دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في أكاديميتكم، أكاديمية زاد، التي أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك فيها وفي طلابها وفيما يلقى فيها من علم.

ما زال الحديث أيها الأحبة في مادة التربية، وفي مقرر أمراض القلوب، عن مرض من أمراض القلوب وهو الجدال المذموم الذي تحدثنا عنه في اللقاء الماضي، ونواصل الحديث عنه في هذه الحلقة. ذكرنا في الحلقة الماضية أيها الأحبة أن الجدال ينقسم إلى قسمين: جدال محمود، وجدال مذموم. الجدال المحمود هو الجدال بالتي هي أحسن لإظهار الحق وبيانه وترسيخ العلم النافع في قلوب المتلقين عندما يسمعون هذا النقاش وهذا الحوار في مسائل. وهناك أيضًا الجدال المذموم الذي حذر منه السلف، وهو ما يفهم من قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46]. فالأصل عدم الجدال إلا إذا كان بالتي هي أحسن.

هناك أيها الأحبة فرق ذكره العلماء بين الجدال والمراء؛ يعني هو يأتيان أحيانا بمعنى واحد، يأتي الجدال بمعنى المراء والمراء بمعنى الجدال، وهذا قد يكون من الترادف، والذين لا يرون الترادف في لغة العرب يقولون إن هناك فرقًا، ويجعلون المراء أقل درجة من الجدال. المراء يكون مذمومًا، وأنه يكون لإظهار عوار الخصم وشهوة الغلبة عليه. الجدال قد يكون محمودًا ومذمومًا، لكن المراء يكون دائمًا مذمومًا؛ لأنه يريد فقط أن يتغلب على الخصم، وأن يبين عيوب الخصم، وأن يظهر ما عنده من نقص وضعف، فهو فيه شهوة الغلبة وحب الظهور، وأيضًا نتيجة عدم الإخلاص، عياذًا بالله من ذلك.

ولهذا جاء في حديث النبي ﷺ قوله: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقًا». في ربض الجنة يعني في أسفل الجنة. أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقًا، بمعنى المجادلة لإظهار الغلبة على الخصم. لو كان الحق معك، لكن أنت لا تريد أن تنتصر لنفسك، وإنما تسكت لأنك لا تريد أن تنتصر على هذا الذي أمامك نصرة لنفسك، فهنا يأتي هذا الحديث العظيم، وهو ضمان من النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق، صلوات ربي وسلامه عليه: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا».

وتتمة الحديث وهو حديث عظيم: «وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا». سمو في الأخلاق وعلو في الهمة، أن الإنسان يترك الكذب حتى في المزاح الذي يكون بين الناس. النبي ﷺ هذا لا يعني ترك المزاح، حتى لا يُفهم من هذا الحديث ترك المزاح، فالنبي ﷺ كان يمزح ولكن لا يقول إلا حقًا، وذلك في التعريض في الكلام.

كما قال للرجل عندما طلبه جملًا يريد أن يكون له ليحمل متاعه عليه، فقال النبي ﷺ: «أحملك على ولد الناقة». ففهم هذا الرجل من ولد الناقة أنه الجمل الصغير، لكن النبي ﷺ يريد معنى آخر؛ فالجمل هو ولد، ليس هناك جمل حتى ولو كان كبيرًا إلا وهو ولد الناقة، وهذا تعريض في الكلام فيه لطف وفيه مداعبة. أيضًا لما قال للمرأة العجوز التي قالت ادعوا الله أن يدخلني الجنة، فقال النبي ﷺ: «إن الجنة لا يدخلها عجوز». ففهمت المرأة أنها عجوز لن تدخل الجنة، لكن مراد النبي ﷺ أنها تعود شابة، والناس يكونون يوم القيامة في سن الثالثة والثلاثين، كما في سورة آدم عليه السلام، فهذا هو مراد النبي ﷺ، لم يقل كذبًا حتى في مزاحه، كان صادقًا عليه الصلاة والسلام، لكن في الكلام فيه التورية وفيه التعريض الذي يكون فيه لطف في الخطاب مع الناس ومداعبتهم.

فالنبي ﷺ يقول: «وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا»، وببيت -ونلاحظ هذه الثالثة أيها الأحبة شيء عظيم جدًا- «وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». لم يقل لمن حج أو صام أو اعتمر، هناك شيء عظيم أيها الأحبة قد يغفل عنه بعض الناس، قال: «أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه». ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها معلقة على هذا الحديث: «ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة، في الدنيا ينتج عنه محبة الناس له، وفي الآخرة يكون ببيت في أعلى الجنة»، وما أعظمها من درجة! فنسأل الله عز وجل أن يحسن أخلاقنا، وأن يرزقنا هذه الصفة الجميلة، وأن يجعلنا نتمثل بها في حياتنا كلها.

ومن حسن الخلق أيها الأحبة هو الجدال بالحق، الجدال بالحق وبالكلام اللين الهين اللطيف الذي يريد فيه الإنسان الخير للآخرين. فهذا هو الفرق بين الجدال والمراء الذي ذكره بعض العلماء، وإن كان أحيانًا يأتي المراء بمعنى الجدال والجدال بمعنى المراء. الجدال المذموم والمراء المذموم أيضًا هو الصفة الثانية التي حذر منها السلف. هذه الصفة أيها الأحبة إذا انتشرت في المجتمع حلت به النكبات، ولهذا يقول النبي ﷺ: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». يعني الجدل إذا انتشر في الناس في المجتمع فإنه سبب لضلالهم؛ لأنه يريد فقط النقاش والجدال دون عمل، مجرد الكلام دون عمل، وهذه كارثة ومصيبة، أن تصبح حياة الإنسان كلها جدال في جدال، وخصام في خصام، ونقاش في نقاش.

لكن أين الثمرة؟ تجده الآن مثلا يناقش في مسألة من المسائل، مثل قيام الليل: هل هو واجب ولا غير واجب؟ وعدد الركعات. جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قيامه عدة سور؛ كان يقوم بثلاث، بخمس، وبسبع سرداً بدون سلام إلا التشهد الأخير، وجاء أيضاً بتسع سرداً والتاسع يجلس يتشهد ويقوم للتاسعة، وجاء عنه أيضاً إحدى عشرة ركعة وثلاث عشرة ركعة، هذا كله جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

بعض الناس قد يناقش ثم بعد ذلك ينام إلى الفجر ولا يصلي ولو ركعة واحدة، هذا النقاش المذموم. أو أحياناً يناقش في صيام النفل، يناقش في مسائل الصيام والاثنين والخميس وغيرها، ثم تراه لا يصوم ولا يحافظ على هذه العبادة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، واقتفى النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 80].

ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله. القدوة، الرموز الشخصية، الأسوة؛ جميعها مفاهيم يمكن أن تسهم في بناء الفرد أو تدميره، وهي ذات أهمية كبرى وتأثير قوي لدى الشباب. ولا شك أن العاقل هو من يلتمس لنفسه قدوة حسنة ذات خلق عظيم ونهج قويم، تمتلك مقومات النجاح وأسباب الفلاح فيقتدي بها ويقتفي أثرها.

ومهما التمس الشاب المسلم لنفسه قدوة، فلن يجد خيراً من النبي صلى الله عليه وسلم ثم أصحابه الكرام رضي الله عنهم. ومنهم زيد بن ثابت رضي الله عنه، كلفه النبي صلى الله عليه وسلم بتعلم لغة اليهود فتعلمها وأصبح ماهراً بها في خمس عشرة ليلة. وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما اجتهد حتى جمع علماً غزيراً تناقله كل من جاء بعده. ومصعب بن عمير رضي الله عنه أرسله النبي صلى الله عليه وسلم سفيراً، ففتحها بالقرآن. ومعاذ بن جبل رضي الله عنه بعثه النبي صلى الله عليه وسلم داعياً إلى اليمن. وأسامة بن زيد رضي الله عنهما ولاه النبي صلى الله عليه وسلم قيادة جيش المسلمين لغزو الروم ولم يبلغ العشرين من عمره.

وهكذا كانوا على صغر سنهم، يتحملون الأخطار ويحفظون الأسرار ويعبدون الله بالليل والنهار، فكانوا خير قدوة وأروع مثال. قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].

بشرى، بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. فقد توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند حال المجتمع إذا انتشر فيه هذا الداء: داء الجدال، الخصام، المناكفة في مسائل العلم دون الرغبة في الوصول إلى الحق، وإنما الجدال لمجرد الجدال، والنقاش لمجرد النقاش، والجدال للغلبة وهو حب الظهور والبروز على الأقران. هذه والله طامة، وهو ما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه».

هم كانوا عندهم شيء من الهدى من العلم يعملون به، لكن لما انتشر بينهم هذا الأمر، وحصل في مجتمعهم وكثر النقاش والجدال والخصام والخلاف والمراء، أصبح عندهم هذا الداء. «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 80]، يريدون الخصام فقط، يريدون الجدال فقط لمجرد الخصام، لمجرد الجدال، لمجرد النقاش، مجرد مناكفة، ليس لبغية الحق ولا لإرادة الحق.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول أيضاً في حديث عظيم -أيها الأحبة يجب على المسلم أن يقف مع هذا الكلام العظيم الذي هو من مشكاة النبوة من كلام الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه-: «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم». لاحظوا صيغة المبالغة: «الألد الخصم». ما معنى الألد الخصم؟ الألد كثير اللدد، كثير الخصومة والجدال والمخاصمة للناس، والخصم شديد الخصومة. هاتان صفتان تدلان على كثرة هذا الأمر عند هذا الإنسان؛ كثرة هذا الأمر عند الإنسان وهو مبتغاه ومراده، ولا يريد فقط إلا الخصام والجدال، لا يريد الحق ولا يطلب الحق ولا يبحث عن الحق، وإنما يبحث عن المناكفة وحب الظهور والبروز والتسميع عند الناس بأنه هو الذي عنده علم، وهو الذي يفهم، وهو الذي يقرر ويبين الحق. هذا هو الذي يبغضه، بل هو من أبغض الرجال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا قد يوصل الإنسان أيها الأحبة إلى صفات المنافقين. النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من صفات المنافقين ثلاثاً: «من كن فيه كان منافقاً، ومن كانت فيه خصلة من هذه الخصال كانت فيه خصلة من خصال النفاق». فالإنسان يحذر من هذه، ذكر منها النبي صلى الله عليه وسلم أنه: «إذا خاصم فجر». أنه إذا خاصم في مسألة من المسائل، وقد يكون في هذا الخصام جدال ومناكفة، فإنه يفجر في الخصومة ببذاءة لسانه وقبح أقواله وشناعة ألفاظه.

وأيضاً يفجر في الخصومة بأن يرد الحق ولا يرتضيه، وهذا من الفجور في الخصومة؛ أن الإنسان يرد الحق الذي يظهر له لأنه لا يقبل بأن يكون مهزوماً، أو أن لا يظهر الحق على لسانه. وهذه من صفات المنافقين عياذاً بالله من ذلك، وهذا يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكرناه من قبل: «ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع».

يحذر المسلم أيها الأحبة إذا كان هناك نقاش في مسألة علمية أو في حوار في أمور مجتمعية أن يكون فيه هذه الصفة: الخصام بالباطل. بل المسلم العاقل الموفق إذا ظهر له الحق يتبعه، ولهذا يقول العلماء عن حال المسلم الموفق مع النصوص الشرعية إذا تبين له الحق فيها: كالريشة في مهب الريح، كان الحق هنا سرت خلفه.

فلابد أن يكون الإنسان مسلما متبعا مطيعا، وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. هذا هو الحق الذي ينبغي على الإنسان أن يخضع له، في جداله، في خصامه، في مراءه، في مناكفته إذا أراد الحق؛ فإن الإنسان يجادل بالحق، يجادل بالجدال المحمود، يجادل بالتي هي أحسن.

فإذا وصل الجدال إلى الجدال بالباطل فإنه يتوقف؛ إذا رأى من خصمه جدالا بالباطل فإنه يتوقف، أو رأى من نفسه شهوة خفية فإن أيضا المسلم الموفق الحريص على الخير يتوقف. يتوقف إذا رأى من نفسه أنه يريد أن يظهر الحق على لسانه.

قد جاءت في ترجمة ابن حزم رحمه الله -انظر إلى العلماء الأجلاء الكبار- يقول عن نفسه في كتابه «تزكية النفوس»، وهو كتاب عظيم جدا لابن حزم رحمه الله ينصح حقيقة به، ذكر قصة أنه في مرة من المرات حصل نقاش وجدال بينه وبين رجل آخر، وهذا الرجل فيه عيب في كلامه.

استغل ابن حزم رحمه الله هذا الأمر فغلبه في هذه المسألة أمام الناس. يقول ابن حزم: «فلما رجع إلى بيته وبحث هذه المسألة وجد أن الصواب مع ذلك الرجل، لكن غلبه ابن حزم بفصاحة لسانه وقوة بيانه وضعف ذاك الرجل وعيه، لكن الحق مع ذاك الرجل».

فلما بحث المسألة ابن حزم رحمه الله -وانظروا إلى الرجل الصادق، وهؤلاء هم العلماء الراسخون الربانيون- رجع وبحث المسألة، لم يكتفِ بذلك النقاش: «أنا غلبت أمام الناس وانتصرت وظهر الحق على لساني وكانت الغلبة لي أمام الناس»، لا؛ رجع وبحث المسألة أيضا فوجد أن الحق مع صاحبه وليس معه، فكان عنده جليس فأخبره بالأمر، تعلم على ذلك الموضع في الكتاب الذي وجد فيه هذا الأمر.

فقال له صاحبه: «ماذا تريد أن تفعل؟» قال: «أريد أن أعرض هذه المسألة غدا وأبين للناس أن الحق مع ذلك الرجل». قال: «أوتفعل ذلك؟»؛ هذا الرجل المسكين الذي كان جليسا لابن حزم استكبر هذا الأمر؛ كيف أنت الإمام وأنت العالم تريد أن تبين للناس أنك كنت على خطأ؟ يعني هذا يخالف حظوظ النفس وحب البروز والظهور والغلبة وهذه الشهوة الخفية.

لكن العالم الصادق مع نفسه، الصادق مع ربه عز في علاه، هو الذي يذل هذه النفس ويكسرها في طاعة الله، ولا يجعلها تحب الانتصار ولو في الباطل والجدال بالباطل، ولا يكون من ألد الخصم. ولهذا ذهب ابن حزم في اليوم الآخر وأظهر هذه المسألة وأعلن أن الحق هو ما قال به ذلك الرجل، ألا كانت الغلبة عليه في ذلك المجلس، فبين ابن حزم رحمه الله ذلك الأمر.

وهذا حقيقة يدل على مكانة هؤلاء العلماء، وأن الله عز وجل أنزلهم هذه المنزلة ورفع ذكرهم بين الناس لما في قلوبهم -نحسبهم والله حسيبهم- من الصدق والإخلاص ومحبة الحق ونشره وبيانه بأي أمر، ولو كان على حساب أنفسهم. وهذا هو علامة الصدق، والتي ينتج عنها القبول بإذن الله عز في علاه.

ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله. خلق الله الإنسان وجبله على العيش مع الجماعة والتعامل مع الآخرين، فهو لا يستطيع العيش وحيدا مهما توفرت له سبل الراحة والرفاهية، لذا كانت الصحبة أمرا ضروريا للغاية. وقد جاء القرآن والسنة ببيان أهمية الصحبة ومدى خطورتها على الإنسان.

في الحديث: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». فالصاحب يؤثر في صاحبه ولا شك؛ فإما أن يؤثر فيه خيرا فيذكره بالله ويأمره بالصالحات ويحثه على الطاعات، فيكون من أسباب نجاته يوم القيامة، وإما أن يؤثر فيه شرا فيأمره بالخبائث ويحثه على المفاسد ويصده عن ذكر الله تعالى، فيكون سببا في ضياعه وهلاكه يوم القيامة.

قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * أَدْضَلَنِي السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: 27-29].

ومن أوضح الأمثلة المبينة لأثر الصحبة ما ضربه النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لتأثير الجليس على جليسه، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبا، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة». فالعاقل يتخير الصالحين والأخيار لمجالستهم والقرب منهم، ويبتعد كل البعد عن صحبة الذين يوردونه المهالك ويورثونه الندامة في الدنيا والآخرة. ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد؛ أيها الأحبة، قد ذكرنا قبل الفاصل أن هذا المراء وهذا الجدال إذا حل بالإنسان فإنه قد يكون فيه من الشهوة الخفية التي تجعله مرضا من أمراض القلوب؛ فالإنسان يحب أن يبرز، يحب أن يظهر ولو على حساب الحق الذي كان هو المفترض أن يكون رائده ومطلبه، لكن هذه الشهوة الخفية هي التي حذر منها العلماء، ولهذا حذروا من هذا الجدال وهذا المراء وجعلوه مذموما.

المقصود به هذا النوع من أنواع الجدال، هناك أيها الأحبة مفاسد تنتج عن هذا الجدال المذموم إذا تمكن من الإنسان وأصبح هذا الجدال هو ديدنه في حياته، هو ديدنه في مجالسه، فقط مجرد نقاش مسائل دائما، حوار، هذا الذي يريده في كل مجلس، ليس بغية الحق وإنما الجدال لمجرد الجدال.

من أعظم هذه المفاسد التي تحل بهذا المرء حرمان عمل الخير؛ يعني أنه ينشغل بالكلام عن العمل. وهذا هو الذي يكثر الكلام ويقل عنده العمل، هذا شيء طبيعي وذكره العلماء، ولهذا قال الأوزاعي رحمه الله: «إذا أراد الله بقوم شرا ألزمهم الجدل ومنعهم العمل». فيكثر الإنسان يريد فقط أن يكثر من المجالس ليكثر من الجدال، لا يريد أن يجلس لوحده أن يذكر الله، أن يتعبد، أن يطلب العلم، أن يقرأ، هو يريد فقط أن يبحث عن الجدال هنا وهنا، يبحث عن من يجادله، قد لا يجد في مجالس معينة، يبحث في مواقع التواصل الاجتماعي ويناقش ويناكف هذا ويرد على هذا، وهذه حياته وهذا هو ديدنه.

وهذه والله كارثة ومصيبة تحل بالإنسان. أيضا من المفاسد حرمان العلم؛ يعني الإنسان إذا أشغل وقته بهذا الجدال وهذا الخصام، متى يطلب العلم؟ متى يبحث عن العلم الراسخ؟

متى يبحث عن العلم الذي من الكتاب والسنة؟ متى يجلس بين يدي العلماء ويثني ركبتيه عند أهل العلم؟ متى يقرأ؟ متى يتعبد؟ هنا كارثة أيها الأحبة، إذا كان الإنسان لا يريد إلا النقاش والجلوس في هذه المجالس.

الكثير من العلم قد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا المعنى وهو حرمان العلم ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في موقف من المواقف. فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة من ليالي رمضان ليخبر الناس بليلة القدر؛ متى تكون؟ وهذا ذكر العلماء، وأخذوا منه بعض العلم من ليلة القدر، وأخذ آخرون أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يخبرهم بليلة القدر في تلك السنة فقط؛ لأنها تتنقل من سنة إلى أخرى.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني خرجت لأخبركم بليلة القدر»، وإنه تلاحى فلان وفلان؛ أي تخاصما وتجادلا وارتفعت أصواتهما، وعسى أن يكون خيرا لكم. ثم قال: «التمسوها في السبع والتسع والخمس». فلاحظوا، كان النبي صلى الله عليه وسلم سيخبر الصحابة بأمر عظيم، وهو تحديد ليلة القدر، وهذا والله من أعظم النعم التي حصلت للإنسان؛ ليلة القدر خير من ألف شهر.

فلما تلاحى وسمع النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأصوات المرتفعة من فلان وفلان، رُفِعَ -أي لم يتيسر أو لم يأتِ الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم ليخبر الصحابة بهذه الليلة- بشؤم هذا الأمر الذي حصل من هذين الرجلين الذين حصل منهما النقاش والجدال والمراء ورفع الأصوات في حوارهما. ولم يحصل هذا العلم وهذا الخبر من نبينا وحبيبنا صلوات ربي وسلامه عليه.

وهذا معنى عظيم أيها الأحبة، يدل على أن الإنسان قد يحرم العلم، قد يحرم الفقه في الدين بسبب هذا الأمر، بل قد يحرم حتى لذة العبادة. فالذي يكثر الكلام ويصبح مهذاراً في لسانه، فإنه يحرم حلاوة العبادة وحلاوة العلم وحلاوة الطاعة. الإنسان الصمت محمود أيها الأحبة، وقلة الكلام محمودة، والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يكثر الكلام، كان قليل الكلام صلوات ربي وسلامه عليه، لكن إذا تكلم تكلم بكلامه النور.

وكان هذا كثير حال من الصحابة والتابعين والعلماء؛ عدم الكلام الكثير الذي لا ينفع ولا يقدم ولا يؤخر. يقلل الإنسان من هذا الكلام لعل الله عز وجل أن يبارك في علمه. أيضاً أحياناً النقاش والحوار والجدال بالباطل قد يكون سبباً لهلاك الإنسان، وهذا أخذه العلماء من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوني ما تركتكم».

لما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الحج إنه فرض على المسلم، ويقال نزل قول الله عز وجل في آيات الحج: ﴿لِمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، قال بعض الصحابة: أفي كل عام يا رسول الله؟ فالسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعجبه السؤال، ثم قال: «دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم».

وهذا ما حصل من بني إسرائيل؛ لاحظوا قصة بني إسرائيل مع موسى عليه السلام: جدال ونقاش وحوار بالباطل. مثلاً في قصة البقرة، قال لهم موسى عليه السلام، إذ أمرهم بأمر الله عز وجل: اذبحوا بقرة، قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: 67]؟ فكيف الرد؟ جافٍ، رد قبيح لنبي من أنبياء الله: أتتخذنا هزواً؟ قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: 67].

ثم قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟ لو أخذوا أي بقرة وذبحوها لتحقق الأمر، لكنهم بجدال ومراء وخصام بدأوا يسألون وتشددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم. لقد بين لهم، قال: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عوانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾ [البقرة: 68]؛ أي لا كبيرة في السن ولا بكر صغيرة في السن، بل هي وسط. فلما اقتنعوا قالوا: بين لنا لونها، فقال: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: 69].

ما اقتنعوا بذلك، قالوا: إن البقرة تشابه علينا، فأتى بوصف آخر: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: 71]؛ أي لا شية فيها، لونها صاف ليس فيه ألوان أخرى. فذبحوها بعد أن شدد الله عليهم، فما وجدوا هذه إلا في بقرة واحدة، ورفع الذي يملك هذه البقرة السعر أضعافاً مضاعفة لأن هذه الصفات لم تكن إلا في بقرة واحدة. ولو أنهم من أول الأمر أخذوا أي بقرة وذبحوها لتحقق الأمر واتبعوا كلام نبي الله موسى عليه السلام.

فهذا هو الجدال بالباطل، ولدى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم، من قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم». ﴿فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ ۖ وَإِذَا أَمَرْتُكُم بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282]. لاحظوا، وهذا فيه لفتة جميلة أيها الأحبة في هذا الحديث؛ في النهي قال: اجتنبوا، أي ابتعد تماماً، فالنهي تبتعد عنه تماماً، وفي الأمر قال: تفعل منه ما استطعت، فاتقوا الله ما استطعتم، وهذا من رحمة الله بنا؛ أن النواهي اجتنبها تماماً، أما الأوامر فقد لا نستطيع فلا نضعف عن بعض الأوامر فنأتي بما استطعنا منها. وما أعظم هذا الحديث!

أيضاً من مفاسد كثرة الجدال أنه يورث الظغائن وقسوة القلوب والخصام والشقاق والكره والبغض بين المسلمين، وبين طلاب العلم. كثرة النقاش في مسائل العلم بدون فائدة مما يورث الظغائن وينشر البغضاء في قلوب المسلمين. وأيضاً انشغال القلب عن الله وعن ذكر الله وعن طاعة الله بكثرة الكلام؛ كثرة الكلام الذي يشغل عن طاعة ربنا ومولانا. ولهذا يقول بعض السلف: «ما رأيت شيئاً أذهب للدين، ولا أنقص للمروءة، ولا أضيع للذة، ولا أشغل للقلب من الخصومة»، وهو بالباطل، أي الجدال بالباطل.

فنسأل الله عز وجل أن يعيننا على أنفسنا، وأن يوفقنا لما فيه الخير في أمور ديننا ودنيانا، وأن يحفظ ألسنتنا من كل سوء، وأن يطهر قلوبنا من كل شهوة وشبهة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد السيرة العلياء عاطرة الشذى تفوح لأهل كل زمان بشرى لنا زادنا بالعلم كالأزهار في البستان