب محمد ﷺ أبعدوا عن النار. والثانية قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُمْ مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ﴾ [الحديد: 10]. فالصحابة كما قال ابن حزم أجمعهم من أهل الجنة، أبعدوا عن النار، وحكم الله لهم بالجنان سواء من كان قبل الفتح أو كان بعد الفتح، وهي منزلة عظيمة.
وعلمنا القرآن وعلمنا رسول الله ﷺ حب الصحابة وحب آل البيت منهم، وحبهم بجموعهم رضي الله عنهم وأرضاهم؛ لا ننتقص منهم أحدًا ولا نذم منهم أحدًا، فهم كما قال النبي ﷺ: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». وقال ﷺ: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».
لذلك يا أيها الإخوة للصحابة منزلة عظيمة، نزل القرآن على ألسنتهم غضًا طريًا، رأوا رسول الله ﷺ بأعينهم، استمعوا إلى الوحي سمعوه مباشرة، تلقوه وألقوه، تعلموه وعلموه، كما قال رسول الله ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وفي حديث عمر رضي الله عنه قال: «إن الله ليرفع في هذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين». جعل الصحابة رضي الله عنهم القرآن أمامهم، فكانوا كما قال عروة حين سأل عائشة.
رضي الله عنها صفت لنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا أماه، قالت: كان أحدهم قرآناً يسير على الأرض؛ قصص القرآن، أحكام القرآن، مواعظ القرآن، زواجر القرآن، كل ما في القرآن يسير في حياة الصحابة رضي الله عنهم.
وقال بعض العلماء، عبد البر وغيره: كما اصطفى الله محمداً صلى الله عليه وسلم اصطفى له أصحابه، فاصطفى له أبا بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وكذلك اصطفى له زوجاته، فاصطفى خديجة في أول الدعوة لتسليه وتسريه وتصبره، واصطفى له عائشة في الدعوة حتى تحفظ علمه وتنشره. رزقنا الله وإياكم محبة الأنبياء ومحبة أصحابهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
ونستكمل بإذن الله بعد الفاصل: «لأن يأخذ أحدكم حطبه، ثم يأتي الجبل، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». توجيه نبوي لعلاج أخطر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في واقعنا المعاصر وهي البطالة.
وترجع أسبابها إلى احتقار بعض المهن أو رفضها بحجة عدم المناسبة، واعتماد بعض الشباب على الوالدين، والمعدلات المنخفضة للنمو الاقتصادي، والتقدم التكنولوجي والاستغناء عن العمالة، وضعف نظم التعليم والتدريب. وتكمن خطورة تلك الظاهرة في آثارها، التي منها الإصابة بالإحباط وعدم الثقة مما يولد اكتئاباً وقلقاً وشعوراً بالفشل، والتوجه للجريمة والانحراف كالمخدرات والسرقة والتطرف، وإهدار الطاقات الإنتاجية، والفراغ القاتل الذي يؤدي إلى عواقب لا تحمد نتائجها.
ويتوقف علاج تلك الظاهرة على تنشئة الشباب على حب العمل، وإيجابية تقديم القدوات الجادة الناجحة، وتوفير فرص العمل المناسبة، وتقديم الدورات التدريبية المؤهلة للمشاركة في سوق العمل، والإقراض الحسن للمشاريع الصغيرة والأعمال الفردية، وإنذار المعسرين منهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده»، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من يده.
حياكم الله مجدداً. يجدر بنا في المقطع الأخير من تفسير هذه السورة أن نتعرض لبيان ما أعد الله للمؤمنين في الجنة؛ لأن الله عز وجل تكلم عنها مصيراً ومآلاً ومستقراً لأهل الإيمان والعمل الصالح. جعلنا الله وإياكم منهم.
قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ * نَزْعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ ۖ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: 45-48]. وقال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: 68-71].
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا * لَّهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: 72-73]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان: 51-53]. وقال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ﴾ [الدخان: 54-56]. وقال تعالى: ﴿وَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ ۖ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الإنسان: 11]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين: 22-23]. ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 24-26]. ومزاجه من تسليم عينا يشرب بها المقربون.
أما الأحاديث فهي كثيرة؛ نأخذ منها حديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبولون، ولكن طعامهم ذلك جشاء، كرشح المسك، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: أعددت لعبادي ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، واقرأوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17]. وعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، وريحهم المسك، ومجامرهم الآلّة أي عود الطيب، أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعاً في السماء». وفي رواية للبخاري ومسلم: «أثوابهم فيها الذهب، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً».
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سأل موسى صلى الله عليه وسلم ربه: ما أهل الجنة منزلة؟ قال: «هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب، كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقول له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت يا رب. فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله. فيقول في الخامسة: رضيت يا رب. فيقول: لك هذا وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك. فيقول: رضيت يا رب. قال: فآلهم منزلاً؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر». جعلنا الله وإياكم منهم.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم آخر النار خروجاً منها وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة، رجل يخرج من النار حبواً، فيقول الله عز وجل: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى. فيقول الله عز وجل: اذهب فادخل الجنة، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله عز وجل له: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا. فيقول: أتسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك؟ قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه، فكان يقول: ذلك أدنى أهل الجنة منزلاً».
هذا أدناهم. وعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها في السماء ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً».
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن: «في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المظمر السريع مئة سنة ما يقطعها». وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما ترأون الكوكب الدري في السماء».
في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: «بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقاب قوس في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس أو تغرب». وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة سوقا يأتونها كل جمعة، تهب فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم، سيزدادون حسنا وجمالا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا، فيقول لهم أهلهم: والله لقد ازددتم حسنا وجمالا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا».
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة كما تتراءون الكوكب الدري في السماء». وعنه قال: شهدت من النبي صلى الله عليه وسلم مجلسا وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه فيها: «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17] إلى قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16].
وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي منادٍ: إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة لأن أولى له تمنى فيتمنى، فيقول له: هل تمنيت؟ فيقول: نعم، فيقول له: فإن لك ما تمنيت».
جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة. وبهذا ينتهي تفسير سورة البينة كاملة في حلقتين، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريد سهلا يأتيك ميسورا بأي مكان.
د. سلطان العتيبي