يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد ومكارم الأخلاق ندرسها معا، أدب وتربية على الإحسان. بشرى لنا زدنا كاذبين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في أكاديميتنا المباركة أكاديمية زاد.
وفي مادة التربية، ومقرر أمراض القلوب، حلقة اليوم إن شاء الله هي متممة ومكملة للحلقة الماضية التي تحدثنا فيها عن داء عظيم من أدواء وأمراض القلوب، وهو داء العشق. تحدثنا في الحلقة الماضية عن هذا الداء وهذا البلاء الذي إذا حل بالإنسان أوصله إلى درجات من الذل والمهانة والخنوع والخضوع لغير الله، وكسر هذه النفس وجعلها مستكينة ذليلة خاضعة، وهذا حقيقة لا يليق ولا ينبغي بمسلم عاقل عزيز حر كريم.
والإسلام يثير العزة في النفوس، الإسلام يريد منا أن نكون أحرارا، أن نكون أقوياء في ديننا، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. قوي في كل شيء؛ قوي في دينه، قوي في شخصيته، قوي في إيمانه، قوي حتى في حبه وفي ضبطه لنفسه في هذا الأمر، قوي حتى في كرهه وفي ضبطه لهذه النفس. هذا أمر ينبغي أن يكون حاضرا في الذهن لكل إنسان، فهذا هو ديننا وهذا ما يربينا عليه، يربينا على العزة والكرامة والقوة والرجولة. هذا هو الدين الحق الذي إن تمسك به الإنسان أصبح عزيزا قويا كريما عند الله عز في علاه.
هذا الداء أيها الأحبة، الوقوع فيه له أسباب، مثل ما أن المرض له أسباب أيضا، هذا الداء وهو داء العشق له أسباب. إذا تعرض لها الإنسان أو تساهل في هذه الأسباب فإنه قد يصل إلى هذا الأمر عياذا بالله. أول سبب هو الإعراض عن محبة الله. الإعراض عن محبة الله، يعني هذا القلب أيها الأحبة ينبغي ألا يمتلئ بحب أحد أعظم من حب الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]. لا ينبغي أن يمتلئ بحب أحد أعظم من حب الله، فيكون حب الله عز وجل هو الأعظم والأجل والأكبر في قلوبنا.
فإذا امتلأ هذا القلب بحب الله فإنه لا يمكن أن يتمكن منه حب مخلوق أبدا. يكون هناك شيء من الحب في بعض المخلوقين، لكن الحب الكامل المطلق الذي تمتلئ به شغاف القلب هذا لا يكون إلا لله، ثم لرسول الله ﷺ وما يتعلق بهما مثل حب القرآن، حب الصلاة، حب العبادة، حب الطاعة، حب الذكر، وحب الوالدين هو أيضا مما يتعلق بهذا الأمر.
فهذا يعني إذا وقع في قلب الإنسان فإنه لا يمكن أن يذل ويخضع ويمتلئ قلبه بحب مخلوق أعظم من حب الله عز في علاه. ولهذا العشق أيها الأحبة لا يتمكن، وهذا الداء وهذا البلاء لا يتمكن إلا من قلب فارغ، فارغ من حب الله وحب رسوله ﷺ، فارغ مما يشغله من أي أمر من علم أو طاعة أو صناعة أو أي أمر. ليس عنده شغل من أمور الدنيا ومن أمور الآخرة، هو قلب فارغ ولهذا تمكن هذا الداء من هذا القلب.
ولذا يقول ابن عقيل رحمه الله: «وما كان العشق إلا لارعن بطال»، يعني فارغ. قَل أن يكون مشغولا، وقَل أن يكون لمشغول ولو في تجارة أو صناعة. حتى لو كان الإنسان مشغولا في تجارته أو في صناعة فإنه لا يمكن أن يقع هذا الداء في قلبه لأنه إنسان مشغول القلب، سواء كان شغله في طاعة أو شغله في دنياه. لكن القلب الفارغ هو الذي يتمكن منه هذا الداء، ولا يكون قل أن يكون في مشغول ولو في تجارة، فكيف بعلوم الشرع؟
إذا الإنسان امتلأ قلبه بالتعلق بحب الله وحب النبي ﷺ، وحب العلم، وحب طلب العلم، وحب القراءة، وحب تلاوة القرآن، هل يمكن أن تأتي هذه السفاسف وهذه الدناءة وهذه الحقارة وهذا الفسق وهذا المجون؟ هل ممكن يتمكن من قلب الإنسان؟ لا والله أبدا، القلب ممتلئ. لاحظوا أيها الأحبة، الإناء إذا كان ممتلئا لا تستطيع أن تضع فيه. ولهذا يقولون إن الإناء الممتلئ كل ما وضعت فيه شيئا أخرج الهواء، والإناء الفارغ ممتلئ بالهواء. الهواء هو هذا الداء، فضع شيئا في الإناء يخرج الهواء، فهذا هو القلب. إذا وضعت فيه حب الله، حب النبي ﷺ، حب القرآن، حب العلم، حب الطاعة، حب العبادة، فإن الهوى يخرج، العشق يخرج، هذا الداء يخرج من قلب الإنسان.
ولهذا لاحظوا كيف أهل العلم لما تعلقت قلوبهم بالعلم وأحبوه أكثر من حبهم لشهوات الدنيا، وكلنا يعرف القصيدة التي من عيون الشعر وجميلة في الحكم، وأيضا في التعلق بالعلم، هذه قصيدة تروى للشافعي وتروى أيضا للزمخشري صاحب الكشاف، يقول فيها:
سهري لتنقيح العلوم لذيذ ... من وصل غنية وطيبي عناق وتمايلي طربا لحل عويصة ... في الدرس أشهى من مدامة ساقي ومِن صرير أقلامي على أوراقها ... أشهى وأحلى من الدوكاء والعشاق نقري لألقي الغبار عن أوراقي ... ألذ لي وأحب من نقر الفتاة لدفها أبيت سهران الدجى وتبيت نوما ... وتبغي بعد ذاك لحاقي
الإنسان إذا عشق العلم وأحب العلم وتعلق بالعلم فإنه لا يمكن أن يتعلق قلبه بغير ذلك من هذه التفاهات التي لا يمكن لإنسان عاقل أن يقع فيها إذا نور الله عز وجل بصيرته.
أيضا مما يوصل للوقوع في هذا الداء عدم حفظ الجوارح، يعني الإنسان يطلق نظره في المحرمات، ولا يغض بصره وإنما يصبح عنده تساهل كبير جدا في هذا الأمر، والنبي ﷺ أخبر أن «العينين تزنيان، وزناهما النظر». فالإنسان إذا أطلق بصره فإنه يوصل.
يقتل كل عام ستة ملايين شخص تقريبا، منهم أكثر من خمسة ملايين ممن يتعاطون أو سبق لهم تعاطيه، وأكثر من ستمائة ألف شخص ممن يتعرضون له بشكل غير مباشر؛ إنه التدخين. مدمر الصحة وقاتل الملايين، ووفقا لما جاء في تقارير منظمة الصحة العالمية، فإن شخصا واحدا يقضي نحبه من جراء التدخين كل ست ثوان تقريبا، مما يمثل عشر وفيات البالغين.
ونظرا للسنوات العديدة التي تفصل بين بدء الناس في تعاطي التدخين وبدء معاناتهم الصحية منه، فإن العالم قد بدأ يشهد زيادة الأمراض والوفيات ذات الصلة بالتدخين. ففي مقابل مائة مليون وفاة في القرن العشرين قد سببها تعاطي التدخين، قد تبلغ الوفيات في القرن الحادي والعشرين نحو مليار وفاة متى استمر تعاطيه بتلك الصورة المتزايدة. وهذا قد أثبتت التجارب والأبحاث العلمية الحديثة خطر التدخين المميت على جسم الإنسان بأجهزته المختلفة؛ حيث يصاب المدخن بأمراض خطيرة، منها سرطان الرئة، ضعف الأعصاب، جلطات القلب، موت الفجأة، التهاب الشريان التاجي المغذي للقلب، الذبحة الصدرية، سرطان المريء، وسرطان المثانة والكلى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: وقد توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند الحديث عن حفظ الجوارح التي تعين بإذن الله على عدم وصول الإنسان إلى هذه المرتبة الدنيئة وهي داء العشق. حفظ الجوارح أيها الأحبة، وأعظم ذلك حفظ العينين من النظر المحرم؛ لأن الإنسان إذا أطلق بصره في الحرام فإن هذا القلب يتعلق ويحب هذا الحرام ويتشوف إليه أيضا، وقد يصل به بعد ذلك إلى هذا الداء، يبدأ حبا ثم يتحول إلى عشق.
وهذا يعني هذه النتيجة النهائية والأخيرة التي يصل إليها الإنسان. ومن حفظ الإنسان بصره حتى لا يتعرض لهذا الداء أيضا، مما يوصل الإنسان ويزين له هذا الأمر ويوقعه في قلبه حتى يتمكن منه، هو سماع الأغاني، وهذا والله من أعظم البلاء؛ الأغاني التي فيها العشق وفيها الحب والغرام. وهذا مع الأسف هو الفن الهابط والحقير الذي يشغل كثير من شباب المسلمين ومن شابات المسلمين أيضا، يشغلون أنفسهم بهذا السماع المحرم الذي لا ينفعهم لا في دين ولا في دنيا، ولا يرتقي بأخلاقهم ولا يرتقي بدينهم ولا يقدم لهم شيئا، وإنما هو إشغال فيما حرم الله.
وهذا والله من تسلط الشيطان عليهم، وهذا من صوت الشيطان الذي يجلبه عليهم ليشغلهم عن ذكر الله وعن طاعة الله. وكما قال ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: «الغناء رقية الزنا»، أي الموصل إليه. والإنسان أيها الأحبة إذا أشغل قلبه بهذه الأغاني وأحب هذا الأمر وتعلق به، خصوصا ما يتعلق بالعشق والهيام والغرام، هذا الإنسان القلب لا يريد بعد ذلك ذكر الله ولا يحب القرآن.
ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله في النونية: حبُّ الكتابِ وحبُّ ألحانِ الغِنى ... في قلبِ عبدٍ ليس يجتمعانِ
الذي تعلق قلبه بحب الغناء وسماعه والتلذذ به، لا يمكن أن يتلذذ بكتاب الله عز وجل، وأن يتدبر القرآن، وأن يعيش مع القرآن بعقله وبقلبه وبجوارحه يتفاعل مع كتاب الله عز وجل حبا وخشوعا وبكاء، لا يمكن لإنسان تعلق قلبه بالغناء أن يصل إلى هذه المرتبة.
فهذا أمر وهو كثرة سماع الأغاني المحرمة الهابطة، ومع الأسف الآن كل ما يوجد هو هابط، فيه من الدناءة بل فيه من الفحش أحيانا من الكلمات البذيئة. بل قد يكون أحيانا مثل ما يكتب في نقد هذا الفن الهابط أنه يكون أحيانا الغناء بين رجل وامرأة وفيه قبل وأحضان مع الغناء. هذه والله من الكوارث والطوام التي تعلق قلوب هؤلاء الشباب بهذه المحرمات وتزين لهم الباطل وتحببه إليهم، وهذا نسأل الله السلامة والعافية.
كله في ميزان سيئات الذين ينشرون هذا الأمر، وهؤلاء المغنون والمغنيات الذين يفعلون ذلك سيموتون في يوم من الأيام، لكن يبقى كل من يسمع هذا بعد موتهم، فإنه يجري في ميزان سيئاتهم عياذا بالله. ولهذا يقول بعض السلف: «طوبى لمن مات وبقيت حسناته، وويل لمن مات وبقيت سيئاته»، أي بقيت السيئات تجري. وهذا يحصل لبعض الناس الآن، عنده أغنية أو موقع إلكتروني ماجن أو يرسل رسائل ماجنة وتستمر، قد يموت في يوم من الأيام وتتداول الناس مثل هذه المحرمات، فإنها تجري في ميزان سيئاته عياذا بالله. فنسأل الله عز وجل أن يعافينا وإلا يبتلينا.
أيضا مما يتعلق بهذا بعد الأغاني الأفلام الهابطة التي تتكلم عن الحب والعلاقات الجنسية وغيرها، وهذه والله من الكوارث والطوام التي زينت للمسلمين ودخلت إلى بيوتهم. بل الكارثة والطامة والمصيبة التي تحل بكثير من بيوت المسلمين أن الأب والأم والأبناء يجتمعون على رؤية فيلم أو مسلسل أو مشهد فيه من مشاهد الحب والغرام، بل قد يكون أحيانا الرجل مع المرأة في غرفة النوم، وهذا المشهد يصور في غرفة النوم، والأب مع زوجته مع أبنائه ينظرون إلى هذا الأمر. أي عقل؟ أي دين؟ وماذا يريد هذا الأب وهذه الأم من الأبناء أن يتربوا عليه بعد ذلك إذا كانت هذه المشاهد الحميمية وهذه المشاهد الجنسية تشاهد أمام الجميع والامر طبيعي جدا؟ ماذا ينتظر الأب من ابنته بعد ذلك أن تكون ما شاء الله من العابدات الزاهدات؟ أو ماذا ينتظر من الابن أن يكون من العلماء الصالحين بعد أن تربى على هذا الأمر؟
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه، خلاص، ينشأ هذا الابن وهذه البنت على أن الحب والعلاقة بين الرجل والمرأة، القبل والأحضان، أنه أمر طبيعي جدا ولا شيء فيه. ولهذا الأب والأم ينظران إلى هذا الأمر مع أبنائهما دون نكير ودون أي إنكار لهذا الأمر عياذا بالله من ذلك.
أيضا مما يتعلق بذلك قراءة بعض الشباب وتعلق بعض الشباب بالروايات الجنسية والغرامية، وهذه كثيرة الآن موجودة في الساحة، ومع الأسف أنها أحيانا تكون أكثر مبيعا من الكتب التي تنمي العقل وتربي العقل وتزكي النفس. تكون هذه الروايات الهابطة التي لا تقدم لا في دين ولا في دنيا، ومع ذلك ينشغل بها بعض الشباب، وهذا نتيجة الفراغ، نتيجة الفراغ وعدم التوجيه الصحيح. الفراغ هذا ما ينتج عنه أن الإنسان يريد أن يشغل وقته بأي شيء، بأي أمر.
أي شيء يريد أن يشغل أحيانا بعض الشباب يريد أن يشغل وقته فقط، يريد أن يخرج يلفلف في السيارة، فقط أن يتجول في سيارته أو يتجول في الأسواق؛ لهذا الفراغ القاتل الذي يوصل الإنسان إلى مثل هذا الأمر. والمسلم الحريص على دينه هو حريص على وقته، ويعلم أن هذا الوقت هو أثمن شيء عنده.
ولهذا الإنسان -أيها الأحبة- يسأل عن هذا الوقت مرتين؛ قال النبي ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه». وهو أيضاً من الوقت، فالشباب هو جزء من العمر، لكن يسأل عنه خصوصاً لأنه فترة التلقي، فترة القوة، فترة الفراغ الذي يصرفه فيما ينفعه ويرفعه عند ربه.
لكن إذا ابتلي الإنسان بهذا الفراغ الذي لا قيمة له عنده، فإنه يصرفه في مثل هذه التفاهات؛ من سماع أغنية تافهة أو لفيلم هابط أو لرواية رومانسية، فيشغل وقته بهذا، وأيضاً يفسد قلبه بهذا الأمر. وقد يصل إلى هذا الداء الذي تحوم حوله هذه الأشياء الهابطة: الأغاني والأفلام والمسلسلات والروايات الرومانسية والجنسية، تتعلق كلها بهذا الأمر فتوصل الإنسان إلى هذا المحرم أيضاً.
وبالذات الفتيات، هو التساهل -أيها الأحبة- في التواصل في وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة مثل الواتساب، في تويتر، فيسبوك وغيرها من وسائل التواصل الحديثة التي ابتلي بها الناس الآن، وهي سلاح ذو حدين. كثير من الفتيات تتساهل في هذا الأمر؛ هي تريد فقط في البداية أن تقضي وقتها، أن تداعب غيرها لفترة من الوقت، لكنها قد تقع في شباك ذئب من الذئاب البشرية وهي لا تشعر. ونتحدث عن هذا الأمر بعد الفاصل إن شاء الله؛ صيانة للمرأة عن الأذى، وأمان لغيرها من الفتنة، وحفاظ على المجتمع من السقوط في مهاوي الرذائل والشهوات.
الحجاب فرضه الله على المرأة المسلمة وأمرها بالالتزام به أمام كل رجل أجنبي عنها ولو كان من غير المحارم. وحجاب المرأة هو ما ستر جميع البدن، وكان موافقاً للشروط الآتية: أن يكون كثيف النسيج لا يشف ما تحته، أن يكون فضفاضاً لا يصف ما دونه، ألا يكون زينة في نفسه، ألا يكون مبخراً أو مطيباً، ألا يشبه ثياب الرجال، ألا يشبه زي الكافرات، ألا يكون ثوب شهرة تمتاز به عن قريناتها. ما دون ذلك كان داخلاً في التبرج الذي نهى الله عنه بقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ [الأحزاب: 33].
فالمرأة المسلمة تلتزم أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ كي تفوز برضا الله تعالى وجنته، وتنجو من الوعيد الوارد في قول النبي ﷺ: «صنفان من أهل النار لم أرهما: هما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا».
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد؛ توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند الحديث عن سبب عظيم مما يوصل الإنسان إلى هذا الداء وهو لا يشعر، وهذا من خطوات الشيطان؛ يوصل الإنسان إلى هذا البلاء وهذا الداء وهذا المرض العظيم الذي يحل بقلب المسلمة، وداء العشق، وهو تساهل الإنسان سواء كان شاباً أو فتاة؛ فإنه يوصل به هذا الأمر.
هذا التساهل أيها الأحبة الذي يقع في وسائل التواصل الاجتماعي؛ قد أحياناً المرأة تتحدث مع شاب وهي تريد فقط تسلية وتضييع للوقت، لكن قد لا تشعر أحياناً إلا وهي تنجرف خلفه بمأثور كلامه أو بجمال أسلوبه أو بغير ذلك من الأمور، فيتعلق القلب بهذا الأمر فيصبح هناك علاقة محرمة بسبب هذا الأمر.
ولهذا يجب على المرأة المسلمة، ويجب كذلك على الشاب المسلم، ألا يتواصل أبداً مع غير محارمه؛ لا الرجل يتواصل مع المرأة التي لا تحل له، ولا المرأة تتواصل مع الرجل الذي لا يحل لها أبداً. يجب أن يكون هناك حد فاصل، لابد، الله عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53]. القضية لابد أن يكون هناك حجاب وفاصل بين الرجل والمرأة، وهذا مما تساهل به بعض الناس ويقولون: فواصل وأنتم تشددون!
أبداً، لأن يا إخوان هناك فطرة؛ فطرة ميل الرجل إلى المرأة وفطرة ميل المرأة إلى الرجل، هذه فطرة. وكم حصلت من كوارث ومن طوام بسبب هذا الأمر؟ وأشد وأخطر من ذلك ما يحصل من بعض الفتيات من التساهل في الحديث مع الشباب في الهاتف؛ التساهل عظيم جداً وهذا لا ينبغي ولا يجوز. أحياناً في البداية يكون مجرد حديث عابر أو غير ذلك، لكن بعد ذلك تبدأ العلاقة المحرمة. وكما قال الشاعر: والأذن تعشق قبل العين أحيانا يا قوم إني لبعض الحي عاشقة
أحياناً قد تتعلق المرأة بالرجل من سماع صوته، ويتعلق الرجل بالمرأة من سماع صوتها، ثم تبدأ بعد ذلك خطوات الشيطان وتصل إلى العلاقة المحرمة التي قد توصلهم أيضاً إلى العشق والهيام والغرام، والوصول إلى هذه المرتبة الدنيئة التي لا يصل إليها إلا من خذله الله ولم يوفقه، وضعف الإيمان في قلبه، وضعف الخوف من الله ومراقبة الله في قلبه، عياذاً بالله من ذلك.
وهذا أمر أيها الأحبة يجب العناية به؛ يجب أن يكون عند الإنسان حزم في هذا الأمر. سواء الفتاة، ينبغي أن تكون حازمة في هذا الأمر، وأن لا تتواصل مع شاب لا يحل لها ويحرم عليها الحديث معه، لا ينبغي ولا يجوز بأي أمر من الأمور إلا في ضوابط شرعية. أما التساهل في هذا الأمر فهذا الذي يوصل إليه؛ هذه هي النهاية الطبيعية.
ماذا تريد الفتاة من الشاب وماذا يريد الشاب من الفتاة؟ وكم في المجتمع الآن من الذئاب البشرية التي تتلاعب بأعراض المسلمين، وهذه الفتاة المخدوعة تظن أن هذا حب وأنه يصل إلى زواج، وهذا والله من نقص العقل؛ «والنساء ناقصات عقل ودين» كما أخبر نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. هذا يريد أن يتلاعب بها، وإذا أراد الزواج فلن يتزوج من مثل هذه المرأة، سيبحث عن امرأة عفيفة لا تحدث...
نتحدث مع الرجال عندما يريد الزواج؛ هو لن يبحث عن الزواج من خلال هذه الوسائل، هو يعرف أن التي حدثته ستحدث غيره، والتي تتكلم معه وتتكلم مع غيره. فإذا أراد الزواج فإنه سيبحث عن امرأة دينة عفيفة لا تتحدث ولا تتخاطب مع الرجال، فهذا لابد أن يكون حاضراً في ذهن المرأة العاقلة المسلمة التي تخاف على دينها وعلى عرضها.
هناك أيها الأحبة وسائل يتخذها الإنسان ليحمي نفسه من هذا الأمر؛ لأنه هذا بلاء، والبلاء قد يحل بالإنسان، نسأل الله أن يعافينا وأن لا يبتلينا. فهناك أسباب أيها الأحبة، منها البعد عن الأسباب الموصلة إلى ذلك، كما مر معنا قبل قليل: سماع الأغاني، التساهل في مشاهدة الأفلام البذيئة الهابطة، قراءة الروايات الرومانسية، التحدث مع الفتيات وتحدث الفتيات مع الشباب في المنتديات. لابد للإنسان أن يقطع هذا الأمر حتى لا يصل إليه، وهذا من الأخذ بالأسباب، ومن العزيمة التي تكون عند الإنسان فيبتعد عن مثل هذه الأمور.
أيضاً يستشعر الإنسان محبة الله في قلبه، ومحبة النبي ﷺ في قلبه، وأنه لا يمكن أن يصل مخلوق إلى هذه المرتبة التي لا تنبغي إلا لله ورسوله صلوات ربي وسلامه عليه. فهنا الإنسان إذا امتلأ قلبه بحب الله وحب النبي ﷺ، وعظم الله وعظم نبيه صلوات ربي وسلامه عليه، فإن هذا القلب لا يمكن أن يقع في هذا الفسق وفي هذا المجون أبداً. حتى الحب الذي هو أدنى مرتبة من العشق، لا يمكن للإنسان أن يصل الحب عنده إلى هذه الدرجة.
لاحظوا من أعظم الحب الشريف هو حب نبينا صلوات ربي وسلامه عليه لعائشة رضي الله عنها، ولهذا لما سأله عمرو بن العاص رضي الله عنه: «من أحب الناس إليك يا رسول الله؟» قال: «عائشة». لكن هل حب النبي ﷺ لعائشة تجاوز الحد؟ أبداً والله؛ النبي ﷺ كان يترك عائشة ويقوم الليل وهي تريد الجلوس معه، ويكثر من قيام الليل ويقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً». وكان النبي ﷺ يذهب في نشر الدعوة ويجلس مع أصحابه، ولم يترك أمور الدين ولا أمور الدنيا من أجل حبه لعائشة مع عظم الحب في قلبه لهذه الصديقة رضي الله عنها وأرضاها.
فهذا هو العقل، وهذه هي الحكمة؛ أن الإنسان حتى لو كان الحب، فإن الحب يكون بحكمة وبعقل وبمقدار. فإذا امتلأ القلب بحب الله وحب النبي ﷺ وحب ما يتعلق بهما من حب القرآن وحب الصلاة وحب العبادة، فإنه لا يمكن أن يصل إلى هذه المرتبة الدنيئة.
أيضاً من الأسباب التي تقي الإنسان بإذن الله من الوقوع في هذا الأمر وفي هذا البلاء هو غض البصر، وهو من أعظم الأسباب؛ لأنه ما الذي يجعل الإنسان يتعلق بامرأة جميلة أو بشاب جميل؟ هو إطلاق البصر والتلذذ بالنظر، وهذه والله كارثة وطامة. ولهذا يجب على الإنسان أن يصرف بصره مباشرة إذا رأى أن هذا الأمر فيه شهوة وفيه فتنة.
ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30]، و﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: 31]. فغض البصر علاج عظيم جداً، إذا ذكر الله عز وجل بعده مباشرة: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، و﴿يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. فالحفظ من الوقوع في الزنا والوقوع في الفواحش، ومن أعظم أسبابه هو إطلاق البصر.
وكما قلنا: «العينان تزنيان وزناهما النظر»، لأنها توصل إلى هذا الأمر، فالإنسان أحِرص على البعد عن هذا الأمر. والشاعر يقول: كل الحوادث مبدأها من النظر *** ومعظم النار من مستصغر الشغب كم نظرة فتكت في قلب صاحبها *** فتك السهام بلا قوس ولا وتر والمرء ما دام ذا عين يقلبها *** في أعين الغيد موقوف على الخطر يسرّ ما ضرّ مهجته لا مرحباً *** بسرور عاد بالضرر
أيضاً مما يعين أيها الأحبة على ذلك المحافظة على الصلاة والمداومة عليها، والذي يحافظ على الصف الأول وتكبيرة الإحرام لا يمكن أن ينزل إلى هذه السفاسف وهذه الدناءة وهذه الحقارة؛ ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]. فإذا حرص الإنسان على المحافظة على الصلاة فإنه يحفظ على ذلك.
أيضاً النظر في عواقب هذا الأمر؛ عاقبته عذاب الله عز وجل، وعاقبته أيضاً ذل النفس في الدنيا قبل الآخرة. فالإنسان يكون عاقلاً ويبتعد عن هذا الأمر، والشاعر يقول: اعقل الناس من لم يرتكب سبباً *** حتى يفكر ما تجني عواقبه
هذا هو أعقل الناس، الذي ينظر في عواقب الأمور. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحفظ علينا ديننا، وأن يطهر قلوبنا، وأن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
يا راغباً في كل علم نافع *** متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد سهلاً والسيرة طيب *** يفوح لأهل كل زمان بالعلم كالآزهار في البستان.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني