دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله أيها الأحبة في مادة التربية وفي مقرر أمراض القلوب في أكاديميتنا المباركة، أكاديمية زاد. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن ينفع بها وبطلابها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

نأخذ في هذه الحلقة أحد الأمراض التي تعتري قلوب الصالحين والمؤمنين وبعض المسلمين، وأعني بذلك الجدال والمراء. الجدال والمراء هو مما يبتلى به بعض الناس، وهو كثرة الجدال وكثرة المراء بحق وبباطل. كان السلف يكرهون الجدال، ولهذا يروى عن إبراهيم النخعي كان يقول: كانوا، أي السلف قبله وهو من التابعين، كانوا أي الصحابة وكبار التابعين يكرهون الجدال؛ لأنه فيه الخصام وفيه المغالبة، وقد يكون فيه مما يورث الضغائن في القلوب، ولهذا كانوا يكرهون هذا الأمر.

فالجدال هو الخصومة، قد يكون أحياناً بحق وقد يكون بباطل، لكنه في أصله مخاصمة مع الآخر في إثبات رأي ونفي رأي آخر، ولهذا قيل في تعريفه: الخصومة ومراجعة الكلام. وأيضاً قيل في تعريفه وهو تعريف جميل: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة؛ أي أن الإنسان يريد أن يغلب صاحبه. وهنا تأتي الخطورة، وتأتي شهوة النفس، وحب الظهور، وإسكات الآخرين، ومن هذا الجانب جاء هذا الأمر وأنه من أمراض القلوب؛ لأنه ينافي الإخلاص في حب ظهور الحق. هو يريد أن يظهر هو بنفسه، يعني لو ظهر الحق على لسان صاحبه لا يقبل ولا يريده، بل يجادل بالباطل.

إذا وقع الإنسان في هذا الداء وفي هذا البلاء، لكن هناك الجدال المحمود الذي يريد الإنسان فيه ظهور الحق حتى ولو كان على لسان غيره، وهذا الجدال أكثر ما يكون في مسائل العلم، ولهذا كرهه العلماء، بل كانوا يتحاشونه في مسائل العلم إلا بالنقاش العلمي. أما الجدال والنزاع والخصام في هذا الأمر فكان البعض يبتعد عن هذا الأمر ويجتنبه، ولهذا يكثر هذا الجدال وهذا الخصام في مسائل العلم خصوصاً في العقائد وفي الأحكام الفقهية. يكثر بعض الناس ممن أوتي جدلاً؛ أي مسألة يريد أن يجادل، يريد أن يتكلم، شهوة الكلام، شهوة الظهور، وهذه إشكالية كبيرة جداً؛ إشكالية إذا ابتلي بها الإنسان أنه يريد فقط أن يجادل لمجرد الجدال، أن يناقش لمجرد النقاش، لا لإظهار حق أو بيانه أو لترسيخ معلومة أو سؤال عنها، هو فقط يجادل بالباطل.

يكثر الحديث في أي مسألة تطرح؛ تجده في نقاش، في جدال، أكثر ما يتكلم في مسألة المعارضة والمناقشة، لا تريد الوصول إلى الحق. ولذا بسبب هذا الأمر حذر الله عز وجل منه في أعظم العبادات وهو الحج؛ نص الله عز وجل عليه في عبادة عظيمة يكثر فيها النقاش وتكثر فيها المسائل. يقول الله عز وجل: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]. فلا رفث؛ الرفث هو الجماع ومقدماته وما يتعلق به من أمور النساء، والفسوق هو المعاصي والذنوب التي يجب على المسلم أن يجتنبها في الحج وفي غيره، لكن وهو متلبس بالعبادة أعظم وأجل.

ولا جدال في الحج؛ يعني ينبغي للمسلم أن يضبط نفسه في هذه العبادة، فهو متلبس بعبادة عظيمة، وهو في أماكن عظيمة في شعائر عظيمة، يجب على الإنسان أن يحفظ لسانه، لأن الجدال يكثر في الحج. مسائل الحج كثيرة التي يحصل فيها الخلاف، لكن الإنسان يبين الحق ويظهره أو يعمل به دون حاجة إلى إقناع الآخرين، يعني لست عليهم بمسيطر؛ الإنسان ليس ملزماً بأن يحمل الناس على الحق الذي يراه. الإنسان يدين الله عز وجل بما يعلمه، وإذا سئل يبين الحق، ثم بعد ذلك ينصرف ويبتعد عن الجدال الذي نص الله عز وجل عليه خصوصاً في هذه العبادة العظيمة.

الإنسان بطبعه كثير الجدال، وهذا نص الله عز وجل عليه في كتابه الكريم، يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: 54]. الإنسان كثير الجدال لما فيه من شهوة النفس وحب الظهور والبروز والغلبة للآخرين، فهذه من أمراض القلوب قد تعتري الإنسان عياذاً بالله من ذلك. ولهذا خافه السلف؛ لأن الإنسان أحياناً قد يجادل ويدخل عليه الشيطان ويريد أن يتغلب ولو بالباطل ويحزن لو ظهر الحق على لسان الآخر، هذه كارثة وطامة ومصيبة. وكان بعض السلف الأخيار الذين صفت قلوبهم وطهرت من هذا الداء يتمنى أن يظهر الحق على لسان صاحبه؛ لأن الحق هو بغيته.

النبي صلى الله عليه وسلم استشهد بهذه الآية في موقف جميل، جاء النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة من الليالي إلى بيت ابنته فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، وكانت مع زوجها علي رضي الله عنه على فراشهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما: «ألا تصليان؟» يحثهما على قيام الليل، فقال علي رضي الله عنه: إن أنفسنا بيد الله، إن شاء بعثها؛ كأنه يقول: إن الأمر بيد الله عز وجل، فيه شيء من الرد. فقام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب على فخذه وقرأ هذه الآية: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. كان المفترض السماع لكلام النبي صلى الله عليه وسلم والخضوع له، ولا شك أن علياً وفاطمة من أشد الناس اتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذه من الطبائع البشرية التي جاءت في هذا الحديث. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على طاعته وأن يجنبنا معصيته.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الرسل، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، فقد تحدثنا أيها الأحبة عن الجدال والخصام الذي كرهه بعض السلف لما فيه من شهوة النفس وحب الظهور والغلبة حتى ولو كان بالباطل، ولهذا كان السلف يحذرون منه ويبتعدون عنه، مع أن الجدال فيه جدال محمود وفيه أيضاً جدال مذموم. الجدال المحمود له ضوابط، والله عز وجل ذكر الجدال في كتابه الكريم وحث على الجدال المحمود، ولا شك الله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. جاء قبلها: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾.

ما هي ضوابط الجدال المحمود؟ من ضوابطه أولاً: أن يكون مراد الإنسان ومبتغاه من الجدال هو إظهار الحق، ليس الجدال لمجرد الجدال؛ هو يريد إظهار الحق في مسألة علمية، يجادل ويناقش ويحاور ليتبين حكم الله عز وجل في هذه المسألة. الأمر الآخر: أن يكون عند الإنسان القبول للحق حتى ولو ظهر على لسان المجادل الآخر، وهذا أمر عظيم جداً، وهو يتعلق بالقلوب، والله عز وجل هو المطلع على هذا الأمر. يعني الإنسان لا يفرح فقط إذا ظهر الحق على لسانه ويتشفى في الآخر، بل يتمنى أن يظهر الحق سواء على لسانه أو على لسان أخيه، ولا يغضب؛ وهنا الاختبار الحقيقي، أنه لو كان الحق مع أخيه ألا يغضب وتنكسر نفسه ويرى أنه هزم. هذا والله دلالة على عدم الصدق وعدم الإخلاص في بحث هذه المسألة، بل هو يفرح بظهور الحق على لسانه أو على لسان أخيه، هو يريد فقط إظهار الحق.

الأمر الثالث: أن يكون هذا الجدال كما قال الله عز وجل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾؛ أن يكون فيه أدب ولين في الكلام ولطف في العبارة. لابد أن يكون الحوار بهذه الطريقة، أما أن يكون برفع صوت وبحدة وبشدة وبعدم تأدب في الألفاظ، فهذا ليس جدالاً محموداً. لابد أن يكون الإنسان مأموراً دوماً بجمال الكلام وأدبه ولطفه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والكلمة الطيبة صدقة». فكيف إذا كانت في إظهار الحق وفي مسائل العلم وفي النقاش في الأحكام الشرعية؟ لا شك أنها أعظم وأجل. ولهذا الإنسان يناقش بلطف وأدب وبكلمة طيبة، وهذا يعين أيضاً على قبول الحق؛ تجعل الآخرين يقبلون الحق، فالإنسان أحياناً بجمال الكلام وبلطفه وبأدبه يجعله يتقبل الحق. وأحياناً الفحش والبذاءة في اللسان تجعل الإنسان يرد الحق ويرفض هذا الكلام حتى ولو كان حقاً وصدقاً، لكن بسبب الأسلوب يرد هذا الكلام ولا يرتضيه.

الإنسان يتمثل بهدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان هيناً ليناً رحيماً في كلامه، والله عز وجل يقول عن نبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. من أعظم الخلق هو اللطف والكلام اللين، وقد ذكر العلماء عن حسن الخلق في تعريفه قالوا: حسن الخلق شيء هين، وجه طلق، وكلام لين. لا بد أن يكون ليناً ليصل إلى قلوب الناس؛ فالكلام اللين يفتح مغاليق القلوب. الله عز وجل يقول لحبيبنا وقدوتنا وإمامنا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. مع أنه أتاهم بالحق، أتاهم بالتوحيد، أتاهم بالنور وبالهداية، ومع ذلك يقول الله عز وجل: ﴿لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، لكن حاشاه عليه الصلاة والسلام، فهو الرحيم وهو الرحمة المهداة والنعمة العظيمة التي أنعم الله عز وجل بها على هذه البشرية، فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أتباعه ومن المتمسكين بسنته ظاهراً وباطناً.

هذا ما يتعلق أيها الأحبة بالجدال المحمود الذي ذكره الله عز وجل في كتابه، بل حث النبي صلى الله عليه وسلم عليه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم»؛ يعني بإظهار الحق ومجادلة أهل الباطل، لكن بالتي هي أحسن. وهذا نراه الآن وأثره عظيم جداً، نرى أثره العظيم؛ ما منا أحد إلا وقد سمع بمناظرات الشيخ أحمد ديدات وتلميذه الدكتور ذاكر نايك وغيرهما من الذين يظهرون الحق بأسلوب جيد وبعلم.

بعلم أيضا ليس فقط بأسلوب، وإنما أيضا معه العلم الراسخ والمعرفة بعقائد المخالفين؛ فهذا بإذن الله يثمر شيئاً عظيماً وهو ما نراه من دخول كثير من المشركين أو من النصارى أو من اليهود في الإسلام على أيديهم ببركة الدعوة إلى الله عز وجل بالتي هي أحسن.

وهذا هو الجدال المحمود الذي يسعى إليه المسلم في مناقشة مسائل العلم، والحوار مع أقرانه ومشايخه للوصول إلى حكم الله عز وجل في مسألة من المسائل. هذه من الأمور التي يحسن بالمسلم أن يجادل في بعض المسائل لإظهار الحق، وليس لمجرد الجدال ومجرد النقاش ومجرد الكلام، ويبتعد عن شهوات وحظوظ النفس وعن شهوة الغلبة للآخرين. هذه أمور إذا تقيد بها الإنسان فإنه يكون بإذن الله ممن يتمثل الجدال المحمود الذي نص عليه الله عز وجل في كتابه الكريم، وأمر به النبي صلوات ربي وسلامه عليه. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيننا على نشر دينه، وأن يجعلنا ممن يجادلون بحق وبصدق، وممن يدعون إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة.

ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.

منذ أن فارقت النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يزال يذكرها بأرق الكلمات وأطيب العبارات؛ وفاء لها واعترافاً بجميلها، حتى قال لإحدى زوجاته حين غارت منها: «إني قد رزقت حبها». إنها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية رضي الله عنها، الزوجة الوفية والمؤمنة الصابرة التقية، أولى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأم جميع أولاده سوى إبراهيم.

ولدت بمكة سنة ثمان وستين قبل الهجرة، وكانت من أعرق بيوتات قريش نسباً وحسباً وشرفاً، ولذا نشأت على الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، فكانت عفيفة رصينة ذات عقل وحزم. وحين سمعت بخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم رغبت في أن تجعله يعمل في تجارتها فعمل فيها، فربحت أضعاف ما كانت تربح مع غيره، فوسطت من عرض عليه الزواج منها، فوافق عليه الصلاة والسلام وتزوجها.

كانت رضي الله عنها تعد للنبي صلى الله عليه وسلم الزاد الذي يكفي حينما كان يتعبد في غار حراء، وقد هرع إليها بعدما فاجأه الوحي وهو في الغار فطمأنته بقولها: كلا والله ما يخزيك الله أبداً. فكانت أول من أسلم من الناس قاطبة، وواسته بنفسها ومالها. ظلت مع النبي صلى الله عليه وسلم صابرة على أذى قريش، حتى وقع حصار قريش على بني هاشم وبني المطلب في شعب أبي طالب، التحقت بزوجها في الشعب وعانت معه في سبيل الله ما عاناه بنو هاشم من جوع ومرض مدة ثلاث سنوات.

وتوفيت رضي الله عنها قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنوات، فذهبت وبقي أثرها. من فضائلها ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه طعام أو إناء فيه شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد، أيها الأحبة، فنواصل الحديث عن الجدال الذي يكون عند الناس في مناقشاتهم وفي حوارهم. قبل الفاصل ذكرنا أن الجدال ينقسم إلى نوعين: نوع محمود ونوع مذموم. وتحدثنا عن النوع الأول وهو النوع المحمود الذي ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم وحث عليه النبي صلوات ربي وسلامه عليه، وهو أن يتمثل الإنسان بهذا الأدب العظيم، وهو أدب الحوار وأدب الجدال وأدب النقاش الذي يريد الإنسان منه إظهار الحق وبيانه، وأن يبتعد عن حظوظ النفس، وأن يكون بكلام هين لين فيه من الرفق واللين ومحبة الخير للآخرين.

النوع الثاني هو الجدال المذموم. وهذا هو الذي جاءت نصوص السلف في التحذير منه، وأيضاً هذا يفهم من كلام الله عز وجل في قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46]. مفهوم المخالفة أنكم لا تجادلوهم إذا كان الكلام بالتي هي أسوأ. فإذا كان الجدال بغير التي هي أحسن فلا تجادلوهم، هذا فيه نوع من النهي في هذه الآية أنه لا يجادل أهل الكتاب إذا لم يكن هناك جدال بالتي هي أحسن. فالجدال المذموم هو مرض من أمراض القلوب، وفيه شهوة خفية قد تحبط عمل الإنسان، عياذاً بالله من ذلك.

والجدال المذموم أيها الأحبة له مظهران يكشفان عن حاله ويبينان هذا الأمر؛ فإذا أراد الإنسان أن يعرف ما هو الجدال المذموم فيتبين ذلك من أمرين. الأول: أن يكون الجدال بغير علم. وهذا مع الأسف يقع من بعض الناس الآن؛ هو جاهل ويريد أن يتكلم لمجرد شهوة الكلام، يتكلم في كل شيء، ويتكلم أحياناً في دين الله عز وجل، وهذه هي الكارثة وهذه هي الطامة، أنه يجادل في أحكام الله وفي شرع الله بغير علم، وهذا من القول على الله بغير علم. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116].

الجدال الآن في نقاش يدار في مسألة من المسائل، يذكر من عنده علم مسألة من المسائل، فيأتي من عوام الناس ويجادل: هذا ليش حلال؟ هذا ليش حرام؟ وما هو دليلك؟ وهكذا، يعني بالباطل وليس بغية الوصول إلى الحق. لكن المؤمن إذا سمع الحق يقول سمعنا وأطعنا، لكن هذا الجاهل يجادل لمجرد الجدال ويناقش لمجرد النقاش، هو لا يريد الوصول إلى الحق.

ولهذا حذر الله عز وجل أو بين الله عز وجل في كتابه الكريم حال هؤلاء الناس، فقال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج: 3]. وهذه تكررت في كتاب الله عز وجل مرتين في سورة الحج، وهذا لعله يربطنا بما ذكرناه في الحلقة الماضية، أن النص جاء بالتحذير من الجدال منصوصاً عليه في عبادة الحج: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]؛ لأنه يكثر فيه النقاش وتكثر فيه المسائل والناس مع بعضهم في المشاعر في منى في عرفات في مزدلفة. هم في عناء، وتتفرق أحياناً للنقاش في المسائل العلمية، ليس عندهم ملهيات ولا مشغلات، فبعض الناس بدل ما يتفرغ لطاعة الله ولذكر الله يتفرغ للنقاش والجدال بالباطل.

أيضاً تكرر في آيات الحج قول الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾ [الحج: 3]، هو يتبع في كلامه الشيطان ويجادل بغير علم. وجاء أيضاً في آية أخرى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [الحج: 8]، يعني ليس عنده علم، ولا هدى يعني نور في قلبه يبحث فيه عن الحق، ولا كتاب منير يعني أدلة واضحة وبصيرة عنده بكتاب الله وبكلام رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه تبين له الحق. وهذا هو الضلال المبين إذا حل بالإنسان، وهذه كارثة ومصيبة توصل الإنسان إلى أن يقول على الله بغير علم.

المظهر الثاني والعلامة الثانية من علامات الجدال المذموم هو الجدال لنصرة الباطل. هو يعلم الحق، لكنه يجادل بالباطل لنصرة الباطل فقط، وإلا فهو يعلم الحق، وهنا تأتي الكارثة وتأتي الطامة وتأتي المصيبة سواء في العقائد أو في الأحكام الشرعية. وهذا حصل حتى من بعض المشركين، الذي أوصله إلى هذا الأمر أنه لا يريد الحق. ولهذا لما يروى عن بعض العرب الذين هم من أتباع مسيلمة الكذاب لما سمع قرآن مسيلمة الذي يهرف به ويهذي به، هذا الهراء الذي كان يقوله: يا ضفدع نقي ما تنقين، والوبر وما أدراك ما الوبر، هذا الذي ذكره بعض أهل السير وأهل التفسير، وفي الوقت نفسه يسمع كلام الله عز وجل الذي جاء به نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، عندما يسمع هذا القرآن العظيم يقولون كلمات عظيمة جداً، لكن آمنت ألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، يقول: والله إني لأعلم أن مسيلمة كذاب وأن محمداً صادق، ولكن كذاب اليمامة أحب إلينا من صادق قريش.

هذا هو الجدال بالباطل، هو يعلم الحق، وهذا من أعظم البلاء أن يصل بالإنسان إلى أن يرد دين الله عز وجل، وهذا والله طامة كبيرة جداً، كما قال الله عز وجل عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]. وكما قال أبو جهل عليه لعائن الله: تنافسنا نحن وبنو هاشم على الشرف، فقالوا منا السقاية، قلنا منا الرفادة، يعني عند بني هاشم آل البيت عندهم سقاية الحجيج وهم يطعمون الحجاج، وقالوا منا نبي، ولا نبي عندنا، فلا والله لا نسلم له. القضية أنه يوقن يقيناً تاماً أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق وعلى حق، لكنه يرده نصرة للباطل، عياذاً بالله من ذلك.

فهذا الجدال لنصرة الباطل، الإنسان ينصر الباطل ويشغب على الحق، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع» أي حتى يرجع عن هذا الأمر. وهذا مع الأسف يقع من كثير من الناس، أحياناً نصرة لنفسه، هو يعلم أن الحق على لسان أخيه لكن لا يريد أن ينهزم، يريد أن ينتصر لنفسه بعد أن تبين له الحق، فينتصر لنفسه وليس لدين الله عز وجل، أو ينتصر لمذهبه أو ينتصر لشيخه أو ينتصر لبلده لأي أمر من الأمور. فهنا يأتي الجدال المذموم الذي حذر منه الله عز وجل في كتابه الكريم وعلى لسان نبيه صلوات ربي وسلامه عليه.

وهذا يدخل حقيقة فيه كثير ممن يجادلون الآن سواء في العقائد أو في الأحكام الشرعية أو ما يحصل في حياة الناس. وهذا ظاهر أحياناً في فئة من الناس مثلاً في فئة المحامين الذين يدافعون عن بعض القضايا؛ يأخذ بعض القضايا بمبلغ كبير لأن الحق فيها واضح فيريد أن يقلب الحق إلى باطل والباطل إلى حق، فيجادل بالباطل وهو يعلم يقيناً أن هذا الأمر خلاف الذي يريد أن يدافع عنه. فهنا تأتي المجادلة بالباطل والمخاصمة في غير حق التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم.

وما زال الحديث فيه بقية في هذا الأمر في الجدال والمراء نرجئه إلى الحلقة القادمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيننا على طاعته، وأن يجنبنا معصيته، وأن يحفظ ألسنتنا من كل سوء ومن كل مكروه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.