بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله أيها الأحبة في أكاديمية زاد، وفي مادة التربية، وفي مقرر مفسدات القلوب الذي نتكلم عنه في هذا الفصل.
مر معنا أيها الأحبة في الحلقتين الماضيتين الحديث عن مفسد عظيم من مفسدات القلوب، بل هو مفسد لدين الإنسان ولحياته، وهو حب الدنيا. ذكرنا في الحلقتين الماضيتين ما يتعلق بهذا الأمر، والآيات والأحاديث التي جاءت في كتاب ربنا وعلى لسان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه التي تحذر من تعلق الإنسان بالدنيا حتى تشغله عن آخرته، وأن هذا يكون عناءً وبلاءً وشقاءً للإنسان في دنياه وفي أخراه.
سنتحدث في هذه الحلقة بإذن الله عن العلاج لهذا الأمر؛ وهذه هي الطريقة الصحيحة أن يبين الإنسان أو أن يظهر الداء ثم يأتي بالدواء. هذا هو التفكير الصحيح في التعامل مع كل القضايا التي يمر بها الإنسان في دنياه، أن يقف على حقيقة البلاء وعلى حقيقة الداء، ثم يبدأ بعد ذلك في النظر في العلاج. ومن فضل الله علينا أيها الأحبة أن الله عز وجل بين لنا كل شيء، جعل لنا الكتاب الكريم وجعله تبياناً لكل شيء، وفيه العلاج وفيه الدواء لكل ما يريده الإنسان من أمور دينه ودنياه. وهذه حقيقة عظيمة أيها الأحبة؛ الإنسان إذا أراد الفلاح والفوز والنجاة في الدنيا والآخرة فليتعلق بكتاب الله عز وجل ويتدبر القرآن، وينظر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فكل خير موجود فيهما. وحذر الله عز وجل وبين لنا ما يصلح دنيانا وما يصلح آخرتنا أيضاً، وهذا من توفيق الله عز وجل لعباده المؤمنين.
علاج حب الدنيا أيها الأحبة يكون بأمور، والإنسان لا بد أن يأخذ بالأسباب ولا يترك الأمر هكذا يعيش في حياته سبهللة كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإنما لا بد أن يكون في الإنسان حزم وقوة وصبر وثبات في التعامل مع هذه الفتن ومع هذه الشهوات ومع هذه الشبهات. ومن أعظم ما يعين الإنسان على البعد عن هذا المرض وهذا الداء وهذا البلاء الذي يحل بالقلب هو العلم؛ العلم الذي يدفع به الإنسان الشهوات والشبهات. أكبر علاج أيها الأحبة أن يتعلم الإنسان ما ينفعه ويرفعه عند ربه، ويدفع به هذه الشبهات وهذه الشهوات، وخصوصاً العلم الراسخ بحقيقة الدنيا؛ يعلم الإنسان ما هي هذه الدنيا؟ هل هي باقية أم فانية؟ هل هذه الدنيا هي التي سنخلد فيها أم نذهب منها ونخرج منها في يوم من الأيام؟
الإنسان إذا علم هذه الحقيقة أيها الأحبة، ولهذا أعظم حقيقة لا بد أن يستحضرها الإنسان في عقله هي حقيقة الموت، هادم اللذات ومفرق الجماعات. وبعض الناس الآن يقول: يا أخي لا تفسد على الناس حياتهم وسعادتهم وأنسهم بذكر الموت. أبدًا والله، الذي ينسى الموت والله إنه في غفلة عظيمة. الموت لا يفسد حياة الإنسان بل يصلحها، لا يفسد حياة الناس بل يصلح حياة الناس. وليس ذكر الموت يعني أن الموت سيأتي في ساعة محددة؛ والله لو تحدثنا عن الموت بالأيام والأشهر والسنين هذا لا يكون سبباً في حضور الموت للإنسان أبداً، هناك ساعة محددة لا يتقدم الإنسان ولا يتأخر عنها، هي التي سيكون فيها نهاية الإنسان. لكن ذكر الموت أيها الأحبة هو الذي يحيي القلب، بأنه يبين للإنسان حقيقة هذه الدنيا، فلا بد أن يستحضر الإنسان هذا الأمر دائماً، وحقارة الدنيا وقلة العيش فيها، لا بد أن يكون عند الإنسان هذا الأمر يستحضره دائماً ويعلم هذه الحقيقة وتكون حاضرة في ذهنه.
أيضاً من الأمور التي تكون سبباً في علاج هذا المفسد من مفسدات القلوب أن يعلم الإنسان حقارة الدنيا؛ يعني في الأول يعلم حقيقة الدنيا، ثم بعد ذلك يصل إلى الحقيقة الأخرى وهي حقارة هذه الدنيا، وأنها لا تساوي عند الله عز وجل شيئاً ولا قيمة لها. ولو كانت هذه الدنيا لها قيمة عند الله عز وجل ما سقى منها كافراً شربة ماء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلا قيمة للدنيا.
وانظر -وهذا مما يحيي القلب- أن ينظر الإنسان في سير الأنبياء والصالحين والأولياء والمتقين، كيف كان حالهم في هذه الدنيا؟ هل كانوا في نعيم؟ هل كانوا في ترف؟ النبي صلى الله عليه وسلم كان يربط الحجر على بطنه من الجوع، ويمر الهلال والهلالان والثلاثة ولا يوقد في بيت النبي صلى الله عليه وسلم نار. يعني لو كانت هذه الدنيا تساوي شيئاً عند الله لكان من أعظم الناس تنعماً في هذه الدنيا هو أحبهم إليه، وهو حبيبنا ونبينا محمد صلوات ربي وسلامه عليه. فالدنيا حقيرة لا تساوي عند الله شيئاً، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرر هذه الحقيقة في قلوب الصحابة، ولهذا كانت قلوبهم أبر القلوب وأحياها، وهم أعظم البشر بعد الأنبياء والرسل؛ هم صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم لما كانوا يسمعونه ويرونه ويشاهدونه من كلام نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، الذي كان يكرر لهم هذا المعنى لتحيا القلوب.
في يوم من الأيام كان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي مع بعض الصحابة في السوق، فمروا بجدي ميت أسك، والصك بمعنى أنه مقطوع الأذنين، فهذا الجدي ميت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: «من يأخذ هذا بدرهم؟» يا نبي الله كيف نأخذه؟ ميت وفوق ذلك هو أسك، يعني فيه عيب، فكيف نأخذه بدرهم؟ النبي صلى الله عليه وسلم -هذا من باب شد الانتباه، وهذا أسلوب من أساليب التعليم عظيم، وأعظم معلم هو نبينا صلوات ربي وسلامه عليه- لما عرفوا حقارة هذا الجدي الميت والأسك أيضاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليقرر لهم هذه الحقيقة في قلوبهم مشاهدة وعياناً وبالتمثيل: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم». يعني إذا كان هذا الجدي حقيراً في أعينكم فالدنيا أشد حقارة عند الله عز وجل. فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم. ونواصل الحديث عن هذا المعنى بعد الفاصل إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، توقفنا قبل الفاصل أيها الأحبة عند حديث نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي ضرب مثلاً لهذه الدنيا بذلك الجدي الميت الذي مر به هو وأصحابه رضي الله عنهم في السوق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: «من يأخذ هذا بدرهم؟» فقالوا: يا رسول الله، يعني هو ميت! يعني ماذا ينتفع الإنسان الآن لو رأيت ميتة في الشارع؟ ماذا تنتفع بها؟ وفوق ذلك هو أسك. والأسك كما قلنا هو مقطوع الأذنين. فقالوا: يا رسول الله، يعني من يأخذ هذا؟ ما قيمته؟ يعني ميتة، ما قيمته؟ ماذا ينتفع به الإنسان؟ والميتة محرم أكلها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم». يعني انظروا إلى هوان هذا الجدي في أعينكم، فالدنيا أشد هواناً عند الله من هذا عليكم.
لا قيمة لها، الدنيا عند الله لا قيمة لها، ولا بد أن يعلم الإنسان هذه الحقيقة. لا بد أن يعلم أن هذه الدنيا حقيرة عند الله عز وجل ولا قيمة لها، وهي دار اختبار، دار ابتلاء، دار امتحان؛ لننتقل بها من الدار الفانية إلى الدار الباقية، ويكون الحساب ويكون العقاب يوم القيامة. أما هذه الدنيا فجعلها الله عز وجل للمؤمن والكافر، الكل يتنعم في هذه الدنيا، لكن يبقى النعيم الحقيقي يوم القيامة لأهل الإيمان. فهذه الحقيقة أيها الأحبة إذا استقرت في عقل الإنسان وفي قلبه، فإنه يسعد بإذن الله ولا ينشغل بدنياه عن أخراه.
أيضاً من الأمور التي تعالج هذا الأمر في قلب العبد أن يعلم الإنسان أو يتفكر في سرعة زوال الدنيا وسرعة إقبال الآخرة. الدنيا قصيرة أيها الأحبة، مهما عاش فيها الإنسان فهي قصيرة، الأعمار قصيرة والإنسان ينتظره الموت في أي لحظة. وأيضاً من الأشياء التي تحيي القلب أن الإنسان لا يدري متى يموت؛ قد يموت الآن، بعد ساعة، بعد يوم، بعد شهر، بعد سنة، الله أعلم. ولهذا يكون الإنسان الموفق المسدد مستعداً للقاء الله عز وجل دائماً، يكون مستعداً للقاء الله، فقد يموت في أي لحظة.
يعني بعض الناس الآن يسوف، ولهذا يقول العلماء: "سوف" جندي من جنود إبليس. كيف جندي من جند إبليس؟ "سوف أفعل"، يعني بعدين. طيب ما الذي يضمن لك أنك ستبقى وأنك ستعيش حتى تحقق بعض ما تؤمله في هذه الدنيا؟ ولهذا يبادر الإنسان، ولهذا مر معنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم». الإنسان يبادر ويسعى في دنياه ويعلم حقيقة الدنيا وأنها إلى زوال. ولهذا جاء في الأثر أيها الأحبة أن نوحاً عليه السلام، الذي عاش في الدعوة فقط تسعمئة وخمسين سنة، فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً -هذا غير حياته قبل البعثة- يروى أنه سئل عند وفاته: كيف الدنيا؟ يعني كيف ترى الدنيا؟ قال: كأن الدنيا هذه كأنها دار دخل من باب وخرج من باب. يعني بعد هذا العمر المديد الذي تجاوز الألف سنة كأنه دخل من باب وخرج من باب.
وهذا مشاهدة أيها الأحبة؛ انظروا الآن، اسأل أي رجل في الستين، في السبعين، في الثمانين، ما هي حياة السابقة؟ كأنها حلم، كأنها طيف، مجرد أحلام فقط، انتهت ومرت سريعاً، وهو الآن في آخر حياته. فهذه حقيقة الدنيا التي لا بد أن يستشعرها الإنسان. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لي وللدنيا؟». النبي صلى الله عليه وسلم لم ينشغل في الدنيا، ولهذا كان يكثر من طاعة الله وعبادة الله، وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ولهذا كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه صلوات ربي وسلامه عليه، فتقول له عائشة -تخبره بهذا الأمر-: يا رسول الله، تفعل ذلك وأنت قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ يقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟».
هذه هي الدنيا، الإنسان يشغلها بطاعة الله عز وجل، ولا يمنع هذا أن يتنعم الإنسان بشيء من الدنيا التي تكون عوناً له على طاعة الله، لا تكن مشغلة عن طاعة الله، وإنما تكون عوناً له على طاعة الله. فنحن نأخذ من الدنيا ما يعيننا على طاعة الله؛ فهي في جانب طاعة الله وفي عبادة الله في أمر هامشي وفي أمر ثانوي، الأصل والأساس عندنا هو طاعة الله وعبادة الله عز وجل، هذا الذي خلقنا لأجله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب». لاحظوا هذا المثال العجيب يا إخوان: «ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها». يشبه النبي صلى الله عليه وسلم حياة الإنسان في هذه الدنيا مثل إنسان مسافر مر بشجرة، جلس يرتاح قليلاً تحت ظل الشجرة ومشى؛ هذا الجلوس القليل تحت ظل الشجرة هو حالنا في الدنيا، هو حالنا في الدنيا لأننا سنرحل ولا شك. مثل هذا الرجل الذي جلس تحت ظل الشجرة هو سيقوم ويرحل، كذلك الإنسان في هذه الدنيا هو يمر ويرحل.
ويخرج من هذه الدنيا. ولهذا ذكر العلماء أيها الأحبة مثالًا عجيبًا؛ تخيلوا رجلًا مسافرًا ويمر في طريقه باستراحة أو مكان مثل ظل شجرة أو غيرها، وهو في طريقه وينوي الذهاب إلى مكان معين، فوقف يستريح.
هل يعقل أن الإنسان في مكانه هذا الذي يستريح به للحظات، يروح يجمع ويأتي ويبني؟ يبدأ ينشغل في هذا المكان ويهيئه بأفضل وأجمل وأعلى الملهيات والمشغلات في هذه الدنيا، أو لا يتبلغ بأي أمر حتى ينتقل إلى ما يريد؟ هذا هو حال الدنيا أيها الأحبة، نحن ننشغل في هذه الدنيا ونعمر هذه الدنيا على حساب الآخرة.
وهنا تأتي الطامة العظيمة والكبيرة، ولهذا لما سأل بعض الخلفاء -ويروى عن سليمان بن عبد الملك وغيره- سأل أحد العلماء: ما بالنا نحب الدنيا ونكره الموت؟ نريد أن نبقى في الدنيا ولا نريد أن نخرج منها، متشبثًا الإنسان بدنياه يريد أن يتلذذ ويتنعم وينشغل بهذه الدنيا، ويخاف وعنده رعب وهلع من الموت. فقال كلمة عجيبة وجميلة، كلام العلماء عليه نور النبوة: لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من دار العمار إلى دار الخراب.
عمر دنياه وخرب آخرته، فالإنسان بطبعه يكره أن ينتقل من دار العمار إلى دار الخراب. لكن لو كان الإنسان عمر دنياه وعمر آخرته، فإنه لا يكون عنده من الهلع والخوف والجزع عند الانتقال من دار العمار إلى دار عمار أفضل وأعظم؛ لأنه قدم لنفسه لآخرته وعمل من الصالحات ما يكون -بإذن الله- سببًا في نجاته يوم القيامة.
وهنا أيها الأحبة، هذا الكلام لا بد أن يراه الإنسان في عقله؛ إن الإنسان إذا عمر الدنيا وخرب الآخرة فهذا شيء طبيعي أنه يكره الموت، لأنه يكره أن ينتقل من دار العمار إلى دار الخراب. فيبني الإنسان دنياه ويعمر آخرته ويقدم له من الأعمال الصالحة ما يكون نورًا له في قبره، وأيضًا نجاة له يوم الحشر بإذن الله عز وجل.
ولهذا يقول ابن عمر رضي الله عنه: «عش في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». الإنسان لا بد أيها الأحبة في هذه الدنيا أن يعلم هذه الحقيقة، ولهذا يقولون: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. وهذا هو التوازن في حياة المسلم.
ونواصل بعد الفاصل إن شاء الله. العلم مراتب؛ فمنه فرض عين، وهو تعلم ما لا يتأتى الواجب إلا به، كتعلم صفة الوضوء والصلاة. ومنه فرض كفاية، كعلوم الحديث، ونفل كالتبحر في أصول الأدلة. فلا بد من التدرج فيه خطوة خطوة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام.
ونراعي الأولويات في التعلم، فنبدأ بالعلوم الأصلية كالتفسير والفقه قبل علوم الآلة كمصطلح الحديث وأصول الفقه، ونبدأ بتعلم الفروض قبل النوافل. وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»، وقد قيل: «من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور».
ونبدأ بالأسهل قبل الأصعب، وبالمختصرات قبل المطولات. قال تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾، والرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. ونبدأ بتعلم ما تترتب عليه ثمرة قبل المسائل النظرية البحث، ونبدأ بالتعلم قبل التصدر للتعليم، فإن فاقد الشيء لا يعطيه. ونهتم بالفهم والتدبر ولا نقتصر على الحفظ والتلقين، فتدرج في طلب العلم حتى تكون من الراسخين. قال ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين».
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف رسل الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد أيها الأحبة، توقفنا قبل الفاصل عند قول ابن عمر رضي الله عنهما: «عش في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، وذكرنا المقولة التي هي منهج حياة بالنسبة للتوازن في حياة المسلم: «عش في الدنيا كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا».
الإنسان يسعى في الدنيا في عمله، في بيته، في تربية أولاده، في بحثه عن المال الحلال الذي يغنيه عن الناس، يسعى في هذه الدنيا كأنه يعيش أبدا. واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا؛ يجتهد الإنسان في عبادة الله ولا يسوف، لأنه لا يعلم هل يبقى وهل سيعيش حتى يقدم لنفسه من هذه الأعمال الصالحة التي يسوف فيها بقوله: سأفعل بعد ذلك، سأعمل بعد ذلك، وإنما يعمل لآخرته كأنه يموت غدا.
فالإنسان أيها الأحبة إذا عاش بهذا التوازن في حياته فإنه يوفق ويسعد، ولا تتغلب الدنيا على الآخرة في قلبه، ولا يتمكن حب الدنيا من قلبه حتى يشغله عن آخرته. أيضًا من الأشياء التي تعين الإنسان في هذا الأمر، وتكون علاجًا لهذا المفسد من مفسدات القلوب، القناعة باليسير أيها الأحبة في هذه الدنيا؛ فالإنسان مهما جرى في هذه الدنيا ومهما سعى فيها، فإنه لن يأتيه إلا ما كتبه الله له. الإنسان يقنع، والقناعة كما قيل كنز لا يفنى.
فإذا كان الإنسان عنده هذا الأمر فإنه يرتاح في دنياه. ومر معنا حديث النبي ﷺ: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له». فهذه القناعة أيها الأحبة تجعل الإنسان لا يتعلق بالدنيا كثيرًا ويعلم أن رزق الله سيأتيه، هو يأخذ بالأسباب، يسعى في هذه الدنيا، يعمل ويجتهد ويبحث عن الرزق الحلال، لكن يبقى هذا كله مضبوطًا بضوابط الشرع، ولا تتغلب الدنيا على الآخرة؛ إذ إذا تعارض أمر الدنيا مع أمر الآخرة يقدم أمر الآخرة.
ولهذا مع الأسف هناك مقولات عند بعض الناس، وهي مقولات شيطانية؛ قد تكون حقًا لكن يراد بها باطل. لما يأتي الإنسان في وقت العمل أو العبادة، يأتي وقت الصلاة، فيتعارض هذا الأمر بين عمل الإنسان وبين عبادة الإنسان، يقول بعض الناس: "العمل عبادة". العمل عبادة، وهي كلمة حق أريد بها باطل؛ ليترك طاعة الله وعبادة الله، يتحجج بهذه المقولة أبدًا. العمل إذا أشغل عن طاعة الله فهو ليس عبادة، هو معصية إذا أشغل عن طاعة الله. ولو كان الإنسان أيها الأحبة في مباح، بل حتى لو كان في عبادة، إذا جاء وقت عبادة مؤقتة مثل الصلاة.
إذا أذن المؤذن فإن الإنسان يترك، حتى ولو كان يقرأ في كتاب الله فإنه يترك هذا الأمر، فكيف بغيره من أمور الدنيا؟ ولهذا جاء في وصف حال النبي ﷺ في بيته ما تقول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ في بيته رجلًا مثل بقية الرجال، يحلب شاته، ويخيط ثوبه، ويخصف نعله». ثم إذا أذن المؤذن فكأنه لا يعرفنا، ليس مثل ما يقول الناس الآن «العمل عبادة». لا، إذا أذن المؤذن فكأنه لا يعرفنا.
فهنا يأتي أيها الأحبة العقل والذكاء والفطنة والنباهة في حياة الإنسان في تعامله بين أمور دينه ودنياه؛ إذا جاء أمر الآخرة فإن الدنيا لا قيمة لها، يجب أن يتوقف الإنسان عن العمل وينطلق إلى طاعة الله عز وجل. وهذا هو حقيقة الفقه في الدين والبصيرة الحقة؛ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة. لا تلهيهم مهما كان، ولا يقل البعض «العمل عبادة» تهربًا وتخففًا من الطاعة والعبادة.
ولهذا يقول الله عز وجل فيمن كان يريد العاجلة، أي هذه الدنيا، وينشغل بالعمل عن طاعة الله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ۖ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: 18-19]. ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19]. والله عز وجل من صفاته الشاكر والشكور، ذكر العلماء أن هذا المعنى في صفات الله عز وجل: الشاكر والشكور هو الذي يعطي الأجر العظيم عن العمل اليسير، وهذا من فضل الله ومن رحمة الله ومن لطف الله بعباده؛ نعمل عملًا يسيرًا فيعطينا الله عز وجل الأجر العظيم والوفير.
فالإنسان أيها الأحبة لا تشغله الدنيا عن الآخرة، ولهذا قال الله عز وجل في وصف حال بعض الأشقياء: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: 1-2]. ألهاكم التكاثر والانشغال في هذه الدنيا حتى زرتم المقابر، يعني حتى أدرككم الموت ونقلتم إلى المقابر موتى، وهنا يتندم الإنسان. وأيضًا من جمال وصف القرآن قال: ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ﴾، ما قال حتى وضعتم في المقابر، بل قال «حتى زرتم»؛ لأن الزائر لا يبقى وإنما سينتقل. الإنسان إذا زار شخصًا في بيته فإنه لا يبقى ويسكن، فسمى المقابر زيارة لأن هناك دارًا أخرى بعدها ينتقل إليها الإنسان.
فالإنسان أيها الأحبة لا بد أن يكون عنده هذه البصيرة في دين الله عز وجل حتى لا تتغلب الدنيا على قلبه. ومن أعظم أنواع العلاج لحب الدنيا في قلب الإنسان حتى لا تطغى على حب الآخرة: التفكر في نعيم الجنة. مهما كان الإنسان في نعيم في هذه الدنيا فهو والله لا يساوي شيئًا أمام نعيم الآخرة، والإنسان إذا عرف هذه الحقيقة وتبصر، ترك بعض ملذات الدنيا؛ يترك خمر الدنيا لأنه يعلم أن هناك نهرًا في الجنة من خمر ليشرب منه، ويترك التنعم بالحرام في الدنيا لأنه يعلم أن هناك تنعمًا بالحلال في الجنة، فيها ﴿مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَىٰ قَلْبِ بَشَرٍ﴾.
لهذا النبي ﷺ كان يقول: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة»، وهذا ذكره النبي ﷺ في بعض الغزوات وفي غيرها. ولين ذكر العلماء أن الإنسان إذا رأى ما يتعلق القلب به من أمور الدنيا من قصورها وفخامتها وأموالها وأهل الترف فيها، فإنه يقول: «لبيك اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة». هذه الكلمة أيها الأحبة ذكر بعض العلماء أن الإنسان يقولها ليربي هذه النفس حتى لا تتعلق ولا تنشغل بهذه الأمور فتغلب حب الدنيا على حب الآخرة في قلبه. وما قول الشاعر: لا تركنن إلى القصور الفاخرة .. واذكر عظامك حين تمسي ناخرة وإذا رأيت زخارف الدنيا فقل .. يا ربي إن العيش للآخرة
وإي والله، إذا رأى الإنسان ما عند الآخرين من قصور ونعيم لا يتعلق قلبه بهذا، وإنما يتعلق قلبه بطاعة الله ويقول: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة». وتذكر حديث النبي ﷺ أنه يؤتى يوم القيامة بأبئس أهل الدنيا من أهل الإيمان، رجل مؤمن لكنه فقير مرِيض عنده من العناء والنكد في حياته الشيء الكثير، بؤس في حياته؛ يُؤتى فيغمس في الجنة صبغة واحدة، ثم يقال له: «يا عبدي، هل رأيت بؤسًا قط؟» فيقول: «لا والله». صبغة واحدة في الجنة أنسته هذا كله.
ويؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، الكفار، فيصبغ في النار صبغة واحدة، ثم يقال له: «هل رأيت نعيمًا قط؟» فيقول: «لا والله». صبغة واحدة في النار أنسته هذا الكثير الكثير في الدنيا. وما أجمل قول الشاعر: ولدتك أمك يا ابن آدم باكيا .. والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا .. بكوا في يوم موتك ضاحكا مسرورا
هذا ما يتعلق أيها الأحبة بهذا المفسد العظيم لمفسدة القلوب، وهو حب الدنيا، وهذا الحديث عنه في هذه الحلقات الثلاث، وفيه أيضًا ما لا يكون مجالًا للحديث لأنه مفسد عظيم لقلب الإنسان. فنسأل الله عز وجل أن يحفظ علينا ديننا، وأن يعمر قلوبنا بتقوى الله عز وجل لتعلم حقيقة هذه الدنيا، وأن يوفقنا لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
يا راغباً في كل علم نافع .. متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد سهلاً والسنا العلياء عاطرة .. الشذا يفوح لأهل كل زمان بشرى لنا زدنا كأزهار في البستان.
د. عبد العزيز بن محمد الجهني