يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد ومكارم الأخلاق ندرسها معًا، أدب وتربية على الإحسان، بشرى لنا زدنا كاذبين.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في مادة التربية وفي مقرر مفسدات القلوب في أكاديمية زاد. أسأل الله عز وجل أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن ينفع بها وبالملقين بها وفي طلابها.
تحدثنا أيها الأحبة في الحلقة الماضية عن مفسد عظيم من مفسدات القلوب، وهو الشهوة المحرمة، ونواصل إن شاء الله في هذه الحلقة الحديث عن هذا المفسد العظيم الذي يضر بدين الإنسان وبإيمانه، يوقعه في المهالك ويوصله إلى جهنم وبئس المصير، عياذًا بالله إن لم يتب الله عز وجل عليه.
ذكرنا أيها الأحبة أن هذه الشهوة هي غريزة الإنسان، وهي فطرة الله عز وجل التي فطر الناس عليها، لكن الإنسان يتعامل مع هذه الغريزة ومع هذه الفطرة بضوابط الشرع، مثل بقية الشهوات؛ مثل شهوة الأكل، وشهوة الكلام وغيرها. هذه الشهوات وهذه الغرائز التي وضعها الله عز وجل في الإنسان لابد أن تكون منضبطة بضوابط الشرع؛ فلا يتمادى الإنسان فيها، فالإنسان لابد أن يكون منضبطًا بشرع الله عز وجل، لا يأكل ما حرم الله، لا يأكل لحمًا ولا يأكل الميتة وغير ذلك من الأشياء التي حرمها الله عز وجل. فكل فطرة وكل غريزة جعلها الله عز وجل في الناس لابد أن تكون مقيدة بقيود الشرع ومنضبطة بأوامر الله عز وجل ونواهيه.
هذه الفتن أيها الأحبة، ذكرنا في اللقاء الماضي أن الإنسان هو الذي يجني على نفسه في الوقوع في المحرمات والفواحش، وإلا فالله عز وجل لطيف بعباده، الله رحيم بعباده، لكن الإنسان هو الذي يوقع نفسه في هذه المهالك بتضييعه لأوامر الله. وهناك أسباب ذكرنا منها ضعف الإيمان؛ فإذا ضعف الإيمان في قلب الإنسان فإنه يقع في هذه المحرمات وفي هذه الفواحش، لأنه تضعف عنده المراقبة، ويضعف عنده الخوف من الله عز وجل.
أيضًا من هذه الأمور إطلاق النظر، والنظر سهم مسموم من سهام إبليس، والنبي ﷺ يقول: «العينان وزناهما النظر». فلا بد أن يكون الإنسان حريصًا على غض بصره عن الحرام، وكفه عما لم يحله الله عز وجل له، فالإنسان لابد أن يكون حازمًا في هذا الأمر وحريصًا على دينه وعلى إيمانه.
وأيضًا ذكرنا من هذه الأمور التساهل الذي يحصل عند بعض الناس في الجلوس في الأماكن التي تكون سببًا في وقوع الإنسان في المحرمات؛ يتساهل في بعض المجالس، يتساهل في النظر في القنوات وفي غيرها، وفي الاختلاط المحرم وفي الخلوة المحرمة، وعند ذلك لا يلومن إلا نفسه، فهو الذي عرض نفسه لهذه الفواحش وهذه المنكرات، والشيطان سيتسلط ولن يتركه وهو عدو لنا، والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6].
ومن أعظم الأسلحة التي يحارب بها الشيطان عباد الله عز وجل هي إثارة هذه الشهوات في الإنسان ليقع في المحرمات ويقع في الفواحش، عياذًا بالله من ذلك، وهذا أمر خطير جدًا، ويجب على الإنسان أن يجاهد نفسه في هذا الأمر، والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. والجهاد هنا ليس المقصود به فقط جهاد القتال، وإنما هناك ما هو أعظم وهو جهاد الشيطان والهوى والنفس الأمارة بالسوء، فهذا جهاد عظيم أيها الأحبة.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. والمحسن في أفعاله، المحسن في مراقبة الله عز وجل وفي الخوف من الله عز وجل وفي البعد عما حرم الله عز وجل، فإن الله معه، إن الله عز وجل يعينه ويسدده ويحفظه من كل سوء ومن كل مكروه. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: 38]، وفي قراءة سبعية: «إن الله يدفع عن الذين آمنوا»، يدفع عنهم المحرمات، يدفع عنهم مداخل الشيطان وتسلط الشيطان في هذه الفواحش وفي هذه المنكرات، وهذا بإذن الله إذا تحقق الإيمان في قلب العبد.
كيف يتعامل الإنسان مع هذه المحرمات وهذه الفواحش وهذه المنكرات التي قد تكون أحيانًا ميسرة في كثير من الأماكن وفي كثير من الأوقات؟ بل في هذا الزمن تيسرت أكثر من أي زمن مضى؛ الوصول الآن إلى المحرمات، إلى الفواحش، إلى المنكرات، إلى الشهوة المحرمة أصبح ميسرًا جدًا في هذا الزمن، نسأل الله عز وجل أن يحفظ علينا ديننا. وهذا والله من أعظم تيسر وكثرة الفتن في هذا الزمن، يجعل الإنسان عنده اهتمام أكثر في حفظ نفسه وفي صيانة نفسه وفي بعده عن هذه المحرمات وعن هذه الفواحش، فهو في جهاد عظيم، خصوصًا في هذا الزمن الذي نسأل الله عز وجل أن يحفظ علينا فيه ديننا وأعراضنا وإيماننا وتقوانا.
ومن أعظم الأمور التي يحرص عليها الإنسان أيها الأحبة، والتي تعينه بإذن الله على حفظ نفسه من هذه الفواحش ومن هذه المحرمات، هو تعظيم الخوف من الله في قلبه. أن يحرص الإنسان دائمًا على أن يتفكر في عظمة الله، وأن يقرأ في أسماء الله وصفاته، وأن يعلم ما معنى السميع، ما معنى البصير، ما معنى الخبير؟ هذه الأسماء أيها الأحبة تجعل الإنسان يعلم يقينًا بأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يختفي عن نظر الله عز وجل، فالله عز وجل يعلم السر وأخفى، ولا تخفى عليه خافية. فإذا عظم الخوف من الله في قلب العبد فإنه بإذن الله يكون سببًا في حفظه وصيانته وبعده عما حرم الله، سواء في قضية الشهوة أو في غيرها، فالقضية أن الخوف من الله عظيمة جدًا أيها الأحبة.
ولهذا ذكر النبي ﷺ من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله». لاحظوا، هذا الرجل عرضت له الشهوة وتيسرت أسبابها، فهي امرأة ذات منصب وجمال، يعني ذات منصب يحفظ الإنسان، ويطمئن على أنه لا يقع في هذه الفواحش دون رقيب ولا حسيب، وأيضًا المرأة جميلة ذات منصب وجمال.
لكنه مع ذلك قال: إني أخاف الله. ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله.
اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي فيما رزقتني. اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم طهرني من الذنوب والخطايا، اللهم نقني منها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم وطهرني بالثلج والبرد والماء البارد. اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم.
اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني. أعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة. أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 110]. ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم. ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي. ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، فقد تحدثنا قبل الفاصل عما يحفظ الإنسان من الوقوع في الشهوة المحرمة وفي الفواحش والمنكرات التي يزين الشيطان للعبد الوقوع فيها؛ لأنه عدو لنا ولا يريد لنا الخير، فهو يريد أن يوصلنا إلى ما حرم الله لنكون معه في جهنم وبئس المصير. فالشيطان عنده حجز مؤكد على جهنم، ويريد أن يأخذ معه أكبر عدد من بني آدم، فنسأل الله عز وجل أن يكفينا شر الشيطان وأن يبعد عنا وساوسه.
من أعظم الأشياء التي وقفنا عليها قبل الفاصل في الحفظ بإذن الله من هذا الأمر هو تعظيم الخوف من الله في قلب العبد ومراقبة الله عز وجل. فإذا امتلأ القلب بتعظيم الله والخوف من الله ومراقبة الله عز وجل، فإن هذا والله من أعظم الأسباب التي تعين على حفظ الإنسان من كل محرم وعن كل معصية بإذن الله. إذا وفق العبد إلى هذا الأمر بأن يجعل الخوف من الله في قلبه دائما، ولهذا أثنى الله عز وجل على الخائفين، على الذين دائما الخوف في قلوبهم.
قال الله عز وجل: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]. ليست جنة واحدة، ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. خاف مقام ربه يعني خاف وقوفه بين يدي ربه؛ لأنه سيسأله عن كل صغيرة وكبيرة، وسيقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ [الإسراء: 14]. كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. سيقرأ كل ما عمله في هذه الدنيا؛ كل نظرة، كل شهوة محرمة، كل فاحشة، كل منكر، سيجده هذا العبد. كل ما عمله سيجده في كتابه، ويقول: ﴿مَا لِهَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49]. عند ذلك يندم الإنسان، ولا تحين ما ندم، ويتمنى أن يرجع إلى الدنيا وأن يعمل صالحا، لكن الله عز وجل حكم بأنه لا رجوع إلى الدنيا ولا عودة، وإنما حساب وعقاب في ذلك اليوم، فنسأل الله عز وجل أن يحفظنا من كل مكروه، وأن يخفف علينا الحساب، وأن يجيرنا من عذابه.
فهذا الخوف أيها الأحبة هو الذي عصم يوسف عليه السلام عندما عرضت له امرأة العزيز، قال: «معاذ الله». قال: «معاذ الله» يعني أنا أخاف الله ولا يمكن أن أقترب من هذه الفاحشة، مع أنها امرأة ملك وفي قصرها وغلقت الأبواب وقالت: {هيت لك}؛ يعني أخذت بكل الأسباب التي تجعل الإنسان يطمئن ويرغب في هذه الشهوة والوقوع في هذا الحرام، لكن الخوف من الله عز وجل هو الذي عصمه وهو الذي منعه.
وكما ذكرنا قبل الفاصل في ذلك الرجل الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه يكون يوم القيامة من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله». لم يمنعه إلا الخوف من الله؛ لا رقيب ولا حسيب، وليس هناك ما يمنع من الوقوع في هذا الحرام، المرأة الجميلة وذات المنصب وذات الجمال، ومع ذلك ما منعه حجبه عن الوقوع في هذه المعصية وفي هذا الحرام إلا الخوف من الله.
وهذا له شأن عظيم، هذا كان من السبعة الذين في ظل الله عز وجل يوم القيامة، وهذا والله من أعظم النعيم؛ أن يكون الناس يوم القيامة تحت الشمس التي تقرب من الناس مقدار ميل كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، والناس يلجمهم العرق يوم القيامة، وهو في ذلك النعيم بسبب ما كان في قلبه من تعظيم لله ومن خوف من الله عز وجل، فابتعد عن الفواحش وابتعد عما حرم الله عز في علاه.
أيضا من الأشياء العظيمة التي تعين الإنسان على البعد عن هذه الفواحش وهذه المنكرات أن يحذر من إطلاق البصر وتقليبه فيما حرم الله، خصوصا خائنة الأعين. وما المقصود بخائنة الأعين؟ لأن النظر أيها الأحبة يحرص الإنسان على إطلاقه عموما، لكن بعض الناس يكون عنده صفة وهي خائنة الأعين. ما معنى خائنة الأعين؟ الله عز وجل يقول: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19].
خائنة الأعين أيها الأحبة قد تقع من بعض الناس، نسأل الله أن يحفظنا وأن يعصمنا من كل مكروه. بعض الناس إذا كان في مكان عام، كما فسر ذلك ابن عباس رضي الله عنهما، عندما يكون أمام الناس أو يدخل إلى بيوت بعض الناس، فإذا كان هناك من ينظر إليه فإنه يحفظ بصره ويغض بصره، فإذا أمن الرقيب ولم يكن هناك أحد مطلع عليه ويراه فإنه يطلق بصره في الحرام. وهذا ولا شك أنه دليل على عدم تعظيم الله والخوف من الله، يعني قلة مراقبة الله عز وجل وضعف مراقبة الله عز وجل في قلب ذلك العبد؛ فهو إذا أمن الرقيب أطلق بصره في الحرام، وإذا رأى الرقيب فإنه يغض بصره. وهذه علامة قد تكون من علامات النفاق عياذا بالله من ذلك؛ فالإنسان يحفظ بصره أمام الناس وخلف الناس أيضا، فهو يراقب الله ولا يراقب الناس، ويعظم الله ولا يعظم الناس، خشيته وخوفه من الله أعظم وأشد من خشيته من الناس. فالله عز وجل مطلع عليه، كما قال الله عز وجل: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، فالله عز وجل يعلم ما في قلبك، ويعلم ما تطلقه من بصرك ونظرك فيما حرم الله، ولو لم يرك أحد فإن الله عز وجل يراك ومطلع عليك، ولا تخفى عليه خافية. فإذا لم يكن عند الإنسان اهتمام وحرص في هذا الأمر فإنه قد...
يقع فيما حرم الله عز وجل ويتمادى في هذا الأمر ويحصل له الوقوع، أو يتسلط عليه الشيطان ويوصله إلى ما حرم الله عز وجل بسبب ضعف مراقبة الله، وهذا أمر خطير أيها الأحبة. إذا ما كان عند الإنسان الخوف من الله عز وجل في كل أحواله، وإنما هو فقط يراقب الله عز وجل أمام الناس، هذا أمر خطير جدا وهو دلالة على النفاق الذي يكون في قلب العبد.
والنفاق كما تعلمون نوعان: نفاق اعتقادي، وهذا خطير جدا وهو مخرج من الملة، وهو الذي ذكر الله عز وجل عنه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145]، الدرك الأسفل من النار؛ الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر عياذا بالله، هذا النفاق الاعتقادي. وهناك النفاق العملي، وهو داخل في دائرة الإسلام لكن عنده شيء من ضعف الإيمان، ومن صفات المنافقين كما أخبر النبي ﷺ: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». أيضاً هذا الإنسان الذي يراقب الناس ولا يراقب الله هو أيضاً فيه صفة من صفات النفاق فضعف في قلبه.
أيضاً من الأشياء التي تعين الإنسان أيها الأحبة على دفع هذا الأمر والبعد عنه، هو ألا يسترسل في الخواطر وفي التفكر في هذه الشهوات وهذه المحرمات؛ فهذه الخواطر أيها الأحبة أحياناً تكون خواطر شيطانية، يتسلط فيها الشيطان على العبد ليجره إلى ما حرم الله. ولأن الله عز وجل حذرنا من خطوات الشيطان، ولاحظوا أيها الأحبة الله عز وجل ما قال خطوة الشيطان، قال: ﴿خُطُوَاتِ﴾، فهي خطوة بعد خطوة؛ الإنسان يتساهل في بعض المباحات ثم يقع في بعض المكروهات حتى يصل إلى المحرمات، ثم يصل إلى الفواحش والمنكرات عياذا بالله من ذلك.
فالإنسان يكون حازماً حريصاً على دينه، وأن يقف ويقطع هذا الاسترسال الذي يكون في عقله وفي ذهنه، خصوصاً الشباب الذين لم يتزوجوا، أو يكون الرجل متزوجاً لكن بعيداً عن أهله؛ فإن الإنسان أحياناً يتسلط عليه الشيطان بهذا التفكير الذي قد يوصله إلى ما حرم الله، وهذا والله من تسلط الشيطان على العبد عياذا بالله. لكن من فضل الله علينا أنه ذكر في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]، والشيطان أقصى ما عنده الوسوسة، وهو مع ذلك خناس؛ وهو خناس إذا استعاذ الإنسان بالله عز وجل فإن الله يحميه ويحفظه من هذا الشيطان الوسواس الخناس، الذي إذا ذكر العبد ربه فإن الشيطان يخنس ويبتعد عنه بتوفيق الله وحفظه لهذا العبد.
ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله. لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قاموا بواجبهم، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».
وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً؛ مشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر، وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن. ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع مما أكسبها قيمة واعتباراً واحتراماً لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعترف بذلك المنصفون من الغربيين وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بويزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة.
فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية سنة ومسؤوليات، وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله أسرًا وأفرادًا، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد؛ فقد تحدثنا قبل الفاصل أيها الأحبة عن بعض الأسباب المعينة على دفع هذه الخواطر والوساوس التي تحصل للإنسان بسبب تسلط الشيطان عليه، وهذه من غفلة العبد، فإن الإنسان أيها الأحبة إذا غفل هنا يعمل الشيطان؛ يتسلط الشيطان في وقت الغفلة. ولهذا لما ذكر ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾، قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم إذا غفل، يعني ابن آدم إذا غفل وسوس الشيطان، وإذا ذكر الله خنس.
فالإنسان إذا عرض له الشيطان بهذه الوساوس وهذه الأفكار وهذا التزيين للمعصية فإنه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فإن كيد الشيطان ضعيف وهو خناس، وهذا من فضل الله عز وجل أن نكبت هذا الشيطان، أن نحقر هذا الشيطان بذكر الله والاستعاذة بالله من كيده ومن شره ومن وساوسه.
أيضاً من الأشياء المعينة أيها الأحبة في هذا الأمر، أن الإنسان يحرص على اليقين الصادق والجازم، وأن يستحضر في عقله وفي ذهنه أن الله مطلع عليه في كل أحواله، ولا يمكن أن يختفي عن عين الله عز وجل؛ فعين الله لا تنام، لا تأخذه سنة ولا نوم عز في علاه، وهو يرى الإنسان ومطلع على حاله في خلوته وفي سره وفي علانيته، إن كان في بلاده أو خارج بلاده، في بيته أو خارج بيته، عند الناس أو مستخف عن الناس، فإن الله عز وجل معنا في كل وقت.
وإذا علم الإنسان واستشعر هذا الأمر وعظم هذا الأمر في قلبه، فإن هذا الأمر من أعظم الأسباب التي تحجب الإنسان عن معصية الله. ما الفرق أيها الأحبة أن تكون بين الناس أو تكون في مكان مستخف لوحدك؟ ما الفرق بالنسبة لله؟ والله لا فرق، لا فرق بين أن تكون في محفل من الناس أو تكون خالياً لوحدك؛ لا فرق في ذلك عند الله عز وجل، فهو مطلع عليك في الحالين ويراك في كل وقت هنا وهنا، لا تخفى عليه خافية. فإذا علم الإنسان وتيقن يقيناً صادقاً في قلبه بهذا الأمر، فإن هذا يحجبه عن معصية الله ويمنعه ويردعه عن الوقوع في المحرمات وفي المنكرات والفواحش.
وهذا الأمر أيها الأحبة خطير جدا، وذكر الله عز وجل من صفات المنافقين في القرآن قال: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108].
يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، أكثر خوفاً من الناس، يراقبون الناس وينظرون إلى أعين الناس ولا يستخفون من الله، فإذا خلوا بمحارم الله عز وجل انتهكوها ووقعوا فيها؛ لأنه ضعف الرقيب في قلوبهم، وضعف الخوف من الله في قلوبهم، ووصلوا إلى هذه الطامة وإلى هذه الكارثة.
وهناك أيها الأحبة حديث عظيم لحبيبنا ونبينا وإمامنا صلوات ربي وسلامه عليه، وحبذا أيها الأحبة أن يسمعه الإنسان بقلبه قبل سمعه؛ لأنه والله حديث عظيم تجثو له الركب وتدمع له العيون وتخضع له القلوب. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لأعلمن أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات كأمثال جبال تهامة بيضًا، يجعلها الله هباءً منثورًا».
لاحظوا أيها الأحبة، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لأعلمن أقوامًا من أمتي» يعني منا نحن من أمة الرسول صلى الله عليه وسلم، يأتون يوم القيامة بحسنات، يعني عندهم أعمال صالحة، يأتون بحسنات يوم القيامة كأمثال جبال تهامة بيضًا، يعني حسنات عظيمة. وجبال تهامة أيها الأحبة الذي لا يعلمها هي سلسلة جبال السروات من اليمن إلى الشام إلى الأردن، ويتخيل الإنسان هذا العظم في الحسنات أمراً عظيماً جداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يجعلها الله هباءً منثورًا».
عياذاً بالله! كل هذه الجبال العظيمة من الحسنات تكون هباءً منثورًا. والهباء المنثور الذي ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم وجاء في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الله عز وجل عن الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
وقدمنا إلى ما عملوا أي الكفار من عمل؛ لأن بعض الكفار قد يعمل أعمالاً صالحة، قد يتصدق، قد يكون عنده بر والدين، قد يكون عنده حسن خلق، لكن هذا لا ينفعه، لا والله لا ينفعه إذا لم يؤمن بالله، إذا لم يكن مؤمناً؛ فإن هذه الأعمال لا تنفعه ولا تشفع له عند الله عز وجل. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني»، حتى ولو كان حسن الخلق، حتى ولو كان متصدقاً، حتى ولو كان عنده من أعظم الأخلاق في الدنيا، قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني»، ثم لا يؤمن بي إلا كان من جثاء جهنم عياذاً بالله. ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]. قضية محسومة. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. حتى لا تكون هناك شبهة عند بعض الناس.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول يعني هذه الأعمال يجعلها الله هباءً منثورًا. ما هو الهباء أيها الأحبة؟ الهباء هو هذه القشور التي نراها في الهواء عندما يرى الإنسان أثناء الضوء بعض القشور التي تتطاير في الهواء في الجو، هذه شبه بها النبي صلى الله عليه وسلم أعمال هذا المخذول؛ لماذا؟ لأن الذي ينفع الإنسان يوم القيامة الأعمال الصالحة التي تثقل موازينه وهذا هو سبب نجاته، ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: 6-7]. الإنسان ينجو بتثقيل الموازين.
ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». فالذي ينفع الإنسان هو ما يثقل موازينه يوم القيامة. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال عن أعمال هذا الرجل المخذول قال: «يجعلها الله هباءً منثورًا»، مثل هذه القشور، تضعه في الميزان لا وزن له ولا قيمة لها.
فالصحابة خافوا، يعني هذه أعمال عظيمة ومع ذلك يجعلها الله هباءً منثورًا، قالوا: يا رسول الله صفهم لنا، جَلِّهم لنا ألا نكون منهم ونحن لا نعلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلامًا أعظم وأشد وأكثر خوفاً للإنسان، قال: «أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم»، والكارثة والطامة هذه الثالثة، قال: «ويأخذون من الليل كما تأخذون»، بمعنى أنهم يصلون الوتر، أحياناً يقومون شيئاً من الليل ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، عياذاً بالله.
يعني ما يفعلونه أمام الناس هو مراقبة للناس، هو تسميع عند الناس، ليس تعظيماً لله وليس إخلاصاً في العمل لله، فهم يعملون للناس ولا يعملون لله، ولهذا عندما غاب الرقيب من الناس إذا خلوا بمحارم الله انتهكوا محارم الله ووقعوا في الفواحش في المنكرات، لا يراقبون الله عز وجل ولا يخافون من الله عز وجل في علاه.
وهذا والله من أعظم ما يكون من البلاء للعبد أن تذهب حسناته يوم القيامة هباءً منثورًا، وما أجمل قول الشاعر: إذا ما الدهر يوماً فلا تقل خلوت .. ولكن قل عليّ رقيبُ ولا تحسبن الله يغفل ساعة .. ولا إنما تخفى عليه الغيوبُ
أسأل الله عز وجل أن يحفظ علينا ديننا وأن يرزقنا خشيته في السر والعلن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ونواصل بقية الحديث عن هذا المفسد العظيم من مفسدات القلوب في الحلقة القادمة بإذن الله. أسأل الله أن يوفقنا لطاعته وأن يجنبنا معصيته. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني