دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في هذه الحلقة من حلقات أكاديمية زاد في مادة التربية ومقرر مفسدات القلوب.

مر معنا أيها الأحبة في حلقتين ماضيتين الحديث عن مفسد عظيم لقلب الإنسان، بل مفسد لدينه أيضاً، وهو الشهوة المحرمة التي يتمادى فيها الإنسان ويتبع خطوات الشيطان ويسترسل في هذا المنكر حتى يقع فيما حرم الله عز وجل، ويكون وبالاً عليه في قلبه وفي دينه وفي إيمانه عياذاً بالله من ذلك. ذكرنا في الحلقتين الماضيتين ما يتعلق بهذا الأمر أيها الأحبة.

ومن عظمة هذا الدين أيها الأحبة أنه بين لنا ما ينفعنا وما يحفظنا وما يقربنا من الله وما يبعدنا عما حرم الله، وهذا من رحمة الله بنا؛ فنحن ضعفاء ومساكين، والله عز وجل رحيم بنا وأرحم بنا من أنفسنا، الله لطيف بعباده. فكما أن الله عز وجل جعل هذه الشهوة غريزة عند الإنسان، فكذلك جعل هناك من الأسباب ما تكون عوناً للإنسان في صرف هذه الشهوة فيما أحل الله، أو تكون سبباً لحفظ الإنسان وصيانته من الوقوع فيما حرم الله، أو تقلل هذه الشهوة حتى لا تتمادى بالإنسان وتوقعه في الفواحش والمنكرات.

من أعظم هذه الأسباب التي تعين أيها الأحبة على حفظ الإنسان -وهي أيضاً من الأشياء التي فطر الناس عليها- صرف هذه الشهوة في الزواج. الإنسان إذا أراد أن يعصم نفسه ويحفظها من الحرام وعنده هذه الشهوة وهذه القوة، فإنه يبادر إلى الزواج الذي هو من النعم العظيمة، ومما يجعل الإنسان يحفظ نفسه عن الفواحش والمنكرات، ويصرف شهوته فيما أحل الله عز وجل وأباحه له في هذه الدنيا.

ونبينا صلوات ربي وسلامه عليه يقول: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج». إذا تزوج الإنسان فإنه يكتفي بالنظر إلى زوجته ويرى فيها ما لا يرى في غيرها، وهذا من الحلال، وهو أغض للبصر وأحصن للفرج. والزواج أيها الأحبة نعمة عظيمة، وسنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم العظيمة.

ولهذا في حديث الثلاثة الذين جاءوا إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم وعندهم اجتهاد في العبادة وفي الطاعة وفي التبتل لله عز وجل، لكن بغير ضوابط الشرع، جاءوا وسألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فكأنهم تقالوها -وهذا والله من نقص العقل- قال أحدهم: إني أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أقوم ولا أنام، وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء. فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بمقالتهم أنكر عليهم هذا، وصعد المنبر وقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». فالزواج أيها الأحبة هو من سنن الأنبياء ومن سنة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.

فالإنسان إذا شعر من نفسه الحاجة إلى هذا الأمر وخاف على نفسه فإنه يبادر إلى الزواج، مع أن قد تكون هناك أمور تمنع الإنسان من القيود الاجتماعية الموجودة الآن، وهذا والله من البلاء العظيم ومن الخطأ الذي يكون في المجتمعات المسلمة. فتيسير الزواج وتخفيف المؤونة فيه هو من أعظم الأشياء وأصلحها للمجتمع، وهي التي تعين على صلاح المجتمع وتحفظ الشباب المسلم.

ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير». ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شرطين في هذا الرجل الذي يأتي للتقدم، قال: «ترضون دينه وخلقه». وجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين هذين الأمرين لما فيهما من المكانة العظيمة التي في شخصية الإنسان؛ فيكون صاحب دين، مصلياً ومتقياً لله عز وجل، ويكون صاحب خلق، فلا يكتفى بالدين فقط، بل لا بد من الخلق، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين هذين الأمرين العظيمين.

ويجب على الناس أن يسعوا في تخفيف المهور وتيسير سبل الزواج للشباب، فإنه والله معين عظيم جداً على حفظ المجتمعات وصيانة الشباب من الوقوع في الفواحش والمنكرات. لكن إن لم يحصل ذلك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في تتمة هذا الحديث: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». فالشاب الذي لم يكن عنده قدرة على الزواج، ولا يستطيع القيام بمؤونة الزواج وتكاليفه، فإنه يحافظ على نفسه بالصيام؛ لأن الصيام أيها الأحبة يقلل من ثورة الشهوة عند الإنسان، ويضعف مجاري الشيطان في دم الإنسان، فإذا ضعفت هذه المجاري، فإن الشيطان لا يتسلط عليه، ويحفظ بإذن الله من الشيطان الرجيم الذي يزين له المعصية.

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد أيها الأحبة، توقفنا قبل الفاصل عند الأسباب المعينة على حفظ الإنسان، وعلى أن يصرف الإنسان هذه الشهوة التي فطرها الله عز وجل في عباده فيما أحل الله، ومن أعظم ذلك الزواج الذي يبادر إليه الإنسان متى ما تيسرت أسبابه.

مع الأسف، بعض الشباب الآن عنده خلل في التفكير؛ يؤخر الزواج مع تيسر الأسباب له، قد يكون صاحب وظيفة وعنده المال والصحة والعافية والسكن، ومع ذلك يؤخر الزواج بسبب ما ينتشر عند الشباب أن الزواج فيه قيود وفيه ربط للإنسان وعدم حرية، وهذا والله من وحي الشيطان الذي يلقيه على كثير من الناس، ومن الكلام الذي لا ينبغي أن يتداول.

بل يرغب الشباب في الزواج؛ فالزواج استقرار وسعادة وأنس وراحة وطمأنينة للإنسان في حياته، والشاب إذا تزوج نضج حتى في عقله وفي تفكيره وفي إدراكه، فهناك فرق كبير جداً بين الإنسان قبل الزواج وبعد الزواج. وهذا الكلام الذي يتداول بين الشباب من أن الزواج فيه قيود وعدم راحة، هو كلام خطير جداً ولا ينبغي، بل يجب أن يحبب هذا الأمر إلى الشباب لأنه فيه حفظ للإنسان في دينه، ويكمل الإنسان بالزواج نصف دينه، ويعينه ذلك على طاعة الله عز وجل وعلى البعد عما حرم الله.

أيضاً من الأشياء التي ذكرناها قبل الفاصل أيها الأحبة، أنه إذا لم يتيسر للإنسان الزواج لظرف من الظروف، فإنه يحافظ على نفسه بالصيام إذا كان قوياً صحيحاً وعنده ثورة في شهوته، فإن الصيام يقلل هذه الشهوة ويسبب لها الفتور، وهذا حفظ للإنسان من هذه الشهوة المحرمة التي قد يزين الشيطان للإنسان الوقوع فيها.

أيضاً من الأشياء المعينة للإنسان إذا لم يتيسر له الزواج، أن يشغل وقته فيما ينفعه ولا يترك نفسه للتفكير الذي قد يوصله إلى ما حرم الله، وإنما يشغل الإنسان نفسه في طاعة الله عز وجل وفيما ينفع مجتمعه؛ فهذه النفس أيها الأحبة إذا لم نشغلها بطاعة الله أشغلتنا بمعصية الله. فلا بد أن يبادر الإنسان إذا كان عنده القوة والصحة والفراغ، فإنه يشتغل في أمور كثيرة تصرفه عن وساوس الشيطان؛ يشتغل في الدعوة إلى الله، وفيما ينفع الناس، والسعي على الأرامل والمساكين والأيتام، والمشاركة في المكاتب الدعوية، والمشاركة في بعض الأعمال المجتمعية التي تخدم أهله وحيه ومجتمعه، يكثر من المكث في بيت الله عز وجل، وهذا من الرباط الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في انتظار الصلاة إلى الصلاة، «فذلكم الرباط».

أيضاً من الأشياء العظيمة الجليلة التي تكون عوناً بإذن الله على حفظ الإنسان وصيانته إذا لم يتيسر له الزواج، أو لم يكن قادراً على كثرة الصيام، فيستعين الإنسان بالله عز وجل ويكثر من الدعاء. والدعاء أيها الأحبة عبادة عظيمة جليلة جداً، وهو من أحب الأعمال إلى الله؛ والله عز وجل يحب العبد الذي يكثر الدعاء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب العبد الملحاح». فالإلحاح على الله عز وجل في هذا الأمر يعين الإنسان ويحفظه، خصوصاً الأدعية التي جاءت في القرآن أو في السنة.

ومن أعظم هذه الأدعية ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى». يسأل الله عز وجل أن يرزقه العفة؛ والعفة أيها الأحبة مطلب عظيم جداً، وهذا ليس خاصاً بالشباب الذين لم يتزوجوا، حتى الإنسان المتزوج الذي يخاف على نفسه من الفتن ومن الشهوات والمنكرات يكثر من هذا الدعاء.

والنبي صلى الله عليه وسلم عالج هذا الأمر عند شاب من شباب الصحابة بأمرين؛ شاب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده هذه الشهوة وعنده جهل بدين الله عز وجل، فقال يا رسول الله: ائذن لي في الزنا. لاحظوا هذا الكلام الخطير؛ قد ينظر له الإنسان من جانب سلبي، والصحابة رضوان الله عليهم غضبوا وثاروا على هذا الرجل، لكن قد ينظر الإنسان إليه من الجانب الإيجابي؛ وهو صدق هؤلاء الصحابة، فهو لم يذهب ويقع في الزنا، وإنما جاء ليأخذ الإذن من النبي صلى الله عليه وسلم ويظن أنه ممكن أن يكون من المباحات إذا أحله النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا جانب إيجابي عظيم في صدق هؤلاء الصحابة.

وأيضاً أنهم يريدون أن يأخذوا الإذن من النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى جواره، ومنع الصحابة من تأنيبه ولومه وعتابه، فأدناه النبي صلى الله عليه وسلم منه وعالج هذا الأمر بشيئين: علاج عقلي وعلاج قلبي. وهذا حقيقة نحتاجه الآن مع كثير من الشباب، مع كثير من الشباب الذين قد يتمادون في هذه الشهوة ويقعون في الحرام.

ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لما أدناه منه؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم في خطاب جميل ورحيم من الرحمة المهداة والنعمة المسداة صلوات ربي وسلامه عليه، لهذا الشاب الذي رأى فيه النبي صلى الله عليه وسلم الصدق فهو جاء يطلب الإذن، يريد أن يكون حلالاً؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بخطاب لطيف: «أترضاه لأمك؟» فقال: لا يا رسول الله، صدق في قلب هذا الشاب الصدق، قال: لا يا رسول الله. قال: «وكذلك الناس لا ترضاه لأمهاتهم».

ثم قال: «أترضاه لأختك؟» قال: لا يا رسول الله. قال: «وكذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم». قال: «أترضاه لعمتك؟» قال: لا يا رسول الله. قال: «وكذلك الناس لا يرضونه لعماتهم». «أترضاه لخالتك؟» قال: لا يا رسول الله. قال: «وكذلك الناس لا يرضونه لخالاتهم». فهذا خطاب أيها الأحبة، خطاب عقلي جميل؛ يعني الإنسان المؤمن الحق هو الذي يحب للناس ما يحبه لنفسه، فإذا كنت أنت لا ترضى هذا الأمر لا لأهلك، لا لأمك، لا لأخواتك، لا لبناتك، لا لعماتك، لا لخالاتك، ما ترضاه لأقاربك ومحارمك، فيجب على الإنسان المؤمن أيضاً أن لا يرضاه للآخرين.

فالإنسان إذا وقع في شهوة محرمة وقع في الزنا فهو سيزني لا شك بأخت إنسان، أو في أم إنسان، أو في أخت مسلم، أو في بنت مسلم، أو في زوجة مسلم يقيناً. فإذا كان الإنسان لا يرضاه لنفسه فيجب ألا يرضاه لإخوانه المسلمين، وهذا يعني درجة عظيمة من درجات الإيمان، أن يحب للناس ما يحبه لنفسه.

ونواصل بعد الفاصل بإذن الله أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة، إنها تربية الأهل والأولاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب: "علموهم"، فنعلمهم العقيدة الصحيحة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك». ونعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم، وحب أصحابه، فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن. ونعلمهم الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». علمهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». ونعلمهم شيئاً من القرآن بأنفسنا، أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج، ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى، قال نافع: "كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن"، فاحرص على تعليم أهلك، واعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن. قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم».

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، أيها الأحبة فقد توقفنا قبل الفاصل عند قصة الشاب الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: ائذن لي في الزنا يا رسول الله، فخاطبه النبي صلى الله عليه وسلم خطاباً عقلياً يقتنع أولاً بعقله، ويعلم أن هذا الأمر لا يرضاه الناس لا لأمهاتهم ولا لأخواتهم ولا لبناتهم ولا لزوجاتهم ولا لعماتهم ولا لخالاتهم، فإذا كان الناس لا يرضونه لمحارمهم فكذلك أنت ينبغي، فإذا كنت أنت لا ترضاه لمحارمك ولا لأهلك فينبغي على الإنسان أيضاً ألا يرضاه للآخرين؛ «ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لنفسه.. حتى يحب للناس ما يحب لنفسه»، يعني لا يؤمن إيماناً كاملاً حتى يتحقق فيه هذا الأمر.

لكن انظروا أيها الأحبة لم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب العقلي والإقناع الذي حصل لهذا الشاب، زاده أيضاً أمراً آخر عظيم جداً، وهو أيضاً الجانب النفسي، الجانب الإيماني، الجانب القلبي، الجانب المعنوي؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أدناه منه فوضع يده على صدره وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه». دعاء عظيم أيها الأحبة، دعا لهذا الشاب، وجاء في بقية الحديث أن هذا الشاب لم يعد أو لم يقع في فاحشة بعد ذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فالدعاء عظيم.

وهذا الدعاء أيها الأحبة "اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه"؛ لأن الذي يدفع الإنسان إلى هذا الأمر هو الميل إلى هذه الشهوات، فإذا تطهر القلب وتزكى فإنه يبتعد عن هذه المحرمات، "وحصن فرجه"؛ ولا دعاء عظيم أيها الأحبة ندعو به أيضاً لأنفسنا: "اللهم اغفر ذنوبنا، وطهر قلوبنا، وحصن فروجنا". فهذا الإنسان يكثر من هذا الدعاء الذي جاء في قصة هذا الشاب مع النبي صلى الله عليه وسلم.

أيضاً مما يدل على عظم الدعاء ما حصل ليوسف عليه السلام عندما تعرض لتلك الفتنة العظيمة مع امرأة العزيز، لما تعرضت له ماذا قال يوسف عليه السلام؟ استعان بالله واستجار بالله عز وجل من الوقوع في هذه الفتنة، ودعا الله لعظم هذا الدعاء وهو نبي مرسل ويعلم حقيقة الدعاء ويعلم عظم الدعاء أيضاً، وهذا ما خلده الله عز وجل في كتابه الكريم. ماذا قال يوسف عليه السلام؟ قال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33]. هنا دعا يوسف عليه السلام، ما هي النتيجة؟ ما هي الثمرة؟ ما هي بركة الدعاء؟ ماذا قال الله عز وجل بعدها مباشرة؟ قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: 34].

ما أعظم هذه الآيات أيها الأحبة، يوسف عليه السلام استعان بالله ودعا الله عز وجل. لكن انظروا أيها الأحبة، يوسف قال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ وهذه فطرة، وهذا أيها الأحبة أيضاً يدعونا إلى الكلام الذي ذكرناه في الحلقة الماضية، أن الإنسان لا يتعرض لمواطن الشبهات ولا يعرض نفسه إلى مواطن الفتن ويقول: أنا عندي إيمان وعندي تقوى، هذا نبي من أنبياء الله ويقول: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾، أقع في الفاحشة إن لم تعني يا الله وتصرف عني هذه الفتنة، فقد يضعف الإنسان والنفس أمارة بالسوء والنفس ضعيفة، فقال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾.

وهنا أتى الله عز وجل بالفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب مباشرة، يعني بعد الدعاء مباشرة، وهذا من بركة الدعاء، قد يستجيب الله عز وجل للإنسان في صرف هذا السوء وهذه الفحشاء عنه؛ ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. لاحظوا أيها الأحبة، ختم الآية بهذين الاسمين من أسماء الله عز وجل وبهاتين الصفتين، "إنه هو السميع" سميع لدعائكم، سميع لكلامكم، "العليم" أيضاً بما في قلوبكم من الصدق مع الله عز وجل، فإذا صدق الإنسان مع الله عز وجل صدقه الله وحفظه الله. القضية ليست قضية مجرد كلام، لكن هو دعاء وأيضاً فيه صدق مع الله عز وجل بأن يبتعد الإنسان عن هذه الشهوات، هذه المنكرات.

وأيضاً الله عز وجل ذكر قبل هذه الآيات في قصة يوسف قال: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، فماذا قال الله عز وجل؟ قال: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]. وهذا أيضاً أيها الأحبة فيه لفتة جميلة، وهو انتزاع الدعاء من الآيات، عظيم هذا، يعني هناك دعاء تأخذه من سياق الآيات؛ الإنسان يدعو الله عز وجل يقول: اللهم اصرف عني السوء والفحشاء واجعلني من عبادك المخلصين، كما قال الله عز وجل عن يوسف عليه السلام: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾، فيقول الإنسان: اللهم اصرف عني السوء والفحشاء.

فيدعو الإنسان بهذا الدعاء، وهذه الأدعية عظيمة أيها الأحبة؛ "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى"، فيدعو الإنسان بهذا الدعاء، ويدعو بالدعاء الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الشاب: "اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه"، فيدعو ويقول: "اللهم اغفر ذنبي وطهر قلبي وحصن فرجي"، ويدعو أيضاً بالدعاء الذي ورد في قصة يوسف، ويقول: "اللهم اصرف عني السوء والفحشاء واجعلني من عبادك المخلصين".

أيضاً أيها الأحبة لا ننسى أيضاً أن ندعو بهذا الدعاء لأبنائنا، فهم في حاجة شديدة، خصوصاً الشباب منهم الذين لم يتزوجوا، ندعو لهم بهذا الدعاء فإنه بإذن الله وببركة هذا الدعاء يكون سبباً في حفظهم وصيانتهم، فيدعو الإنسان لنفسه ويدعو لذريته، يقول: "اللهم طهر قلوبهم، اللهم أصلح لي ذريتي، اللهم اغفر ذنوبهم، وطهر قلوبهم، وحصن فروجهم، اللهم اصرف عنهم السوء والفحشاء واجعلهم من عبادك المخلصين، اللهم ارزقهم التقى، اللهم ارزقهم الهدى والتقى والعفاف والغنى". فيدعو الإنسان بهذا الدعاء العظيم لنفسه ولذريته ويدعو أيضاً لأبناء المسلمين، وهذا أيضاً من بركة هذا الدعاء أيها الأحبة، أن الإنسان عندما يدعو لذريته لا ينسى أيضاً أن يدعو لذريات المسلمين، هذا زيادة بإذن الله في قبول الدعاء، لأنك إذا دعوت لأبناء المسلمين هناك ملك يقول: ولك مثل ذلك. ففتحصل بقدر الدعاء الذي يكون لأبناء المسلمين يعود أيضاً على أبنائك بإذن الله، وهذا توفيق للعبد، وهذه من أعظم الأدعية أيها الأحبة أن يدعو الإنسان لنفسه وللآخرين.

ولهذا لاحظوا لما يقول الإنسان: "اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات"، كم يحصل من الدعوات العظيمة بعدد المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات من عهد آدم إلى يومنا هذا، يكون لهم بكل شخص، بكل مسلم وكل مسلمة وكل مؤمن وكل مؤمنة هناك ملك يقول: ولك مثل ذلك. ملايين بل مليارات من الدعوات تعود على الإنسان وتعود أيضاً على ذريته، فيحرص الإنسان على مثل هذه الأدعية المباركة العظيمة.

ومن الأدعية أيضاً التي يحرص الإنسان عليها أيها الأحبة، ويستعين بالله عز وجل على مواجهة هذه الفتن وهذه الشهوات وهذه المنكرات التي قد تعرض للإنسان، الدعاء بأن يطهر الله قلبه: "اللهم طهر قلبي من الشهوات والشبهات، من كل فتنة"، يدعو الإنسان بأن يطهر الله عز وجل قلبه وأن يزكي هذه النفس، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9]؛ يعني زكى هذه النفس وطهرها من هذه الفتن، فيدعو الله عز وجل بأن يجنبه فتن الشهوات ومن أمراض القلوب، من أمراض الشهوات والشبهات، لعل الله عز وجل أن يحفظه وأن يحميه من كل فتنة ومن كل شهوة ومن كل شبهة ليسلم له دينه وينجو بإذن الله في هذه الدنيا ويكون من الفائزين في الآخرة.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى، وأن يغفر ذنوبنا، وأن يطهر قلوبنا، وأن يحصن فروجنا، وأن يجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.