يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي؛ أكاديمية زاد، ومكارم الأخلاق ندرسها معا؛ أدب وتربية على الإحسان. بشرى لنا، زدنا كاذبين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في أكاديمية زاد وفي مادة التربية، مقرر مفسدات القلوب.
مفسد القلب في هذا اليوم، وفي هذه الحلقة التي نقف معه بإذن الله، هو مفسد عظيم، وهو بلاء إذا حل بالمرء ضر دينه، وأضعف إيمانه، وأوقعه في المهلكات، والمقصود بذلك هو الشهوة المحرمة.
الشهوة هي غريزة خلقها الله عز وجل ووضعها في جسد الإنسان، لكن هذه الغريزة أيها الأحبة لابد أن تكون منضبطة بضوابط الشرع، وهي غريزة لا يمكن للإنسان أن ينفك منها، فهي من فطرة الله عز وجل وخلقته التي فطر الناس عليها. يقول الله عز وجل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: 14]. ثم قال الله عز وجل: ﴿ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14].
يعني هذا كله متاع في الحياة الدنيا، فلا بد أن يكون هذا المتاع منضبطاً بضوابط الشرع، وإلا تفلت الإنسان من قيود الحلال والحرام وأصبح مثل البهيمة. فهذه الغرائز وهذه الشهوات تشارك بني آدم فيها، لكن البهائم ليست مكلفة، وليس عندها حلال ولا حرام، أما العبد المسلم الذي يتقيد بشرع الله عز وجل فإنه يضبط هذه الغريزة بضوابط الشرع ولا يكون منفلتاً، وهذا هو القيد العظيم الذي يتقيد به الإنسان في هذه الدنيا، ويكون فعلاً عبداً لله يحقق العبودية لله في كل أحواله وفي كل شؤونه.
النبي ﷺ يقول في حديث عظيم، ولا يمكن للإنسان أن ينكر مثل هذه الحقائق التي جاءت في كتاب الله وفي كلام نبي الله صلوات ربي وسلامه عليه، يقول عليه الصلاة والسلام: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء». هذه فتنة وواقع لابد أن يسلم به الإنسان الذي يتوافق مع فطرته، أما الذي ينكر ذلك فهو يخادع، أو هو إنسان ماكر يريد أن يتلذذ بأعراض المسلمين، فهو ينكر ذلك ليقع في هذه الفواحش وفي هذه المحرمات، وهذا ما نسمعه كثيراً من أعداء الدين أو من المنافقين الذين يريدون نشر الفحشاء والمنكر بين المسلمين.
فهذا كلام حبيبنا ونبينا الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه الذي يقول فيه: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»، ويقول النبي ﷺ: «اتقوا النساء، واتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». فأعظم فتنة تحل بالإنسان إذا لم ينضبط بضوابط الشرع هي هذه الفتنة، هي فتنة الشهوة المحرمة والوقوع في الفواحش، عياذاً بالله من ذلك.
هناك أيها الأحبة أسباب تؤدي إلى الوقوع في هذه الفواحش وفي هذه المحرمات، وإلا فالغريزة موجودة في كل بشر، في كل مخلوق حتى الأنبياء، النبي ﷺ يقول: «حُبِّبَ إليَّ من دنياكم النساء والطيب»، فالأنبياء والصالحون والمتقون والصديقون ليسوا بحجر، هم بشر وعندهم هذه الغريزة وعندهم هذه الفطرة، لكنهم يضبطونها بضوابط الشرع ويتقيدون فيها بأوامر الله عز وجل.
وهنا يأتي التوجه الحقيقي والصادق من الإنسان في هذه الحياة بأن يحافظ على دينه، يحافظ على إيمانه بتقيده بأوامر الله وبشرع الله عز في علاه. الإنسان هو الذي يجني على نفسه، وإلا فالله عز وجل رحيم، الله لطيف بعباده، كما أنه خلق فينا وغرس فينا هذه الشهوة، فإنه أيضاً الله عز وجل جعل لنا من الضوابط ومن المعينات ومما يساعدنا على ضبط هذه الشهوة وصرفها في الحلال والبعد عن الحرام، لكن الإنسان هو الذي يجني على نفسه إذا تمادى وإذا تعدى حرمات الله عز في علاه.
من الأسباب التي تكون سبباً في تعدي الإنسان لحرمات الله عز وجل في هذه الغريزة وفي هذه الفتنة، بل من أعظم هذه الأسباب هو ضعف الإيمان. ما الذي يجعل الإنسان يتعدى حدود الله وينتهك حرمات الله عز وجل؟ هو ضعف الإيمان في قلبه، وإلا لو كان هذا الإيمان مستقراً في قلبه عظيماً في صدره، هو يخشى الله ويراقب ويخافه في السر والعلن، فلا يمكن أن يصل الإنسان إلى صرف هذه الشهوة في الحرام، وإنما يضبطها بضوابط الشرع.
ولهذا لاحظوا أيها الأحبة في درجات الإسلام، والإيمان، والإحسان، أعلى درجة هي مرتبة الإحسان، نسأل الله عز وجل أن يبلغنا إياها. ومرتبة الإحسان أيضاً مرتبة عظيمة وتنقسم إلى قسمين: الأولى أن تعبد الله كأنك تراه، يعني أن تتعامل في هذه الدنيا في كل أحوالك، وحتى في هذه الأمور، كأنك ترى الله عز وجل عياناً أمامك. هل يمكن لإنسان أن يصل إلى هذه المرتبة وأنه في كل أحواله كأنه يرى الله أمامه، هل يمكن أن يقع في الحرام؟ أو يتعدى في هذا المنكر وفي هذه الفحشاء؟ أبداً والله.
ولهذا انظروا إلى الذي يريد أن يقع في هذه المحرمات هو يستخفي ولا يعلن، ويبحث عن الحرام بعيداً عن نظر الناس، لو عظم الله عز وجل في قلبه لا يمكن أن يقع في هذا الحرام. ولهذا مرتبة الإحسان الأولى أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهذه المرتبة الثانية الأقل في مرتبة الإحسان العليا: «فإنه يراك»، يعني تتيقن بأن الله مطلع عليك وأن الله يراك في السر وفي العلن، لا تخفى عليه خافية. إذا وصل الإنسان إلى هذه المرتبة فإنه بإذن الله يكون محفوظاً من كل فحشاء ومن كل منكر ومن كل سوء، بإذن الله وبتوفيق الله عز وجل.
ونواصل الحديث عن قضية الإيمان وأثرها في الشهوة المحرمة بعد الفاصل.
«اقرأ»؛ إنها أول كلمة نزلت من القرآن الكريم على قلب النبي الأمين ﷺ. إن الأمم القارئة هي الأمم القائدة؛ لأن القراءة والمعرفة تطرد الجهل والتخلف والخرافة. وقد...
بلغ حب العلماء للقراءة مبلغا عظيما؛ قيل لأحدهم عند موته: ما تشتهي؟ قال: النظرة في حواشي الكتب. وقد أظهرت بعض الدراسات أن حوالي سبعين بالمئة من معلومات الإنسان يحصل عليها عن طريق القراءة، ويتعلم الباقي بالاستماع والتجربة وغير ذلك.
ولكي تكون قراءتك واعية فابدأ بالمرحلة التأسيسية، حيث تنتقي كتب أهل السنة التي تضمن بها سلامة العقيدة، وإذا قابلتك مصطلحات غامضة فاسأل عنها العلماء. ولدفع النفور من القراءة، ابدأ بالكتب السهلة قبل الصعبة، وبالمختصرات قبل المطولات، ولدفع الملل استرح وارح عينيك وتحرك بين الحين والآخر، ويمكن إذا مللت من كتاب أن تقرأ في غيره.
ولدفع شرود الذهن عليك بالصبر والمجاهدة، والبعد عن المؤثرات الخارجية، واستخدم الترقيم والتلوين لتمييز العبارات المهمة، واكتب الحواشي والتعليقات، ولخص الكتاب واستفد بما تقرأ، لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 268].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف رسل الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد؛ توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند سبب عظيم من أسباب الوقوع في الشهوة المحرمة والانفلات الذي يحصل عند الإنسان في هذه الغريزة التي لا تنضبط بضوابط الشرع تودي بالإنسان إلى المهالك.
ذكرنا أن من أعظم أسباب الوقوع في هذه الفواحش وفي هذه المنكرات والمحرمات هو ضعف الإيمان. هو ضعف الإيمان؛ لا شك أن ضعف الإيمان يؤدي بالإنسان إلى التعدي على حرمات الله في كثير من الأمور ومن أعظمها الشهوة المحرمة. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عظيم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن».
النبي صلى الله عليه وسلم ينفي عن هذا الذي يقع في هذه الفاحشة وفي هذا المنكر الإيمان. طبعًا ذكر العلماء أن نفي الإيمان هو هنا نفي لكماله وليس لأصله، فهو يبقى مسلمًا، لكنه في هذه الحال، وإذا وقع في هذا المنكر فقد ضعف الإيمان في قلبه ضعفا شديدا يخشى عليه منه.
ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». فالإنسان الذي يجعله يتجرأ على حرمات الله عز وجل ويقع في هذه الفواحش هو ضعف الإيمان في قلبه، وضعف الخوف من الله في قلبه، وضعف مراقبة الله في قلبه يجعله يتعدى على حرمات الله، وإلا فلو قوي الإيمان في قلبه والخوف من الله ومراقبة الله في السر والعلن، فلا يمكن أن يقع في هذه الفواحش وفي هذه المنكرات.
أيضا من الأسباب التي تؤدي إلى تعدي الإنسان على حرمات الله عز وجل وتيسر له هذا الأمر الرفقة السيئة. ومع الأسف الآن هو الذي يحصل مع كثير من الشباب؛ بعض الشباب قد يكون فيه من الخير أو من التربية الطيبة أو يكون من بيت صالح ونشأة صالحة، لكنه بسبب الرفقة السيئة وقع في هذه الفواحش وفي هذه المحرمات، جرؤوه على ذلك وزينوا له هذا الأمر وسهلوا له الوقوع فيه، فتجرأ على حرمات الله ونسي الخوف من الله، وأيضا ترك ما تربى عليه في بيت أهله أو ما نشأ عليه من طاعة أو من عبادة؛ فالرفقة السيئة لها أثر عظيم جدا.
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الرجل على دين خليله»، أي على عادته وعلى طريقته وعلى مذهبه، «فلينظر أحدكم من يخالل». فالصاحب له أثر عظيم جدا على المرء، ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم الجليس الصالح والجليس السوء بحامل المسك ونافخ الكير.
وهذا تشبيه عظيم من نبينا وحبيبنا صلوات ربي وسلامه عليه؛ فالجليس الصالح كحامل المسك، إما أن يعطيك فائدة أو يعطيك علما أو نفعا أو أن تجد منه ما يسرك، تشبهه النبي صلى الله عليه وسلم بحامل المسك إما أن يحذيك أو يطيبك أو أن تشم منه رائحة طيبة، وهذا هو حال المؤمن الصادق الصالح. ونافخ الكير لابد أن يلحقك منه ضرر؛ نافخ الكير وهو الحداد لابد أن يلحقك منه ضرر من ناره أو من حديده أو من عمله أو من سواد ما يعمل به، فلابد أن يلحق الإنسان شيء من الضرر بسبب صحبة هذا الرجل الذي شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بنافخي الكير.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم أيضا: «لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي». فالصاحب له أثر عظيم جدا، ولهذا في الناس يقولون: الصاحب ساحب؛ يسحبك إلى طبعه وإلى خصال وإلى خلاله التي يتشبه بها أو يتمثل بها، فيقع الإنسان في هذه المنكرات وفي هذه الفواحش عياذا بالله إذا صاحب أهل السوء.
فيحذر الإنسان من صحبة الأشرار الذين يزينون له المعصية ويسهلون له هذا الأمر ويجعلونه يقع في هذه الفواحش وهذه المنكرات وهو يرى أنه لم يفعل شيئا محرمًا. ولهذا يقول الشاعر: إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم .. ولا تصحب الأردى فترضى مع الردي عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه .. فكل قرين بالمقارن يقتدي
وهذا أيها الأحبة واضح وجلي في حياة الناس اليوم في صحبة الشباب الآن وفي صحبة الكبار، واضح جدا التأثير الذي يكون من الأصحاب من أصحاب السوء على الرجل الصالح. أيضا يقول الشاعر: ما عاتب المرء الكريمة نفسه .. والمرء يصلحه الجليس الصالح
أحيانا الإنسان قد يكون عنده شيء من الضعف في إيمانه أو من الفتور، لكن مع رؤية الصالحين ومجالستهم والسماع منهم يتشجع. وفي المقابل أيضا قد يكون الإنسان عنده خوف في الإقدام على المعصية والإقبال عليها والوقوع في المحرمات، لكن بسبب الرفقة السيئة وجليس السوء يزين له هذا الأمر ويجعله يتجرأ على حرمات الله عز وجل وعلى محارم الله. فقضية الرفقة السيئة هذه أيها الأحبة قضية عظيمة جدا، يحرص الإنسان على أن يختار من الجلساء والرفقاء من يعينه على طاعة الله ومن يبعده عن معصية الله عز وجل لينجو في حياته بإذن الله.
أيضا من الأسباب العظيمة التي تودي بالإنسان إلى المهالك في هذه الغريزة العظيمة التي الله عز وجل الناس عليها، وهي غريزة الشهوة، من الأشياء التي تجعل الإنسان يقع في هذه المحرمات إطلاق النظر فيما حرم الله عز وجل وفيما لم يحله الله عز وجل له، فيتجرأ وتزين له وتدفعه نفسه إلى الوقوع في هذه المعصية. فالنظرة أيها الأحبة النظر سهم من سهام إبليس.
ولا يمكن لإنسان عاقل أن ينكر هذا الأمر، فالإنسان إذا أطلق بصره فإن هذه النفس تشوق للوقوع في هذا المنكر وتزين له هذا المنكر. والنظر أيها الأحبة هو نافذة إلى القلب، يحبب للإنسان المعصية ويحبب له الشهوة المحرمة.
ولهذا يحرص الإنسان على حفظ بصره كما قال الله عز وجل: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30]. وأيضا هذا الخطاب موجه حتى للنساء: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 31].
وذكر العلماء لفتة جميلة في هذه الآية في قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، ومن هنا عند كثير من أهل التفسير هنا تبعيضية؛ يعني الإنسان يغض من بصره بعضا من بصره، لأن الإنسان لابد أن يرى. والنظرة الأولى معفو عنها، أو النظر الذي لا يكون بشهوة، فالرجال قد يقع منهم نظر في أول أمره لكن الإنسان لا يتمادى في هذا النظر.
المرأة كذلك قد تنظر للرجال في الأسواق وفي غيرها، لكن ليس النظر المحرم والنظر بشهوة؛ يعني يجوز للمرأة أن تنظر للرجل في الأماكن العامة وفي القنوات وفي غيرها إذا لم يكن هناك شيء من الفتنة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾، إذا وصل الإنسان إلى مرحلة الفتنة فإنه لابد أن يغض بصره.
فهذا أمر عظيم أيها الأحبة وهو غض البصر؛ لأنه بريد للوصول إلى المحرمات، وهو سبب لفتنة هذا القلب وتعلقه بهذه الشهوات. ولذا يقول الشاعر: كل الحوادث من النظر ومعظم ... النار من مستصغر الشرر كم نظرة فتكت في قلب صاحبها ... فتك السهام بلا قوس ولا وتر والعبد ما دام ذا عين يقلبها ... في أعين الغيد موقوف على الضرر السر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبا بسرور عاد بالضرر
ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، وأسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب.
رب تقبل توبتي واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، وسدد لساني، واهد قلبي، وأسل سخيمة صدري. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت، وما أخطأت وما عمدت، وما علمت وما جهلت. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين. ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين. ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب، رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد أيها الأحبة، توقفنا قبل الفاصل عند الحديث عن أمر عظيم جدا وسبب خطير يوصل الإنسان إلى الوقوع في الفواحش والوقوع في المحرمات، وهو إطلاق النظر فيما حرم الله.
وهذا لا يخفى على كل عاقل أن النظر المحرم هو سهم من سهام إبليس، يجعل الإنسان يحب هذه المنكرات ويحب هذه الفواحش ويتمادى فيها، وتشتهي هذه النفس الوقوع فيما حرم الله عز وجل.
أيضا من الأسباب التي يحرص عليها المسلم ويبتعد عن الوقوع فيها أو يحاول أن يشغل نفسه في طاعة الله عز وجل، هو قضية الفراغ. الفراغ القاتل الذي يجعل الإنسان يفكر في المنكرات في المحرمات في الفواحش، يجعل الإنسان يسرح بعقله في الوقوع في هذه الأمور. والفراغ أيها الأحبة إذا لم يستغله الإنسان في طاعة الله جعله إبليس يستغله فيما حرم الله عز وجل، وهذه النفس إن لم تشغلها بطاعة الله أشغلتك بمعصية الله.
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». إنسان عنده صحة وعافية وعنده وقت فراغ، فهذه الصحة وهذا الفراغ إذا لم يستغل في طاعة الله وفي عبادة الله فإن الإنسان يصرفه فيما حرم الله. ونرى الآن كثير من الشباب عنده الصحة عنده القوة وأيضا عنده الفراغ، فماذا يفعل؟ إما يتسكع في الأسواق أو يبحث عن المحرمات هنا وهناك لوجود الفراغ عند وجود الصحة، وهذا والله من خطوات الشيطان ومن تسويل الشيطان لهذا العبد أن يجعله يصرف هذه النعمة، لهذا سماها النبي صلى الله عليه وسلم نعمة؛ قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». فيحرص الإنسان على استغلال صحته واستغلال فراغه فيما ينفعه ويرفعه عند ربه.
أيضا من الأسباب التي تسهل للإنسان المعصية وتزين له الوقوع فيها، التساهل أيها الأحبة؛ التساهل في الوقوع في المحرمات. ونحن بشر، الإنسان إذا لم يضبط نفسه وإذا حزم هذه النفس وقصرها على طاعة الله وأبعدها عما حرم الله عز وجل فإنه لابد أن يقع في هذا الأمر، فالتساهل أمر خطير جدا في الوقوع في المحرمات.
وأيضا القرب من مواضع الشبهات. فالإنسان أيها الأحبة لا يختبر هذه النفس، هذه فطرة وهذه غريزة، يقول الإنسان أنا إيماني قوي وأنا عندي حصانة أبدا، هذه فطرة أيها الأحبة، والإنسان لا يعاند هذه الفطرة بأن يعرض نفسه لمواطن ومواضع الشبهات، ثم بعد ذلك يقع في المحرمات ويندم، ولا تحين مندم.
لكن المؤمن يكون حازما في هذا الأمر، ولا يتمادى في الوقوع أو في التساهل في الوصول إلى أماكن الشبهات، كما يحصل أحيانا، الإنسان قد يجلس في مجال فيها فواحش وفيها منكرات، أو قد يقلب نظره في قنوات الخبث والفساد والعهر الذي يبث في بعض الفضائيات ثم بعد ذلك يقول الإنسان أنا أحافظ على نفسي؛ هذا أمر خطير أيها الأحبة. والإنسان في هذا الأمر كما قال الشاعر: كساع إلى الهيجا بغير سلاح
يعني هو الآن يتعرض ويدخل هذه المعركة مع الشيطان بدون سلاح من الإيمان والتقوى الذي يكون في قلبه، هو الذي فتح هذه الجبهات على نفسه.
فالإنسان يكون حازمًا، يكون حريصًا على هذا الأمر. ولهذا يقول النبي ﷺ سدًا لهذا الأمر وسدًا لهذه الذرائع، يقول النبي ﷺ: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما».
فهذا من باب سد الذرائع؛ أن الإنسان لا يوقع نفسه في الشبهات، أن يخلو بامرأة لا تحل له، وهذا أمر خطير جدًا أيها الأحبة. ولهذا النبي ﷺ نهى عن الدخول على النساء، طبعًا من غير المحارم. قال بعض الصحابة: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ والحمو هو قريب الزوج؛ أخو الزوج، عم الزوج، خال الزوج، يعني قريبه من غير محارم المرأة.
قالوا: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ فقال النبي ﷺ في كلمة عظيمة أيها الأحبة تدل على خطورة هذا الأمر، والنبي ﷺ حريص على أمته، حريص على دين الناس، حريص أيضًا على ما يبعدنا عن هذه الفواحش المنكرات، فهو رحيم بنا صلوات ربي وسلامه عليه: «الحمو الموت، الحمو الموت، الحمو الموت». كررها ثلاثًا.
قال العلماء: لماذا قال النبي ﷺ هذا الأمر وكرره ثلاثًا؟ لأن الرجل قد يكون يسيرا له أن يدخل على بيت أخيه، يدخل على العم، أو يدخل على بيت ابن أخيه، والخال كذلك على ابن أخته، يعني لا يستنكر الدخول والخروج من هذا البيت، وهنا قد يقع الحرام وتقع الفواحش إذا لم ينضبط هذا الأمر بضوابط الشرع.
لا يجوز للمرأة أن تجلس مع غير ذي محرم في خلوة، محرم عليها أيها الأحبة، ولا يتساهل الإنسان في هذا الأمر مهما كان. وهذا ليس كلام الناس، ليس كلام العلماء، ليس كلام الفقهاء، هو كلام الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه. ولهذا أيها الأحبة، الإنسان يحرص أو يحذر من خطوات الشيطان.
الله عز وجل كرر هذا الأمر: لا تتبعوا خطوات الشيطان في القرآن أربع مرات في أربعة مواضع، منها أحد هذه المواضع في سورة النور وخاص بهذا الأمر في قضية الشهوات، يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 21]. فالله عز وجل هو الذي يزكي هذه النفوس ويطهرها بالتقوى، إذاً يسعى الإنسان في التقيد بشرع الله عز وجل.
أيضًا النبي ﷺ منعا لهذا الأمر، منع الصحابة أو حذر الصحابة من الجلوس في الطرقات، قال: «إياكم والجلوس في الطرقات»، فقال الصحابة: هي مجالسنا يا رسول الله، ما لنا منها من بد، يعني بعض الناس يجلس في الأسواق إما أن يبيع ويشتري وغير ذلك. فقال النبي ﷺ: «إلا أن تفعلوا ذلك فادوا الطريق حقه»، فقالوا: وما حقه يا رسول الله؟ فذكر النبي ﷺ أربعة أشياء: أولها قال غض البصر، غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا هو حق الطريق؛ إذا جلس الإنسان في الطرقات فلا بد أن يغض بصره ليحفظه من الوقوع في الفواحش وتزيين المعصية له، ويحرص الإنسان أيها الأحبة على هذا الأمر.
والآن من حفظ هذا الأمر، يعني ليست القضية فقط في الأسواق، وإنما الإنسان الآن وهو في بيته، بل وهو خال بنفسه مع جهازه، مع هذه الجوالات وهذه القنوات، يعني الأمر أصبح ميسرًا جدًا أكثر من السابق. وهذا والله من أعظم الابتلاء، ومن أعظم الفتن التي وقعت في هذا الزمان؛ أن هذه الفواحش وهذه المنكرات أصبحت ميسرة جدًا للإنسان بالدخول إلى مواقع محرمة وما أكثرها، الدخول أو النظر في هذه القنوات التي تبث العهر والفساد والخنا والمجون التي تمتلئ بها بعض القنوات التي تحاد الله ورسوله وتحارب دين الله عز وجل.
فيحرص الإنسان على الحفاظ على دينه والبعد عما حرم الله عز وجل حتى لا يزين له الشيطان ويوصله الشيطان إلى الوقوع في هذه الفواحش وهذه المنكرات. وما زال الحديث عن هذا المفسد من مفسدات القلوب، فيه بقية نواصل إن شاء الله الحديث عنه في الحلقة القادمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحفظنا من كل مكروه ومن كل سوء. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني