دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 8 - تفسير سورة الزلزلة

سلطان العتيبيد. سلطان العتيبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبًا في كل علم نافع؛ ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد صافي، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أعزائي المشاهدين والمشاهدات، طلاب وطالبات أكاديمية زاد، حياكم الله في حلقة جديدة وفي درس جديد بإذن الله. وكنا قد وصلنا وإياكم إلى تفسير سورة الزلزلة، وهي سورة مكية في الراجح.

ابتدأها الله عز وجل بقوله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 1-8].

ورد في شأن هذه السورة حديث أخرجه البخاري ومسلم، أن رسول الله ﷺ سئل عن زكاة الحمر، فقال: «ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره».

أما تفسيرها الإجمالي، فإن الله عز وجل حين قال: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ أي حركت الأرض حركة شديدة لقيام الساعة، والمراد ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1]، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن في معنى الزلزلة. والمراد بزلزالها أي الزلزال العظيم الذي لم يكن مثله قط، وأُلحق الزلزال هنا بالأرض: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ أي زلزال الأرض، وهو أعظم ما يمكن أن تتصور.

﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ أي موتاها وكنوزها وما في جوفها، فتلقيها على ظهرها؛ هذا معنى ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾. ﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ الإنسان يتعجب ويسأل، فيقول لأي شيء زلزلت وأخرجت أثقالها؟ فهو في حالة ذهول وعجب، وهذا سؤال تعجيب.

﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، قال: «أتدرون ما أخبارها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا هكذا يوم كذا وكذا».

﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾ أي أمرها بالكلام، وأذن لها أن تخبر بما عليها، أمرها بالكلام وأمرها أن تخبر بما عُمل عليها. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي في ذلك اليوم، يوم القيامة، ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ أي يرجع الناس عن موقف الحساب بعد العرض متفرقين أشتاتًا، والصدر هو الرجوع وضده الورود.

وهو كما ذكر في قصة عبد الله بن رواحة رضي الله عنه حين ودع النبي ﷺ جيش مؤتة، فبكى رضي الله عنه، فقال له بعض الصحابة: أتبكي فراق رسول الله ﷺ كما بكى غيره؟ قال: «أبكتني آية في كتاب الله»، قالوا: ما هي يرحمك الله؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 71-72]. فلست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود! فهذا معنى ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، فكان يخاف كيف يصدر رضي الله عنه من النار بعد ورودها، فأخذ ذات اليمين إلى الجنة.

هؤلاء الأشتات؛ أخذ ذات اليمين إلى الجنة، وأخذ ذات الشمال إلى النار، كقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾، وهذا أيضًا من تفسير القرآن بالقرآن، وكقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدَعُونَ﴾. ﴿لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ أي جزاء أعمالهم، والمعنى أنهم يرجعون عن الموقف فرقًا لينزلوا منازلهم من الجنة أو النار، هما محلان ما للمرء غيرهما، فاختر لنفسك أي الدارين تختار، جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة.

ثم قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ أي فمن يعمل مثقال وزن ذرة من خير يرى جزاءه وفي صحيفة أعماله، والذرة هي أصغر شيء ممكن أن تتخيله، وليست الذرة المقصود بها صغار النمل، وإن كان بعض الناس قد ذكره لكني سأتكلم عنها بالتفصيل إن شاء الله في معانيها فيما يستقبل بإذن الله.

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ أي ومن يعمل وزن ذرة من شر يرى جزاءه وفي صحيفة أعماله، وهذا كقوله تعالى: ﴿ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا﴾، وكقوله: ﴿وَيَجِدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يُظْلَمُ أَحَدٌ شَيْئًا﴾ [الكهف: 49]. قال ابن عباس رضي الله عنه: «ليس مؤمن ولا كافر عمل خيرًا أو شرًا في الدنيا إلا أراه الله إياه يوم القيامة». كل شيء عملناه، ولو مقدار ذرة من خير أو شر، سنراه، عسى الله أن يغفر لنا الشرور والسيئات والآثام، وأن يبقي لنا الحسنات العظام.

أما فوائد الآيات فذكر العلماء فوائد كثيرة. قال ابن مسعود رضي الله عنه -وهذه من أجل الفوائد وستأتي معنا مرة أخرى-: «أحكم آية في القرآن قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾». وثبت أن عمر رضي الله عنه وعائشة رضي الله عنها تصدقا بحبة عنب، وقال فيها مثاقيل كثيرة، أي لم يحتقروا حتى حبة العنب فيها مثاقيل كثيرة. وقال الربيع بن خثيم: مر رجل بالحسن وهو يقرأ هذه السورة، فلما بلغ آخرها قال: حسبي، قد انتهت الموعظة.

ومن الفوائد أنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، إذا أمر شيئًا بأمر فإنه لا بد أن يقع؛ يخاطب الله الجماد فيتكلم الجماد، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11]، وهنا قال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾.

ونستكمل بإذن الله بعد الفصل: فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة التاريخ؛ مخزن العبر ومعلم الأمم، فيه أخبار السابقين الأول، وأسباب التمكين وزوال الدول، من اعتبر بدروسه نجا، ومن تعامى عن حوادثه هوى. وقد عُني القرآن بذكر الكثير من القصص والتنويع في أحداثها لتوجيه الأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم، وشقاوتهم وسعادتهم؛ فلا شيء يهدي الإنسان كالمثلات والوقائع.

قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176]. ومن هنا ينجلي للعاقل أهمية العلم بالتاريخ وعلو شأنه؛ فإذا نظر الإنسان إلى أحوال الأمم السالفة وأسباب قوتهم وضعفهم، وعزهم وذلهم، حمله ذلك على حسن الأسوة والاقتداء بأسباب السعادة والتمكين، واجتناب ما كان من أسباب الشقاوة والهلاك والتدمير. وإن التحولات في أحوال الأمم من رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء، إنما هو من جراء أعمال العباد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

فمن فوائد وثمرات دراسة التاريخ: الإحاطة بالتطبيق العملي للإسلام، وذلك من خلال السيرة النبوية، والعلم بأن الأمة مكلفة بهدف عظيم، وهو عمارة الأرض بمنهج الله تعالى.

العلم بأعداء الأمة، والعلم بطبيعة الصراع بين الحق والباطل، وفهم الحاضر؛ لأن الحاضر جزء من الماضي، فمن لم يعتبر بماضيه لن ينتفع بحاضره. إدراك سنن الله تعالى في هذا الكون وأنها لا تحابي أحداً، قال تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَا تَجِدُ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].

حياكم الله من جديد يا أيها الإخوة، يا أيتها الأخوات. كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل الذي أعطوه، فيجيء المسكين إلى أبوابهم يستقلون أن يعطوه التمرة والكسرة والجوزة ونحو ذلك، فيردونه ويقولون: «ما هذا بشيء، إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه». وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير، كالكذبة والنظرة وأشباه ذلك، يقولون: «إنما وعد الله النار على الكبائر». فرغبهم الله تعالى في القليل من الخير أن يعملوه فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر فإنه يوشك أن يكثر.

وهذا مثال بعض الناس اليوم، لو كان معه ريال استقل أن يتصدق بالريال، يرى أن الصدقة لابد أن تكون خمسة أو عشرة ريالات وزيادة. وفي الحديث عن قلة الصدقة: «اتقوا النار ولو بشق تمرة». لذلك لا نستحقر قليل الصدقة؛ لأن الإنسان لو أعيد إلى الحياة الدنيا نتمنى أن يتصدق. لذلك قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: 9-10].

فذكر الله هنا الصدقة لعظمتها: «فأصدق»، واكن من الصالحين، ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها. لذلك يا أيها الإخوة، الصدقة من أعظم الأعمال، ورد في الحديث أيضاً أن البلاء لا يتخطى الصدقة؛ أي كأن الصدقة درع بينك وبين البلاء. والصدقة من موجبات حسن الختام وصرف سوء الختام، والمال بالمناسبة لا ينقص أبداً؛ المال لا ينقص بالصدقة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال»، وفي رواية: «ما نقص مال من صدقة بل تزيد». فهذه من أعظم الأعمال ومن أعظم الأجور.

أريد أيضاً فيما تبقى من الوقت أن أتكلم معكم بشيء من التفصيل والفوائد المختارة حول هذه السورة التي نتكلم عنها. ذكرنا لكم أنها مكية السور طبعاً، وهذا القول ينسب إلى ابن مسعود وعطاء وجابر. وآيات هذه السورة تسع آيات، روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لما نزلت ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ بكى أبو بكر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا أنكم تخطئون وتذنبون ويغفر الله لكم، لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون ويغفر الله لهم، إنه هو الغفور الرحيم».

العبرة ليست بوقوعنا في الخطأ، فالخطأ لا بد منه. من ذا الذي ما ساء قط؟ ومن له الحسنى فقط؟ غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. من عصمه الله، الخطأ لا بد منه، ولكن الفرق: من يواصل الخطأ ويستمر عليه، ومن يستغفر؛ وكلنا نخطئ، و«خير الخطائين التوابون» كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ أي حركت من أصلها، كذا روى عكرمة عن ابن عباس، وكان يقول: في النفخة الأولى يزلزلها، ما قاله مجاهد لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: 6-7]، ثم تزلزل ثانية فتخرج موتاها وهي الأثقال.

أما قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها. ومن أراد تفصيل هذا فأبو عبيدة له كتابه "مجاز القرآن" وهو مطبوع، موجود فيه مثل هذه المعاني. والأخفش له "معاني القرآن" تقريباً في ثلاث مجلدات وهو مطبوع أيضاً موجود. وقال ابن عباس ومجاهد: أثقالها موتاها تخرجهم في النفخة الثانية، ومنه قيل للجن والإنس الثقلان.

وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾، أي ابن آدم الكافر يستعجب ويسأل. وقيل أراد كل إنسان يشاهد ذلك عند قيام الساعة في النفخة الأولى من مؤمن وكافر، وهذا قول من جعلها في الدنيا من أشراط الساعة؛ لأنهم لا يعلمون جميعاً من أشراط الساعة في ابتداء أمرها حتى يتحققوا عموماً، فلذلك سأل بعضهم بعضاً عنها. وعلى قول من قال إن المراد بالإنسان هنا الكفار خاصة، جعلها زلزلة القيامة؛ لأن المؤمن معترف بها فهو لا يسأل عنها، والكافر جاحد لها، فلذلك سأل عنها: «ما لها؟» أي ما لها زلزلت؟ وهذا هو الاستفهام الذي ذكرناه لكم.

وقيل: «ما لها أخرجت أثقالها»، وهي كلمة تعجيب، أي لأي شيء زلزلت؟ ويجوز أن يحيي الله الموتى بعد وقوع النفخة الأولى، ثم تتحرك الأرض فتخرج الموتى، وقد رأوا الزلزلة وانشقاق الأرض عن الموتى أحياء، فيقولون من الهول: «ما لها؟» أي لأي شيء زلزلت الأرض؟

أما قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي تخبر الأرض بما عمل عليها من خير أو شر؛ أي يقول الإنسان: «ما لها تحدث أخبارها؟» متعجباً. وفي الترمذي حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، قال: «أتدرون ما أخبارها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل اليوم كذا وكذا وكذا وكذا»، وهذا الحديث حسن صحيح.

قال الماوردي في قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، فهذه أخبارها، قال: أخبارها فيها ثلاثة أقاويل؛ أحدها: تحدث أخبارها بأعمال العباد على ظهرها، وهذا قول أبي هريرة رضي الله عنه ورواه مرفوعاً، وهو قول من زعم أنها زلزلة القيامة. الثاني: تحدث أخبارها بما أخرجت من أثقالها، قاله يحيى بن سلام، وهو قول من زعم أنها زلزلة الساعة. الثالث: أنها تحدث بقيام الساعة إذا قال الإنسان: «ما لها»، وهذا قول ابن مسعود رضي الله عنه، فتخبر أن أمر الدنيا قد انقضى وأمر الآخرة قد أتى، سيكون ذلك منها جواباً لهم عند سؤالهم، ووعيداً للكافر، وإنذاراً للمؤمن.

قال الطبري: تبين أخبارها بالرجة والزلزلة وإخراج الموتى، يعني هذا معنى ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. وقال الطبري: معناه أي تبين أخبارها بالرجة والزلزلة وإخراج الموتى ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ أي أنها تُحدث أخبارها بوحي الله لها، أي إليها. وذكرت لكم أن كتاب أبي عبيدة يسمى "مجاز القرآن"، وقيل: «أوحى لها» أي أمرها، وهذا قول مجاهد. وقال سدي: «أوحى لها» أي قال لها، وقال سخرها. وقيل المعنى: يوم تكون الزلزلة وإخراج الأرض أثقالها، تحدث الأرض أخبارها ما كان عليها من الطاعات والمعاصي وما عمل على ظهرها من خير وشر، وروي ذلك عن الثوري وغيره.

أما قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾، كما مر معنا أي فرقاً.

قيل عن موقف الحساب فريق يأخذ جهة اليمين إلى الجنة كما مر بنا، وفريق آخر يأخذ جهة الشمال إلى النار، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾. وقيل: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدَعُونَ﴾، وقيل: ﴿يَرْجِعُونَ عَنِ الْحِسَابِ بَعْدَ فَرَغِهِم مِّنَ الْحِسَابِ أَشْتَاتًا﴾؛ أي فرقًا فرقًا، ليروا أعمالهم، أي ثواب أعمالهم.

هذا كما روي عن النبي ﷺ حين قال: «ما من أحد يوم القيامة إلا ويلوم نفسه، فإن كان محسناً فيقول: لما لم أزدد إحساناً، وإن كان غير ذلك يقول: لما نزعت عن المعاصي». وهذا عند معانيه الثواب والعقاب. وكان ابن عباس يقول: «أشتاتًا» متفرقين، أي على قدر أعمالهم؛ أهل الإيمان على حدة، وأهل كل دين على حدة. وقيل هذا الصدور إنما هو عند النشور.

ونستكمل بإذن الله بعد هذا الفاصل بشرى أكاديمية للعلم كالآزهار في البستان. العلم مراتب؛ فمنه فرض عين، وهو تعلم ما لا يتأتى الواجب إلا به كتعلم صفة الوضوء والصلاة. ومنه فرض كفاية، كعلوم الحديث. ومنه نفل كالتَّبحر في أصول الأدلة، فلا بد من التدرج فيه خطوة بخطوة؛ فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام.

ونراعي الأولويات في التعلم، فنبدأ بالعلوم الأصلية كالتفسير والفقه قبل علوم الآلة كمصطلح الحديث وأصول الفقه، ونبدأ بتعلم الفروض قبل النوافل. وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». وقد قيل: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور.

ونبدأ بالأسهل قبل الأصعب، وبالمختصرات قبل المطولات، قال تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾، والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. ونبدأ بتعلم ما تترتب عليه ثمرة قبل المسائل النظرية البحث، ونبدأ بالتعلم قبل التصدر للتعليم؛ فإن فاقد الشيء لا يعطيه. ونهتم بالفهم والتدبر ولا نقتصر على الحفظ والتلقين، فتدرج في طلب العلم حتى تكون من الراسخين. قال ﷺ: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».

حياكم الله من جديد، هذا هو المقطع الأخير في تفسير هذه السورة. كنا قد توقفنا وإياكم عند أقوال العلماء في الصدور والنشور؛ يُصدرون أشتاتاً من القبور فيصيرون بهم إلى موقف الحساب ليروا أعمالهم في كتبهم، أو ليروا جزاء أعمالهم، فكأنهم وردوا القبور فدفنوا فيها ثم صدروا عنها. والوارد الجاني، والصادر المنصرف. «أشتاتاً» أي يبعثون من أقطار الأرض. وعلى هذا القول، وعلى القول الأول فيه تقديم وتأخير مجازي، تُخبر أخبارها بأن ربك أوحى لها ليروا أعمالهم. وكل هذه المعاني أيها الإخوة تفيد أن الناس سيصدرون بأعمالهم، وسيرون ثواب أعمالهم؛ للمحسن إحسان، وللمسيء جزاء، جعلنا الله وإياكم من المحسنين.

وقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. كان ابن عباس يقول: من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيراً يره في الدنيا ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك. ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات ويتجاوز عنه، وإذا عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، وهذا مثل ضربه الله تعالى ويضاعف له في الآخرة. وفي بعض الحديث أنه لا يغفل من عمل ابن آدم صغيره ولا كبيره، وهو مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾. وهذا أيضاً من التفسير القرآني بالقرآن.

قال بعض العلماء: الذرة لا وزن لها، وقد تقدم الكلام معكم عن الذرة وأنه لا وزن لها، لكن ذكر بعضهم في اللغة أن الذرة هي أن يضرب الرجل بيده على الأرض فما علق بها من تراب فهو الذر. وكذا قال ابن عباس: إذا وضعت يدك على الأرض ورفعتها فكل واحد مما لزق من التراب ذرة، هذا من معانيه. وقال محمد بن كعب القرظي: من يعمل مثقال ذرة من خير من كافر يرى ثوابه في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وماله وولده وأهله حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر.

قال أبو إدريس: إن مصداقه في كتاب الله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾. وقال مقاتل: نزلت في رجلين؛ وذلك أنه لما نزل ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾، كان أحدهم يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوز كما ذكرنا، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير كالكذبة والغيبة والنظرة ويقول إنما أوعد الله النار على الكبائر، فنزلت ترغبهم في القليل من الخير أن يعطوه فإنه يوشك أن يكثر، وتحذرهم اليسير من الذنب فإنه يوشك أن يكثر.

وقال سعيد بن جبير: أو يكثر، والإثم الصغير في عين صاحبه يوم القيامة أعظم من الجبال، وجميع محاسنه أقل في عينيه من كل شيء. رأيت الذنوب كما يقول عبد الله بن المبارك في كتاب "الزهد": رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها الذنوب صغيرها وكبيرها ... ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال ... من الحصى

فهذه من فوائد الفوائد المذكورة في هذا التفسير. قال ابن مسعود كما مر بنا: هذه أحكم آية في القرآن وصدقت، وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية، القائلون بالعموم ومن لم يقل به. وروى كعب الأحبار أنه قال: لقد أنزل الله على محمد ﷺ آيتين إحداهما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.

قال الشيخ أبو مدين في قوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾: قال في الحال قبل المآل. وكان النبي ﷺ يسمي هذه الآية الجامعة كما ذكرنا لكم في البخاري ومسلم، وهو كما في الصحيح لما سئل عن الحمر وسكت عن البغال والجواب فيهما واحد؛ لأن البغال والحمر لا فرق فيها. فلما ذكر النبي ﷺ ما في الخيل من الأجر الدائم والثواب المستمر سأل السائل عن الحمر لأنهم لم يكن عندهم يومئذ بغل، ولا دخل الحجاز منها إلا بغلة النبي ﷺ التي أهداها له المقوقس، فأفتاه في الحمير بعموم الآية، وأن في الحمار مثاقيل يذره كثير، قاله ابن العربي.

وفي الموطأ أن مسكيناً استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنب، فقالت لإنسان: خذ حبة فأعطه إياها، فجعله ينظر إليها ويتعجب، فقالت: أتعجب؟ كم ترى في هذه الحبة من مثاقيل ذرة؟

من مثقال ذرة. وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه تصدق بتمرتين، فقبض السائل يده، فقال للسائل: «ويقبل الله منا مثاقيل الذر في التمرتين؟»؛ مثاقيل ذر كثيرة.

وروي أن المطلب بن حنطب أن أعرابياً سمع النبي ﷺ يقرأها، فقال الأعرابي: «وا سوءتاه!» مراراً، ثم قام وهو يقول: «يا رسول الله، أمثقال ذرة؟»، قال: لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان.

وقال الحسن: قدم صعصعة، عم الفرزدق، على النبي ﷺ، فلما سمع ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ الآيات، قال: «لا أبالي، لا أسمع من القرآن غيرها، حسبي»؛ أي حسبي هذه الآية؛ جامعة فاذة، جامعة مانعة. فقد تذكر الثعلبي ولفظ الماوردي، وروي أن صعصعة بن ناجية جد الفرزدق أتى النبي ﷺ يستقرئه فقرأ عليه هذه الآية، فقال صعصعة: «حسبي حسبي! إن عملت مثقال ذرة شراً رأيته».

وروى معمر عن زيد بن أسلم أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: «علمني مما علمك الله»، فدفعه إلى رجل يعلمه، فعلمه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.

كان ابن عباس رضي الله عنه يقول: من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيراً يره في الدنيا ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه في الدنيا مع عقاب الشرك كما ذكرنا لكم قبل قليل. ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات ويتجاوز عنه.

أسأل الله عز وجل أن يتجاوز عنا وعنكم. هذا ما استطعت أن أجمعه وأن أهذبه وأن أبينه لكم في تفسير سورة الزلزلة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * إِنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد. يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد...