راغبًا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد ومكارم الأخلاق ندرسها معًا، أدب وتربية على الإحسان، بشرى لنا زدنا كاذبين بالعلم كالآزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله أيها الأحبة في أكاديميتكم المباركة، أكاديمية زاد، وفي مادة التربية، وفي مقرر أمراض القلوب.
وهذه الحلقة سنتحدث فيها بإذن الله عن داء وبلاء عظيم يحل بالقلب، وهذا البلاء إذا تمكن من القلب أودى صاحبه في المهالك، وأورثه ذل الدنيا وعذاب الآخرة، عياذا بالله من ذلك. وأعني بذلك داء العشق.
ما المقصود بالعشق؟ وهي كلمة تتردد ويتناقلها الناس وقد لا يفهمون معناها حقًا وصدقًا. العشق أيها الأحبة هو فرط الحب للمحبوب، يعني الزيادة في الحب المفرطة، مع الرغبة في الوصال في العلاقة الجنسية، وهذا الضابط الآخر ومهم جدًا لا بد أن نستحضره في هذا المعنى.
العشق ليس فقط هو حب فقط، وإنما إفراط في الحب، زيادة في الحب مع الرغبة في الوصال أيضًا. وهذا قد يبتلى به بعض الناس، نسأل الله السلامة والعافية؛ يبتلى بحب بعض النساء، بل قد يبتلى الإنسان ببعض الشاذين يبتلون بحب المردان، عياذًا بالله من ذلك، وهذا دلالة على امتلاء القلب بالفسق والخنا والفجور، نسأل الله السلامة والعافية، كما نسأله سبحانه أن يطهر قلوبنا.
ولذا لا يجوز أيها الأحبة، من عرف هذا الضابط أن العشق هو الإفراط في الحب مع الرغبة في الوصال، إذا فهم الإنسان هذا المعنى علم أنه لا يجوز ولا ينبغي أن يُطلق مع الله عز وجل، أو مع نبيه صلوات ربي وسلامه عليه، أو مع ما يتعلق بديننا وشرعنا كالجنة. وهذا مع الأسف أيها الأحبة يقع فيه بعض الناس الذين يتعلقون بالتصوف المذموم، يستخدمون مثل هذه الألفاظ مثل العشق في القصائد وفي غيرها، وهذا لا ينبغي ولا يصح.
وأيضًا هذا قد يقع فيه بعض عوام الناس الآن، خصوصًا في المنتديات وغيرها، يقولون عاشق الرحمن أو عاشقة الرحمن، عاشق النبي ﷺ أو عاشقة النبي ﷺ، أو عاشق الجنة أو عاشقة الجنة، يسمون بعض المعرفات بهذا الاسم، وهذا لا ينبغي إذا عرف الإنسان هذا الضابط، أن العشق ليس فقط هو إفراط في الحب، وإنما إفراط في الحب مع الرغبة في وصال المحبوب.
ولذا أيها الأحبة، هذا المعنى "العشق" لم يرد في كتاب الله، ولم يرد في كلام رسول الله ﷺ إلا ما يروى في حديث ضعيف لا يصح عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، وهو الذي جاء في الأثر: «من عشق فعف فمات فهو شهيد»، وهذا حديث باطل مصنوع لا يصح عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.
بل جاء في السنة ما يخالف هذا الأثر المروي عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام -في الأثر الذي يرفعه بعض العلماء إلى نبينا صلوات ربي وسلامه عليه وبعضهم يجعله موقوفًا على علي رضي الله عنه وأرضاه-: «أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما».
فلا إفراط في الحب، بل فيه هون. فلا بد أن يكون عند الإنسان... ليس هناك أيها الأحبة من يحب من البشر حبًا مطلقًا، بخلاف النبي ﷺ. بقية البشر ليس هناك من يحب حبًا مطلقًا، بل الإنسان يحب ما فيه من الإيمان والتقوى والصلاح. أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله؛ فتحب العبد بقدر ما عنده من الطاعة والإيمان والتقوى.
حتى الوالدان، الوالد الأب أو الأم، يحبان بقدر ما عندهما في حب فطري، وهناك أيضًا حب يتعلق بالإيمان، يعني لو كان الأب كافرًا أو الأم كانت كافرة، عياذًا بالله من ذلك، فإنه يحب الحب الذي يتعلق بالفطرة، أما الحب الذي يتعلق بالدين والإيمان فهذا لا يكون. فليس هناك من يحب حبًا مطلقًا من البشر.
ولهذا يقول الحسن البصري رحمه الله: «أحبوا هونًا وأبغضوا هونًا، فقد أفرط قوم في حب قوم فهلكوا، وأفرط قوم في بغض قوم فهلكوا». فلا بد من الاقتصاد في الحب وفي البغض، حتى لا يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، مرحلة الحب الذي هو العشق، الذي هو الإفراط في الحب وأيضًا ما يتعلق به من علاقة جنسية.
فهذا الأمر أيها الأحبة، لا بد أن يكون في قلب المؤمن، وإلا امتلأ قلبه بحب أحد من البشر خلاف نبينا صلوات ربي وسلامه عليه حبًا مفرطًا تتجاوز به الحدود. الحب الكامل أولًا هو ربنا ومولانا عز في علاه، ثم نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، والذي لا يكتمل الإيمان إلا بحبهما ولا يصح الإيمان إلا بحبهما.
ولذا الإنسان إذا أحب الله وأحب النبي ﷺ وجد حلاوة للإيمان في قلبه، ولهذا يقول النبي ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان»، وجد حلاوة الإيمان أي في قلبه، كأن الإنسان يستطعم حلاوة في لسانه. ذكر منها في أولها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
فحب الله عظيم، والمحبة شرط من شروط لا إله إلا الله، فلا بد أن يتحقق هذا الحب في قلب الإنسان. كذلك حب النبي صلوات ربي وسلامه عليه، لا بد أن يكون عظيمًا في قلوبنا، بل يكون أفضل وأعلى وأجل من حبنا لآبائنا وأمهاتنا وأزواجنا وأبنائنا، بل حتى من أنفسنا.
ولهذا يقول النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده والناس أجمعين». وذكر هذا كلام النبي ﷺ مرة أمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وانظروا أيها الأحبة إلى عظم الصحابة وإلى صدقهم مع النبي ﷺ؛ قال عمر لما سمع هذا الحديث: إنه لا بد أن يكون النبي ﷺ أحب إليه من والديه ومن نفسه ومن الناس أجمعين.
قال عمر: «والله يا رسول الله إنك لأحب إلي من كل شيء إلا من نفسي». صادق رضي الله عنه وأرضاه، فقال النبي ﷺ: «لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك». فلما تيقن عمر بهذه الحقيقة، قال: «والله إنك يا رسول الله لأحب إلي من نفسي». قال: «الآن يا عمر؟ الآن يا عمر؟» أي الآن اكتمل إيمانك.
جهل وظلم، فرقة وقطيعة، شرك وضلال، هكذا كان الحال، فيأذن الله بإشراقة فجر جديد ونور يمحو به تلك الظلمات. محمد رسول الله، وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، فجمع له من خصال الكمال ومحاسن الصفات ما لم ينله أحد من البشر؛ فقد ثبت أنه كان أوفر الناس عقلاً، أجودهم نفساً، أرحمهم صدراً، أشدهم حياءً، كان مع الناس، وأزهدهم في الدنيا، وأكثرهم تواضعاً، يعين أهله ويخيط ثوبه ويخدم نفسه، يزور المسلمين وغير المسلمين ويعود مرضاهم ويدعوهم إلى الخير.
كان صادق اللهجة، راسخ المبدأ، أعدل الناس، أرفقهم بالضعفاء، أنصف المرأة والطفل، وشملت رحمته حتى الحيوان، أثنى عليه حتى من غير المسلمين. فيقول الألماني يوهان غوته: «إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد». ويقول الإنجليزي جورج برنارد شو: «إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد». بل قال تولستوي الأديب العالمي: «إن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة».
لنسبره نعرف قدره ومكانته، ولننشر في الناس فضائله ومكارمه، ولنقتدي به ونمتثل أمره، ولندافع عن شريعته وندفع عنها الشبهات. فلو لم يكن للنبي ﷺ من الفضل إلا أنه الواسطة في حمل رسالة رب العباد إلى عباده، وتعريفهم به، لكان فضلاً لا يستقل العالم بشكره، ولا البشرية بمكافأته؛ فقد عاش حياته يبلغ الخير لأمته، ولم يكتف بهذا، بل سأل ربه أن يشفع فيهم يوم القيامة، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، توقفنا قبل الفاصل الحديث عن امتلاء القلب بحب الله وحب النبي ﷺ، وهذا هو الذي يمنع الإنسان ويحفظه من الوصول إلى هذا المرض، وهو داء العشق الذي يبتلى به بعض الناس عندما يمتلئ قلبه بحب امرأة أو بحب غلام، أو غير ذلك من الفسق والمجون الذي يكون في قلوب بعض البشر، عياذا بالله من ذلك. الذي يمنع ويردع من ذلك هو تعظيم حب الله وحب النبي ﷺ في قلوبنا.
من الأشياء التي ينبغي أن يعلمها الإنسان في هذه القضية، في داء العشق، أنه خطر عظيم على قلب الإنسان وخطر عظيم على دينه، بل خطر حتى على دنياه، هو بلاء عظيم؛ بلاء في الدنيا وبلاء في الآخرة أيضاً. ولا يظن بعض الناس أن العشاق هم أكثر الناس رأفة ورحمة، وفيهم من السمو الأخلاقي، أبداً؛ بالعكس، فيهم من ذل النفس وحقارتها الشيء الكثير، وهناك أمثلة كثيرة أيها الأحبة في تاريخنا تذكر ما يحصل لهؤلاء العشاق من ذل في أنفسهم بسبب تعلقهم، وذلهم وانكسارهم بين يدي محبوبهم.
الإنسان ينكسر ذليلاً خاضعاً لغير الله لهذه المرأة أو لذلك الغلام إذا وقع في قلبه هذا العشق وهذا الداء والبلاء العظيم. ولهذا مما يروى في ذلك قول الشاعر، مما يدل على المرتبة التي يصل إليها الإنسان إذا ابتلي بهذا الداء، يقول أحد الشعراء عندما عشق امرأة سوداء: أحب لحبها السودان حتى أحب لحبها سود الكلاب
لاحظوا هذه العبارة التي تدل على حقارة ودناءة في النفس؛ إنه من شدة حبها لهذه المرأة السوداء أصبح يحب حتى الكلاب السوداء، في أي دناءة تصل بالإنسان إلى هذا الأمر!
ولا يخفى ما يوجد في كتابنا الكريم من قصة عظيمة جداً أفرد الله عز وجل لها سورة كاملة، وهي سورة يوسف؛ نحكي قصة المرأة التي تعلق قلبها بامرأة العزيز، تعلق قلبها بيوسف وعشقته عشقاً عظيماً، حتى جاء في الآيات: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: 30]، أي امتلأ شغاف قلبها بحب يوسف عليه السلام وتخلل في شغاف قلبها وتملك عليها قلبها، فأصبحت لا ترى أمامها إلا يوسف.
ولهذا، وهي امرأة العزيز، امرأة الملك، وهي ملكة، كيف ذلت نفسها ليوسف عليه السلام وهو مولى عندها ويعمل في القصر؟ وذلت لهذا المولى بسبب هذا العشق الذي وقع في قلبها. فأي دناءة وأي خسة تصل بالإنسان إذا ابتلي بهذا المرض! هذه ملكة ذلت نفسها وأخضعت نفسها وانكسرت بين يدي مولى من مواليها. والله هذا يدل أيها الأحبة في كتاب ربنا من العبر والعظات الشيء الكثير، وهذه القصة من أعظم القصص التي ذكرت كاملة في كتاب الله لما فيها من الفوائد العظيمة.
انظروا إلى امرأة العزيز لما تقول، لاحظوا أيها الأحبة، تقوله أمام من؟ أمام النساء؛ وصل بها الذل والمهانة في نفسها أن تعلن ذلك صراحة حتى أمام النساء. لما أحضرت النساء واعتدت لهن متكأة وقالت اخرج عليهن، ماذا قالت امرأة العزيز؟ قالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ﴾ [يوسف: 32]، تقول هذا أمام النساء! لاحظوا، الإنسان أحياناً قد يبتلى ويستتر، لكن هذه ابتليت وجاهرت، عياذا بالله، وكل أمتي معافى إلا المجاهرون.
تقول: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: 32]، رفض واعتصم بالله. ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ﴾، أي أنا راودته، أنا طلبته للزنا مراودة عندما غلقت الأبواب وقالت: هيت لك، فقال: معاذ الله. تقول: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ﴾. لاحظوا القوة في المجاهرة بالفسق والمجون والخنا والخلاعة، يقول: ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ﴾ يعني يفعل الزنا، ﴿مَا أُمِرَ بِهِ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنَّ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: 32].
نلاحظ جمال الأسلوب القرآني، قالت: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾، أكدت السجن بنون التوكيد الثقيلة؛ لماذا؟ لأنها تريده أن يكون مسجوناً عندها، فهو سجنه في داخل القصر، تذهب وتجيء إليه تغدو وتروح على هذا السجن، ترى يوسف بعينها لترضي قلبها وحبها له. لكن لاحظوا في الفعل الآخر، قالت: ﴿وَلَيَكُونَنَّ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾، أكدت هذا الفعل بنون التوكيد الخفيفة؛ لماذا؟ لأنها لا تريد أن يكون يوسف من الصاغرين، لا تريده أن يكون من الصاغرين، ولهذا قالته بضعف. فهي تريد أن يكون من أعلى الناس من شدة حبها له، لكن لأنه لم يوافقها على فعل الفاحشة فهي تريده أن يكون صاغراً ليرضى للفاحشة، لكن أن ذلك لنبي من أنبياء الله معصوم، وهو يوسف عليه السلام، فلم يفعل هذه الفاحشة واستعان بربه ومولاه فعصمه.
من هذه الفاحشة ومن هذا الزنا، ولهذا الله عز وجل قال: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف: 24]. ذكر المفسرون قالوا: السوء العشق، والفحشاء الفاحشة، فصرف الله عز وجل عنه كيد هذه المرأة كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء لأنه من عبادنا المخلصين. هو مخلص واستخلصه الله عز وجل من بين أنبياء الله عز وجل من صفوة البشر، ولم يقع في هذه الفاحشة، وعصمه وحماه الله عز في علاه.
فانظروا أيها الأحبة كيف يصل العشق بالإنسان إلى هذه الدرجة من الذل والمهانة؟ أن تكون ملكة تخضع وتذل وتنكسر بين يدي مولى من مواليها، وهذا يدل على هذا الداء وهذا البلاء الذي إذا امتلأ في القلب امتلأ فجورًا وخنا وخلاعة وفسقًا، نعوذ بالله من هذا الداء ومن هذا البلاء.
أيضًا جاء في السيرة في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم قصة مشهورة ومعروفة وردت في الصحيحين، قصة مغيث وبريرة، وكانا رقيقين. كاتبت بريرة نفسها، والمكاتبة هي أن تشتري نفسها فتعتق، وهذا ذكره الله عز وجل في القرآن بل حث عليه القرآن: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33]. بل حث الله عز وجل على مساعدتهم: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33].
فكاتبت نفسها فاعتقت، فبانت وانطلقت من مغيث؛ لأن الحرة لا تكون زوجة للعبد إلا برضاها، فبانت منه وتطلقت منه. فأصبح مغيث يمشي خلفها في الطرقات وفي سكك المدينة وهو يبكي ويسيل الدمع على خديه وعلى لحيته، حتى رآه النبي صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام وكان معه عمه العباس، فقال يا عباس -يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمه العباس-: «ألا تعجب من حب مغيث لبريرة ومن بغض بريرة لمغيث؟».
ما تعجب من هذه الحال! هذا متعلق بها وهذه تكرهه ولا تريده، وفرحت بأنها اعتقت لتطلق منه، فخرجت من زواجها وخرجت من عصمته فهي لا تريده. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى هذه الحالة المهينة لمغيث، أنه يمشي وراء امرأة ويبكي لتعود إليه، الإنسان عنده عزة وعنده كرامة، لكن انظروا إلى ما يوصل هذا الداء إذا وقع في قلب الإنسان وفي قلب العبد؛ كيف يصل به إلى هذه الحالة من الذل والمهانة بأن يمشي خلف امرأة ويبكي لتعود إليه.
فشفع النبي صلى الله عليه وسلم لمغيث عند بريرة، فقالت: «يا رسول الله، أتأمرني؟»؛ أي هل هو أمر منك أن أعود إليه؟ لأنه لابد أن تعود إليه بعقد جديد، فقال: «لا، إنما أنا شافع». فقالت رضي الله عنها وأرضاها: «إذاً لا حاجة لي فيه». ما تريده، هو متعلق بها وهي تكرهه، وهذا هو حال الذي يعلق بغير الله عز في علاه.
ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.
إمام عادل وخليفة زاهد من أشهر الخلفاء الأمويين، وأشبه الناس سيرة بالخلفاء الراشدين. قال عنه أنس بن مالك رضي الله عنه: «ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى». فمن هو؟ إنه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بن مروان القرشي الأموي، وأمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. ولد سنة إحدى وستين للهجرة بالمدينة، ونشأ فيها عند أخواله فتأثر بهم وبمجتمع الصحابة رضي الله عنهم وحفظ القرآن وهو صغير.
في سنة سبع وثمانين للهجرة ولاه الوليد بن عبد الملك إمارة المدينة، ثم ضم إليه ولاية الطائف سنة إحدى وتسعين للهجرة ليصير واليًا على الحجاز كلها. وقد كان في هذه المدة من أحسن الناس معاشرة وأعدلهم سيرة، كان إذا وقع له أمر مشكل جمع فقهاء المدينة عليه، وقد عين عشرة منهم، كان لا يقطع أمرًا دونهم أو من حضر منهم. لما تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة قربه وجعله وزيرًا له.
وفي سنة تسع وتسعين للهجرة كتب سليمان بن عبد الملك قبل وفاته كتابًا يستخلف فيه عمر من بعده. صعد عمر المنبر بعد توليه الخلافة وقال: «أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في عنقي من بيعتي فاختاروا لأنفسكم». فأجابه الناس قائلين: «قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك، فولي أمرنا بالعدل والبركة».
اجتهد رحمه الله في فترة ولايته، وكانت سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، عزل الولاة الظالمين، ورد المظالم، وانتصر للمظلومين، ونشر العدل بين المسلمين، فضلاً عن نشره للعلم وعمله بالشورى وأمره بتدوين الحديث النبوي. وفي الخامس والعشرين من رجب عام مائة وواحد للهجرة توفي عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى وجزاه عن عدله وفعاله الحسنة خير الجزاء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. تحدثنا قبل الفاصل أيها الأحبة عما يوصله هذا الداء وهذا البلاء، وهو داء العشق بحال الإنسان إذا ابتلي به وتمكن من قلبه. ذكرنا قصة امرأة العزيز وقصة مغيث وبريرة، وما يحصل للإنسان من ذل ومهانة في إمام محبوبه أو إمام محبوبته إذا تمكن هذا الداء من قلبه.
هناك أيها الأحبة أضرار وبلاء يحل بالمرء إذا تمكن هذا الداء من قلبه. أعظم ذلك أيها الأحبة أن العشق وداء العشق قد يصل بالإنسان أحيانًا إلى الكفر عياذًا بالله؛ قد يصل به إلى الكفر إذا تعلق القلب وتمكن هذا الحب لهذه المحبوبة من قلبه، قد يصل بالإنسان إلى أن يضيء حتى ولو في ما يخالف شرع الله ويتمادى بذلك، بل قد يقدم هذا الحب على حب الله، بل قد يصل أحيانًا إلى أن يجعل الإنسان يخضع ويذل ويركع ويسجد لمحبوبه أو لمحبوبته عياذًا بالله.
وهذا يعني مما يروى في قصص الناس كثيرًا، أنه يحصل أحيانًا أن الإنسان من فرط حبه وتعلقه بمحبوبه أنه أحيانًا يسجد له، عياذًا بالله من ذلك. وهذا والله من الطواب ومن الكوارث التي تحل بالمرء. وأنبه هنا في قضية العقيدة والضرر، يعني العشق على عقيدة الإنسان وعلى دين الإنسان، ما يتداول عند بعض الشباب الآن حتى هي الكلمة خطأ نبهنا عليها سابقًا، أن العشق لا يكون إلا إفراط حب ووصال، لكن مما يطلق أحيانًا بعض الناس: يعشق بعض اللاعبين، يعشق بعض الأندية.
وهنا تأتي أيها الأحبة يأتي الخلل؛ أحيانًا قد يكون هذا العشق للاعب كافر كما يحصل الآن بعض المشاهير اللاعبين الأوروبيين وغيرهم الذين هم على دين النصرانية، فتجد الإنسان يتعلق به تعلقًا كبيرًا.
فليعشق النادي، هذا النادي الأوروبي ويتعلق به بدرجة كبيرة جدا، حتى يصل أحيانا إلى أن يوالي في هذا اللاعب أو النادي ويعادي عليه، وأوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، والولاء والبراء يكون لدين الله.
أحيانا تخرج من أفواه بعض الشباب كلمات خطيرة جدا؛ لاعب نصراني أو لا ديني، يعني غير مسلم، أحيانا فيأتي بلعبة جميلة أو بهدف جميل، تجد بعض الشباب يقول: "ينصر دينك". كلمات خطيرة جدا لا بد أن يتنبه لها الإنسان، وهذا من فرط حبه لهذا اللاعب أو لهذا النادي. فهنا عبارات لا بد أن يتقيد بها الإنسان بقيد الشرع، ولا يجعل هذا الحب منفلتا من قيد الشريعة، وهنا تأتي الخطورة في هذا الأمر.
أيضا من أضرار العشق التي تحل بالمرأة أو الرجل الذي يبتلى بهذا الداء أن ينشغل به عن ذكر الله؛ حتى لو لم يكن خللا في العقيدة، لكن يصبح لسانه لا يلهج إلا بذكر محبوبته أكثر من ذكر الله، والذين آمنوا أشد حبا لله. لكن هذا المسكين لا يتحدث إلا بذكر محبوبته أو بمحبوبه، وهذا من البلاء العظيم الذي قد يحل ببعض الناس حتى ينشغل عن الطاعة، وقد ينشغل عن الصلاة ولا يخشع ولا يتفكر في عبادة ولا في صلاة ولا في ذكر ولا في قراءة القرآن، وإنما انشغل هذا العقل بهذا المحبوب عن أي أمر آخر.
وانظروا ماذا يقول مجنون ليلى -وطبعا قصص العشاق موجودة في تاريخنا؛ قيس ولبنى، ومجنون ليلى، وعنترة وعبلة وغيرها من القصص التي في تاريخنا، والعشاق كثر وأشعارهم موجودة- وتعطي للإنسان نموذجا لهذا الأمر الذي يجب أن يكون الإنسان عنده من العقل والإدراك ما يجعله يحذر من هذا الخطر الذي قد ينجرف إليه الإنسان وهو لا يشعر، وهذا من خطوات الشيطان التي تريد أن توصله إلى هذا الأمر.
انظروا أيها الأحبة ماذا يقول مجنون ليلى عندما تعلق بهذه المرأة حتى سمي بمجنون ليلى من كثرة ما يهذي بذكرها وحبها في أشعاره وفي قصائده، يقول: أصلي فلا أدري إذا ذكرتها ... أثنتين صليت الضحى أم ثمانية؟ يعني وهو يصلي ما عاد يدري كم صلاة، ثنتين، أربعة، ستة، ثمانية؛ لأن القلب ليس مشغولا بالصلاة وإنما مشغول بذكر هذه المحبوبة. بل أشد من ذلك يقول: أراني إذا صليت يممت نحوها ... بوجهي وإن كان المصلى ورائي عياذا بالله! من شدة تولعه، أن نلقي بهذه المحبوبة، يصلي وهو مستدبر القبلة وهو لا يشعر بسبب تعلق القلب بهذه المحبوبة، أصبح حتى لا يدري وهو يصلي أهو مستقبل القبلة أم مستدبرها. أي كارثة، أي مصيبة، أي بلاء يحل بالإنسان إذا امتلأ قلبه بهذا الأمر!
أيضا اشتغال الإنسان بهذا الأمر وتعلقه وكثرة ذكره يجعل الإنسان دنيء الهمة؛ ما يصبح عنده شيء من التعلق بمعالي الأمور، ما يريد إلا محبوبته، ما يذكر إلا هي، ما يريد إلا أن يسمع أخبارها، لا يريد شيئا آخر. ولهذا جاء في شعر جميل بثينة -وهو أيضا من العشاق- لما دعي للجهاد في سبيل الله، انظروا يا إخوان كيف يصل الإنسان إلى هذه المرتبة التي لا يتمناها رجل عاقل؛ يقولون: جاهد يا جميل بغزوة، ثم يقول هو: وأي جهاد غيرهن أريد؟ يعني ما عندي جهاد إلا الجهاد في حب هذه المرأة. حالة من الإسفاف والدناءة التي تصل بالإنسان، وإن كان هذا يقال مبالغة في الشعر، لكنه يصور نموذجا لهذا الأمر الذي قد يصل إليه الإنسان في دناءة الهمة.
أيضا مما قد يبتلى به الإنسان أنه ينشغل حتى عن مصالح دنياه، ينشغل حتى عما ينفعه في الدنيا؛ عن تجارة، عن كسب، عن طلب رزق، عن سعيا في حاجة أهله أو في صلاح أبنائه أو في نفع مجتمعه أو في خدمة دينه. هذه الأمور بعيدة جدا عن الذين يبتلون بهذا الداء، هو لا يفكر في هذه الأمور تماما، همته ورغبته وأقصى أمانيه هو التعلق بهذه المحبوبة ورؤيتها والجلوس معها والحديث معها، فقط هذا الذي يريده، ولا يريد شيئا آخر مما يصلحه في الدنيا أو في الآخرة، وإنما غاية همه التعلق بهذه المحبوبة.
والإنسان إذا وصل في هذه المرتبة وفي هذه المنزلة فإن النفس تصبح فيها من الخنوع والذل والخوف ما لا ينبغي لبشر ولا لمخلوق إلا لله عز وجل. وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام، لا بد النفوس تكون كبيرة عالية الهمة، يعني الإنسان لا ينزل ولا يخضع ولا يذل لبشر مثله، كما قال الشاعر: قد هيؤوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل هؤلاء همل، تسيرهم الشهوة، والمؤمن ليس كذلك؛ المؤمن رزقه الله عز وجل العقل والبصيرة والفهم في دينه، وهو حر كريم عزيز لا يذل. لاحظوا في قول الله عز وجل في الطلاق: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130]. الإنسان حتى لو كان يحب امرأته، لكن لو قدر أن حصل بينهما الطلاق، ماذا قال الله عز وجل؟ يغني الله كلا من سعته، فالإنسان لا يتعلق قلبه بها، وإنما يكون عزيزا كريما في هذا الأمر.
هذا الحديث حقيقة عن هذا الأمر أيها الأحبة يحتاج إلى تفصيل في جوانب معينة نكملها إن شاء الله في الحلقة القادمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يطهر قلوبنا من كل شهوة وشبهة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني