يا غاص في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد ومكارم الأخلاق ندرسها معًا؛ أدب وتربية على الإحسان، بشرى لنا زدنا كاذبين.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في هذه الحلقة من حلقات أكاديمية زاد، وفي مادة التربية ومقرر أمراض القلوب، في هذه الحلقة سنأخذ مرضًا خطيرًا يعتري بعض القلوب، وهذا المرض إذا حل بالإنسان أفسد عليه دينه ودنياه، عياذًا بالله من ذلك.
وأعني بذلك مرض الكبر؛ الكبر الذي يعتري بعض القلوب ويستوطن بعض النفوس، فيصبح الإنسان يترفع على الآخرين وينازع الله عز وجل في صفة من صفاته، وهذه هي مصيبة الكبر، الكبر العظمى والكبرى. إن الإنسان المتكبر هو ينازع الله عز وجل في اسم من أسمائه وفي صفة من صفاته، فالله عز وجل هو المتكبر وله الكبرياء، وهذا ورد اسم المتكبر من أسماء الله عز وجل في آية واحدة من كتاب ربنا، وهي التي في سورة الحشر التي فيها مجموعة من أسماء الله عز وجل وصفاته، في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: 23]. فالله عز وجل هو المتكبر وله الكبرياء.
والله عز وجل يقول في الحديث القدسي: «العز أزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار». فمن نازع الله عز وجل في صفة العز وفي صفة الكبرياء فإن الله عز وجل يعذبه ويقذفه في النار، عياذًا بالله من ذلك. فهذه الصفة أيها الأحبة ينازع فيها ربنا عز وجل، وهنا يأتي القبح والسوء في هذه الصفة المقيتة التي تبغضها النفوس السوية.
صفة الكبر تبغضها النفوس السوية، فنحن نقول في صلاتنا دائمًا، كما جاء عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه أنه يقول في سجوده وفي ركوعه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة». ليعلم الإنسان في ذكره، في كلامه، في صلاته، في عبوديته، أن الكبر والكبرياء والتكبر هو لله عز في علاه، فهو العظيم الجليل الكبير الذي يستحق هذا الأمر، أما العباد الضعفاء المساكين فإنهم فقراء إلى الله عز وجل، ولا يحق لهم أن يتسوروا هذه المنزلة، هذه المرتبة التي لا تليق بالعبد الضعيف الفقير.
والله عز وجل من صفاته المتكبر، قال العلماء في صفة المتكبر: إنه العظيم ذو الكبرياء، المتكبر عن كل شر، أو الذي تكبر عن ظلم عباده، أو الذي تكبر على الطغاة والعتاة من خلقه، أو المتعالي عن صفات خلقه، أو الذي كبر عظم في كل شيء، فكل شيء دونه حقير عز في علاه. فما أعظم هذه الصفة وهي صفة التكبر في ربنا ومولانا، وما أحقرها في العبد الضعيف!
والكبر أيها الأحبة أنواع؛ الكبر أنواع منه ما هو كفر، ومنه ما هو كبيرة من الكبائر. هذه الكبيرة قد تصل بالإنسان أيضًا إلى الكفر كما سيأتي معنا. فالكبر الذي هو كفر هو الكبر على الله، التكبر على الله في أسمائه وصفاته وعلى عظمته عز في علاه، فهذا التكبر على الله، أو التكبر على أنبيائه ورسله، أو التكبر على آياته وكتبه، فهذا كفر ولا شك.
هذا التكبر هو كفر كما حصل من أعظم طغاة الدنيا كفرعون والنمرود وغيرهما، عندما قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]، وما علمت لكم من إله غيري. والنمرود عندما قال له إبراهيم عليه السلام ربي يحيي ويميت، قال: «أنا أحيي وأميت»، وهذا تجبر وتجبر وطغيان في هذا المخلوق الضعيف الحقير الذي أذله الله بعد ذلك؛ هذا النمرود أذله الله عز وجل ومات بسبب بعوضة حقيرة من شدة إذلال الله له لأنه نازع الله عز وجل في صفة من صفاته.
الكبر أيضًا يكون على أنبياء الله؛ فهناك من يرد الدين ويرد الحق ويرد النور والهدى والإسلام بسبب تكبره على هذا النبي، كما قال فرعون لموسى وهارون: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [الدخان: 15]. فمن التعالي والترفع الذي حصل عند هذا الطاغية أنه رد الحق ولم يقبل به لأنه جاء على لسان موسى وهارون عليهما السلام.
وهذا حصل حتى من كفار قريش، ومن قبل ذلك في عهد نوح وغيرهما من الأنبياء، تجد أن بعض أهل الكفر يردون ذلك كبرًا وطغيانًا وتجبرًا وترفعًا على الأنبياء. قال كفار قريش: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: 111]، وقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]؛ يعني كيف ينزل القرآن على محمد وهناك من هو أعظم منه من رجال القريتين وهي مكة والطائف؟ لماذا لم ينزل عليهم القرآن ونزل على محمد الذي لا يعرف عندهم بالشرف الذي يدعونه وينتسبون إليه، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو خير الخلق صلوات ربي وسلامه عليه.
لكن هذا من سفر العقول وعدم التوفيق لهؤلاء، أن يردوا هذا الأمر، كما حصل من العاص بن وائل وغيره. في قصة العاص بن وائل في سورة المدثر، لما عُرض عليه الحق وعُرف وكاد أن يسلم، ثم جاء إليه أبو جهل -عليه لعنة الله- وقال له: إن أهل مكة يجمعون لك المال لأنهم يقولون إنك أردت الإسلام لما عند محمد، وهذا من الضلال ومن كلام السوء الذي يصد عن سبيل الله. وهذا هو حال فرعون، هذه الأمة أبو جهل -عليه لعنة الله- الذي صد هذا الرجل عن سبيل الله، لكن الله عز وجل وصف حاله أنه: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: 18-16]، عياذًا بالله، أخذته العزة بالإثم، فكان من حطب جهنم، عياذًا بالله. كبر واستعلاء أن يتنازل أو أن يكسر هذه النفس ويكون تبعًا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ اختار الكبر، اختار العناد.
فادبر واستكبر، وكان من الكفار الذين هم من حطب جهنم، عياذا بالله من ذلك. وهذا هو حال الذي يتكبر على الأنبياء وعلى رسل الله عز وجل، أنه يصل به إلى هذا الأمر، إلى الكفر. كذلك من يتكبر على كلام الله، من كبّر على كلام الله ويرد كلام الله بعقله أو لا يريد أن يستجيب لأوامر الله. وسنتحدث عن هذا الأمر بعد الفاصل.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. وبعد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. ينبغي أن تُمد الجسور مع إخواننا، ولا ننتظر المواصلة منهم؛ فالعظماء هم الذين يقتنصون القلوب حبًّا ويعطرون النفوس ألفة. أما الآخر فهو ذكي في قساوة الأصدقاء. يقول الحكماء: "تستطيع اليوم أن تألف ألف عدو، ولكنك لا تستطيع أن تصنع في العام صديقًا واحدًا"، فاختر الصديق الصالح وتجنب الصديق السيئ، وتفكر في قول الله عز وجل: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]. فاختر الصالحين وجالس الدعاة والمصلحين. أسأل الله أن يجعلني وإياكم من المتقين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد توقفنا قبل الفاصل عند الحديث عن التكبر على آيات الله، وعلى كلام الله، وعلى رسل الله صلوات ربي وسلامه عليهم. وهذا ولا شك أنه كفر كالتكبر على الله؛ فالتكبر على الله أو على رسله أو على آياته، فإن هذا كفر مخرج من الملة.
الله عز وجل ذكر عن الذين يتكبرون عن آيات الله عز وجل ويعرضون عنها كبرًا وعنادًا وتجبرًا وطغيانًا، وصف الله عز وجل حالهم بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: 6-7]. أيضًا يقول الله عز وجل: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الجاثية: 7]، وويل تهديد ووعيد، وهو واد في جهنم يُعد لهؤلاء الذين يتصفون بهذه الصفة؛ يسمع آيات الله تُتلى عليه، ثم يصر مستكبرًا كأن لم يسمعها، فبشره بعذاب أليم. فالله عز وجل يتوعد هؤلاء بالويل والعذاب الشديد لهم، الذين يصدون عن سبيل الله، والذين أيضًا يعرضون عن آيات الله.
ومع الأسف، هذا قد يقع فيه بعض الناس جهلًا منهم؛ عندما يسمع بعض الآيات لا تعجبه أو لا توافق هواه، فيرد هذه الآيات أو يحرف هذه الآيات كما فعل أهل الكتاب. فالإنسان يحِرص على أن يخضع لكلام الله، ويخضع لكلام أنبياء الله، ولأوامر الله، ولشرع الله؛ هذا الذي يهذب هذه النفس ويبعدها عن هذه الصفة القبيحة وهي صفة الكبر.
هذا ما يتعلق بالنوع الأول: الكبر الذي هو كفر، وهو التكبر على الله، أو على رسل الله، أو على كتب الله، أو على آيات الله وشرع الله عز وجل، وهذا ولا شك أنه كفر مخرج من الملة ومحادة لله.
النوع الثاني هو معصية وكبيرة من كبائر الذنوب، وهو التكبر على خلق الله، الترفع عليهم والتعالي عليهم. وهذا ولا شك أنه معصية عظيمة، بل هو كبيرة من الكبائر. وهذا التكبر على الخلق قد يكون منه ما يوصل إلى الكفر؛ يترفع الإنسان عن بعض الخلق فيوصله هذا الترفع إلى رد الحق، كما حصل من الأقوام السابقة عندما قالوا في قوم نوح وغيرهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: 111]؟ كيف نجلس معك وعندك أرذال الناس أو ضعفاء الناس؟ فتركوا دين الله ولم يؤمنوا بنبي الله بسبب وجود الضعفاء والمساكين. ونحن نعلم أيها الأحبة أن أول اتباع الأنبياء دائمًا يكونوا الضعفاء والمساكين، وهذه لحكمة يريدها الله عز وجل، وقد يكون ابتلاء واختبارًا لهؤلاء المتكبرين أن أكثر اتباع الأنبياء هم من الضعفاء ومن المساكين.
كذلك في عهد نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، عندما آمن به كثير من الموالي والضعفاء والمساكين في مكة، جاءه بعض طغاة العرب أو كابر العرب وطلبوا منه أن يبعد عنه هؤلاء الموالي وهؤلاء المساكين، ويكون لهم مجلس خاص يجلسون فيه تعاظمًا وتكبرًا وعلوًا في الأرض. فالنبي صلى الله عليه وسلم من حرصه على الخير وحبه لهداية الناس، أراد أن يحقق رغبتهم؛ لأنه يريد أن يدخل الإيمان في قلوبهم، لعلهم بعد ذلك يدخلون في الإسلام ويثبت في قلوبهم.
لكن الله عز وجل لحكمة عظيمة يريدها، لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم يسير في هذا الأمر الذي أراد في البداية أن يوافق هؤلاء الذين يتعاظمون ويتكبرون على المساكين، فقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 28]. فالله عز وجل أمره بالجلوس معهم، فمن أراد من هؤلاء كبراء القوم أن يدخل في الإسلام فليكسر حدة هذه النفس، وليتواضع ويخضع ويذل الله وينكسر لأوامر الله، وتجلس مع هؤلاء الذين يرى أنه أعلى رتبة وأرفع درجة منهم.
وهذا ولا شك أنه من الطغيان والتكبر، فهذا الذي رد بعض الناس عن الدخول في دين الله؛ فبداية الأمر كان تكبرًا على بعض الخلق، فأوصله هذا التكبر إلى الكفر عياذا بالله، بأنه رفض هذا الدين أو لم يرضَ بالجلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يريد أن يجلس مع هؤلاء الذين يراهم في عينه أنهم أقل شأنًا منه.
هذا التكبر قلنا إنه منه ما يوصل إلى الكفر، ومنه ما يكون معصية فقط، أي يقتصر هذا على التكبر على الخلق دون أن يكون فيه رد للحق أو رد لهذا الدين، وهذا أيضًا ليس بالأمر الهين، فهو معصية وهو كبيرة من كبائر الذنوب، ويكفي فيه قول نبينا صلوات ربي وسلامه عليه: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». وهذا والله أمر عظيم جدًا إذا تفكر فيه الإنسان، لا يدخل الجنة؛ هذا تهديد ووعيد شديد جدًا.
ذكر العلماء أنه لا يدخل الجنة ابتداءً، لا يدخل الجنة إلا بعد أن يطهر من هذا الذنب وهذه الكبيرة، حتى يدخل النار ويتطهر ويتمحص، ثم بعد ذلك يدخل الجنة؛ فيعذب قبل أن يدخل الجنة إن لم يتب الله عليه. إن لم يتب الله عز وجل عليه، فإن الله عز وجل توعده على لسان النبي ﷺ بأنه لن يدخل الجنة وفي قلبه هذا الذنب، وفي قلبه هذه المعصية وهذه الكبيرة من كبائر الذنوب؛ مثقال ذرة، مثقال ذرة. فكيف بمن يتعاظم ويتكبر ويتعالى على عباد الله، ويمتلئ قلبه من هذه المعصية ومن هذا الإثم عياذا بالله؟
كذلك يقول النبي ﷺ: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم»، بحسب امرئ من الشر يعني يكفيه شرًا وإثمًا وبغضًا، يكفيه أن يحقر أخاه المسلم؛ يحقره بمعنى يزدريه ويترفع عليه ولا يرى له مكانة، فهذا كافٍ في أن يمتلئ الإنسان بالإثم والذنب والخطيئة، فبهذا الأمر الذي يكون في قلب العبد عياذا بالله.
الكبر أيها الأحبة معصية وكبيرة من كبائر الذنوب، لكن الكبر في عرف الناس، بعض الناس قد يرى أنه ليس بمتكبر وهو من أشد الناس تكبرًا؛ قد يرى في نفسه أنه ليس بمتكبر. ولهذا لما عرف العلماء الكبر قالوا: العظمة والتجبر. العظمة والتجبر يعني هذا تعريفه، وتعريفه الشرعي هو ما جاء في كلام النبي ﷺ.
الرسول ﷺ عندما قال هذا الحديث الذي ذكرناه قبل قليل: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، فقال الصحابة رضوان الله عليهم: «يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا»، يعني هل هذا من الكبر؟ النبي ﷺ صحح لهم هذا المفهوم أن هذا ليس من الكبر، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جميل يحب الجمال». بمعنى أن هذا الأمر، وهو جمال الثوب وجمال الخلقة والعناية بهندام الإنسان، هذا ليس من الكبر.
«إن الله جميل يحب الجمال»، الكبر: بطر الحق وغمط الناس. ونتحدث عنه بعد الفاصل إن شاء الله.
للعلم، كالأزهار في البستان، لا تحاسدوا؛ توجيه نبوي لعلاج آفة من أخطر الآفات الاجتماعية والأخلاقية. فالحسد، وإن كان أصله في القلب من بغض لنعمة الله على المحسود وتمنٍ لزوالها عنه، فإنه غالبًا ما تكون له امتدادات في الخارج، تدفع الحاسد إلى البغي والظلم والاعتداء والإيذاء والإيقاع بالمحسود. قال ابن القيم رحمه الله: «فالحاسد يحمله بغض المحسود على معاداته والسعي في أذاه بكل ممكن، مع علمه بفضله وعلمه وأنه لا شيء فيه يوجب عداوته إلا محاسنه وفضائله». ولهذا قيل: الحاسد عدو للنعم والمكارم.
وكما نهى ديننا عن الحسد، فقد وجه إلى علاجه؛ فأمر الله تعالى بالاستعاذة به من شر الحاسدين، فقال في سورة الفلق: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5]. وجعل الإيمان بالقضاء والرضا بما قدره من تفاوت الأرزاق والملكات ركنًا من أركان الإيمان. كما حث المؤمنين على البذل والعطاء والإيثار والتراحم، وهي المعاني التي تستأصل هذا الداء من القلوب.
علة الحسد ترجع إلى إفراط في الأنانية وحب للذات، مع ضعف في الإيمان بكمال حكمة الله تعالى في توزيع الأرزاق بين عباده. وعلى المسلم إذا أحس في نفسه بحسد تجاه أخيه ألا يرضى بغيبته أو ظلمه، بل عليه أن يدافع عن عرضه ما استطاع، وأن يكثر من الدعاء له بالخير والبركة. وإذا كان الحسد خلقًا مذمومًا، فإن الغبطة صفة محمودة، وهي تمني مثل ما للمغبوط من النعمة من غير أن يتمنى زوالها عنه؛ فإن كانت في أمور الدنيا فهي قباحة، وإن كانت في أمور الآخرة فهو مما حثنا الشرع على المنافسة فيه والمسابقة إليه، قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148].
وقال ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله قرآنًا فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار».
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. ذكرنا قبل الفاصل حديث النبي ﷺ الذي عرف فيه الكبر وبين للصحابة ما المقصود بالكبر، عندما قال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». فالصحابة رضوان الله عليهم أرادوا أن يستفهموا: ما المقصود بذلك؟ يعني هل عناية الإنسان بنفسه وبهندامه وبلباسه وبشكله هذا يدخل في الكبر؟ فقالوا: «يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا». النبي ﷺ قال: «إن الله جميل يحب الجمال»، بمعنى أن هذا ليس من الكبر، بل هو من صفات الجمال يحبها الله، فالله جميل في صفاته، في أفعاله عز وجل، في أحكامه، في شرعه، إن الله جميل يحب الجمال، بمعنى أن هذا التجمل مما يحبه الله وهو ليس داخلًا في الكبر.
ثم بين النبي ﷺ ما المقصود بالكبر؟ ما معنى الكبر؟ ما هو الكبر؟ قال: «الكبر بطر الحق وغمط الناس». فبين النبي ﷺ صفتين من كانت فيه فهو المتكبر. الأولى: بطر الحق. ما معنى بطر الحق؟ بطر الحق هو الترفع ورد الحق وعدم الانصياع له وعدم قبوله من الآخرين. فالإنسان عندما يأتيه الحق، يأتيه النصيحة، فإنه يترفع ويتكبر ويرد هذه النصيحة ولو كانت حقًا، ولو كانت صدقًا، ولو كانت من شرع الله عز وجل؛ هذا هو البطر الذي ذكره النبي ﷺ؛ أن يرد الإنسان الحق ويتكبر ويترفع عليه.
الصفة الثانية الكاشفة لحال المتكبر قال: «وغمط الناس»، وفي رواية «وغمص الناس»، غمط الناس بمعنى احتقارهم، احتقارهم وازدراؤهم والترفع عليهم والافتخار عليهم، فهذه صفة أيضًا قبيحة جدًا وهي نوع من أنواع الكبر. النوع الأول أن الإنسان لا يقبل الحق إذا جاءه ويرده من أي كان ويترفع عليه ويترفع على دين الله عز وجل بأحكام الله وشرائعه، والصفة الثانية أنه يكون فيه غمط الناس، وهو احتقار الناس وازدراؤهم والترفع عليهم ويرى أنه أعلى وأجل مكانة منهم. وهذه والله صفة قبيحة جدًا، أن الإنسان يرى لنفسه الفضل على الناس، والمكانة والرفعة على الناس، وهذا مسكين لم يعرف حقيقة الإنسان، ولم يعرف قدر نفسه؛ لم يعرف قدر نفسه وأنه مخلوق ضعيف مسكين.
لكن الكبر كما قال الحسن البصري وغيره، إن الإنسان إذا كثر عنده كثرت عنده هذه الصفة فهو دلالة النقص في عقله. الإنسان يتكبر على ماذا؟ فهو مسكين فقير محتاج إلى الله عز وجل، فليس بقوته ولا بقدرته وصل إلى هذا الأمر، وإنما بفضل الله ومنه وعطائه، وهذه النعم التي يتكبر فيها على الناس قد يسلبها الله عز وجل في لحظة، في ثانية قد تسلب منه، لكن نقص العقل هو الذي يوصل الإنسان إلى هذا الأمر.
ما هو سبب الكبر أيها الأحبة؟ ما الذي يجعل الإنسان يتكبر على الآخرين؟ من أعظم الأسباب التي تؤدي بالإنسان إلى هذه الصفة القبيحة هو جهل الإنسان والنقص الذي في عقله. وإلا فالعاقل يعرف أن كل نعمة أعطاه الله عز وجل إياها هي هبة من الله ومنحة من الله، وليست بقوته ولا بقدرته ولا بمكانته ولا بنسبه ولا بحسبه، وإنما هي محض فضل من الله.
الإنسان إذا أعطاه الله ذكاء، أعطاه علما، أعطاه مالا، جاها، منصبا، فإن هذا كله من فضل الله. فالإنسان العاقل هو الذي يعرف ويرد الفضل إلى الله ويشكر الله ويحمد الله على هذه النعم. لكن ناقص العقل هو الذي يرى أن هذه نعم يستحقها وهي من مكانته ومنزلته عند الله، أو يرى أنه حقيق بهذا الأمر، وأنه يحق له أن يترفع ويتكبر على الآخرين، ولا شك أن هذا من نقص العقل عند هذا المسكين.
ولهذا الله عز وجل نعى على الإنسان في كتابه الكريم بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]. متى؟ إذا رأى نفسه استغنى عن الآخرين، استغنى بماله بجاهه بقوته بمنصبه بمكانته بحسبه بنسبه، إذا رأى نفسه استغنى فإنه يطغى. ولهذا الله عز وجل قال بعدها مربيا لهذا المسكين المخذول الضعيف: ﴿كَلَّا إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ﴾ [العلق: 8].
مردك إلى الله مهما بلغت قوتك، مهما بلغت مكانتك، مهما بلغ مالك وجاهك ومنصبك فإنك تعود إلى الله عز وجل. انظر إلى الطغاة الجبابرة في الأرض؛ الذي قال: «أنا ربكم الأعلى وما علمت لكم من إله غيري»، والذي قال: «أنا أحيي وأميت»، والذي عاند وتجبر وتكبر في الأرض أين هم الآن؟ الإنسان العاقل الذي ينور الله عز وجل بصيرته يعلم أن هذا الأمر لا يمكن أن يقع في نفس مؤمنة تقية صالحة تعرف فضل الله عليها وترد الفضل إلى الله وتشكر الله على نعمه وعطائه وكرمه ومنه.
فهذا سبب عظيم من أسباب التكبر عند هذا العبد المسكين، أنه جاهل بحقيقة نفسه، جاهل بنعم الله عز وجل عليه، فيصل إلى هذه الصفة القبيحة وهذه الكبيرة من كبائر الذنوب. أيضا من الأسباب العظيمة هو افتخار الإنسان بماله أو بجاهه أو بمنصبه أو بمكانته أو بحسبه أو بنسبه، يغتر إذا أعطاه الله عز وجل المال الوفير الكبير، يظن أن هذا المال هو لمكانته ولأحقيته به، فهو حقيق بهذا المال فتفتخر على الآخرين. الجاه والمنصب يوصل الإنسان إلى هذه الصفة القبيحة فيتكبر على خلق الله ويتكبر على عباد الله.
ولا شك أن الذي يوصل إلى هذا الأمر هو العجب والافتخار، عجب الإنسان بنفسه كما قال فرعون عليه لعنة الله: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: 51]. انظروا إلى هذا الغرور الذي وصل في قلب هذا المخذول، هذا الطاغية. وقارون عليه لعنة الله لما تكبر وتجبر على موسى عليه السلام، فلما نصحه قومه قالوا: «لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين، وابتغ فيما آتاك الله»، وكما أحسن الله إليك. فنصحه الصالحون من قومه قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78]، أي هذا المال بقوتي وبقدرتي وبذكائي وشطارتي، حصلت على هذا المال العظيم. لكن خسف الله به وبداره الأرض.
وقال الله عز وجل بعد قصة قارون، وقبلها كانت قصة موسى في سورة القصص، في آية عظيمة تختصر هذين الموقفين: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]. العاقل الذي يعرف قيمة نفسه، يعرف حقيقة نفسه، لا يمكن أن يفتخر لا بجاه ولا بمنصب ولا بمال ولا بأي أمر من أعراض هذه الدنيا.
أيضا من الأسباب أيها الأحبة اختلال المفاهيم في المجتمع، فيرون أن هناك مسكينا ضعيفا أنه ليس له حق في هذا الأمر، فيتكبر ويتعالى عليه ويترفع. نسأل الله السلامة والعافية. وهذه الصفة القبيحة أيها الأحبة ما زال فيها بقية نؤجلها إلى الحلقة القادمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يطهر قلوبنا، وأن يجعلنا من عباده المتواضعين، وأن يجنبنا هذه الصفة القبيحة صفة الكبر، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني