يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد.
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الهادي إلى الصراط المستقيم، وصلى الله وسلم على خير البرية ومنجي البشرية، خليل الرحمن وصفوة محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين. حياكم الله أعزائي المشاهدين والمشاهدات، حياكم الله طلاب وطالبات أكاديمية زاد المستوى الرابع، وهذه هي الحلقة السادسة، واليوم موعدنا مع سورة جديدة وهي سورة البينة، أو سورة «لم يكن» كما يسميها بعض المفسرين. هذه السورة مدنية، وقال الله عز وجل في مطلعها: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 1-5].
هذه السورة فيها حديث عظيم وبشارة عظيمة، يرويها الصحابي الذي قرأ عليه القرآن وهو أبي بن كعب، أبي المنذر رضي الله عنه وأرضاه. أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب رضي الله عنه: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ...﴾»، قال أبي: وأسمى لي يا رسول الله؟ قال: «نعم»، فبكى أبي. وفي مسند أحمد وصححه الأرنؤوط قيل لأبي: ففرحت بذلك؟ قال: وما يمنعني والله يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]. وهذا فضل كبير لأبي أن يقرئه الله سلامه الخاص من فوق سبع سماوات، ويسميه باسمه، ليأمر النبي ﷺ أن يقول: اقرأ لأبي بن كعب، ويقرأ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ...﴾. هي ميزة وخصيصة وحظوة كبيرة جدًا لأبي بن كعب رضي الله عنه، فهنيئًا له أن يرسل الله عز وجل له سلامه الخاص من فوق سبع سماوات، ويأمر نبيه وخليله ﷺ أن يقرأ عليه هذه السورة العظيمة.
هذه السورة أيها الإخوة ابتدأها الله عز وجل بقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾. أليس أهل الكتاب الكفار يشركون مع الله غيره؟ بلى، فأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وهم طائفتان دعوا لله ولدًا، وسنذكر لكم التفصيل فيما يستقبل بإذن الله. لماذا فرق الله هنا بين أهل الكتاب والمشركين؟ قال بعض العلماء: فرق الله لأن أهل الكتاب عندهم كتاب فهم أحرى بأن يوحدوا الله ولكنهم مع ذلك ادعوا لله ولدًا، والمشركون هم عبدة الأوثان ليس لهم كتاب، سواء كانوا من العرب أو من العجم.
﴿مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، وهذا معنى يغفل عنه كثير من الناس؛ والمراد هنا بمنفكين أي: منتهين مائلين عن كفرهم. متى ينفكوا؟ ومتى يتركوا هذا الكفر؟ لا يتركوه حتى يأتيهم الحق من ربهم والبينة، وكل ما يبين به الحق فهو القرآن، وهو محمد ﷺ. فالقرآن بين الحق، ومحمد ﷺ بين الحق.
﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾، أي محمد ﷺ وما يتلوه من القرآن العظيم، وهو مكتوب في صحف مطهرة من الشرك والنفاق والكذب والشبهات، كقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: 13-14]. وهذا أيضًا من تفسير القرآن بالقرآن كما مر بنا. ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي مكتوبات قيمة، والمراد بالكتب هنا المكتوبات من الآيات والأحكام، فهي آيات وأحكام عادلة مستقيمة لا خطأ فيها.
ثم قال الله جل جلاله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، أي أن أهل الكتب المنزلة على الأمم قبلنا بعدما أقام الله عليهم الحجج والبينات تفرقوا واختلفوا، فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 105].
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، أي مخلصين لله لا يشركون به شيئًا، مائلين عن كل دين سوى الإسلام، فما كان أمر الله لهم إلا أن يوحدوه سبحانه بالعبادة دون غيره من المعبودات والآلهة. ثم يتبع هذا التوحيد بموجبه، وهو الالتزام العملي بشرائع الإسلام؛ فقال تعالى: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، إذ التوحيد أولاً ثم إقامة الصلاة، وهو ترتيب أركان الإسلام المعروف، وهي أشرف وأجل أركان الإسلام بعد التوحيد، سيقيمونها في أوقاتها وعلى أحسن أحوالها وهيئاتها بالمحافظة على أركانها وواجباتها وسننها، بعد شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ.
ثم قال تعالى: ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ وهي الصدقة التي أوجبها الله على عباده الأغنياء لعباده الفقراء، فيؤتونها أهلها ومن وجبت له إذاً، وهذا أيضًا أحد أركان الإسلام والركن الثالث. ﴿وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي أن ذلك الفعل هو الملة المستقيمة والأمة القيمة، وقرأ في قراءة: «وذلك الدين القيم» أي شديد الاستقامة.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾. قال بعض العلماء ومنهم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ذكر الله هنا شرطي قبول العمل، وهما المتابعة والإخلاص؛ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، ﴿حُنَفَاءَ﴾ أي متبعين الملة الحنيفية، فلا يصح عمل إلا بشرطي قبوله.
نكمل بإذن الله بعد هذا الفاصل. العلم كالازهار في البستان، والزينة في حياة المرأة حاجة فطرية جبلت عليها، وقد تكون مولعة بها، والإسلام لا يقاوم هذه الرغبة الفطرية ولكنه ينظمها ويضبطها؛ ومن ذلك نهيه المرأة عن التزين بالوشم أو الوصل أو النمص أو فلج الأسنان. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعنت الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة من غير داء».
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «والمتفلجات للحسن». والوصل: أن يوصل شعر المرأة بشعر آخر، ويدخل في الباروكة والرموش والأظافر الصناعية؛ لأنها في معنى الوصل. والنمص: هو الأخذ من شعر الحاجبين بالنتف، كان ذلك بالحلق أو غيرهما، وأما الشعر الذي بين الحاجبين فلا بأس بإزالته. والوشم: هو غرز إبرة أو نحوها في أي موضع من البدن حتى يسيل الدم، ثم يحشى ذلك الموضع بالكحل أو غيره فيخضر، وتجب إزالة الوشم إلا أن خاف منه تلفًا أو ضررًا. والفلج: تباعد ما بين الأسنان الثنايا والرباعيات إظهارًا لصغر العمر وحسن الأسنان، والحرام من ذلك كله ما فعل طلبًا بالحسن وزيادته، أما ما كان منه للعلاج أو إزالة عيب، كإزالة الكلف وحبة الخال ونحوه، فلا بأس به ولا يحرم.
التغيير الذي لا يبقى كالحناء والكحل؛ فليس هذا من التغيير الممنوع. قال تعالى: ﴿فَخُذُوا مَا آتَيَاكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ [التغابن: 16]. حياكم الله ومرحبا بكم.
سأتكلم الآن في هذا المقطع بإذن الله شيئًا من التفصيل الذي سمعتم إجماله قبل الفاصل. هذه السورة كما قلت لكم تسمى سورة البينة، وتسمى سورة «لم يكن»، وهي مدنية كما في قول ابن عباس والجمهور، وهي تسع آيات.
طبعًا ذُكرت أحاديث كثيرة في فضلها، بعضها ليس بصحيح، ولكن الحديث الصحيح الذي مر بنا هو حديث أبي بن كعب رضي الله عنه في البخاري ومسلم؛ أن النبي ﷺ جاء لأبي بن كعب فقال: «يا أُبيَّ، إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾»، فقال أبي: وأسماني باسمي؟ قال: «وسماك باسمك»، فاستعبر أبي وبكى رضي الله عنه وأرضاه.
قال الإمام القرطبي بعد هذا الحديث وفيه من الفقه قراءة العالم على المتعلم: النبي ﷺ والعالم، والمتعلم هو أبي بن كعب. وقال بعضهم: قرأ النبي ﷺ على أبي ليعلم الناس التواضع؛ لئلا يأنف أحد من التعلم والقراءة على من دونه في المنزلة. وقيل: لأن أُبيًا كان أسرع أخذًا لألفاظ رسول الله ﷺ، فأراد بقراءته عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه ويعلم غيره، كما في قوله ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وفيه فضيلة عظيمة لأبي إذ أمر الله رسوله ﷺ أن يقرأ عليه.
هذا الحديث هو عن فضائل هذه السورة وعن حولها. أما قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾؛ فمن أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى، والمشركين في موضع جر عطف على أهل الكتاب. قال ابن عباس: أهل الكتاب هم اليهود الذين كانوا بيثرب وهم قريظة والنضير وبنو قينقاع، والمشركون الذين كانوا بمكة وحولها والمدينة، والذين حولها وهم مشركون قريش.
﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أي لم يكونوا منتهين عن كفرهم مائلين عنه حتى تأتيهم البينة، أي أتتهم البينة أي محمد ﷺ. والانتهاء بلوغ الغاية، أي لم يكونوا ليبلغوا نهاية أعمارهم فيموتوا حتى تأتيهم البينة، فالانفكاك على هذا بمعنى الانتهاء. وقيل: «منفكين» أي زائلين، أي لم تكن مدتهم لتزول حتى يأتيهم رسول. والعرب تقول: فككت أفعل كذا أي ما زلت، ومن فك فلان قائمًا أي ما زال قائمًا، وأصل الفك كالفتح ومنه فك الكتاب وفك الخيط وغير ذلك.
وقيل «منفكين» أي بارحين، أي لم يكونوا ليبرحوا ويفرقوا الدنيا حتى تأتيهم البينة. وقال ابن كيسان: أي لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد ﷺ في كتابهم حتى بعث، فلما بعث حسدوه وجحدوه، وهو كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن. ولهذا قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
وعلى هذا، كقوله: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ أي ما كانوا يسيئون القول في محمد ﷺ حتى بعث، فإنهم كانوا يسمونه الأمين والصادق الأمين، حتى أتتهم البينة على لسانه ﷺ وبعث إليهم، فحينئذ عادوه. وقيل المعنى: لم يكونوا معذبين ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
وقال قوم في المشركين إنهم من أهل الكتاب؛ فمن اليهود من قال عزير ابن الله، ومن النصارى من قال عيسى هو الله، ومنهم من قال هو ابن الله، ومنهم من قال ثالث ثلاثة. وقيل أهل الكتاب كانوا مؤمنين ثم كفروا بعد أنبيائهم، والمشركون ولدوا على الفطرة أصلًا كما في حديث: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه»، فكفروا حين بلغوا؛ فلهذا قال: ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾. وقيل المشركون وصف لأهل الكتاب أيضًا؛ لأنهم لم ينتفعوا بكتابهم وتركوا التوحيد؛ النصارى مثلثة، واليهود وعامة اليهود مشبهة، والكل شرك، سواء دين النصارى المحرف أو دين اليهود المحرف، فهو يلتقي في النهاية مع دين المشركين في إشراكهم بالله جل جلاله.
وقال سبحانه وتعالى: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾؛ المراد بالتلاوة هنا القراءة، يقال: فلان يتلو تلاوة. والصحف جمع صحيفة، وهي ظرف المكتوب فيه. «مطهرة» قال ابن عباس: مطهرة من الزور والشك والنفاق والضلالة، وقال قتادة: من الباطل، وقيل: من الكذب والشبهات والكفر، وكل هذه المعاني متقاربة فمعناها واحدة، أي أنها مطهرة من كل ما يكتب في هذه الصحف من المكتوب. ويدل على أنه كان يتلو عن ظهر قلبه لا عن كتاب؛ لأنه كان أميًا، يا أيها الأمي، حسبك رتبة في العلم أن دانت بك العلماء ﷺ لا يكتب ولا يقرأ.
و«مطهرة» من نعت الصحف، وهو كقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: 13-14]؛ فالمطهرة نعت للصحف في الظاهر، وهي نعت لما في الصحف من القرآن. وقيل: مطهرة حسب ما تقدم، وقيل ينبغي ألا يمسها إلا المطهرون، كما قال في سورة: ﴿فِي صُحُفٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾ هي التي عند الله في أم الكتاب الذي منه نسخ ما أنزل على الأنبياء من الكتب، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: 21-22]. قال الحسن: يعني الصحف المطهرة في السماء.
وقوله تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي مستقيمة مستوية محكمة؛ من قول العرب قام يقوم إذا استوى وصح. وقال بعض أهل العلم: الصحف هي الكتب، فكيف قال: «في صحف فيها كتب»؟ الجواب أن الكتب هنا بمعنى الأحكام؛ أي قال عز وجل كما قال عز وجل: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ أي حكم، وقال ﷺ: «والله لأقضين بينكما بكتاب الله»، ثم قضى بالرجم وليس ذكر الرجم مسطورًا في الكتاب، فالمعنى: لأقضين بينكما بحكم الله. وقيل الكتب القيمة هي القرآن، فجعله كتبًا لأنه يشتمل على أنواع من البيان، إذ فيها كتب أي أحكام وبيان، وعبادات قيمة أي مستقيمة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي إن هؤلاء ما تفرقوا إلا بعد أن جاءتهم البينة. قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أي اليهود والنصارى؛ خص أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم، وهذه الفائدة التي وعدتكم بها. لماذا أهل الكتاب خصهم دون غيرهم وإن كانوا مجموعين مع الكافرين؟ لأنهم مظنون بهم علم، فإذا تفرقوا كان غيرهم مما لا كتاب له أدخل في هذا الوصف. هم أهل للإيمان أولًا والتوحيد لأنهم أصلاً عندهم كتاب، ولأن النبي ﷺ وصفه وأوصافه وأخباره موجودة في كتبهم قبل التحريف، وحتى بعد التحريف موجود ذكره ﷺ ولكن جحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.
والمعنى به محمد ﷺ. أي القرآن موافق لما في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته، وذلك أنهم كانوا مجتمعين على نبوته، فلما بعث جحدوا نبوته وتفرقوا، فمنهم من كفر بغيًا وحسدًا، ومنهم من آمن؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ عِلْمٌ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: 213]. وقيل البينة: البيان الذي في كتبهم أنه نبي مرسل.
قال العلماء: من أول السورة إلى قوله «قيمة» حكمه فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين، وقوله «وما تفرق» حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحجج.
ونستكمل بإذن الله بعد الفاصل: يأخذ بيدك ليرقى بك إلى أعلى المنازل، يقف معك وينافح عنك وقت الضيق والكرب، إنه القرآن. ففي الحديث يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: «اقرأ واصعد»، فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه. وحين تأتي أهوال يوم القيامة وشدائده، لا يتخلى القرآن عن أصحابه؛ يقول عليه الصلاة والسلام: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه».
بل إن القرآن ينفع صاحبه بكل حرف منه، إن القرآن يرفعك وينفعك في الدنيا والآخرة. وفي الحديث: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها». لذلك استحق صاحب القرآن أن يُغبط عليه، قال النبي ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار». فكن مع هذا الصاحب الوفي وعش في رحابه، فأنت في صفقة رابحة وتجارة لن تبور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].
بشرى لنا، حياكم الله أيها الإخوة أيها الأخوات. وصلنا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].
وفي هذه الآية ثلاث مسائل جدير بنا أن نستذكرها؛ الأولى قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾، أي وما أمر هؤلاء المشركين، هؤلاء الكفار، التوراة والإنجيل إلا ليعبدوا الله، أي ليوحدوه. واللام في «ليعبدوا» بمعنى كقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي أن يبين، و﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ أي أن يطفئوا، فهنا «وما أمروا إلا ليعبدوا» أي أن يعبدوا، وهكذا كقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي العبادة، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾. وذكرت لكم أن الإخلاص هو أحد شروط قبول العمل بالإضافة إلى المتابعة، وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات؛ فإن الإخلاص من عمل القلب وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره، إذ لا بد من شرطين في قبول العمل: الإخلاص وهذا الحديث عنه، والمتابعة سنتكلم عنها.
فهو في قوله تعالى: «حنفاء»، والأحنف معناه في اللغة المائل؛ والأجنف المائل للخارج، والأحنف المائل للداخل. ووصفت شريعة إبراهيم وشريعتنا بالحنيفية، أي مائلة عن الباطل إلى الحق، فالمعنى أي مائلة عن سائر الأديان إلى دين الإسلام. وكان ابن عباس يقول: «حنفاء على دين إبراهيم عليه السلام». وقيل الحنيف من معانيه يعني من اختتن وحج، قاله سعيد بن جبير. قال أهل اللغة: وأصله أنه تحنّف إلى الإسلام أي مال إليه.
أما المسألة الثالثة: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي بحدودها في أوقاتها، ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي يعطوها عند محلها، «وذلك دين القيمة»، أي ذلك الدين الذي أمروا به هو دين القيمة، أي الدين المستقيم. وقال الزجاج: أي ذلك دين الملة المستقيمة. و«القيمة» نعت لموصوف محذوف، أو يقال دين الأمة القائمة بالحق. قال الخليل: القيمة جمع القيم، والقيم والقائم واحد. وقال الفراء في معاني القرآن: أضاف الدين إلى القيمة وهو نعته باختلاف اللفظين، وعنه أيضًا هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح والمبالغة. وقيل الهاء راجعة إلى الملة أو الشريعة. وقال محمد بن الأشعث الطلقاني: القيمة ها هنا الكتب التي جرى ذكرها، والدين مضاف إليها.
وبالمناسبة، من أراد مثل هذه اللطائف والدقائق في معاني القرآن، فهناك عدة كتب مطبوعة موجودة؛ كتاب معاني القرآن هو إعرابي للزجاج، وكتاب معاني القرآن للفراء، وكتاب معاني القرآن للأخفش، وكتاب معاني القرآن للنحاس، وبفضل الله كل هذه الكتب موجودة ومطبوعة ومحققة، ففيها لطائف وفيها إضافات وفيها زوائد لا يتسع المقام لذكرها.
لكن الذي أريد أيضًا أن نبينه في ختام الحلقة: لماذا لا يؤمن اليهود والنصارى بمحمد ﷺ مع أن اسمه وصفته وسيرته وأخلاقه ﷺ موجودة في التوراة والإنجيل قبل التحريف، وحتى الآن بعد التحريف؟ القضية قضية الحسد؛ ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]. وهو الحسد فقط لأن النبي محمد ﷺ جاء من سلالة العرب ليس من بني إسرائيل، والأمثلة في ذلك كثيرة.
ففي قصة إسلام عبد الله بن سلام -وقيل عبد الله بن سلام- قال: لما بلغني أنه هاجر إلى المدينة ﷺ ذهبت لأنظر في وجهه، فحين رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. فكان أول ما سمع منه: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». فجاء عبد الله بن سلام وآمن مباشرة وهو حبر اليهود الأعظم.
آمن فورًا، وكما تعرفون في السيرة أن النبي ﷺ فرح أشد الفرح بإسلامه لأن عالمًا حبرًا كبيرًا قد أسلم، فطمع رسول الله ﷺ إسلام اليهود من بعده، فقال لعبد الله: «لتختبئ يا عبد الله خلف الستار، جاءت يهود يريدون أن يناظروه ويسمعوا ويتبينوا هل هو الموجود عندهم في التوراة؟». علموا أنه هو لكنه الحسد أنه ليس منهم.
فقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن سلام قبل ذلك: «ما رأيك يا عبد الله لو اختبأت خلف الستار وعلمت يهود بإسلامك؟». قال: يا رسول الله، اليهود قوم بهت لا يسلمون ولا يؤمنون. فلما اختبأ عبد الله بن سلام خلف الستار وجاء اليهود يناظرون ويسألون، قال لهم رسول الله ﷺ: «يا معشر يهود، ما عبد الله بن سلام فيكم؟». قالوا: خيرنا وابن خيرنا وحبرنا وابن حبرنا. قال: «ما رأيكم لو أسلم؟». قالوا: والله لا يسلم؛ هذا يعني الحبر الأعظم والتوراة عنده والعلوم عنده. فخرج عبد الله بن سلام من خلف الستار فقال: «يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون، وإني لأعلم أنه رسول الله، فإني أشهد أن لا إله إلا الله».
وإنه رسول الله ﷺ، فقالوا: يا محمد، بل هو شرنا، وابن شرنا، وحقيرنا، وابن حقيرنا. فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله، قد قلت لك إن اليهود قوم بهت.
وتروي صفية أم المؤمنين آمنة بنت حيي الخطابية، قالت: كنت جذعة حين هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان أبي وعمي وحيي بن أخطب أشد الناس حقدًا. فحين بلغهم أن رسول الله ﷺ جاء يثرب، أرسل أبي حيي بن أخطب فقالوا: انظر هل هو الموجود في التوراة؟ فذهب إليه ونظر في وجهه، ثم رجع إلى أخيه حيي بن أخطب فقال: يا حيي، هو هو. قال لأخيه: حيي، هو هو. قال: هو هو؟ قال: هو هو.
قال: ما أعددت له يا حيي؟ بدل أن يقول الإسلام والإيمان، قال: أعددت له الحرب والعداء حتى الموت. نعوذ بالله من الحسد، استشرى هذا المرض في يهود إلى اليوم، فما زالوا يحسدوننا على ديننا وإيماننا وقرآننا.
اللهم لك الحمد أن جعلتنا من أمة النبي الحبيب ﷺ. اللهم علمنا القرآن واجعلنا ممن يتعلم القرآن ويعلمه، اللهم زدنا بالقرآن رفعة وعلوًا وإيمانًا وحراسة وفضيلة. اللهم اجعل القرآن حجة لنا لا علينا.
وأسأل الله عز وجل في نهاية هذا المجلس، وهو الشطر الأول من البيانات التي سنستكملها بإذن الله في الحلقة القادمة، أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا المجلس مباركًا لنا وعلينا وعليكم وعلى المسلمين والمسلمات، وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بالعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
د. سلطان العتيبي